الكتاب : تفسير الفخر الرازى ـ موافق للمطبوع
المؤلف : محمد بن عمر بن الحسين الرازي الشافعي المعروف بالفخر الرازي أبو عبد الله فخر الدين ولد بالري من أعمال فارس من تصانيفه الكثيرة: مفاتيح الغيب من القرآن الكريم.
عدد الأجزاء / 32
دار النشر / دار إحياء التراث العربى
تنبيه
أولا : الكتاب موافق للمطبوع
ثانيا : الترقيم داخل الصفحات
ثالثا : الترقيم لذيل الصفحات وليس لأولها
رابعا : ترقيم الشاملة للكتاب آلى
المسألة الثانية : أنه لا يجوز أن يقول : {وَكُلٌّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} إلا ويدخل في الكلام مع الشمس والقمر النجوم ليثبت معنى الجمع ومعنى الكل فصارت النجوم وإن لم تكن مذكورة أولاً فإنها مذكورة لعود هذا الضمير إليها والله أعلم.
المسألة الثالثة : الفلك في كلام العرب كل شيء دائر وجمعه أفلاك ، واختلف العقلاء فيه فقال بعضهم : الفلك ليس بجسم وإنما هو مدار هذه النجوم وهو قول الضحاك ، وقال الأكثرون : بل هي أجسام تدور النجوم عليها ، وهذا أقرب إلى ظاهر القرآن ، ثم اختلفوا في كيفيته فقال بعضهم : الفلك موج مكفوف تجري الشمس والقمر والنجوم فيه ، وقال الكلبي : ماء مجموع تجري فيه الكواكب واحتج بأن السباحة لا تكون إلا في الماء ، قلنا ؛ لا نسلم فإنه يقال في الفرس الذي يمد يديه في الجري سابح ، وقال جمهور الفلاسفة وأصحاب الهيئة : إنها أجرام صلبة لا ثقيلة ولا خفيفة غير قابلة للخرق والإلتئام والنمو والذبول ، فأما الكلام على الفلاسفة فهو مذكور في الكتب اللائقة به ، والحق أنه لا سبيل إلى معرفة صفات السموات إلا بالخبر.
المسألة الرابعة : اختلف الناس في حركات الكواكب والوجوه الممكنة فيها ثلاثة فإنه إما أن يكون الفلك ساكناً والكواكب تتحرك فيه كحركة السمك في الماء الراكد ، وإما أن يكون الفلك متحركاً والكواكب تتحرك فيه أيضاً إما مخالفاً لجهة حركته أو موافقاً لجهته إما / بحركة مساوية لحركة الفلك في السرعة والبطء أو مخالفة ، وإما أن يكون الفلك متحركاً والكوكب ساكناً ، أما الرأي الأول فقالت الفلاسفة إنه باطل لأنه يوجب خرق الأفلاك وهو محال ، وأما الرأي الثاني فحركة الكواكب إن فرضت مخالفة لحركة الفلك فذاك أيضاً يوجب الخرق وإن كانت حركتها إلى جهة الفلك فإن كانت مخالفة لها في السرعة والبطء لزم الانخراق وإن استويا في الجهة والسرعة والبطء فالخرق أيضاً لازم لأن الكواكب تتحرك بالعرض بسبب حركة الفلك فتبقى حركته الذاتية زائدة فيلزم الخرق فلم يبق إلا القسم الثالث وهو أن يكون الكوكب مغروزاً في الفلك واقفاً فيه والفلك يتحرك فيتحرك الكوكب بسبب حركة الفلك ، واعلم أن مدار هذا الكلام على امتناع الخرق على الأفلاك وهو باطل بل الحق أن الأقسام الثلاثة ممكنة والله تعالى قادر على كل الممكنات والذي يدل عليه لفظ القرآن أن تكون الأفلاك واقفة والكواكب تكون جارية فيها كما تسبح السمكة في الماء.
المسألة الخامسة : قال صاحب "الكشاف" : {كُلٌّ} التنوين فيه عوض عن المضاف إليه أي كلهم في فلك يسبحون والله أعلم.
جزء : 22 رقم الصفحة : 142
المسألة السادسة : احتج أبو علي بن سينا على كون الكواكب أحياء ناطقة بقوله : {يَسْبَحُونَ} قال والجمع بالواو والنون لا يكون إلا للعقلاء ، وبقوله تعالى : {وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِى سَـاجِدِينَ} (يوسف : 4) ، والجواب : إنما جعل واو الضمير للعقلاء للوصف بفعلهم وهو السباحة قال صاحب "الكشاف" : فإن قلت الجملة ما محلها قلت النصب على الحال من الشمس والقمر أو لا محل لها لاستئنافها ، فإن قلت : لكل واحد من القمرين فلك على حدة فكيف قيل جميعهم يسبحون في فلك ؟
قلت : هذا كقولهم كساهم الأمير حلة وقلدهم سيفاً أي كل واحد منهم.
جزء : 22 رقم الصفحة : 142
144
/ اعلم أنه سبحانه وتعالى لما استدل بالأشياء الستة التي شرحناها في الفصل المتقدم وكانت تلك الأشياء من أصول النعم الدنيوية أتبعه بما نبه به على أن هذه الدنيا جعلها كذلك لا لتبقى وتدوم أو يبقى فيها من خلقت الدنيا له ، بل خلقها سبحانه وتعالى للإبتلاء والامتحان ، ولكي يتوصل بها إلى الآخرة التي هي دار الخلود.
فأما قوله تعالى : {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ } ففيه ثلاثة أوجه : أحدها : قال مقاتل : أنا أناساً كانوا يقولون إن محمداً صلى الله عليه وسلّم لا يموت فنزلت هذه الآية. وثانيها : كانوا يقدرون أنه سيموت فيشمتون بموته فنفى الله تعالى عنه الشماتة بهذا أي قضى الله تعالى أن لا يخلد في الدنيا بشراً فلا أنت ولا هم إلا عرضة للموت أفائن مت أنت أيبقى هؤلاء لا وفي معناه قول القائل :
فقل للشامتين بنا أفيقوا
سيلقى الشامتون كما لقينا
وثالثها : يحتمل أنه لما ظهر أنه عليه السلام خاتم الأنبياء جاز أن يقدر مقدر أنه لا يموت إذ لو مات لتغير شرعه فنبه الله تعالى على أن حاله كحال غيره من الأنبياء عليهم السلام في الموت.
أما قوله تعالى : {كُلُّ نَفْسٍ ذَآاـاِقَةُ الْمَوْتِ } ففيه أبحاث :
(1/3138)

البحث الأول : أن هذا العموم مخصوص فإنه تعالى نفس لقوله : {تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلا أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ } (المائدة : 116) مع أن الموت لا يجوز عليه وكذا الجمادات لها نفوس وهي لا تموت ، والعام المخصوص حجة فيبقى معمولاً به فيما عدا هذه الأشياء ، وذلك يبطل قول الفلاسفة في أن الأرواح البشرية والعقول المفارقة والنفوس الفلكية لا تموت. والثاني : الذوق ههنا لا يمكن إجراؤه على ظاهره لأن الموت ليس من جنس المطعوم حتى يذاق بل الذوق إدراك خاص فيجوز جعله مجازاً عن أصل الإدراك ، وأما الموت فالمراد منه ههنا مقدماته من الآلام العظيمة لأن الموت قبل دخوله في الوجود يمتنع إدراكه وحال وجوده يصير الشخص ميتاً ولا يدرك شيئاً. والثالث : الإضافة في ذائقة الموت في تقدير الإنفصال لأنه لما يستقبل كقوله : {غَيْرَ مُحِلِّى الصَّيْدِ} (المائدة : 1) ، و{هَدْيَا بَـالِغَ الْكَعْبَةِ} (المائدة : 95).
جزء : 22 رقم الصفحة : 144
أما قوله تعالى : {وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةًا وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} ففيه مسائل :
المسألة الأولى : الابتلاء لا يتحقق إلا مع التكليف ، فالآية دالة على حصول التكليف وتدل على أنه سبحانه وتعالى لم يقتصر بالمكلف على ما أمر ونهى وإن كان فيه صعوبة بل ابتلاه بأمرين : أحدهما : ما سماه خيراً وهو نعم الدنيا من الصحة واللذة والسرور والتمكين من المرادات. والثاني : ما سماه شراً وهو المضار الدنيوية من الفقر والآلام وسائر الشدائد النازلة بالمكلفين ، فبين تعالى أن العبد مع التكليف يتردد بين هاتين الحالتين ، لكي يشكر على المنح ويصبر في المحن ، فيعظم ثوابه إذا قام بما يلزم.
المسألة الثانية : إنما سمي ذلك ابتلاء وهو عالم بما سيكون من أعمال العالمين قبل وجودهم / لأنه في صورة الاختبار.
المسألة الثالثة : قال صاحب "الكشاف" : {فِتْنَةً} مصدر مؤكد لنبلوكم من غير لفظه.
المسألة الرابعة : احتجت التناسخية بقوله : {وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} فإن الرجوع إلى موضع مسبوق بالكون فيه. والجواب : أنه مذكور مجازاً.
المسألة الخامسة : المراد من قوله : {وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} أنهم يرجعون إلى حكمه ومحاسبته ومجازاته ، فبين بذلك بطلان قولهم في نفي البعث والمعاد ، واستدلت التناسخية بهذه الآية ، وقالوا : إن الرجوع إلى موضع مسبوق بالكون فيه ، وقد كنا موجودين قبل دخولنا في هذا العالم واستدلت المجسمة بأنا أجسام ، فرجوعنا إلى الله تعالى يقتضي كون الله تعالى جسماً. والجواب عنه قد تقدم في مواضع كثيرة.
أما قوله تعالى : {وَإِذَا رَءَاكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلا} قال السدي ومقاتل : نزلت هذه الآية في أبي جهل مر به النبي صلى الله عليه وسلّم وكان أبو سفيان مع أبي جهل ، فقال أبو جهل لأبي سفيان : هذا نبي بني عبد مناف ، فقال أبو سفيان : وما تنكر أن يكون نبياً في بني عبد مناف. فسمع النبي صلى الله عليه وسلّم قولهما فقال لأبي جهل : "ما أراك تنتهي حتى ينزل بك ما نزل بعمك الوليد بن المغيرة ، وأما أنت يا أبا سفيان : فإنما قلت ما قلت حمية" فنزلت هذه الآية ، ثم فسر الله تعالى ذلك بقوله : {هُزُوًا أَهَـاذَا الَّذِى يَذْكُرُ ءَالِهَتَكُمْ} والذكر يكون بخير وبخلافه ، فإذا دلت الحال على أحدهما أطلق ولم يقيد كقولك للرجل سمعت فلاناً يذكرك ، فإن كان الذاكر صديقاً فهو ثناء ، وإن كان عدواً فهو ذم ، ومنه قوله تعالى : {سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَه ا إِبْرَاهِيمُ} (الأنبياء : 60) والمعنى أنه يبطل كونها معبودة ويقبح عبادتها.
جزء : 22 رقم الصفحة : 144
وأما قوله تعالى : {وَهُم بِذِكْرِ الرَّحْمَـن ِ هُمْ كَـافِرُونَ} فالمعنى أنه يعيبون عليه ذكر آلهتهم التي لا تضر ولا تنفع بالسوء ، مع {وَهُم بِذِكْرِ الرَّحْمَـانِ} الذي هو المنعم الخالق المحيي المميت {كَـافِرُونَ} ولا فعل أقبح من ذلك ، فيكون الهزؤ واللعب والذم عليهم يعود من حيث لا يشعرون ، ويحتمل أن يراد {بِذِكْرِ الرَّحْمَـانِ} القرآن والكتب ، والمعنى في أعادتهم أن الأولى إشارة إلى القوم الذين كانوا يفعلون ذلك الفعل ، والثانية إبانة لاختصاصهم به ، وأيضاً فإن في أعادتها تأكيداً وتعظيماً لفعلهم.
جزء : 22 رقم الصفحة : 144
146
/ أما قوله تعالى : {خُلِقَ الانْسَـانُ مِنْ عَجَلٍ } ففيه مسائل :
(1/3139)

المسألة الأولى : في المراد من الإنسان قولان : أحدهما : أنه النوع ، والثاني : أنه شخص معين. أما القول الأول فتقريره أنهم كانوا يستعجلون عذاب الله تعالى وآياته الملجئة إلى العلم والإقرار : {وَيَقُولُونَ مَتَى هَـاذَا الْوَعْدُ} (الملك : 25) فأراد زجرهم عن ذلك ، فقدم أولاً ذم الإنسان على إفراط العجلة ثم نهاهم وزجرهم كأنه قال : لا يبعد منكم أن تستعجلوا فإنكم مجبولون على ذلك وهو طبعكم وسجيتمك ، فإن قيل : مقدمة الكلام لا بد وأن تكون مناسبة للكلام ، وكون الإنسان مخلوقاً من العجل يناسب كونه معذوراً فيه فلم رتب على هذه المقدمة قوله : {فَلا تَسْتَعْجِلُونِ} قلنا : لأن العائق كلما كان أشد ، كانت القدرة عليه مخالفته أكمل ، فكأنه سبحانه نبه بهذا على أن ترك الاستعجال حالة شريفة عالية مرغوب فيها. أما القول الثاني : وهو أن المراد شخص معين فهذا فيه وجهان : أحدهما : أن المراد آدم عليه السلام ، وهو قول مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة والسدي والكلبي ومقاتل والضحاك ، وروى ابن جريج وليث بن أبي سليم عن مجاهد قال : خلق الله آدم عليه السلام بعد كل شيء من آخر نهار الجمعة ، فلما دخل الروح رأسه ولم يبلغ أسفله ، قال : يا رب استعجل خلقي قبل غروب الشمس ، قال ليث : فذلك قوله تعالى : {خُلِقَ الانْسَـانُ مِنْ عَجَلٍ } وعن السدي لما نفخ فيه الروح فدخل في رأسه عطس ، فقالت له الملائكة : قل الحمد لله ، فقال ذلك : فقال الله له : يرحمك ربك. فلما دخل الروح في عينيه نظر إلى ثمار الجنة ، ولما دخل الروح في جوفه اشتهى الطعام ، فوثب قبل أن تبلغ الروح رجليه إلى ثمار الجنة. وهذا هو الذي أورث أولاده العجلة. وثانيهما : قال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية عطاء : نزلت هذه الآية في النضر بن الحرث والمراد بالإنسان هو ، واعلم أن القول الأول أولى لأن الغرض ذم القوم ، وذلك لا يحصل إلا إذا حملنا لفظ الإنسان على النوع.
جزء : 22 رقم الصفحة : 146
المسألة الثانية : من المفسرين من أجرى هذه الآية على ظاهرها ومنهم من قلبها ، أما الأولون فلهم فيها أقوال : أحدها : قول المحققين وهو أن قوله : {خُلِقَ الانْسَـانُ مِنْ عَجَلٍ } أي خلق / عجولاً ، وذلك على المبالغة كما قيل للرجل الذكي : هو نار تشتعل ، والعرب قد تسمي المرء بما يكثر منه فتقول : ما أنت إلا أكل ونوم ، وما هو إلا إقبال وإدبار ، قال الشاعر :
أما إذا ذكرت حتى إذا غفلت
فإنما هي إقبال وإدبار
وهذا الوجه متأكد بقوله تعالى : {وَكَانَ الانسَـانُ عَجُولا} (الإسراء : 11) قال المبرد : {خُلِقَ الانْسَـانُ مِنْ عَجَلٍ } أي من شأنه العجلة كقوله : {خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ} (الروم : 54) أي ضعفاء. وثانيها : قال أبو عبيد : العجل الطين بلغة حمير وأنشدوا :
والنخل يثبت بين الماء والعجل
وثالثها : قال الأخفش : (من عجل) أي من تعجيل من الأمر وهو قوله كن. ورابعها : من عجل ، أي من ضعف عن الحسن. أما الذين قلبوها فقالوا المعنى : خلق العجل من الإنسان ، كقوله : {وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ} (الأحقاف : 20) أي تعرض النار عليهم والقول الأول أقرب إلى الصواب وأبعد الأقوال هذا القلب لأنه إذا أمكن حمل الكلام على معنى صحيح وهو على ترتيبه فهو أولى من أن يحمل على أنه مقلوب ، وأيضاً فإن قوله : خلقت العجلة من الإنسان فيه وجوه من المجاز. فما الفائدة في تغيير النظم إلى ما يجري مجراه في المجاز.
المسألة الثالثة : لقائل أن يقول : القوم استعجلوا الوعد على وجه التكذيب ومن هذا حاله لا يكون مستعجلاً على الحقيقة. قلنا : استعجالهم على هذا الوجه أدخل في الذم لأنه إذا ذم المرء استعجال الأمر المعلوم فبأن يذم على استعجال ما لا يكون معلوماً له كان أولى ، وأيضاً فإن استعجالهم بما توعدهم من عقاب الآخرة أو هلاك الدنيا يتضمن استعجال الموت وهم عالمون بذلك فكانوا مستعجلين في الحقيقة.
أما قوله تعالى : {ءَايَـاتِى فَلا تَسْتَعْجِلُونِ} فقد اختلفوا في المراد بالآيات على أقوال : أحدها : أنه هي الهلاك المعجل في الدنيا والعذاب في الآخرة ، ولذلك قال : {فَلا تَسْتَعْجِلُونِ} أي أنها ستأتي لا محالة في وقتها. وثانيها : أنها أدلة التوحيد وصدق الرسول. وثالثها : أنها آثار القرون الماضية بالشام واليمن والأول أقرب إلى النظم.
جزء : 22 رقم الصفحة : 146
(1/3140)

أما قوله تعالى : {وَيَقُولُونَ مَتَى هَـاذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـادِقِينَ} فاعلم أن هذا هو الاستعجال المذموم المذكور على سبيل الاستهزاء وهو كقوله : {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِا وَلَوْلا أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ الْعَذَابُ} (العنكبوت : 53) فبين تعالى أنهم يقولون ذلك لجهلهم وغفلتهم ، ثم إنه سبحانه ذكر في رفع هذا الحزن عن قلب رسول الله صلى الله عليه وسلّم وجهين : الأول : بأن بين ما لصاحب هذا الاستهزاء من العقاب الشديد فقال : {لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَن ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنصَرُونَ} قال صاحب "الكشاف" : جواب لو محذوف وحين مفعول به ليعلم أي لو يعلمون الوقت الذي يسألون عنه بقولهم : {مَتَى هَـاذَا الْوَعْدُ} وهو وقت صعب شديد تحيط بهم فيه النار من قدام ومن خلف فلا يقدرون على دفعها عن أنفسهم ولا يجدون أيضاً ناصراً ينصرهم لقوله تعالى : / {فَمَن يَنصُرُنَا مِنا بَأْسِ اللَّهِ إِن جَآءَنَا } (غافر : 29) لما كانوا بتلك الصفة من الكفر والاستهزاء والاستعجال ولكن جهلهم به هو الذي هونه عليهم وإنما حسن حذف الجواب لأن ما تقدم يدل عليه. وهذا أبلغ ومثله : {وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا } (البقرة : 165) ، {وَلَوْ تَرَى ا إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا } (الأنفال : 50) ، {وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ} (الرعد : 31) وإنما خص الوجوه والظهور لأن مس العذاب لهما أعظم موقعاً ولكثرة ما يستعمل ذكرهما في دفع المضرة عن النفس ثم إنه تعالى لما بين شدة هذا العذاب بين أن وقت مجيئه غير معلوم لهم بل تأتيهم الساعة بغتة وهم لها غير محتسبين ولا لأمرها مستعدين فتبهتهم أي تدعهم حائرين واقفين لا يستطيعون حيلة في ردها ولا عما يأتيهم منها مصرفاً ولا هم ينظرون أي لا يمهلون لتوبة ولا معذرة ، واعلم أن الله تعالى إنما لم يعلم المكلفين وقت الموت والقيامة لما فيه من المصلحة لأن المرء مع كتمان ذلك أشد حذراً وأقرب إلى التلافي ، ثم إنه سبحانه ذكر الوجه الثاني في دفع الحزن عن قلب رسوله فقال : {وَلَقَدِ اسْتُهْزِى َ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ} يا محمد كما استهزأ بك قومك {فَحَاقَ} أي نزل وأحاط {بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِه يَسْتَهْزِءُونَ} أي عقوبة استهزائهم وحاق وحق بمعنى كزال وزل وفي هذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلّم/ والمعنى فكذلك يحيق بهؤلاء وبال استهزائهم.
جزء : 22 رقم الصفحة : 146
147
اعلم أنه تعالى لما بين أن الكفار في الآخرة لا يكفون عن وجوههم النار بسائر ما وصفهم به أتبعه بأنهم في الدنيا أيضاً لولا أن الله تعالى يحرسهم ويحفظهم لما بقوا في السلامة فقال لرسوله : قل لهؤلاء الكفار الذين يستهزءون ويغترون بما هم عليه : {مَن يَكْلَؤُكُم بِالَّيْلِ وَالنَّهَارِ} وهذا كقول الرجل لمن حصل في قبضته ولا مخلص له منه إلى أين مقرك منى هل لك محيص عني والكالىء الحافظ.
/ وأما قوله : {مِّنَ الرَّحْمَـانِ} ففيه مسائل :
المسألة الأولى : في معناه وجوه : أحدها : {مَن يَكْلَؤُكُم بِالَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَـن ِ } أي مما يقدر على إنزاله بكم من عذاب تستحقونه. وثانيها : من بأس الله في الآخرة. وثالثها : من القتل والسبي وسائر ما أباحه الله لكفرهم فبين سبحانه أنه لا حافظ لهم ولا دافع عن هذه الأمور لو أنزلها بهم ولولا تفضله بحفظهم لما عاشوا ولما متعوا بالدنيا.
المسألة الثانية : إنما خص ههنا اسم الرحمن بالذكر تلقيناً للجواب حتى يقول العاقل : أنت الكالىء يا إلهنا لكل الخلائق برحمتك ، كما في قوله : {مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} (الانفطار : 6) إنما خص اسم الكريم بالذكر تلقيناً للجواب.
المسألة الثالثة : إنما ذكر الليل والنهار لأن لكل واحد من الوقتين آفات تختص به والمعنى من يحفظكم بالليل إذا نمتم وبالنهار إذا تصرفتم في معايشكم.
أما قوله : {بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِم مُّعْرِضُونَ} فالمعنى أنه تعالى مع إنعامه عليهم ليلاً ونهاراً بالحفظ والحراسة فهم عن ذكر ربهم الذي هو الدلائل العقلية والنقلية ولطائف القرآن معرضون فلا يتأملون في شيء منها ليعرفوا أنه لا كالىء لهم سواه ويتركون عبادة الأصنام التي لا حظ لها في حفظهم ولا في الإنعام عليهم.
جزء : 22 رقم الصفحة : 147
(1/3141)

أما قوله تعالى : {أَمْ لَهُمْ ءَالِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِّن دُونِنَا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ وَلا هُم مِّنَّا يُصْحَبُونَ} فاعلم أن الميم صلة يعني ألهم آلهة تكلؤهم من دوننا ، والتقدير ألهم آلهة من تمنعهم. وتم الكلام ثم وصف آلهتهم بالضعف فقال : {لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ} وهذا خبر مبتدأ محذوف أي فهذه الآلهة لا تستطيع حماية أنفسها عن الآفات ، وحماية النفس أولى من حماية الغير. فإذا لم تقدر على حماية نفسها فكيف تقدر على حماية غيرها ، وفي قوله : {وَلا هُم مِّنَّا يُصْحَبُونَ} قولان : الأول : قال المازني : أصحبت الرجل إذا منعته فقوله : {وَلا هُم مِّنَّا يُصْحَبُونَ} من ذلك لا من الصحبة. الثاني : أن الصحبة ههنا بمعنى النصرة والمعونة وكلها سواء في المعنى يقال : صحبك الله ونصرك الله ويقال للمسافر : في صحبة الله وفي حفظ الله فالمعنى ولا هم منا في نصرة ولا إعانة ، والحاصل أن من لا يكون قادراً على دفع الآفات ولا يكون مصحوباً من الله بالإعانة ، كيف يقدر على شيء ثم بين سبحانه تفضله عليهم مع كل ذلك بقوله : {بَلْ مَتَّعْنَا هَـا ؤُلاءِ وَءَابَآءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ } يعني ما حملهم على الإعراض إلا الإغترار بطول المهلة. يعني طالت أعمارهم في الغفلة فنسوا عهدنا وجهلوا موقع مواقع نعمتنا واغتروا بذلك.
أما قوله تعالى : {أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِى الارْضَ نَنقُصُهَا} فالمعنى أفلا يرى هؤلاء المشركون بالله المستعجلون بالعذاب آثار قدرتنا في إتيان الأرض من جوانبها نأخذ الواحد بعد الواحد ونفتح البلاد والقرى مما حول مكة ونزيدها في ملك محمد صلى الله عليه وسلّم ونميت رؤساء المشركين الممتعين بالدنيا / وننقص من الشرك بإهلاك أهلم أما كان لهم في ذلك عبرة فيؤمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلّم ويعلموا أنهم لا يقدرون على الامتناع من الله وإرادته فيهم ولا يقدرون على مغالبته ثم قال : {أَفَهُمُ الْغَـالِبُونَ} أي فهؤلاء هم الغالبون أم نحن وهو استفهام بمعنى التقرير والتقريع والمعنى بل نحن الغالبون وهم المغلوبون وقد مضى الكلام في هذه الآية في سورة الرعد. وفي تفسير النقصان وجوه : أحدها : قال ابن عباس ومقاتل والكلبي رضي الله عنهم ننقصها بفتح البلدان. وثانيها : قال ابن عباس في رواية أخرى يريد نقصان أهلها وبركتها. وثالثها : قال عكرمة : تخريب القرى عند موت أهلها. ورابعها : بموت العلماء وهذه الرواية إن صحت عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم فلا يعدل عنها وإلا فالأظهر من الأقاويل ما يتعلق بالغلبة فلذلك قال : {أَفَهُمُ الْغَـالِبُونَ} والذي يليق بذلك أنه ينقصها عنهم ويزيدها في بلاد الإسلام ، قال القفال : نزلت هذه الآية في كفار مكة فكيف يدخل فيها العلماء والفقهاء فبين تعالى أن كل ذلك من العبر التي لو استعملوا عقلهم فيها لأعرضوا عن جهلهم.
جزء : 22 رقم الصفحة : 147
150
(1/3142)

اعلم أنه سبحانه لما كرر في القرآن الأدلة وبالغ في التنبيه عليها على ما تقدم أتبعه بقوله : {قُلْ إِنَّمَآ أُنذِرُكُم بِالْوَحْىِ } أي بالقرآن الذي هو كلام ربكم فلا تظنوا أن ذلك من قبلي بل الله آتيكم به وأمرني بإنذاركم فإذا قمت بما ألزمني ربي فلم يقع منكم القبول والإجابة فالوبال عليكم يعود ، ومثلهم من حيث لم ينتفعوا بما سمعوا من إنذاره مع كثرته وتواليه بالصم الذين لا يسمعون أصلاً إذ الغرض بالإنذار ليس السماع بل التمسك به في إقدام على واجب وتحرز عن محرم ومعرفة بالحق. فإذا لم يحصل هذا الغرض صار كأنه لم يسمع. قال صاحب "الكشاف" : قرىء ولا تسمع الصم الدعاء بالتاء والياء أي لا تسمع أنت أو لا يسمع رسول الله أو لا يسمع الصم من أسمع ، فإن قلت : الصم لا تسمع دعاء البشر كما لا يسمعون دعاء المنذر. فكيف قال إذا ما ينذرون ؟
قلت : اللام في الصم / إشارة إلى هؤلاء المنذرين كائنة للعهد لا للجنس ، والأصل ولا يسمعون الدعاء إذا ما ينذرون فوضع الظاهر موضع المضمر للدلالة على تصاممهم وسدهم أسماعهم إذا أنذروا أي هم على هذه الصفة من الجراءة والجسارة على التصامم عن آيات الإنذار. ثم بين تعالى أن حالهم سيتغير إلى أن يصيروا بحيث إذا شاهدوا اليسير مما أنذروا به فعنده يسمعون ويعتذرون ويعترفون حين لا ينتفعون وهذا هو المراد بقوله : {وَلَـاـاِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَـاوَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَـالِمِينَ} وأصل النفح من الريح اللينة والمعنى ولئن مسهم شيء قليل من عذاب الله كالرائحة من الشيء دون جسمه لتنادوا بالويل واعترفوا على أنفسهم بالظلم. قال صاحب "الكشاف" في المس والنفحة ثلاث مبالغات : لفظ المس وما في النفح من معنى القلة والنزارة ، يقال : نفحته الدابة وهو رمح يسير ونفحه بعطية رضخه ، ولفظ المرة. ثم بين سبحانه وتعالى أن جميع ما ينزل بهم في الآخرة لا يكون إلا عدلاً فهم وإن ظلموا أنفسهم في الدنيا فلن يظلموا في الآخرة وهذا معنى قوله سبحانه وتعالى : {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ} وصفها الله تعالى بذلك لأن الميزان قد يكون مستقيماً وقد يكون بخلافه ، فبين أن تلك الموازين تجري على حد العدل والقسط ، وأكد ذلك بقوله : {فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْـاًا } وههنا مسائل :
جزء : 22 رقم الصفحة : 150
المسألة الأولى : معنى وضعها إحضارها ، قال الفراء : القسط صفة الموازين وإن كان موحداً وهو كقولك للقوم : أنتم عدل ، وقال الزجاج : ونضع الموازين ذوات القسط وقوله : {لِيَوْمِ الْقِيَـامَةِ} قال الفراء في يوم القيامة وقيل لأهل يوم القيامة.
المسألة الثانية : في وضع الموازين قولان : أحدهما : قال مجاهد هذا مثل والمراد بالموازين العدل ويروى مثله عن قتادة والضحاك والمعنى بالوزن القسط بينهم في الأعمال فمن أحاطت حسناته بسيئاته ثقلت موازينه يعني أن حسناته تذهب بسيئاته ومن أحاطت سيئاته بحسناته فقد خفت موازينه أي أن سيئاته تذهب بحسناته ، حكاه ابن جرير هكذا عن ابن عباس رضي الله عنهما. الثاني : وهو قول أئمة السلف أنه سبحانه يضع الموازين الحقيقية فتوزن بها الأعمال/ وعن الحسن : هو ميزان له كفتان ولسان وهو بيد جبريل عليه السلام. ويروى : "أن داود عليه السلام سأل ربه أن يريه الميزان فلما رآه غشي عليه ، فلما أفاق قال : يا إلهي من الذي يقدر أن يملأ كفته حسنات ، فقال : يا داود إني إذا رضيت عن عبدي ملأتها بتمرة" ثم على هذا القول في كيفية وزن الأعمال طريقان. أحدهما : أن توزن صحائف الأعمال. والثاني : يجعل في كفة الحسنات جواهر بيض مشرقة وفي كفة السيئات جواهر سود مظلمة فإن قيل : أهل القيامة إما أن يكونوا عالمين بكونه سبحانه وتعالى عادلاً غير ظالم أو لا يعلمون ذلك. فإن علموا ذلك كان مجرد حكمة كافياً في معرفة أن الغالب هو الحسنات أو السيئات فلا يكون في وضع الميزان فائدة ألبتة ، وإن لم يعلموا لم تحصل الفائدة في وزن الصحائف لاحتمال أنه سبحانه جعل إحدى الصحيفتين أثقل أو أخف ظلماً فثبت أن وضع الميزان على كلا التقديرين خالٍ عن الفائدة. وجوابه على قولنا قوله تعالى : {لا يُسْـاَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْـاَلُونَ} (الأنبياء : 23) وأيضاً ففيه ظهور حال الولي من العدو في مجمع الخلائق ، فيكون لأحد القبيلين في ذلك أعظم السرور وللآخر أعظم الغم ، ويكون ذلك بمنزلة نشر الصحف وغيره. إذا ثبت هذا فنقول : الدليل على وجود الموازين الحقيقية أن حمل هذا اللفظ على مجرد العدل مجاز وصرف اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز من غير ضرورة غير جائز ، لا سيما وقد جاءت الأحاديث الكثيرة بالأسانيد الصحيحة في هذا الباب.
المسألة الثالثة : قال قوم : إن هذه الآية يناقضها قوله تعالى : {فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَـامَةِ وَزْنًا} (الكهف : 105) ، والجواب : أنه لا يكرمهم ولا يعظمهم.
جزء : 22 رقم الصفحة : 150
(1/3143)

المسألة الرابعة : إنما جمع الموازين لكثرة من توزن أعمالهم وهو جمع تفخيم ، ويجوز أن يرجع إلى الموزونات.
أما قوله تعالى : {وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا } فالمعنى أنه لا ينقص من إحسان محسن ولا يزاد في إساءة مسيىء ، وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قرىء : {مِثْقَالَ حَبَّةٍ} على كان التامة كقوله تعالى : {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ} وقرأ ابن عباس رضي الله عنهما {أَتَيْنَا بِهَا } وهي مفاعلة من الإتيان بمعنى المجازاة والمكافأة لأنهم أتوه بالأعمال وأتاهم بالجزاء ، وقرأ حميد : أثبنا بها من الثواب ، وفي حرف أبي جئنا بها.
المسألة الثانية : لم أنث ضمير المثقال ؟
قلنا : لإضافته إلى الحبة كقولهم ذهبت بعض أصابعه.
المسألة الثالثة : زعم الجبائي أن من استحق مائة جزء من العقاب فأتى بطاعة يستحق بها خمسين جزء من الثواب فهذا الأقل يتحبط بالأكثر ويبقى الأكثر كما كان. واعلم أن هذه الآية تبطل قوله لأن الله تعالى تمدح بأن اليسير من الطاعة لا يسقط ولو كان الأمر كما قال الجبائي لسقطت الطاعة من غير فائدة.
المسألة الرابعة : قالت المعتزلة قوله : {فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْـاًا } فيه دلالة على أن مثل ذلك لو ابتدأه الله تعالى لكان قد ظلم ، فدل هذا الوجه على أنه تعالى لا يعذب من لا يستحق ولا يفعل المضار في الدنيا إلا للمنافع والمصالح. والجواب : الظلم هو التصرف في ملك الغير وذلك في حق الله تعالى محال لأنه المالك المطلق ، ثم الذي يدل على استحالة الظلم عليه عقلاً أن الظلم عند الخصم مستلزم للجهل أو الحاجة المحالين على الله تعالى ومستلزم المحال محال ، فالظلم على الله تعالى محال. وأيضاً فإن الظالم سفيه خارج عن الإلهية فلو صح منه الظلم لصح خروجه عن الإلهية ، فحينئذ يكون كونه إلهاً من الجائزات لا من الواجبات ، وذلك يقدح في إلهيته.
المسألة الخامسة : إن قيل الحبة أعظم من الخردلة ، فكيف قال حبة من خردل ؟
قلنا : الوجه فيه أن تفرض الخردلة كالدينار ثم تعتبر الحبة من ذلك الدينار. والغرض المبالغة في أن شيئاً من الأعمال صغيراً كان أو كبيراً غير ضائع عند الله تعالى.
أما قوله تعالى : {وَكَفَى بِنَا حَـاسِبِينَ} فالغرض منه التحذير فإن المحاسب إذا كان في العلم بحيث / لا يمكن أن يشتبه عليه شيء ، وفي القدرة بحيث لا يعجز عن شيء ، حقيق بالعاقل أن يكون في أشد الخوف منه ، ويروي عن الشبلي رحمه الله تعالى أنه رئي في المنام فقيل له : ما فعل الله بك فقال :
حاسبونا فدققوا
ثم منوا فأعتقوا
جزء : 22 رقم الصفحة : 150
0
اعلم أنه سبحانه لما تكلم في دلائل التوحيد والنبوة والمعاد شرع في قصص الأنبياء عليهم السلام ، تسلية للرسول عليه السلام فيما يناله من قومه وتقوية لقلبه على أداء الرسالة والصبر على كل عارض دونها وذكر ههنا منها قصصاً.
(القصة الأولى ، قصة موسى عليه السلام)
ووجه الإتصال أنه تعالى لما أمر رسوله صلى الله عليه وسلّم أن يقول : {إِنَّمَآ أُنذِرُكُم بِالْوَحْىِ } (الأنبياء : 45) أتبعه بأن هذه عادة الله تعالى في الأنبياء قبله فقال : {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى وَهَـارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَآءً وَذِكْرًا لِّلْمُتَّقِينَ} واختلفوا في المراد بالفرقان على أقوال : أحدها : أنه هو التوراة ، فكان فرقاناً إذ كان يفرق به بين الحق والباطل ، وكان ضياء إذ كان لغاية وضوحه يتوصل به إلى طرق الهدى وسبل النجاة في معرفة الله تعالى ومعرفة الشرائع ، وكان ذكرى أي موعظة أو ذكر ما يحتاجون إليه في دينهم ومصالحهم أو الشرف أما الواو في قوله : {وَضِيَآءً} فروى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأ ضياء بغير واو وهو حال من الفرقان ، وأما القراءة المشهورة فالمعنى آتيناهم الفرقان وهو التوراة وآتينا به ضياء وذكرى للمتقين. والمعن أنه في نفسه ضياء وذكرى أو آتيناهما بما فيه الشرائع والمواعظ ضياء وذكرى. القول الثاني : أن المراد من الفرقان ليس التوراة ثم فيه وجوه : أحدها : عن ابن عباس رضي الله عنهما الفرقان هو النصر الذي أوتي موسى عليه السلام كقوله : {وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ} (الأنفال : 41) يعني يوم بدر حين فرق بين الحق وغيره من الأديان الباطلة. / وثانيها : هو البرهان الذي فرق به دين الحق عن الأديان الباطلة عن ابن زيد. وثالثها : فلق البحر عن الضحاك. ورابعها : الخروج عن الشبهات ، قال محمد بن كعب واعلم أنه تعالى إنما خصص الذكرى بالمتقين لما في قوله : {هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} (البقرة : 2) أما قوله تعالى :
جزء : 22 رقم الصفحة : 150
(1/3144)

{الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ} فقال صاحب "الكشاف" : محل الذين جر على الوصفية أو نصب على المدح أو رفع عليه وفي معنى الغيب وجوه : أحدها : يخشون عذاب ربهم فيأتمرون بأوامره وينتهون عن نواهيه وإيمانهم بالله غيبي استدلالي ، فالعباد يعملون لله في الغيب والله لا يغيب عنه شيء عن ابن عباس رضي الله عنهما. وثانيها : يخشون ربهم وهم غائبون عن الآخرة وأحكامها. وثالثها : يخشون ربهم في الخلوات إذا غابوا عن الناس وهذا هو الأقرب ، والمعنى أن خشيتهم من عقاب الله لازم لقلوبهم إلا أن ذلك مما يظهرونه في الملا دون الخلا {وَهُم مِّنَ} عذاب {السَّاعَةَ} وسائر ما يجري فيها من الحساب والسؤال {مُشْفِقُونَ} فيعدلون بسبب ذلك الإشفاق عن معصية الله تعالى ، ثم قال وكما أنزلت عليهم الفرقان فكذلك هذا القرآن المنزل عليك وهو معنى قوله : {وَهَـاذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ} بركته كثرة منافعه وغزارة علومه وقوله : {أَفَأَنتُمْ لَه مُنكِرُونَ} فالمعنى أنه لا إنكار في إتزانه وفي عجائب ما فيه فقد آتينا موسى وهرون التوراة ، ثم هذا القرآن معجز لاشتماله على النظم العجيب والبلاغة البديعة واشتماله على الأدلة العقلية وبيان الشرائع ، فمثل هذا الكتاب مع كثرة منافعه كيف يمكنكم إنكاره.
(القصة الثانية ، (قصة) إبراهيم عليه السلام)
جزء : 22 رقم الصفحة : 150
152
اعلم أن قوله تعالى : {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ رُشْدَه } فيه مسائل :
المسألة الأولى : في الرشد قولان : الأول : أنه النبوة واحتجوا عليه بقوله : {وَكُنَّا بِه عَـالِمِينَ} قالوا : لأنه تعالى إنما يخص بالنبوة من يعلم من حاله أنه في المستقبل يقوم بحقها ويجتنب / ما لا يليق بها ويحترز عما ينفر قومه من القبول. والثاني : أنه الاهتداء لوجوه الصلاح في الدين والدنيا قال تعالى : {وَابْتَلُوا الْيَتَـامَى حَتَّى ا إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ} وفيه قول ثالث وهو أن تدخل النبوة والاهتداء تحت الرشد إذ لا يجوز أن يبعث نبي إلا وقد دله الله تعالى على ذاته وصفاته ودله أيضاً على مصالح نفسه ومصالح قومه وكل ذلك من الرشد.
المسألة الثانية : احتج أصحابنا في أن الإيمان مخلوق لله تعالى بهذه الآية فإنه لو كان الرشد هو التوفيق والبيان فقد فعل الله تعالى ذلك بالكفار فيجب أن يكون قد آتاهم رشدهم. أجاب الكعبي : بأن هذا يقال فيمن قبل لا فيمن رد ، وذلك كمن أعطى المال لولدين فقبله أحدهما وثمره ورده الآخر أو أخذه ثم ضيعه. فيقال : أغنى فلان ابنه فيمن أثمر المال ، ولا يقال مثله فيمن ضيع. والجواب عنه : هذا الجواب لا يتم إلا إذا جعلنا قبوله جزءاً من مسمى الرشد وذلك باطل ، لأن المسمى إذا كان مركباً من جزأين ولا يكون أحدهما مقدور الفاعل لم يجز إضافة ذلك المسمى إلى ذلك الفاعل فكان يلزم أن لا يجوز إضافة الرشد إلى الله تعالى بالمفعولية لكن النص وهو قوله : {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ رُشْدَه } صريح أن ذلك الرشد إنما حصل من الله تعالى فبطل ما قالوه.
المسألة الثانية : قال صاحب "الكشاف" : قرىء رشده كالعدم والعدم ، ومعنى إضافته إليه أنه رشد مثله وأنه رشد له شأن.
أما قوله تعالى : {مِن قَبْلُ} ففيه وجوه : أحدها ؛ آتينا إبراهيم نبوته واهتداءه من قبل موسى عليه السلام عن ابن عباس وابن جرير. وثانيها : في صغره قبل بلوغه حين كان في السرب وظهرت له الكواكب فاستدل بها. وهذا على قول من حمل الرشد على الاهتداء وإلا لزمه أن يحكم بنبوته عليه السلام قبل البلوغ عن مقاتل. وثالثها : يعني حين كان في صلب آدم عليه السلام حين أخذ الله ميثاق النبيين عن ابن عباس رضي الله عنهما في رواية الضحاك.
جزء : 22 رقم الصفحة : 152
أما قوله تعالى : {وَكُنَّا بِه عَـالِمِينَ} فالمراد أنه سبحانه علم منه أحوالاً بديعة وأسراراً عجيبة وصفات قد رضيها حتى أهله لأن يكون خليلاً له ، وهذا كقولك في رجل كبير : أنا عالم بفلان فإن هذا الكلام في الدلالة على تعظيمه أدل مما إذا شرحت جلال كماله.
أما قوله تعالى : {إِذْ قَالَ لابِيهِ وَقَوْمِه } فقال صاحب "الكشاف" : إذ إما أن تتعلق بآتينا أو برشده أو بمحذوف أي اذكر من أوقات رشده هذا الوقت.
أما قوله : {مَا هَـاذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِى أَنتُمْ لَهَا عَـاكِفُونَ} ففيه مسائل :
المسألة الأولى : التمثال اسم للشيء المصنوع مشبهاً بخلق من خلق الله تعالى ، وأصله من مثلت الشيء بالشيء إذا شبهته به واسم ذلك الممثل تمثال.
المسألة الثانية : أن القوم كانوا عباد أصنام على صور مخصوصة كصورة الإنسان أو غيره/ فجعل عليه السلام هذا القول منه ابتداء كلامه لينظر فيما عساهم يوردونه من شبهة فيبطلها عليهم.
(1/3145)

/ المسألة الثالثة : قال صاحب "الكشاف" : لم ينو للعاكفين مفعولاً وأجراه مجرى ما لا يتعدى كقولك فاعلون للعكوف أو واقفون لها ، قال : فإن قلت هلا قيل عليها عاكفون كقوله : {يَعْكُفُونَ عَلَى ا أَصْنَامٍ لَّهُمْ } ؟
قلت : لو قصد التعدية لعداه بصلته التي هي على.
أما قوله : {قَالُوا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا لَهَا عَـابِدِينَ} فاعلم أن القوم لم يجدوا في جوابه إلا طريقة التقليد الذي يوجب مزيد النكير لأنهم إذا كانوا على خطأ من أمرهم لم يعصمهم من هذا الخطأ أن آباءهم أيضاً سلكوا هذا الطريق فلا جرم أجابهم إبراهيم عليه السلام بقوله : {لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُمْ فِى ضَلَـالٍ مُّبِينٍ} فبين أن الباطل لا يصير حقاً بسبب كثرة المتمسكين به ، فلما حقق عليه السلام ذلك عليهم ولم يجدوا من كلامه مخلصاً ورأوه ثابتاً على الإنكار قوى القلب فيه وكانوا يستبعدون أن يجري مثل هذا الإنكار عليهم مع كثرتهم وطول العهد بمذهبهم ، فعند ذلك قالوا له : {أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللَّـاعِبِينَ} موهمين بهذا الكلام أنه يبعد أن يقدم على الإنكار عليهم جاداً في ذلك فعنده عدل صلى الله عليه وسلّم إلى بيان التوحيد.
جزء : 22 رقم الصفحة : 152
155
اعلم أن القوم لما أوهموا أنه يمازح بما خاطبهم به في أصنامهم أظهر عليه السلام ما يعلمون به أنه مجد في إظهار الحق الذي هو التوحيد وذلك بالقول أولاً وبالفعل ثانياً ، أما الطريقة القولية فهي قوله : {بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَـاوَاتِ وَالارْضِ الَّذِى فَطَرَهُنَّ} وهذه الدلالة تدل على أن الخالق الذي خلقهما لمنافع العباد هو الذي يحسن أن يعبد لأن من يقدر على ذلك يقدر على أن يضر وينفع في الدار الآخرة بالعقاب والثواب. فيرجع حاصل هذه الطريقة إلى الطريقة التي ذكرها لأبيه في قوله : {لابِيهِ يَـا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِى عَنكَ شَيْـاًا} (مريم : 42) قال صاحب "الكشاف" : الضمير في فطرهن للسموات والأرض أو للتماثيل ، وكونه للتماثيل أدخل في الاحتجاج عليهم.
/ أما قوله : {وَأَنَا عَلَى ذَالِكُم مِّنَ الشَّـاهِدِينَ} ففيه وجهان : الأول : أن المقصود منه المبالغة في التأكيد والتحقيق كقول الرجل إذا بالغ في مدح أحد أو ذمه أشهد أنه كريم أو ذميم. والثاني : أنه عليه السلام عنى بقوله : {وَأَنَا عَلَى ذَالِكُم مِّنَ الشَّـاهِدِينَ} ادعاء أنه قادر على إثبات ما ذكره بالحجة ، وأني لست مثلكم فأقول ما لا أقدر على إثباته بالحجة ، كما لم تقدروا على الاحتجاج لمذهبكم ولم تزيدوا على أنكم وجدتم عليه آباءكم ، وأما الطريقة الفعلية فهي قوله : {وَتَاللَّهِ لاكِيدَنَّ أَصْنَـامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ} فإن القوم لما لم ينتفعوا بالدلالة العقلية عدل إلى أن أراهم عدم الفائدة في عبادتها ، وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قال صاحب "الكشاف" : قرأ معاذ بن جبل رضي الله عنه وبالله ، وقرىء تولوا بمعنى تتولوا ويقويها قوله : {فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ} فإن قلت : ما الفرق بين الباء والتاء ؟
قلت : إن الباء هي الأصل والتاء بدل من الواو المبدل منها والتاء فيها زيادة معنى وهو التعجب ، كأنه تعجب من تسهيل الكيد على يده لأن ذلك كان أمراً مقنوطاً منه لصعوبته.
جزء : 22 رقم الصفحة : 155
المسألة الثانية : إن قيل لماذا قال : {لاكِيدَنَّ أَصْنَـامَكُم} والكيد هو الاحتيال على الغير في ضرر لا يشعر به وذلك لا يتأتى في الأصنام. وجوابه : قال ذلك توسعاً لما كان عندهم أن الضرر يجوز عليها ، وقيل : المراد لأكيدنكم في أصنامكم لأنه بذلك الفعل قد أنزل بهم الغم.
(1/3146)

المسألة الثالثة : في كيفية أول القصة وجهان : أحدهما : قال السدي : كانوا إذا رجعوا من عيدهم دخلوا على الأصنام فسجدوا لها ثم عادوا إلى منازلهم ، فلما كان هذا الوقت قال آزر لإبراهيم عليه السلام : لو خرجت معنا فخرج معهم فلما كان ببعض الطريق ألقى نفسه وقال إني سقيم أشتكي رجلي فلما مضوا وبقي ضعفاء الناس نادى وقال : {وَتَاللَّهِ لاكِيدَنَّ أَصْنَـامَكُم} واحتج هذا القائل بقوله تعالى : {قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَه ا إِبْرَاهِيمُ} . وثانيها : قال الكلبي : كان إبراهيم عليه السلام من أهل بيت ينظرون في النجوم وكانوا إذا خرجوا إلى عيدهم لم يتركوا إلا مريضاً فلما هم إبراهيم بالذي هم به من كسر الأصنام نظر قبل يوم العيد إلى السماء فقال لأصحابه : أراني أشتكي غداً فذلك قوله ؛ {فَنَظَرَ نَظْرَةً فِى النُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّى سَقِيمٌ} (الصافات : 88 ، 89) وأصبح من الغد معصوباً رأسه فخرج القوم لعيدهم ولم يتخلف أحد غيره فقال : أما والله لأكيدن أصنامكم ، وسمع رجل منهم هذا القول فحفظه عليه ثم إن ذلك الرجل أخبر غيره وانتشر ذلك في جماعة فلذلك قال تعالى : {قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ} واعلم أن كلا الوجهين ممكن. ثم تمام القصة أن إبراهيم عليه السلام لما دخل بيت الأصنام وجد سبعين صنماً مصطفة ، وثم صنم عظيم مستقبل الباب وكان من ذهب وكان في عينيه جوهرتان تضيئان بالليل ، فكسرها كلها بفأس في يده حتى لم يبق إلا الكبير ، ثم علق الفأس في عنقه.
أما قوله تعالى : {فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلا كَبِيرًا لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ} ففيه مسائل :
المسألة الأولى : إن قيل لم قال : {فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا} وهذا جمع لا يليق إلا بالناس ، جوابه : من حيث اعتقدوا فيها أنها كالناس في أنها تعظم ويتقرب اليها ، ولعل كان فيهم من يظن أنها تضر وتنفع.
/ المسألة الثانية : قال صاحب "الكشاف" : جذاذاً قطعاً من الجذ وهو القطع ، وقرىء بالكسر والفتح وقرىء جذاذاً جمع جذيذ وجذذاً جمع جذة.
جزء : 22 رقم الصفحة : 155
المسألة الثالثة : إن قيل ما معنى : {إِلا كَبِيرًا لَّهُمْ} قلنا : يحتمل الكبير في الخلقة ويحتمل في التعظيم ويحتمل في الأمرين.
وأما قوله : {لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ} فيحتمل رجوعهم إلى إبراهيم عليه السلام ، ويحتمل رجوعهم إلى الكبير. أما الأول : فتقريره من وجهين : الأول : أن المعنى أنهم لعلهم يرجعون إلى مقالة إبراهيم ويعدلون عن الباطل. والثاني : أنه غلب على ظنه أنهم لا يرجعون إلا إليه لما تسامعوه من إنكاره لدينهم وسبه لآلهتهم فبكتهم بما أجاب به من قوله : {بَلْ فَعَلَه كَبِيرُهُمْ هَـاذَا فَسْـاَلُوهُمْ} (الأنبياء : 63) أما إذا قلنا : الضمير راجع إلى الكبير ففيه وجهان : الأول : أن المعنى لعلهم يرجعون إليه كما يرجع إلى العالم في حل المشكلات فيقولون ما لهؤلاء مكسورة وما لك صحيحاً والفأس على عاتقك. وهذا قول الكلبي ، وإنما قال ذلك بناء على كثرة جهالاتهم فلعلهم كانوا يعتقدون فيها أنها تجيب وتتكلم. والثاني : أنه عليه السلام قال ذلك مع علمه أنهم لا يرجعون إليه استهزاء بهم ، وإن قياس حال من يسجد له ويؤهل للعبادة أن يرجع إليه في حل المشكلات.
المسألة الرابعة : إن قيل أولئك الأقوام إما أن يقال إنهم كانوا عقلاء أو ما كانوا عقلاء. فإن كانوا عقلاء وجب أن يكونوا عالمين بالضرورة أن تلك الأصنام لا تسمع ولا تبصر ولا تنفع ولا تضر ، فأي حاجة في إثبات ذلك إلى كسرها ؟
أقصى ما في الباب أن يقال : القوم كانوا يعظمونها كما يعظم الواحد منا المصحف والمسجد والمحراب ، وكسرها لا يقدح في كونها معظمة من هذا الوجه. وإن قلنا : إنهم ما كانوا عقلاء وجب أن لا تحسن المناظرة معهم ولا بعثة الرسل إليهم. الجواب : أنهم كانوا عقلاء وكانوا عالمين بالضرورة أنها جمادات ولكن لعلهم كانوا يعتقدون فيها أنها تماثيل الكواكب وأنها طلسمات موضوعة بحيث أن كل من عبدها انتفع بها وكل من استخف بها ناله منها ضرر شديد ، ثم إن إبراهيم عليه السلام كسرها مع أنه ما ناله منها ألبتة ضرر فكان فعله دالاً على فساد مذهبهم من هذا الوجه.
أما قوله تعالى : {قَالُوا مَن فَعَلَ هَـاذَا بِـاَالِهَتِنَآ إِنَّه لَمِنَ الظَّـالِمِينَ} أي (أن) من فعل هذا الكسر والحطم لشديد الظلم معدود في الظلمة إما لجراءته على الآلهة الحقيقة بالتوقير والإعظام ، وإما لأنهم رأوا إفراطاً في كسرها وتمادياً في الاستهانة بها.
جزء : 22 رقم الصفحة : 155
أما قوله تعالى : {قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَه ا إِبْرَاهِيمُ} ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : قال الزجاج : ارتفع إبراهيم على وجهين : أحدهما : على معنى يقال هو إبراهيم. والثاني : على النداء على معنى يقال له يا إبراهيم ، قال صاحب "الكشاف" والصحيح أنه فاعل يقال لأن المراد الاسم دون المسمى.
(1/3147)

/ المسألة الثانية : ظاهر الآية يدل على أن القائلين جماعة لا واحد ، فكأنهم كانوا من قبل قد عرفوا منه وسمعوا ما يقوله في آلهتهم فغلب على قلوبهم أنه الفاعل ولو لم يكن إلا قوله ما هذه التماثيل إلى غير ذلك لكفى.
جزء : 22 رقم الصفحة : 155
157
اعلم أن القوم لما شاهدوا كسر الأصنام ، وقيل إن فاعله إبراهيم عليه السلام قالوا فيما بينهم : {فَأْتُوا بِه عَلَى ا أَعْيُنِ النَّاسِ} قال صاحب "الكشاف" : على أعين الناس في محل الحال أي فأتوا به مشاهداً أي بمرأى منهم ومنظر. فإن قلت : ما معنى الاستعلاء في على ؟
قلت : هو وارد على طريق المثل أي يثبت إثباته في الأعين ثبات الراكب على المركوب. أما قوله تعالى : {لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ} ففيه وجهان : أحدهما : أنهم كرهوا أن يأخذوه بغير بينة فأرادوا أن يجيئوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون عليه بما قاله فيكون حجة عليه بما فعل. وهذا قول الحسن وقتادة والسدي وعطاء وابن عباس رضي الله عنهم. وثانيهما : وهو قول محمد بن إسحق أي يحضرون فيبصرون ما يصنع به فيكون ذلك زاجراً لهم عن الإقدام على مثل فعله ، وفيه قول ثالث : وهو قول مقاتل والكلبي أن المراد مجموع الوجهين فيشهدون عليه بفعله ويشهدون عقابه.
جزء : 22 رقم الصفحة : 157
أما قوله تعالى : {قَالُوا ءَأَنتَ فَعَلْتَ هَـاذَا} فاعلم أن في الكلام حذفاً ، وهو : فأتوا به وقالوا أأنت / فعلت ، طلبوا منه الاعتراف بذلك ليقدموا على إيذائه ، فظهر منه ما انقلب الأمر عليهم حتى تمنوا الخلاص منه ، فقال : {بَلْ فَعَلَه كَبِيرُهُمْ هَـاذَا} وقد علق الفأس على رقبته لكي يورد هذا القول فيظهر جهلهم في عبادة الأوثان ، فإن قيل قوله : بل فعله كبيرهم كذب. والجواب للناس فيه قولان : أحدهما : وهو قول كافة المحققين أنه ليس بكذب ، وذكروا في الاعتذار عنه وجوهاً. أحدها : أن قصد إبراهيم عليه السلام لم يكن إلى أن ينسب الفعل الصادر عنه إلى الصنم ، إنما قصد تقرير لنفسه وإثباته لها على أسلوب تعريضي يبلغ فيه غرضه من إلزامهم الحجة وتبكيتهم ، وهذا كما لو قال لك صاحبك ، وقد كتبت كتاباً بخط رشيق ، وأنت شهير بحسن الخط ، أأنت كتبت هذا ؟
وصاحبك أمي لا يحسن الخط ولا يقدر إلا على خرمشة فاسدة ، فقلت له : بل كتبته أنت ، كأن قصدك بهذا الجواب تقرير ذلك مع الاستهزاء به لا نفيه عنك وإثباته للأمي أو المخرمش ، لأن إثباته والأمر دائر بينهما للعاجز منهما استهزاء به وإثبات للقادر. وثانيها : أن إبراهيم عليه السلام غاظته تلك الأصنام حين أبصرها مصطفة مزبنة. وكان غيظه من كبيرها أشد لما رأى من زيادة تعظيمهم له فأسند الفعل إليه لأنه هو السبب في استهانته بها وحطمه لها ، والفعل كما يسند إلى مباشره يسد إلى الحامل عليه. وثالثها : أن يكون حكاية لما يلزم على مذهبهم كأنه قال لهم : ما تنكرون أن يفعله كبيرهم ، فإن من حق من يعبد ويدعي إلهاً أن يقدر على هذا وأشد منه. وهذه الوجوه الثلاثة ذكرها صاحب "الكشاف". ورابعها : أنه كناية عن غير مذكور ، أي فعله من فعله وكبيرهم هذا ابتداء الكلام ويروى عن الكسائي أنه كان يقف عند قوله بل فعله ثم يبتدىء كبيرهم هذا. وخامسها : أنه يجوز أن يكون فيه وقف عند قوله كبيرهم ثم يبتدىء فيقول هذا فاسألوهم/ والمعنى بل فعله كبيرهم وعنى نفسه لأن الإنسان أكبر من كل صنم. وسادسها : أن يكون في الكلام تقديم وتأخير كأنه قال : بل فعله كبيرهم هذا إن كانوا ينطقون فاسألوهم فتكون إضافة الفعل إلى كبيرهم مشروطاً بكونهم ناطقين فلما لم يكونوا ناطقين امتنع أن يكونوا فاعلين. وسابعها : قرأ محمد بن السميفع فعله كبيرهم أي فلعل الفاعل كبيرهم. القول الثاني : وهو قول طائفة من أهل الحكايات ، أن ذلك كذب واحتجوا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال : "لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات كلها في ذات الله تعالى ، قوله :
جزء : 22 رقم الصفحة : 157
(1/3148)

{إِنِّى سَقِيمٌ} وقوله : {بَلْ فَعَلَه كَبِيرُهُمْ هَـاذَا} وقوله لسارة هي أختي" وفي خبر آخر : "أن أهل الموقف إذا سألوا إبراهيم الشفاعة قال : إني كذبت ثلاث كذبات" ثم قرروا قولهم من جهة العقل وقالوا : الكذب ليس قبيحاً لذاته ، فإن النبي عليه السلام إذا هرب من ظالم واختفى في دار إنسان ، وجاء الظالم وسأل عن حاله فإنه يجب الكذب فيه ، وإذا كان كذلك فأي بعد في أن يأذن الله تعالى في ذلك لمصلحة لا يعرفها إلا هو ، واعلم أن هذا القول مرغوب عنه. أما الخبر الأول وهو الذي رووه فلأن يضاف الكذب إلى رواته أولى من أن يضاف إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، والدليل القاطع عليه أنه لو جاز أن يكذبوا لمصلحة ويأذن الله تعالى فيه ، فلنجوز هذا / الاحتمال في كل ما أخبروا عنه ، وفي كل ما أخبر الله تعالى عنه وذلك يبطل الوثوق بالشرائع وتطرق التهمة إلى كلها ، ثم إن ذلك الخبر لو صح فهو محمول على المعاريض على ما قال عليه السلام : "إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب".
فأما قوله تعالى : {إِنِّى سَقِيمٌ} فلعله كان به سقم قليل واستقصاء الكلام فيه يجيء في موضعه.
وأما قوله : {بَلْ فَعَلَه كَبِيرُهُمْ} فقط ظهر الجواب عنه.
أما قوله لسارة : إنها أختي ، فالمراد أنها أخته في الدين ، وإذا أمكن حمل الكلام على ظاهره من غير نسبة الكذب إلى الأنبياء عليهم السلام فحينئذ لا يحكم بنسبة الكذب إليهم إلا زنديق.
أما قوله تعالى : {فَرَجَعُوا إِلَى ا أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّـالِمُونَ} ففيه وجوه : الأول : أن إبراهيم عليه السلام لما نبههم بما أورده عليهم على قبح طريقهم تنبهوا فعلموا أن عبادة الأصنام باطلة ، وأنهم على غرور وجهل في ذلك. والثاني : قال مقاتل : فرجعوا إلى أنفسهم فلاموها وقالوا إنكم أنتم الظالمون لإبراهيم حيث تزعمون أنه كسرها مع أن الفأس بين يدي الصنم الكبير. وثالثها : المعنى أنكم أنتم الظالمون لأنفسكم حيث سألتم منه عن ذلك حتى أخذ يستهزىء بكم في الجواب ، والأقرب هو الأول.
أما قوله تعالى : {ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَـا ؤُلاءِ يَنطِقُونَ} فقال صاحب "الكشاف" : نكسه قلبه فجعل أسفله أعلاه وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : في المعنى وجوه : أحدها : أن المراد استقاموا حين رجعوا إلى أنفسهم وأتوا بالفكرة الصالحة ، ثم انتكسوا فقلبوا عن تلك الحالة ، فأخذوا (في) المجادلة بالباطل وأن هؤلاء مع تقاصر حالها عن حال الحيوان الناطق آلهة معبودة. وثانيها : قلبوا على رؤوسهم حقيقة لفرط إطراقهم خجلاً وانكساراً وانخذالاً مما بهتهم به إبراهيم فما أحاروا جواباً إلا ما هو حجة عليهم. وثالثها : قال ابن جرير ثم نكسوا على رؤوسهم في الحجة عليهم لإبراهيم حين جادلهم. أي قلبوا في الحجة واحتجوا على إبراهيم بما هو الحجة لإبراهيم عليهم ، فقالوا : {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَـا ؤُلاءِ يَنطِقُونَ} فأقروا بهذه للحيرة التي لحقتهم ، قال والمعنى نكست حجتهم فأقيم الخبر عنهم مقام الخبر عن حجتهم.
جزء : 22 رقم الصفحة : 157
المسألة الثانية : قرىء نكسوا بالتشديد ونكسوا على لفظ ما لم يسم فاعله ، أي نكسوا أنفسهم على رؤوسهم وهي قراءة رضوان بن عبد المعبود.
أما قوله تعالى : {قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُكُمْ شَيْـاًا وَلا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّه أَفَلا تَعْقِلُونَ} فالمعنى ظاهر. قال صاحب "الكشاف" : أف صوت إذا صوت به علم أن صاحبه متضجر ، وإن إبراهيم عليه السلام أضجره ما رأى من ثباتهم على عبادتها بعد انقطاع عذرهم ، وبعد وضوح الحق وزهوق الباطل ، فتأفف بهم. ثم يحتمل أنه قال لهم ذلك وقد عرفوا صحة قوله. ويحتمل أنه قال لهم ذلك وقد ظهرت الحجة وإن لم يعقلوا. وهذا هو الأقرب لقوله : / {أَفَتَعْبُدُونَ} ولقوله : {أَفَلا تَعْقِلُونَ} .
جزء : 22 رقم الصفحة : 157
160
اعلم أنه تعالى لما بين ما أظهره إبراهيم عليه السلام من دلائل التوحيد وإبطال ما كانوا عليه من عبادة التماثيل أتبعه بما يدل على جهلهم ، وأنهم : {قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا ءَالِهَتَكُمْ} وههنا مسائل :
المسألة الأولى : ليس في القرآن من القائل لذلك والمشهور أنه نمروذ بن كنعان بن سنجاريب بن نمروذ بن كوش بن حام بن نوح ، وقال مجاهد : سمعت ابن عمر يقول : إنما أشار بتحريق إبراهيم عليه السلام رجل من الكرد من أعراب فارس ، وروى ابن جريج عن وهب عن شعيب الجبائي قال : إن الذي قال حرقوه رجل اسمه هبرين ، فخسف الله تعالى به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة.
(1/3149)

المسألة الثانية : أما كيفية القصة فقال مقاتل : لما اجتمع نمروذ وقومه لإحراق إبراهيم حبسوه في بيت وبنوا بنياناً كالحظيرة ، وذلك قوله : {قَالُوا ابْنُوا لَه بُنْيَـانًا فَأَلْقُوهُ فِى الْجَحِيمِ} (الصافات : 97) ثم جمعوا له الحطب الكثير حتى أن المرأة لو مرضت قالت : إن عافاني الله لأجعلن حطباً لإبراهيم ، ونقلوا له الحطب على الدواب أربعين يوماً ، فلما اشتعلت النار اشتدت وصار الهواء بحيث لو مر الطير في أقصى الهواء لاحترق ، ثم أخذوا إبراهيم عليه السلام ورفعوه على رأس البنيان وقيدوه ، ثم اتخذوا منجنيقاً ووضعوه فيه مقيداً مغلولاً ، فصاحت السماء والأرض ومن فيها من الملائكة إلا الثقلين صيحة واحدة ، أي ربنا ليس في أرضك أحد يعبدك غير إبراهيم ، وإنه يحرق فيك فأذن لنا في نصرته ، فقال سبحانه : إن استغاث بأحد منكم فأغيثوه ، وإن لم يدع غيري فأنا أعلم به وأنا وليه ، فخلوا بيني وبينه ، فلما أرادوا إلقاءه في النار ، أتاه خازن الرياح فقال : إن شئت طيرت النار في الهواء ، فقال إبراهيم عليه السلام : لا حاجة بي إليكم ، ثم رفع رأسه إلى السماء وقال : "اللهم أنت الواحد في السماء ، وأنا الواحد في الأرض ، ليس في الأرض أحد يعبدك غيري ، أنت حسبنا ونعم الوكيل" وقيل إنه حين ألقي في النار قال : "لا إله إلا أنت سبحانك ربك العالمين ، لك الحمد / ولك الملك ، لا شريك لك" ثم وضعوه في المنجنيق ورموا به النار ، فأتاه جبريل عليه السلام وقال : يا إبراهيم هل لك حاجة ، قال : أما إليك فلا ؟
قال : فاسأل ربك ، قال : حسبي من سؤالي ، علمه بحالي. فقال الله تعالى :
جزء : 22 رقم الصفحة : 160
{قُلْنَا يَـانَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـامًا عَلَى ا إِبْرَاهِيمَ} (الأنبياء : 69) وقال السدي : إنما قال ذلك جبريل عليه السلام ، قال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية مجاهد : ولو لم يتبع برداً سلاماً لمات إبراهيم من بردها ، قال : ولم يبق يومئذ في الدنيا نار إلا طفئت ، ثم قال السدي : فأخذت الملائكة بضبعي إبراهيم وأقعدوه في الأرض ، فإذا عين ماء عذب ، وورد أحمر ، ونرجس. ولم تحرق النار منه إلا وثاقه ، وقال المنهال بن عمرو أخبرت أن إبراهيم عليه السلام لما ألقى في النار كان فيها إما أربعين يوماً أو خمسين يوماً ، وقال : ما كنت أياماً أطيب عيشاً مني إذ كنت فيها ، وقال ابن إسحق : بعث الله ملك الظل في صورة إبراهيم ، فقعد إلى جنب إبراهيم يؤنسه ، وأتاه جبريل بقميص من حرير الجنة ، وقال : يا إبراهيم إن ربك يقول : أما علمت أن النار لا تضر أحبابي ، ثم نظر نمروذ من صرح له وأشرف على إبراهيم فرآه جالساً في روضة/ ورأى الملك قاعداً إلى جنبه وما حوله نار تحرق الحطب ، فناداه نمروذ : يا إبراهيم هل تستطيع أن تخرج منها ؟
قال : نعم ، قال : قم فاخرج ، فقام يمشي حتى خرج منها ، فلما خرج قال له نمروذ : من الرجل الذي رأيته معك في صورتك ؟
قال : ذاك ملك الظل أرسله ربي ليؤنسني فيها. فقال نمروذ : إني مقرب إلى ربك قرباناً لما رأيت من قدرته وعزته فيما صنع بك. فإني ذابح له أربعة آلاف بقرة ، فقال إبراهيم عليه السلام : لا يقبل الله منك ما دمت على دينك ، فقال نمروذ : لا أستطيع ترك ملكي ، ولكن سوف أذبحها له ، ثم ذبحها له وكف عن إبراهيم عليه السلام ، ورويت هذه القصة على وجه آخر ، وهي أنهم بنوا لإبراهيم بنياناً وألقوه فيه ، ثم أوقدوا عليه النار سبعة أيام ، ثم أطبقوا عليه ، ثم فتحوا عليه من الغد ، فإذا هو غير محترق يعرق عرقاً ، فقال لهم هاران أبو لوط : إن النار لا تحرقه لأنه سحر النار ، ولكن اجعلوه على شيء وأوقدوا تحته فإن الدخان يقتله ، فجعلوه فوق بئر وأوقدوا تحته ، فطارت شرارة فوقعت في لحية أبي لوط فأحرقته.
المسألة الثالثة : إنما اختاروا المعاقبة بالنار لأنها أشد العقوبات ، ولهذا قيل : {إِن كُنتُمْ فَـاعِلِينَ} أي إن كنتم تنصرون آلهتكم نصراً شديداً ، فاختاروا أشد العقوبات وهي الإحراق.
أما قوله تعالى : {قُلْنَا يَـانَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـامًا عَلَى ا إِبْرَاهِيمَ} ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قال أبو مسلم الأصفهاني في تفسير قوله تعالى : {قُلْنَا يَـانَارُ كُونِى بَرْدًا} المعنى أنه سبحانه جعل النار برداً وسلاماً ، لا أن هناك كلاماً كقوله : {أَن يَقُولَ لَه كُن فَيَكُونُ} أي يكونه ، وقد احتج عليه بأن النار جماد فلا يجوز خطابه ، والأكثرون على أنه وجد ذلك القول. ثم هؤلاء لهم قولان : أحدهما : وهو قول سدي : أن القائل هو جبريل عليه السلام. والثاني : وهو قول الأكثرين أن القائل هو الله تعالى ، وهذا هو الأليق الأقرب بالظاهر ، وقوله : النار جماد فلا / يكون في خطابها فائدة ، قلنا : لم لا يجوز أن يكون المقصود من ذلك الأمر مصلحة عائدة إلى الملائكة.
جزء : 22 رقم الصفحة : 160
(1/3150)

المسألة الثانية : اختلفوا في أن النار كيف بردت على ثلاثة أقوال : أحدها : أن الله تعالى أزال عنها ما فيها من الحر والإحراق ، وأبقى ما فيها من الإضاءة والإشراق والله على كل شيء قدير. وثانيها : أن الله تعالى خلق في جسم إبراهيم كيفية مانعة من وصول أذى النار إليه ، كما يفعل بخزنة جهنم في الآخرة ، وكما أنه ركب بنية النعامة بحيث لا يضرها ابتلاع الحديدة المحماة وبدن السمندل بحيث لا يضره المكث في النار. وثالثها : أنه سبحانه خلق بينه وبين النار حائلاً يمنع من وصول أثر النار إليه ، قال المحققون : والأول أولى لأن ظاهر قوله : {قُلْنَا يَـانَارُ كُونِى بَرْدًا} أن نفس النار صارت باردة حتى سلم إبراهيم من تأثيرها ، لا أن النار بقيت كما كانت ، فإن قيل : النار جسم موصوف بالحرارة واللطافة ، فإذا كانت الحرارة جزء من مسمى النار امتنع كون النار باردة ، فإذاً وجب أن يقال : المراد من النار الجسم الذي هو أحد أجزاء مسمى النار وذلك مجاز فلم كان مجازكم أولى من المجازين الآخرين ؟
قلنا : المجاز الذي ذكرناه يبقى معه حصول البرد وفي المجازين اللذين ذكرتموهما لا يبقى ذلك فكان مجازنا أولى.
أما قوله تعالى : {كُونِى بَرْدًا وَسَلَـامًا عَلَى ا إِبْرَاهِيمَ} فالمعنى أن البرد إذا أفرط أهلك كالحر بل لا بد من الإعتدال ثم في حصول الاعتدال ثلاثة أوجه : أحدها : أنه يقدر الله تعالى بردها بالمقدار الذي لا يؤثر. وثانيها : أن بعض النار صار برداً وبقي بعضها على حرارته فتعادل الحر والبرد. وثالثها : أنه تعالى جعل في جسمه مزيد حر فسلم من ذلك البرد بل قد انتفع به والتذ ثم ههنا سؤالات :
السؤال الأول : أو كل النار زالت وصارت برداً. الجواب : أن النار هو اسم الماهية فلا بد وأن يحصل هذا البرد في الماهية ويلزم منه عمومه في كل أفراد الماهية ، وقيل : بل اختص بتلك النار لأن الغرض إنما تعلق ببرد تلك النار وفي النار منافع للخلق فلا يجوز تعطيلها ، والمراد خلاص إبراهيم عليه السلام لا إيصال الضرر إلى سائر الخلق.
السؤال الثاني : هل يجوز ما روي عن الحسن من أنه سلام من الله تعالى على إبراهيم عليه السلام. الجواب الظاهر كما أنه جعل النار برداً جعلها سلاماً عليه حتى يخلص ، فالذي قاله يبعد وفيه تشتيت الكلام المرتب.
السؤال الثالث : أفيجوز ما روي من أنه لو لم يقل وسلاماً لأتى البرد عليه. والجواب : ذلك بعيد لأن برد النار لم يحصل منها وإنما حصل من جهة الله تعالى فهو القادر على الحر والبرد فلا يجوز أن يقال : كان البرد يعظم لولا قوله سلاماً.
جزء : 22 رقم الصفحة : 160
السؤال الرابع : أفيجوز ما قيل من أنه كان في النار أنعم عيشاً منه في سائر أحواله. والجواب : لا يمتنع ذلك لما فيه من مزيد النعمة عليه وكمالها ، ويجوز أن يكون إنما صار أنعم / عيشاً هناك لعظم ما ناله من السرور بخلاصه من ذلك الأمر العظيم ولعظم شروره بظفره بأعدائه وبما أظهره من دين الله تعالى.
أما قوله تعالى : {وَأَرَادُوا بِه كَيْدًا فَجَعَلْنَـاهُمُ الاخْسَرِينَ} أي أرادوا أن يكيدوه فما كانوا إلا مغلوبين ، غالبوه بالجدال فلقنه الله تعالى الحجة المبكتة ، ثم عدلوا القوة والجبروت فنصره وقواه عليهم ، ثم إنه سبحانه أتم النعمة عليه بأن نجاه ونجى لوطاً معه وهو ابن أخيه وهو لوط بن هاران إلى الأرض التي بارك فيها للعالمين. وفي الأخبار أن هذه الواقعة كانت في حدود بابل فنجاه الله تعالى من تلك البقعة إلى الأرض المباركة ، ثم قيل : إنها مكة وقيل أرض الشام لقوله تعالى : {إِلَى الْمَسْجِدِ الاقْصَا الَّذِى بَـارَكْنَا حَوْلَه } (الإسراء : 1) والسبب في بركتها ، أما في الدين فلأن أكثر الأنبياء عليهم السلام بعثوا منها وانتشرت شرائعهم وآثارهم الدينية فيها ، وأما في الدنيا فلأن الله تعالى بارك فيها بكثرة الماء والشجر والثمر والخصب وطيب العيش ، وقيل : ما من ماء عذب إلا وينبع أصله من تحت الصخرة التي ببيت المقدس.
جزء : 22 رقم الصفحة : 160
161
(1/3151)

اعلم أنه تعالى بعد ذكره لإنعامه على إبراهيم وعلى لوط بأن نجاهما إلى الأرض المباركة أتبعه بذكر غيره من النعم ، وإنما جمع بينهما لأن في كون لوط معه مع ما كان بينهما من القرابة والشركة في النبوة مزيد إنعام ، ثم إنه سبحانه ذكر النعم التي أفاضها على إبراهيم عليه السلام ثم النعم التي أفاضها على لوط ، أما الأول فمن وجوه ؛ أحدها : {وَوَهَبْنَا لَه ا إِسْحَـاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً } واعلم أن النافلة العطية خاصة وكذلك النفل ويسمى الرجل الكثير العطايا نوفلاً ، ثم للمفسرين ههنا قولان : الأول : أنه ههنا مصدر من وهبنا له مصدر من غير لفظه ولا فرق بين ذلك وبين قوله : {وَوَهَبْنَا لَه } هبة أي وهبناهما له عطية وفضلاً من غير أن يكون جزاء مستحقاً ، وهذا قول مجاهد وعطاء. والثاني : وهو قول أبي بن كعب وابن عباس وقتادة والفراء والزجاج : أن إبراهيم عليه السلام لما سأل الله ولداً قال : {رَبِّ هَبْ لِى مِنَ الصَّـالِحِينَ} (الصافات : 100) فأجاب الله دعاءه : ووهب له إسحق وأعطاه يعقوب من غير دعائه فكان ذلك : {نَافِلَةً} كالشيء المتطوع به من الآدميين فكأنه قال : {وَوَهَبْنَا لَه ا إِسْحَـاقَ} إجابة / لدعائه : ووهبنا له يعقوب نافلة على ما سأل كالصلاة النافلة التي هي زيادة على الفرض وعلى هذا النافلة يعقوب خاصة.
والوجه الأول : أقرب لأنه تعالى جمع بينهما ، ثم ذكر قوله : نافلة فإذا صلح أن يكون وصفاً لهما فهو أولى.
النعمة الثانية : قوله تعالى : {وَكُلا جَعَلْنَا صَـالِحِينَ} أي وكلا من إبراهيم وإسحق ويعقوب أنبياء مرسلين ، هذا قول الضحاك وقال آخرون عاملين بطاعة الله عز وجل مجتنبين محارمه.
جزء : 22 رقم الصفحة : 161
والوجه الثاني : أقرب لأن لفظ الصلاح يتناول الكل لأنه سبحانه قال بعد هذه الآية : {وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ} فلو حملنا الصلاح على النبوة لزم التكرار واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى لأن قوله ؛ {وَكُلا جَعَلْنَا صَـالِحِينَ} يدل على أن ذلك الصلاح من قبله ، أجاب الجبائي بأنه لو كان كذلك لما وصفهم بكونهم صالحين وبكونهم أئمة وبكونهم عابدين. ولما مدحهم بذلك ، ولما أثنى عليهم ، وإذا ثبت ذلك فلا بد من التأويل وهو من وجهين : الأول : أن يكون المراد أنه سبحانه آتاهم من لطفه وتوفيقه ما صلحوا به. والثاني : أن يكون المراد أنه سماهم بذلك كما يقال : زيد فسق فلاناً وضلله وكفره إذا وصفه بذلك وكان مصدقاً عند الناس ، وكما يقال في الحاكم : زكى فلاناً وعدله وجرحه إذا حكم بذلك. واعلم أن هذه الوجوه مختلة ، أما اعتمادهم على المدح والذم. فالجواب المعهود أن نعارضه بمسألتي الداعي والعلم ، وأما الحمل على اللطف فباطل لأن فعل الإلطاف عام في المكلفين فلا بد في هذا التخصيص من مزيد فائدة ، وأيضاً فلأن قوله : جعلته صالحاً ، كقوله جعلته متحركاً ، فحمله على تحصيل شيء سوى الصلاح ترك للظاهر ، وأما الحمل على التسمية فهو أيضاً مجاز أقصى ما في الباب أنه قد يصار إليه عند الضرورة في بعض المواضع وههنا لا ضرورة إلا أن يرجعوا مرة أخرى إلى فصل المدح والذم ، فحينئذ نرجع أيضاً إلى مسألتي الداعي والعلم.
النعمة الثالثة : قوله تعالى : {وَجَعَلْنَـاهُمْ أَاـاِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا} وفيه قولان : أحدهما : أي جعلناهم أئمة يدعون الناس إلى دين الله تعالى والخيرات بأمرنا وإذننا. الثاني : قول أبي مسلم أن هذه الإمامة هي النبوة ، والأول أولى لئلا يلزم التكرار ، واحتج أصحابنا بهذه الآية على أمرين : أحدهما : على خلق الأفعال بقوله : {وَجَعَلْنَـاهُمْ أَاـاِمَّةً} وتقريره ما مضى. والثاني : على أن الدعوة إلى الحق والمنع عن الباطل لا يجوز إلا بأمر الله تعالى لأن الأمر لو لم يكن معتبراً لما كان في قوله بأمرنا فائدة.
النعمة الرابعة : قوله تعالى : {وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ} وهذا يدل على أنه سبحانه خصهم بشرف النبوة وذلك من أعظم النعم على الأب ، قال الزجاج : حذف الهاء من إقامة الصلاة لأن الإضافة عوض عنه ، وقال غيره : الإقام والإقامة مصدر ، قال أبو القاسم الأنصاري : الصلاة / أشرف العبادات البدنية وشرعت لذكر الله تعالى ، والزكاة أشرف العبادات المالية ومجموعهما التعظيم لأمر الله تعالى والشفقة على خلق الله ، واعلم أنه سبحانه وصفهم أولاً بالصلاح لأنه أول مراتب السائرين إلى الله تعالى ثم ترقى فوصفهم بالإمامة. ثم ترقى فوصفهم بالنبوة والوحي. وإذا كان الصلاح الذي هو العصمة أول مراتب النبوة دل ذلك على أن الأنبياء معصومون فإن المحروم عن أول المراتب أولى بأن يكون محروماً عن النهاية ، ثم إنه سبحانه كما بين أصناف نعمه عليهم بين بعد ذلك اشتغالهم بعبوديته فقال : {وَكَانُوا لَنَا عَـابِدِينَ} كأنه سبحانه وتعالى لما وفى بعهد الربوبية في الإحسان والإنعام فهم أيضاً وفوا بعهد العبودية وهو الاشتغال بالطاعة والعبادة.
(1/3152)

القصة الثالثة ، قصة لوط عليه السلام
جزء : 22 رقم الصفحة : 161
والوجه الثاني : أقرب لأن لفظ الصلاح يتناول الكل لأنه سبحانه قال بعد هذه الآية : {وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ} فلو حملنا الصلاح على النبوة لزم التكرار واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى لأن قوله ؛ {وَكُلا جَعَلْنَا صَـالِحِينَ} يدل على أن ذلك الصلاح من قبله ، أجاب الجبائي بأنه لو كان كذلك لما وصفهم بكونهم صالحين وبكونهم أئمة وبكونهم عابدين. ولما مدحهم بذلك ، ولما أثنى عليهم ، وإذا ثبت ذلك فلا بد من التأويل وهو من وجهين : الأول : أن يكون المراد أنه سبحانه آتاهم من لطفه وتوفيقه ما صلحوا به. والثاني : أن يكون المراد أنه سماهم بذلك كما يقال : زيد فسق فلاناً وضلله وكفره إذا وصفه بذلك وكان مصدقاً عند الناس ، وكما يقال في الحاكم : زكى فلاناً وعدله وجرحه إذا حكم بذلك. واعلم أن هذه الوجوه مختلة ، أما اعتمادهم على المدح والذم. فالجواب المعهود أن نعارضه بمسألتي الداعي والعلم ، وأما الحمل على اللطف فباطل لأن فعل الإلطاف عام في المكلفين فلا بد في هذا التخصيص من مزيد فائدة ، وأيضاً فلأن قوله : جعلته صالحاً ، كقوله جعلته متحركاً ، فحمله على تحصيل شيء سوى الصلاح ترك للظاهر ، وأما الحمل على التسمية فهو أيضاً مجاز أقصى ما في الباب أنه قد يصار إليه عند الضرورة في بعض المواضع وههنا لا ضرورة إلا أن يرجعوا مرة أخرى إلى فصل المدح والذم ، فحينئذ نرجع أيضاً إلى مسألتي الداعي والعلم.
النعمة الثالثة : قوله تعالى : {وَجَعَلْنَـاهُمْ أَاـاِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا} وفيه قولان : أحدهما : أي جعلناهم أئمة يدعون الناس إلى دين الله تعالى والخيرات بأمرنا وإذننا. الثاني : قول أبي مسلم أن هذه الإمامة هي النبوة ، والأول أولى لئلا يلزم التكرار ، واحتج أصحابنا بهذه الآية على أمرين : أحدهما : على خلق الأفعال بقوله : {وَجَعَلْنَـاهُمْ أَاـاِمَّةً} وتقريره ما مضى. والثاني : على أن الدعوة إلى الحق والمنع عن الباطل لا يجوز إلا بأمر الله تعالى لأن الأمر لو لم يكن معتبراً لما كان في قوله بأمرنا فائدة.
النعمة الرابعة : قوله تعالى : {وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ} وهذا يدل على أنه سبحانه خصهم بشرف النبوة وذلك من أعظم النعم على الأب ، قال الزجاج : حذف الهاء من إقامة الصلاة لأن الإضافة عوض عنه ، وقال غيره : الإقام والإقامة مصدر ، قال أبو القاسم الأنصاري : الصلاة / أشرف العبادات البدنية وشرعت لذكر الله تعالى ، والزكاة أشرف العبادات المالية ومجموعهما التعظيم لأمر الله تعالى والشفقة على خلق الله ، واعلم أنه سبحانه وصفهم أولاً بالصلاح لأنه أول مراتب السائرين إلى الله تعالى ثم ترقى فوصفهم بالإمامة. ثم ترقى فوصفهم بالنبوة والوحي. وإذا كان الصلاح الذي هو العصمة أول مراتب النبوة دل ذلك على أن الأنبياء معصومون فإن المحروم عن أول المراتب أولى بأن يكون محروماً عن النهاية ، ثم إنه سبحانه كما بين أصناف نعمه عليهم بين بعد ذلك اشتغالهم بعبوديته فقال : {وَكَانُوا لَنَا عَـابِدِينَ} كأنه سبحانه وتعالى لما وفى بعهد الربوبية في الإحسان والإنعام فهم أيضاً وفوا بعهد العبودية وهو الاشتغال بالطاعة والعبادة.
القصة الثالثة ، قصة لوط عليه السلام
جزء : 22 رقم الصفحة : 161
162
اعلم أنه سبحانه بعد بيان ما أنعم به على إبراهيم عليه السلام أتبعه بذكر نعمه على لوط عليه السلام لما جمع بينهما من قبل ، وههنا مسألتان :
المسألة الأولى : في الواو في قوله : {وَلُوطًا} قولان : أحدهما : وهو قول الزجاج أنه عطف على قوله : {وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِمْ} (الأنبياء : 73). والثاني : قول أبي مسلم أنه عطف على قوله : {إِبْرَاهِيمَ رُشْدَه مِن} (الأنبياء : 51) ولا بد من ضمير في قوله : {وَلُوطًا} فكأنه قال وآتينا لوطاً فأضمر ذكره.
(1/3153)

المسألة الثانية : في أصناف النعم وهي أربعة وجوه : أحدها : الحكم أي الحكمة وعي التي يجب فعلها أو الفصل بين الخصوم وقيل هي النبوة. وثانيها : العلم ، واعلم أن إدخال التنوين عليهما يدل على علو شأن ذلك العلم وذلك الحكم. وثالثها : قوله : {وَنَجَّيْنَـاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِى كَانَت تَّعْمَلُ الْخَبَـا ئِثَ } والمراد أهل القرية لأنهم هم الذين يعملون الخبائث دون نفس القرية ولأن الهلاك بهم نزل فنجاه الله تعالى من ذلك ، ثم بين سبحانه وتعالى بقوله : {إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَـاسِقِينَ} ما أراده بالخبائث ، وأمرهم فيما كانوا يقدمون عليه ظاهر. ورابعها : قوله : {وَأَدْخَلْنَـاهُ فِى رَحْمَتِنَآا إِنَّه مِنَ الصَّـالِحِينَ} وفي تفسير الرحمة قولان : الأول : أنه النبوة أي أنه لما كان صالحاً للنبوة أدخله الله في رحمته لكي يقوم بحقها عن مقاتل. الثاني : أنه الثواب عن ابن عباس والضحاك ، ويحتمل أن يقال : إنه عليه السلام لما آتاه الله الحكم والعلم وتخلص عن جلساء السوء فتحت عليه أبواب المكاشفات وتجلت له أنوار الإلهية وهي بحر لا ساحل له وهي الرحمة في الحقيقة.
/ (القصة الرابعة ، قصة نوح عليه السلام)
جزء : 22 رقم الصفحة : 162
163
أما قوله تعالى : {إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ} ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : لا شبهة في أن المراد من هذا النداء دعاؤه على قومه بالعذاب ويؤكده حكاية الله تعالى عنه ذلك تارة على الإجمال وهو قوله : {فَدَعَا رَبَّه ا أَنِّى مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ} (القمر : 10) وتارة على التفصيل وهو قوله : {وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لا تَذَرْ عَلَى الارْضِ مِنَ الْكَـافِرِينَ دَيَّارًا} (نوح : 26) ويدل عليه أيضاً أن الله تعالى أجابه بقوله : {فَاسْتَجَبْنَا لَه فَنَجَّيْنَـاهُ وَأَهْلَه مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ} وهذا الجواب يدل على أن الإنجاء المذكور فيه كان هو المطلوب في السؤال فدل هذا على أن نداءه ودعاءه كان بأن ينجيه مما يلحقه من جهتهم من ضروب الأذى بالتكذيب والرد عليه وبأن ينصره عليهم وأن يهلكهم. فلذلك قال بعده : {وَنَصَرْنَـاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِـاَايَـاتِنَآ } .
المسألة الثانية : أجمع المحققون على أن ذلك النداء كان بأمر الله تعالى لأنه لو لم يكن بأمره لم يؤمن أن يكون الصلاح أن لايجاب إليه فيصير ذلك سبباً لنقصان حال الأنبياء ، ولأن الإقدام على أمثال هذه المطالب لو لم يكن بالأمر لكان ذلك مبالغة في الإضرار ، وقال آخرون : إنه عليه السلام لم يكن مأذوناً له في ذلك. وقال أبو أمامة : لم يتحسر أحد من خلق الله تعالى كحسرة آدم ونوح ، فحسرة آدم على قبول وسوسة إبليس ، وحسرة نوح على دعائه على قومه. فأوحى الله تعالى إليه أن لا تتحسر فإن دعوتك وافقت قدري.
أما قوله تعالى : {فَنَجَّيْنَـاهُ وَأَهْلَه مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ} فالمراد بالأهل ههنا أهل دينه ، وفي تفسير الكرب وجوه : أحدها : أنه العذاب النازل بالكفار وهو الغرق وهو قول أكثر المفسرين. وثانيها : أنه تكذيب قومه إياه وما لقي منهم من الأذى. وثالثها : أنه مجموع الأمرين وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما وهو الأقرب لأنه عليه السلام كان قد دعاهم إلى الله تعالى مدة طويلة وكان قد ينال منهم كل مكروه ، وكان الغم يتزايد بسبب ذلك وعند إعلام الله تعالى إياه أنه يغرقهم وأمره باتخاذ الفلك كان أيضاً على غم وخوف من حيث لم يعلم من الذي يتخلص / من الغرق ومن الذي يغرق فأزال الله تعالى عنه الكرب العظيم بأن خلصه من جميع ذلك وخلص جميع من آمن به معه.
جزء : 22 رقم الصفحة : 163
أما قوله تعالى : {وَنَصَرْنَـاهُ مِنَ الْقَوْمِ} فقراءة أبي بن كعب ونصرناه على القوم ثم قال المبرد : تقديره ونصرناه من مكروه القوم ، وقال تعالى : {فَمَن يَنصُرُنَا مِنا بَأْسِ اللَّهِ} (غافر : 29) أي يعصمنا من عذابه ، قال أبو عبيدة : من بمعنى على. وقال صاحب "الكشاف" : إنه نصر الذي مطاوعه انتصر وسمعت هذلياً يدعو على سارق : اللهم انصرهم منه ، أي اجعلهم منتصرين منه.
أما قوله تعالى : {إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ} فالمعنى أنهم كانوا قوم سوء لأجل ردهم عليه وتكذيبهم له فأغرقناهم أجمعين ، فبين ذلك الوجه الذي به خلصه منهم.
(القصة الخامسة ، قصة داود وسليمان عليهما السلام}
جزء : 22 رقم الصفحة : 163
(1/3154)

اعلم أن قوله تعالى : وداود وسليمان وأيوب وزكريا وذا النون ، كله نسق على ما تقدم من قوله : {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ رُشْدَه مِن قَبْلُ} (الأنبياء : 51) ومن قوله : {وَلُوطًا ءَاتَيْنَـاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا} (الأنبياء : 74) واعلم أن المقصود ذكر نعم الله تعالى على داود وسليمان فذكر أولاً النعمة المشتركة بينهما ، ثم ذكر ما يختص به كل / واحد منهما من النعم. أما النعمة المشتركة فهي القصة المذكورة وهي قصة الحكومة ، ووجه النعمة فيها أن الله تعالى زينهما بالعلم والفهم في قوله : {وَكُلا ءَاتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا } ثم في هذا تنبيه على أن العلم أفضل الكمالات وأعظمها ، وذلك لأن الله تعالى قدم ذكره ههنا على سائر النعم الجليلة مثل تسخير الجبال والطير والريح والجن. وإذا كان العلم مقدماً على أمثال هذه الأشياء فما ظنك بغيرها وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قال ابن السكيت النفش أن تنتشر الغنم بالليل ترعى بلا راع ، وهذا قول جمهور المفسرين ، وعن الحسن أنه يجوز ذلك ليلاً ونهاراً.
المسألة الثانية : أكثر المفسرين على أن الحرث هو الزرع ، وقال بعضهم : هو الكرم والأول أشبه بالعرف.
المسألة الثالثة : احتج من قال : أقل الجمع إثنان بقوله تعالى : {وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَـاهِدِينَ} مع أن المراد داود وسليمان. جوابه : أن الحكم كما يضاف إلى الحاكم فقد يضاف إلى المحكوم له ، فإذا أضيف الحكم إلى المتحاكمين كان المجموع أكثر من الإثنين ، وقرىء وكنا لحكمهما شاهدين.
جزء : 22 رقم الصفحة : 163
المسألة الرابعة : في كيفية القصة وجهان. الأول : قال أكثر المفسرين : دخل رجلان على داود عليه السلام ، أحدهما صاحب حرث والآخر صاحب غنم فقال صاحب الحرث : إن غنم هذا دخلت حرثي وما أبقت منه شيئاً ، فقال داود عليه السلام : اذهب فإن الغنم لك. فخرجا فمرا على سليمان ، فقال : كيف قضى بينكما ؟
فأخبراه : فقال : لو كنت أنا القاضي لقضيت بغير هذا. فأخبر بذلك داود عليه السلام فدعاه وقال : كيف كنت تقضي بينهما ، فقال : ادفع الغنم إلى صاحب الحرث فيكون له منافعها من الدر والنسل والوبر حتى إذا كان الحرث من العام المستقبل كهيئته يوم أكل دفعت الغنم إلى أهلها وقبض صاحب الحرث حرثه. الثاني : قال ابن مسعود وشريح ومقاتل رحمهم الله : أن راعياً نزل ذات ليلة بجنب كرم ، فدخلت الأغنام الكرم وهو لا يشعر فأكلت القضبان وأفسدت الكرم ، فذهب صاحب الكرم من الغد إلى داود عليه السلام فقضى له بالغنم لأنه لم يكن بين ثمن الكرم وثمن الغنم تفاوت ، فخرجوا ومروا بسليمان فقال لهم : كيف قضى بينكما ؟
فأخبراه به ، فقال غير هذا أرفق بالفريقين ، فأخبر داود عليه السلام بذلك فدعا سليمان وقال له : بحق الأبوة والنبوة إلا أخبرتني بالذي هو أرفق بالفريقين ، فقال : تسلم الغنم إلى صاحب الكرم حتى يرتفق بمنافعها ويعمل الراعي في إصلاح الكرم حتى يصير كما كان/ ثم ترد الغنم إلى صاحبها ، فقال داود عليه السلام : إنما القضاء ما قضيت وحكم بذلك. قال ابن عباس رضي الله عنهما : حكم سليمان بذلك وهو ابن إحدى عشرة سنة ، وههنا أمور ولا بد من البحث عنها.
السؤال الأول : هل في الآية دلالة على أنهما عليهما السلام اختلفا في الحكم أم لا ؟
فإن أبا بكر الأصم قال : إنهما لم يختلفا ألبتة ، وأنه تعالى بين لهما الحكم لكنه بينه على لسان سليمان عليه السلام. الجواب : الصواب أنهما اختلفا والدليل إجماع الصحابة والتابعين رضي الله عنهم على / ما رويناه ، وأيضاً فقد قال الله تعالى : {وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَـاهِدِينَ} ثم قال : {فَفَهَّمْنَـاهَا سُلَيْمَـانَ } والفاء للتعقيب فوجب أن يكون ذلك الحكم سابقاً على هذا التفهيم ، وذلك الحكم السابق إما أن يقال : اتفقا فيه أو اختلفا فيه ، فإن اتفقا فيه لم يبق لقوله : {فَفَهَّمْنَـاهَا سُلَيْمَـانَ } فائدة وإن اختلفا فيه فذلك هو المطلوب.
السؤال الثاني : سلمنا أنهما اختلفا في الحكم ولكن هل كان الحكمان صادرين عن النص أو عن الاجتهاد. الجواب : الأمران جائزان عندنا وزعم الجبائي أنهما كانا صادرين عن النص ، ثم إنه تارة يبني ذلك على أن الاجتهاد غير جائز من الأنبياء ، وأخرى على أن الاجتهاد وإن كان جائزاً منهم في الجملة ، ولكنه غير جائز في هذه المسألة.
جزء : 22 رقم الصفحة : 163
(1/3155)

أما المأخذ الأول : فقد تكلمنا فيه في الجملة في كتابنا المسمى بالمحصول في الأصول ولنذكر ههنا أصول الكلام من الطرفين احتج الجبائي على أن الاجتهاد غير جائز من الأنبياء عليهم السلام بأمور : أحدها : قوله تعالى : {قُلْ مَا يَكُونُ لِى أَنْ أُبَدِّلَه مِن تِلْقَآى ِ نَفْسِى ا إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى ا إِلَىَّ } (يونس : 15) وقوله تعالى : {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى } (النجم : 3). وثانيها : أن الاجتهاد طريقه الظن وهو قادر على إدراكه يقيناً فلا يجوز مصيره إلى الظن كالمعاين للقبلة لا يجوز له أن يجتهد. ثالثها : أن مخالفة الرسول توجب الكفر لقوله تعالى : {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} (النساء : 65) ومخالفة المظنون والمجتهدات لا توجب الكفر. ورابعها : لو جاز أن يجتهد في الأحكام غير جائز عليه. وخامسها : أن الاجتهاد إنما يجوز المصير إليه عند فقد النص ، لكن فقدان النص في حق الرسول كالممتنع فوجب أن لا يجوز الاجتهاد منه. وسادسها : لو جاز الاجتهاد من الرسول لجاز أيضاً من جبريل عليه السلام وحينئذ لا يحصل الأمان بأن هذه الشرائع التي جاء بها أهي من نصوص الله تعالى أو من اجتهاد جبريل ؟
والجواب عن الأول : أن قوله تعالى : {قُلْ مَا يَكُونُ لِى أَنْ أُبَدِّلَه مِن تِلْقَآى ِ نَفْسِى ا إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى ا إِلَىَّ } (يونس : 15) لا يدل على قولكم لأنه وارد في إبدال آية بآية لأنه عقيب قوله : {قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ائْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَـاذَآ أَوْ بَدِّلْه } (يونس : 15) ولا مدخل للاجتهاد في ذلك. وأما قوله تعالى : {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى } (النجم : 3) فبعيد لأن من يجوز له الاجتهاد يقول إن الذي اجتهد فيه هو عن وحي على الجملة وإن لم يكن كذلك على التفصيل ، وإن الآية واردة في الأداء عن الله تعالى لا في حكمه الذي يكون بالعقل. والجواب عن الثاني : أن الله تعالى إذا قال له إذا غلب على ظنك كون الحكم معللاً في الأصل بكذا ، ثم غلب على ظنك قيام ذلك المعنى في صورة أخرى فاحكم بذلك فههنا الحكم مقطوع به والظن غير واقع فيه بل في طريقه. والجواب عن الثالث : أنا لا نسلم أن مخالفة المجتهدات جائزة مطلقاً بل جواز مخالفتها مشروط بصدورها عن غير المعصوم والدليل عليه أنه يجوز على الأمة أن يجمعوا اجتهاداً ثم يمتنع مخالفتهم وحال الرسول أؤكد. والجواب عن الرابع : لعله عليه السلام كان ممنوعاً من الاجتهاد في بعض الأنواع أو كان مأذوناً مطلقاً لكنه لم يظهر له في تلك الصورة وجه الاجتهاد ، فلا جرم / أنه توقف. والجواب عن الخامس : لم لا يجوز أن يحبس النص عنه في بعض الصور فحينئذ يحصل شرط جواز الاجتهاد. والجواب عن السادس : أن هذا الاحتمال مدفوع باجماع الأمة على خلافه فهذا هو الجواب عن شبه المنكرين والذي يدل على جواز الاجتهاد عليهم وجوه : أحدها : أنه عليه السلام إذا غلب على ظنه أن الحكم في الأصل معلل بمعنى ثم علم أو ظن قيام ذلك المعنى في صورة أخرى فلا بد وأن يغلب على ظنه أن حكم الله تعالى في هذه الصورة مثل ما في الأصل ، وعنده مقدمة يقينية وهي أن مخالفة حكم الله تعالى سبب لاستحقاق العقاب فيتولد من هاتين المقدمتين ظن استحقاق العقاب لمخالفة هذا الحكم المظنون. وعند هذا ، إما أن يقدم على الفعل والترك معاً وهو محال لاستحالة الجمع بين النقيضين. أو يتركهما وهو محال لاستحالة الخلو عن النقيضين ، أو يرجح المرجوح على الراجح وهو باطل ببديهة العقل ، أو يرجح الراجح على المرجوح وذلك هو العمل بالقياس. وهذه النكتة هي التي عليها التعويل في العمل بالقياس وهي قائمة أيضاً في حق الأنبياء عليهم السلام. وهذا يتوجه على جواز الاجتهاد من جبريل عليه السلام. وثانيها : قوله تعالى :
جزء : 22 رقم الصفحة : 163
(1/3156)

{فَاعْتَبِرُوا } أمر للكل بالإعتبار فوجب اندراج الرسول عليه السلام فيه لأنه إمام المعتبرين وأفضلهم. وثالثها : أن الإستنباط أرفع درجات العلماء فوجب أن يكون للرسول فيه مدخل وإلا لكان كل واحد من آحاد المجتهدين أفضل منه في هذا الباب. فإن قيل هذا إنما يلزم لو لم تكن درجة أعلى من الإعتبار ، وليس الأمر كذلك ، لأنه كان يستدرك الأحكام وحياً على سبيل اليقين ، فكان أرفع درجة من الاجتهاد الذي ليس قصاراه إلا الظن. قلنا : لا يمتنع أن لا يجد النص في بعض المواضع ، فلو لم يتمكن من الاجتهاد لكان أقل درجة من المجتهد الذي يمكنه أن يعرف ذلك الحكم من الإجتهاد ، وأيضاً قد بينا أن الله تعالى لما أمره بالإجتهاد كان ذلك مفيداً للقطع بالحكم. ورابعها : قال عليه السلام : "العلماء ورثة الأنبياء" فوجب أن يثبت للأنبياء درجة الإجتهاد ليرث العلماء عنهم ذلك. هذا تمام القول في هذه المسألة. وخامسها : أنه تعالى قال : {عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} فذاك الإذن إن كان بإذن الله تعالى استحال أن يقول : لم أذنت لهم ، وإن كان بهوى النفس فهو غير جائز ، وإن كان بالاجتهاد فهو المطلوب.
المأخذ الثاني : قال الجبائي : لو جوزنا الاجتهاد من الأنبياء عليهم السلام ففي هذه المسألة يجب أن لا يجوز لوجوه ؛ أحدها : أن الذي وصل إلى صاحب الزرع من در الماشية ومن منافعها مجهول المقدار ، فكيف يجوز في الاجتهاد جعل أحدهما عوضاً عن الآخر. وثانيها : أن اجتهاد داود عليه السلام إن كان صواباً لزم أن لا ينقض لأن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد. وإن كان خطأ وجب أن يبين الله تعالى توبته كسائر ما حكاه عن الأنبياء عليهم السلام ، فلما مدحهما بقوله : {وَكُلا ءَاتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا } دل على أنه لم يقع الخطأ من داود. وثالثها : لو حكم بالاجتهاد لكان الحاصل هناك ظناً لا علماً لأن الله تعالى قال : {وَكُلا ءَاتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا } . ورابعها : كيف يجوز أن يكون / عن اجتهاد من مع قوله : {فَفَهَّمْنَـاهَا سُلَيْمَـانَ } . والجواب عن الأول : أن الجهالة في القدر لا تمنع من الاجتهاد كالجعالات وحكم المصراة. وعن الثاني : لعله كان خطأ من باب الصغائر. وعن الثالث : بينا أن من تمسك بالقياس فالظن واقع في طريق إثبات الحكم فأما الحكم فمقطوع به. وعن الرابع : أنه إذا تأمل واجتهد فأداه اجتهاده إلى ما ذكرنا كان الله تعالى فهمه من حيث بين له طريق ذلك. فهذه جملة الكلام في بيان أنه لا يمتنع أن يكون اختلاف داود وسليمان عليهما السلام في ذلك الحكم إنما كان بسبب الاجتهاد. وأما بيان أنه لا يمتنع أيضاً أن يكون اختلافهما فيه بسبب النص فطريقه أن يقال : إن داود عليه السلام كان مأموراً من قبل الله تعالى في هذه المسألة بالحكم الذي حكم به ، ثم إنه سبحانه نسخ ذلك بالوحي إلى سليمان عليه السلام خاصة وأمره أن يعرف داود ذلك فصار ذلك الحكم حكمهما جميعاً فقوله : {فَفَهَّمْنَـاهَا سُلَيْمَـانَ } أي أوحينا إليه فإن قيل هذا باطل لوجهين : الأول : لما أنزل الله تعالى الحكم الأول على داود وجب أن ينزل نسخه أيضاً على داود لا على سليمان. الثاني : أن الله تعالى مدح كلا منهما على الفهم ولو كان ذلك على سبيل النص لم يكن في فهمه كثير مدح إنما المدح الكثير على قوة الخاطر والحذاقة في الاستنباط.
جزء : 22 رقم الصفحة : 163
المسألة الثالثة : إذا أثبتم أنه يجوز أن يكون اختلافهما لأجل النص وأن يكون لأجل الاجتهاد فأي القولين أولى. والجواب : الاجتهاد أرجح لوجوه : أحدها : أنه روى في الأخبار الكثيرة أن داود عليه السلام لم يكن قد بت الحكم في ذلك حتى سمع من سليمان أن غير ذلك أولى ، وفي بعضها أن داود عليه السلام ناشده لكي يورد ما عنده وكل ذلك لا يليق بالنص ، لأنه لو كان نصاً لكان يظهره ولا يكتمه.
السؤال الرابع : بينوا أنه كيف كان طريق الاجتهاد. الجواب : أن وجه الاجتهاد فيه ما ذكره ابن عباس رضي الله عنهما من أن داود عليه السلام قوم قدر الضرر بالكرم فكان مساوياً لقيمة الغنم فكان عنده أن الواجب في ذلك الضرر أن يزال بمثله من النفع فلا جرم سلم الغنم إلى المجنى عليه كما قال أبو حنيفة رحمه الله في العبد إذا جنى على النفس يدفعه المولى بذلك أو يفديه ، وأما سليمان عليه السلام فإن اجتهاده أدى إلى أن يجب مقابلة الأصول بالأصول والزوائد بالزوائد ، فأما مقابلة الأصول بالزوائد فغير جائز لأنه يقتضي الحيف والجور ، ولعل منافع الغنم في تلك السنة كانت موازية لمنافع الكرم فحكم به ، كما قال الشافعي رضي الله عنه : فيمن غصب عبداً فأبق من يده أنه يضمن القيمة لينتفع بها المغصوب منه بإزاء ما فوته الغاصب من منافع العبد فإذا ظهر ترادا.
(1/3157)

السؤال الخامس : على تقدير أن ثبت قطعاً أن تلك المخالفة كانت مبنية على الاجتهاد ، فهل تدل هذه القصة على أن المصيب واحد أو الكل مصيبون. الجواب : أما القائلون بأن المصيب واحد ففيهم من استدل بقوله تعالى : {فَفَهَّمْنَـاهَا سُلَيْمَـانَ } قال ولو كان الكل مصيباً لم يكن لتخصيص / سليمان عليه السلام بهذا التفهيم فائدة ، وأما القائلون بأن الكل مصيبون ففيهم من استدل بقوله : {وَكُلا ءَاتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا } ولو كان المصيب واحداً ومخالفه مخطئاً لما صح أن يقال : {وَكُلا ءَاتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا } واعلم أن الإستدلالين ضعيفان. أما الأول : فلأن الله تعالى لم يقل إنه فهمه الصواب فيحتمل أنه فهمه الناسخ ولم يفهم ذلك داود عليه السلام لأنه لم يبلغه وكل واحد منهما مصيب فيما حكم به ، على أن أكثر ما في الآية أنها دالة على أن داود وسليمان عليهما السلام ما كانامصيبين وذلك لا يوجب أن يكون الأمر كذلك في شرعنا. وأما الثاني : فلأنه تعالى لم يقل إن كلا آتيناه حكماً وعلماً بما حكم به ، بل يجوز أن يكون آتيناه حكماً وعلماً بوجوه الاجتهاد وطرق الأحكام ، على أنه لا يلزم من كون كل مجتهد مصيباً في شرعهم أن يكون الأمر كذلك في شرعنا.
جزء : 22 رقم الصفحة : 163
السؤال السادس : لو وقعت هذه الواقعة في شرعنا ما حكمها ؟
الجواب : قال الحسن البصري : هذه الآية محكمة ، والقضاة بذلك يقضون إلى يوم القيامة ، واعلم أن كثيراً من العلماء يزعمون أنه منسوخ بالإجماع ثم اختلفوا في حكمه فقال الشافعي رحمه الله : إن كان ذلك بالنهار لا ضمان لأن لصاحب الماشية تسييب ماشيته بالنهار ، وحفظ الزرع بالنهار على صاحبه. وإن كان ليلاً يلزمه الضمان لأن حفظها بالليل عليه. وقال أبو حنيفة رحمه الله : لا ضمان عليه ليلاً كان أو نهاراً إذا لم يكن متعدياً بالإرسال ، لقوله صلى الله عليه وسلّم : "جرج العجماء جبار" واحتج الشافعي رحمه الله بما روي عن البراء بن عازب أنه قال : "كانت ناقة ضارية فدخلت حائطاً فأفسدته فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلّم فقضى أن حفظ الحوائط بالنهار على أهلها ، وأن حفظ الماشية بالليل على أهلها ، وأن على أهل الماشية ما أصابت ماشيتهم بالليل" وهذا تمام القول في هذه الآية. ثم إن الله تعالى ذكر بعد ذلك من النعم التي خص بها داود عليه أمرين : الأول : قوله تعالى : {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُادَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَا وَكُنَّا فَـاعِلِينَ} وفيه مسائل :
المسألة الأولى : في تفسير هذا التسبيح وجهان : أحدهما : أن الجبال كانت تسبح ثم ذكروا وجوهاً. أحدها : قال مقاتل إذا ذكر داود عليه السلام ربه ذكرت الجبال والطير ربها معه. وثانيها : قال الكلبي : إذا سبح داود أجابته الجبال. وثالثها : قال سليمان بن حيان : كان داود عليه السلام إذا وجد فترة أمر الله تعالى الجبال فسبحت فيزداد نشاطاً واشتياقاً. القول الثاني : وهو اختيار بعض أصحاب المعاني أنه يحتمل أن يكون تسبيح الجبال والطير بمثابة قوله : {وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدَه } (الإسراء : 44) وتخصيص داود عليه السلام بذلك إنما كان بسبب أنه عليه السلام كان يعرف ذلك ضرورة فيزداد يقيناً وتعظيماً ، والقول الأول أقرب لأنه لا ضرورة في صرف اللفظ عن ظاهره. وأما المعتزلة فقالوا : لو حصل الكلام من الجبل لحصل إما بفعله أو بفعل الله تعالى فيه. والأول : محال لأن بنية الجبل لا تحتمل الحياة والعلم والقدرة ، وما لا يكون حياً / عالماً قادراً يستحيل منه الفعل. والثاني : أيضاً محال لأن المتكلم عندهم من كان فاعلاً للكلام لا من كان محلاً للكلام ، فلو كان فاعل ذلك الكلام هو الله تعالى لكان المتكلم هو الله تعالى لا الجبل ، فثبت أنه لا يمكن إجراؤه على ظاهره فعند هذا قالوا في : {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُادَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ} ومثله قوله تعالى : {فَضْلا يَـاجِبَالُ أَوِّبِى مَعَه } (سبإ : 10) معناه تصرفي معه وسيري بأمره ويسبحن من السبح الذي السباحة خرج اللفظ فيه على التكثير ولو لم يقصد التكثير لقيل يسبحن فلما كثر قيل يسبحن معه ، أي سيرى وهو كقوله : {إِنَّ لَكَ فِى النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلا} (المزمل : 7) أي تصرفاً ومذهباً. إذا ثبت هذا فنقول : إن سيرها هو التسبيح لدلالته على قدرة الله تعالى وعلى سائر ما تنزه عنه واعلم أن مدار هذا القول على أن بنية الجبل لا تقبل الحياة ، وهذا ممنوع وعلى أن التكلم من فعل الله وهو أيضاً ممنوع.
جزء : 22 رقم الصفحة : 163
(1/3158)

المسألة الثانية : أما الطير فلا امتناع في أن يصدر عنها الكلام ، ولكن أجمعت الأمة على أن المكلفين إما الجن أو الإنس أو الملائكة فيمتنع فيها أن تبلغ في العقل إلى درجة التكليف ، بل تكون على حالة كحال الطفل في أن يؤمر وينهي وإن لم يكن مكلفاً فصار ذلك معجزة من حيث جعلها في الفهم بمنزلة المراهق ، وأيضاً فيه دلالة على قدرة الله تعالى وعلى تنزهه عما لا يجوز فيكون القول فيه كالقول في الجبال.
المسألة الثالثة : قال صاحب "الكشاف" : يسبحن حال بمعنى مسبحات أو استئناف كأن قائلاً قال : كيف سخرهن ؟
فقال : يسبحن. والطير إما معطوف على الجبال وإما مفعول معه. فإن قلت : لم قدمت الجبال على الطير ؟
قلت : لأن تسخيرها وتسبيحها أعجب وأدل على القدرة وأدخل في الإعجاز/ لأنها جماد والطير حيوان ناطق.
أما قوله : {وَكُنَّا فَـاعِلِينَ} فالمعنى أنا قادرون على أن نفعل هذا وإن كان عجباً عندكم وقيل نفعل ذلك بالأنبياء عليهم السلام.
الإنعام الثالث : قوله تعالى : {وَعَلَّمْنَـاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّنا بَأْسِكُم فَهَلْ أَنتُمْ شَـاكِرُونَ} وفيه مسائل :
المسألة الأولى : اللبوس اللباس ، قال ألبس لكل حالة لبوسها.
المسألة الثانية : لتحصنكم قرىء بالنون والياء والتاء وتخفيف الصاد وتشديدها ، فالنون لله عز وجل والتاء للصنعة أو للبوس على تأويل الدرع والياء لله تعالى أو لداود أو للبوس.
المسألة الثالثة : قال قتادة : أول من صنع الدرع داود عليه السلام ، وإنما كانت صفائح قبله فهو أول من سردها واتخذها حلقاً ، ذكر الحسن أن لقمان الحكيم عليه السلام حضره وهو يعمل الدرع ، فأراد أن يسأل عما يفعل ثم سكت حتى فرغ منها ولبسها على نفسه ، فقال : الصمت حكمة وقليل فاعله قالوا إن الله تعالى ألان الحديد له يعمل منه بغير نار كأنه طين.
المسألة الرابعة : البأس ههنا الحرب وإن وقع على السوء كله ، والمعنى ليمنعكم ويحرسكم من / بأسكم أي من الجرح والقتل والسيف والسهم والرمح.
المسألة الخامسة : فيه دلالة على أن أول من عمل الدرع داود ثم تعلم الناس منه ، فتوارث الناس عنه ذلك. فعمت النعمة بها كل المحاربين من الخلق إلى آخر الدهر ، فلزمهم شكر الله تعالى على النعمة فقال : {فَهَلْ أَنتُمْ شَـاكِرُونَ} أي اشكروا الله على ما يسر عليكم من هذه الصنعة ، واعلم أنه سبحانه لما ذكر النعم التي خص داود بها ذكر بعده النعم التي خص بها سليمان عليه السلام ، وقال قتادة : ورث الله تعالى سليمان من داود ملكه ونبوته وزاده عليه أمرين سخر له الريح والشياطين.
جزء : 22 رقم الصفحة : 163
الإنعام الأول : قوله تعالى : {وَلِسُلَيْمَـانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِى بِأَمْرِه } أي جعلناها طائعة منقادة له بمعنى أنه إن أرادها عاصفة كانت عاصفة وإن أرادها لينة كانت لينة والله تعالى مسخرها في الحالتين ، فإن قيل : العاصف الشديدة الهبوب ، وقد وصفها الله تعالى بالرخاوة في قوله : {رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ} فكيف يكون الجمع بينهما. والجواب : من وجهين : الأول : أنها كانت في نفسها رخية طيبة كالنسيم ، فإذا مرت بكرسيه أبعدت به في مدة يسيرة على ما قال : {غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ } وكانت جامعة بين الأمرين رخاء في نفسها وعاصفة في عملها مع طاعتها لسليمان عليه السلام وهبوبها على حسب ما يريد ويحكم آية إلى آية ومعجزة إلى معجزة. الثاني : أنها كانت في وقت رخاء وفي وقت عاصفاً ، لأجل هبوبها على حكم إرادته.
المسألة السادسة : قرىء الريح والرياح بالرفع والنصب فيهما فالرفع على الابتداء والنصب للعطف على الجبال ، فإن قيل : قال في دواد : {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُادَ الْجِبَالَ} وقال في حق سليمان : {وَلِسُلَيْمَـانَ الرِّيحَ} فذكره في حق داود عليه السلام بكلمة مع وفي حق سليمان عليه السلام باللام وراعى هذا الترتيب أيضاً في قوله : {فَضْلا يَـاجِبَالُ أَوِّبِى مَعَه وَالطَّيْرَ } وقال : {فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِى بِأَمْرِه } فما الفائدة في تخصيص داود عليه السلام بلفظ مع ، وسليمان باللام قلنا يحتمل أن الجبل لما اشتغل بالتسبيح حصل له نوع شرف ، فما أضيف إليه بلام التمليك ، أما الريح فلم يصدر عنه إلا ما يجري مجرى الخدمة ، فلا جرم أضيف إلى سليمان بلام التمليك ، وهذا إقناعي.
أما قوله : {إِلَى الارْضِ الَّتِى بَـارَكْنَا فِيهَا لِلْعَـالَمِينَ} أي إلى المضي إلى بيت المقدس ، قال الكلبي : كانت تسير في اصطخر إلى الشام يركب عليها سليمان وأصحابه.
أما قوله : {وَكُنَّا بِكُلِّ شَىْءٍ عَـالِمِينَ} أي لعلمنا بالأشياء صح منا أن ندبر هذا التدبير في رسلنا وفي خلقنا ، وأن نفعل هذه المعجزات القاهرة.
الإنعام الثاني : قوله تعالى : {وَمِنَ الشَّيَـاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَه وَيَعْمَلُونَ عَمَلا دُونَ ذَالِكَا وَكُنَّا لَهُمْ حَـافِظِينَ} وفيه مسائل :
جزء : 22 رقم الصفحة : 163
(1/3159)

المسألة الأولى : المراد أنهم يغوصون له في البحار فيستخرجون الجواهر ويتجاوزون ذلك إلى الأعمال والمهن وبناء المدن والقصور واختراع الصنائع العجيبة كما قال : {يَعْمَلُونَ لَه مَا يَشَآءُ مِن مَّحَـارِيبَ وَتَمَـاثِيلَ وَجِفَانٍ} وأما الصناعات فكاتخاذ الحمام والنورة والطواحين والقوارير والصابون.
المسألة الثانية : قوله : {وَمِنَ الشَّيَـاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَه } يعني وسخرنا لسليمان من الشياطين من يغوصون له ، فيكون في موضع النصب نسقاً على الريح قال الزجاج ويجوز أن يكون في موضع رفع من وجهين : أحدهما : النسق على الريح ، وأن يكون المعنى : {وَلِسُلَيْمَـانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِى بِأَمْرِه إِلَى الارْضِ الَّتِى بَـارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَىْءٍ عَـالِمِينَ * وَمِنَ الشَّيَـاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَه وَيَعْمَلُونَ} ، ويجوز أن يكون رفعاً على الابتداء ويكون له هو الخبر.
المسألة الثالثة : يحتمل أن يكون من يغوص منهم هو الذي يعمل سائر الأعمال ، ويحتمل أنهم فرقة أخرى ويكون الكل داخلين في لفظة من وإن كان الأول هو الأقرب.
المسألة الرابعة : ليس في الظاهر إلا أنه سخرهم ، لكنه قد روى أنه تعالى سخر كفارهم دون المؤمنين وهو الأقرب من وجهين : أحدهما : إطلاق لفظ الشياطين. والثاني : قوله : {وَكُنَّا لَهُمْ حَـافِظِينَ} فإن المؤمن إذا سخر في أمر لا يجب أن يحفظ لئلا يفسد ، وإنما يجب ذلك في الكافر.
المسألة الخامسة : في تفسير قوله : {وَكُنَّا لَهُمْ حَـافِظِينَ} وجوه : أحدها : أنه تعالى وكل بهم جمعاً من الملائكة أو جمعاً من مؤمني الجن. وثانيها : سخرهم الله تعالى بأن حبب إليهم طاعته وخوفهم من مخالفته. وثالثها : قال ابن عباس رضي الله عنهما : يريد وسلطانه مقيم عليهم يفعل بهم ما يشاء ، فإن قيل وعن أي شيء كانوا محفوظين قلنا فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه تعالى كان يحفظهم عليه لئلا يذهبوا ويتركوه. وثانيها ؛ قال الكلبي كان يحفظهم من أن يهيجوا أحداً في زمانه. وثالثها : كان يحفظهم من أن يفسدوا ما عملوا فكان دأبهم أنهم يعملون بالنهار ثم يفسدونه في الليل.
جزء : 22 رقم الصفحة : 163
المسألة السادسة : سأل الجبائي نفسه ، وقال : كيف يتهيأ لهم هذه الأعمال وأجسامهم رقيقة لا يقدرون على عمل الثقيل ، وإنما يمكنهم الوسوسة ؟
وأجاب بأنه سبحانه كثف أجسامهم خاصة وقواهم وزاد في عظمهم ليكون ذلك معجزاً لسليمان عليه السلام ، فلما مات سليمان ردهم الله إلى الخلقة الأولى لأنه لو بقاهم على الخلقة الثانية لصار شبهة على الناس ، ولو ادعى متنبى النبوة وجعله دلالة لكان كمعجزات الرسل فلذا ردهم إلى خلقتهم الأولى ، واعلم أن هذا الكلام ساقط من وجوه : أحدها : لم قلت إن الجن من الأجسام ، ولم لا يجوز وجود محدث ليس بمتحيز ولا قائم بالمتحيز ويكون الجن منهم ؟
فإن قلت : لو كان الأمر كذلك لكان مثلاً للباري تعالى ، قلت : هذا ضعيف لأن الاشتراك في اللوازم الثبوتية لا يدل على الاشتراك في الملزومات فكيف اللوازم السلبية ، سلمنا أنه جسم ، لكن لا يجوز حصول القدرة على هذه الأعمال الشاقة في الجسم اللطيف ، وكلامه بناء على البنية شرط وليس في يده إلا الاستقراء الضعيف. سلمنا أنه لا بد من تكثيف أجسامهم لكن لم قلت بأنه لا بد من ردها إلى الخلقة الأولى بعد موت سليمان عليه السلام ، فإن قال : لئلا يفضي إلى التلبيس / قلنا التلبيس غير لازم ، لأن المتنبي إذا جعل ذلك معجزة لنفسه فللمدعي أن يقول : لم لا يجوز أن يقال إن قوة أجسادهم كانت معجزة لنبي آخر قبلك/ ومع قيام هذا الاحتمال لا يتمكن المتنبي من الاستدلال به ، واعلم أن أجسام هذا العالم إما كثيفة أو لطيفة ، أما الكثيف فأكثف الأجسام الحجارة والحديد وقد جعلهما الله تعالى معجزة لداود عليه السلام ، فأنطق الحجر ولين الحديد وكل واحد منهما كما يدل على التوحيد والنبوة يدل على صحة الحشر ، لأنه لما قدر على إحياء الحجارة فأي بعد في إحياء العظام الرميمة ، وإذا قدر على أن يجعل في إصبع داود عليه السلام قوة النار مع كون الإصبع في نهاية اللطافة ، فأي بعد في أن يجعل التراب اليابس جسماً حيوانياً ، وألطف الأشياء في هذا العالم الهواء والنار ، وقد جعلهما الله معجزة لسليمان عليه السلام ، أما الهواء فقوله تعالى : {فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ} وأما النار فلأن الشياطين مخلوقون منها وقد سخرهم الله تعالى فكان يأمرهم بالغوص في المياه والنار تنطفيء بالماء وهم ما كان يضرهم ذلك ، وذلك يدل على قدرته على إظهار الضد من الضد.
(القصة السادسة ، قصة أيوب عليه السلام)
جزء : 22 رقم الصفحة : 163
0
(1/3160)

اعلم أن في أمر أيوب عليه السلام وما ذكره الله تعالى من شأنه ههنا وفي غيره من ا لقرآن من العبر والدلائل ما ليس في غيره ، لأنه تعالى مع عظيم فضله أنزل به من المرض العظيم ما أنزله مما كان غيره له ولغيره ولسائر من سمع بذلك وتعريفاً لهم أن الدنيا مزرعة الآخرة ، وأن الواجب على المرء أن يصبر على ما يناله من البلاء فيها ، ويجتهد في القيام بحق الله تعالى ويصبر على حالتي الضراء والسراء وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قال وهب بن منبه : كان أيوب عليه السلام رجلاً من الروم وهو أيوب ابن أنوص وكان من ولد عيص بن إسحق وكانت أمه من ولد لوط ، وكان الله تعالى قد اصطفاه وجعله نبياً ، وكان مع ذلك قد أعطاه من الدنيا حظاً وافراً من النعم والدواب والبساتين وأعطاه أهلاً وولداً من رجال ونساء ، وكان رحيماً بالمساكين ، وكان يكفل الأيتام والأرامل ويكرم / الضيف وكان معه ثلاثة نفر قد آمنوا به وعرفوا فضله ، قال وهب : وإن لجبريل عليه السلام بين يدي الله تعالى مقاماً ليس لأحد من الملائكة مثله في القربة والفضيلة ، وهو الذي يتلقى الكلام فإذا ذكر الله عبداً بخير تلقاه جبريل عليه السلام ثم تلقاه ميكائيل عليه السلام ثم من حوله من الملائكة المقربين ، فإذا شاع ذلك فهم يصلون عليه. ثم صلت ملائكة السموات ثم ملائكة الأرض. وكان إبليس لم يحجب عن شيء من السموات ، وكان يقف فيهن حيثما أراد ، ومن هناك وصل إلى آدم عليه السلام حتى أخرجه من الجنة. ولم يزل على ذلك حتى رفع عيسى عليه السلام فحجب عن أربع. فكان يصعد بعد ذلك إلى ثلاث إلى زمان نبينا محمد صلى الله عليه وسلّم فحجب عند ذلك عن جميع السموات إلا من استرق السمع ، قال : فسمع إبليس تجاوب الملائكة بالصلاة على أيوب فأدركه الحسد ، فصعد سريعاً حتى وقف من السماء موقفاً كان يقفه ، فقال : يا رب إنك أنعمت على عبدك أيوب فشكرك وعافيته فحمدك ثم لم تجربه بشدة ولا بلاء وأنا لك زعيم لئن ضربته بالبلاء ليكفرن بك ، فقال الله تعالى : انطلق فقد سلطتك على ماله. فانقض الملعون حتى وقع إلى الأرض وجمع عفاريت الشياطين ،
جزء : 22 رقم الصفحة : 163
(1/3161)

وقال لهم : ماذا عندكم من القوة فإني سلطت على مال أيوب ؟
قال عفريت : أعطيت من القوة ما إذا شئت تحولت إعصاراً من نار فأحرقت كل شيء آتى عليه ، فقال إبليس : فأت الإبل ورعاءها فذهب ولم يشعر الناس حتى ثار من تحت الأرض إعصار من نار لا يدنو منها شيء إلا احترق فلم يزل يحرقها ورعاءها حتى أتى على آخرها ، فذهب إبليس على شكل بعض أولئك الرعاة إلى أيوب فوجده قائماً يصلي ، فلما فرغ من الصلاة قال : يا أيوب هل تدري ما صنع ربك الذي اخترته بإبلك ورعائها ؟
فقال أيوب : إنها ماله أعارنيه وهو أولى به إذا شاء نزعه. قال إبليس : فإن ربك أرسل عليها ناراً من السماء فاحترقت ورعاؤها كلها وتركت الناس مبهوتين متعجبين منها. فمن قائل يقول : ما كان أيوب يعبد شيئاً وما كان إلا في غرور ، ومن قائل يقول : لو كان إله أيوب يقدر على شيء لمنع من وليه ، ومن قائل آخر يقول : بل هو الذي فعل ما فعل ليشمت عدوه به ويفجع به صديقه. فقال أيوب عليه السلام : الحمد لله حين أعطاني وحين نزع مني ، عرياناً خرجت من بطن أمي ، وعرياناً أعود في التراب ، وعرياناً أحشر إلى الله تعالى ، ولو علم الله فيك أيها العبد خيراً لنقل روحك مع تلك الأرواح وصرت شهيداً وآجرني فيك/ ولكن الله علم منك شراً فأخرك. فرجع إبليس إلى أصحابه خاسئاً. فقال عفريت آخر : عندي من القوة ما إذا شئت صحت صوتاً لا يسمعه ذو روح إلا خرجت روحه ، فقال إبليس : فأت الغنم ورعاءها فانطلق فصاح بها فماتت ومات رعاؤها. فخرج إبليس متمثلاً بقهرمان الرعاة إلى أيوب فقال له القول الأول : ورد عليه أيوب الرد الأول ، فرجع إبليس صاغراً. فقال عفريت آخر : عندي من القوة ما إذا شئت تحولت ريحاً عاصفة أقلع كل شيء أتيت عليه ، قال فاذهب إلى الحرث والثيران فأتاهم فأهلكهم ثم رجع إبليس متمثلاً حتى جاء أيوب وهو يصلي ، فقال مثل قوله الأول فرد عليه أيوب الرد الأول ، فجعل / إبليس يصيب أمواله شيئاً فشيئاً حتى أتى على جميعها. فلما رأى إبليس صبره على ذلك وقف الموقف الذي كان يقفه عند الله تعالى ، وقال : يا إلهي هل أنت مسلطي على ولده ، فإنها الفتنة المضلة. فقال الله تعالى : انطلق فقد سلطتك على ولده ، فأتى أولاد أيوب في قصرهم فلم يزل يزلزله بهم من قواعده حتى قلب القصر عليهم ، ثم جاء إلى أيوب متمثلاً بالمعلم وهو جريح مشدوخ الرأس يسيل دمه ودماغه ، فقال : لو رأيت بنيك كيف انقلبوا منكوسين على رؤوسهم تسيل أدمغتهم من أنوفهم لتقطع قلبك ، فلم يزل يقول هذا ويرققه حتى رق أيوب عليه السلام وبكى وقبض قبضة من التراب ووضعها على رأسه ، فاغتنم ذلك إبليس ، ثم لم يلبث أيوب عليه السلام حتى استغفر واسترجع فصعد إبليس ووقف موقفه وقال : يا إلهي إنما يهون على أيوب خطر المال والولد ، لعلمه أنك تعيد له المال والولد فهل أنت مسلطي على جسده وإني لك زعيم لو ابتليته في جسده ليكفرن بك ، فقال تعالى : انطلق فقد سلطتك على جسده وليس لك سلطان على عقله وقلبه ولسانه فانقض عدو الله سريعاً فوجد أيوب عليه السلام ساجداً لله تعالى فأتاه من قبل الأرض فنفخ في منخره نفخة اشتعل منها جسده وخرج به من فرقه إلى قدمه ثآليل وقد وقعت فيه حكة لا يملكها ، وكان يحك بأظفاره حتى سقطت أظفاره ، ثم حكها بالمسوح الخشنة ثم بالفخار والحجارة ، ولم يزل يحكها حتى تقطع لحمه وتغير ونتن ، فأخرجه أهل القرية وجعلوه على كناسة وجعلوا له عريشاً ورفضه الناس كلهم غير امرأته رحمة بنت افرايم بن يوسف عليه السلام فكانت تصلح أموره ، ثم إن وهبا طول في الحكاية إلى أن قال : إن أيوب عليه السلام أقبل على الله تعالى مستغيثاً متضرعاً إليه فقال : يا رب لأي شيء خلقتني يا ليتني كنت حيضة ألقتني أمي ، ويا ليتني كنت عرفت الذنب الذي أذنبته ، والعمل الذي عملت حتى صرفت وجهك الكريم عني ، ألم أكن للغريب داراً ، وللمسكين قراراً ، ولليتيم ولياً ، وللأرملة قيماً ، إلهي أنا عبد ذليل إن أحسنت فالمن لك وإن أسأت فبيدك عقوبتي ، جعلتني للبلاء غرضاً ، وللفتنة نصباً ، وسلطت علي ما لو سلطته على جبل لضعف من حمله. إلهي تقطعت أصابعي ، وتساقطت لهواتي ، وتناثر شعري وذهب المال ، وصرت أسأل اللقمة فيطعمني من يمن بها علي ويعيرني بفقري وهلاك أولادي. قال الإمام أبو القاسم الأنصاري رحمه الله ، وفي جملة هذا الكلام : ليتك لو كرهتني لم تخلقني ، ثم قال : ولو كان ذلك صحيحاً لاغتنمه إبليس ، فإن قصده أن يحمله على الشكوى ، وأن يخرجه عن حلية الصابرين ، والله تعالى لم يخبر عنه إلا قوله :
جزء : 22 رقم الصفحة : 163
(1/3162)

{أَنِّى مَسَّنِىَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} ثم قال : {إِنَّا وَجَدْنَـاهُ صَابِرًا نِّعْمَ الْعَبْدُا إِنَّه ا أَوَّابٌ} (ص : 44) واختلف العلماء في السبب الذي قال لأجله : {أَنِّى مَسَّنِىَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} وفي مدة بلائه. فالرواية الأولى : روى ابن شهاب عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : "إن أيوب عليه السلام بقي في البلاء ثماني عشرة سنة/ فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين من إخوانه كانا يغدوان ويروحان إيه ، فقال أحدهما للآخر ذات يوم : والله لقد أذنب أيوب ذنباً / ما أذنبه أحد من العالمين ، فقال له صاحبه : وما ذاك ؟
فقال : منذ ثماني عشرة سنة لم يرحمه الله تعالى ولم يكشف ما به. فلما راحا إلى أيوب لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك لأيوب عليه السلام. فقال أيوب : ما أدري ما تقولون ، غير أن الله تعالى يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتنازعان فيذكران الله عز وجل فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما كراهية أن يذكر الله إلا في حق. وفي رواية أخرى أن الرجلين لما دخلا عليه وجدا ريحاً فقالا : لو كان لأيوب عند الله خير ما بلغ إلى هذه الحالة ، قال : فما شق على أيوب شيء مما ابتلى به أشد مما سمع منهما ، فقال : اللهم إن كنت تعلم أني لم أبت شبعاناً وأنا أعلم بمكان جائع فصدقني فصدقه وهما يسمعان ، ثم خر أيوب عليه السلام ساجداً ثم قال : اللهم إني لا أرفع رأسي حتى تكشف ما بي قال فكشف الله ما به. الرواية الثانية : قال الحسن رحمه الله : مكث أيوب عليه السلام بعد ما ألقى على الكناسة سبع سنين وأشهراً ، ولم يبق له مال ولا ولد ولا صديق غير امرأته رحمة صبرت معه وكانت تأتيه بالطعام وتحمد الله تعالى مع أيوب وكان أيوب مواظباً على حمد الله تعالى والثناء عليه والصبر على ما ابتلاه ، فصرخ إبليس صرخة جزعاً من صبر أيوب ، فاجتمع جنوده من أقطار الأرض وقالوا له ما خبرك ؟
قال : أعياني هذا العبد الذي سألت الله أن يسلطني عليه وعلى ماله وولده فلم أدع له مالاً ولا ولداً ولم يزدد بذلك إلا صبراً وحمداً لله تعالى ، ثم سلطت على جسده فتركته ملقى في كناسة وما يقربه إلا امرأته ، وهو مع ذلك لا يفتر عن الذكر والحمد لله ، فاستعنت بكم لتعينوني عليه فقالوا له : أين مكرك أين عملك الذي أهلكت به من مضى ؟
قال : بطل ذلك كله في أيوب فأشيروا علي ، قالوا : أدليت آدم حين أخرجته من الجنة من أين أتيته ؟
قال من قبل امرأته ، قالوا : فشأنك بأيوب من قبل امرأته فإنه لا يستطيع أن يعصيها لأنه لا يقر به أحد غيرها. قال : أصبتم فانطلق حتى أتى امرأته فتمثل لها في صورة رجل ، فقال : أين بعلك يا أمة الله ؟
قالت : هو هذا يحك قروحه وتتردد الدواب في جسده ، فلما سمعها طمع أن يكون ذلك كله جزعاً ، فوسوس إليها وذكرها ما كان لها من النعم والمال ، وذكرها جمال أيوب وشبابه. قال الحسن رحمه الله : فصرخت ، فلما صرخت علم أنها قد جزعت فأتاها بسخلة ، وقال ليذبح هذه لي أيوب ويبرأ ، قال : فجاءت تصرخ إلى أيوب يا أيوب حتى متى يعذبك ربك ، ألا يرحمك أين المال ، أين الماشية ، أين الولد ، أين الصديق ، أين اللون الحسن ، أين جسمك الذي قد بلى وصار مثل الرماد ، وتردد فيه الدواب أذبح هذه السخلة واسترح ؟
فقال أيوب عليه السلام : أتاك عدو الله ونفخ فيك فأجبتيه ويلك أترين ما تبكين عليه مما تذكرين مما كنا فيه من المال والولد والصحة ، من أعطانا ذلك ؟
قالت الله. قال : فكم متعنا به ؟
قالت : ثمانين سنة. قال : فمنذ كم ابتلانا الله بهذا البلاء ؟
قالت : منذ سبع سنين وأشهر ، قال ويلك ، والله ما أنصفت ربك ، ألا صبرت في البلاء ثمانين سنة كما كنا في الرخاء ثمانين سنة. والله لئن شفاني الله لأجلدنك مائة جلدة. أمرتيني أن أذبح لغير الله ، وحرام علي أن أذوق بعد هذا شيئاً من طعامك وشرابك الذي تأتيني به ، فطردها فذهبت ، فلما نظر / أيوب في شأنه وليس عنده طعام ولا شراب ولا صديق ، وقد ذهبت امرأته خر ساجداً ، وقال :
جزء : 22 رقم الصفحة : 163
(1/3163)

{رَبَّه ا أَنِّى مَسَّنِىَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} فقال : ارفع رأسك فقد استجبت لك {ارْكُضْ بِرِجْلِكَ } فركض برجله فنبعت عين ماء فاغتسل منها ، فلم يبق في ظاهر بدنه دابة إلا سقطت منه ، ثم ضرب برجله مرة أخرى فنبعت عين أخرى فشرب منها/ فلم يبق في جوفه داء إلا خرج وقام صحيحاً ، وعاد إليه شبابه وجماله حتى صار أحسن ما كان ، ثم كسى حلة فلما قام جعل يلتفت فلا يرى شيئاً مما كان له من الأهل والولد والمال ، إلا وقد ضعفه الله تعالى حتى صار أحسن مما كان ، حتى ذكر أن الماء الذي اغتسل منه تطاير على صدره جراداً من ذهب ، قال : فجعل يضمه بيده فأوحى الله إليه يا أيوب ألم أغنك ؟
قال : بلى ولكنها بركتك فمن يشبع منها ، قال : فخرج حتى جلس على مكان مشرف ، ثم إن امرأته قالت : هب أنه طردني أفأتركه حتى يموت جوعاً وتأكله السباع لأرجعن إليه ، فلما رجعت ما رأت تلك الكناسة ولا تلك الحال وإذا بالأمور قد تغيرت ، فجعلت تطوف حيث كانت الكناسة وتبكي وذلك بعين أيوب عليه السلام ، وهابت صاحب الحلة أن تأتيه وتسأله عنه فأرسل إليها أيوب عليه السلام ودعاها وقال : ما تريدين يا أمة الله ؟
فبكت وقالت : أردت ذلك المبتلي الذي كان ملقى على الكناسة ، فقال لها أيوب عليه السلام : ما كان منك ، فبكت وقالت بعلي ، فقال : أتعرفينه إذا رأيتيه ، قالت وهل يخفى على أحد يراه فتبسم وقال : أنا هو ، فعرفته بضحكه فاعتنقته ثم قال إنك أمرتيني أن أذبح سخلة لإبليس ، وإني أطعت الله وعصيت الشيطان ودعوت الله تعالى فرد علي ما ترين. الرواية الثالثة : قال الضحاك ومقاتل : بقي في البلاء سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام وسبع ساعات وقال وهب رحمه الله بقي في البلاء ثلاث سنين ، فلما غلب أيوب إبليس لعنه الله ذهب إبليس إلى امرأته على هيئة ليست كهيئة بني آدم في العظم والجمال على مركب ليس كمراكب الناس وقال لها : أنت صاحبة أيوب ؟
قالت : نعم ، قال : فهل تعرفيني ؟
قالت لا : قال : أنا إله الأرض أنا صنعت بأيوب ما صنعت ، وذلك أنه عبد إله السماء وتركني فأغضبني ولو سجد لي سجدة واحدة رددت عليك وعليه جميع مالكما من مال وولد فإن ذلك عندي ، قال وهب وسمعت أنه قال : لو أن صاحبك أكل طعاماً ولم يسم الله تعالى لعوفي مما هو فيه من البلاء ، وفي رواية أخرى : بل قال لها لو شئت فاسجدي لي سجدة واحدة حتى أرد عليك المال والولد وأعافي زوجك ، فرجعت إلى أيوب فأخبرته بما قال لها ، فقال لها أيوب : أتاك عدو الله ليفتنك عن دينك ، ثم أقسم لئن عافاني الله لأجدلنك مائة جلدة ، وقال عند ذلك
جزء : 22 رقم الصفحة : 163
{مَسَّنِىَ الضُّرُّ} يعني من طمع إبليس في سجودي له وسجود زوجتي ودعائه إياها وإياي إلى الكفر. الرواية الرابعة : قال وهب : كانت امرأة أيوب عليه السلام تعمل للناس وتأتيه بقوته ، فلما طال عليه البلاء سئمها الناس فلم يستعملوها فالتمست ذات يوم شيئاً من الطعام فلم تجد شيئاً فجزت قرناً من رأسها فباعته برغيف فأتته به فقال لها : أين قرنك فأخبرته بذلك ، فحينئذ قال : {مَسَّنِىَ الضُّرُّ} . الرواية الخامسة : قال إسماعيل السدي : لم يقل أيوب مسني الضر إلا لأشياء / ثلاث. أحدها : قول الرجلين له لو كان عملك الذي كنا نرى لله تعالى لما أصابك الذي أصابك. وثانيها : كان لامرأته ثلاث ذوائب فعمدت إلى إحداها وقطعتها وباعتها فأعطوها بذلك خبزاً ولحماً فجاءت إلى أيوب عليه السلام فقال من أين هذا ؟
فقالت : كل فإنه حلال فلما كان من الغد لم تجد شيئاً فباعت الثانية وكذلك فعلت في اليوم الثالث ، وقالت : كل فإنه حلال فقال : لا آكل ما لم تخبريني فأخبرته ، فبلغ ذلك من أيوب ما الله به عليم ، وقيل : إنما باعت ذوائبها لأن إبليس تمثل لقوم في صورة بشر ، وقال : لئن تركتم أيوب في قريتكم فإني أخاف أن يعدي إليكم ما به من العلة فأخرجوه إلى باب البلد ، ثم قال لهم : إن امرأته تدخل في بيوتكم وتعمل وتمس زوجها أما تخافون أن تعدي إليكم علته ، فحينئذ لم يستعملها أحد فباعت ضفيرتها. وثالثها : حين قالت له امرأته ما قالت فحينئذ دعا. الرواية السادسة : قيل : سقطت دودة من فخذه فرفعها وردها إلى موضعها ، وقال قد جعلني الله تعالى طعمة لك فعضته عضة شديدة ، فقال : مسني الضر. فأوحى الله تعالى إليه لولا أني جعلت تحت كل شعرة منك صبراً لما صبرت.
جزء : 22 رقم الصفحة : 163
(1/3164)

المسألة الثانية : اعلم أن المعتزلة قد طعنوا في هذه القصة من وجوه. أحدها : قال الجبائي : ذهب بعض الجهال إلى أن ما كان به من المرض كان فعلاً للشيطان سلطه الله عليه ، لقوله تعالى حكاية عنه : {مَسَّنِىَ الشَّيْطَـانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} وهذا جهل ، أما أولاً فلأنه لو قدر على إحداث الأمراض والأسقام وضدهما من العافية لتهيأ له فعل الأجسام ، ومن هذا حاله يكون إلهاً ، وأما ثانياً فلأن الله تعالى أخبر عنه وعن جنوده بأنه قال : {وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَـانٍ إِلا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِى } (إبراهيم : 22) والواجب تصديق خبر الله تعالى ، دون الرجوع إلى ما يروى عن وهب بن منبه رضي الله عنه. واعلم أن هذا الاعتراض ضعيف لأن المذكور في الحكاية أن الشيطان نفخ في منخره فوقعت الحكة فيه ، فلم قلتم إن القادر على النفخة التي تولد مثل هذه الحكة لا بد وأن يكون قادراً على خلق الأجسام ، وهل هذا إلا محض التحكم ، وأما التمسك بالنص فضعيف لأنه إنما يقدم على هذا الفعل متى علم أنه لو أقدم عليه لما منعه الله تعالى عنه ، وهذه الحالة لم تحصل إلا في حق أيوب عليه السلام على ما دلت الحكاية عليه من أنه استأذن الله تعالى فأذن له فيه ، ومتى كان كذلك لم يبق بين ذلك النص وبين هذه الحكاية مناقضة. وثانيها : قالوا : ما روي أنه عليه السلام لم يسأل إلا عند أمور مخصوصة فبعيد ، لأن الثابت في العقل أنه يحسن من المرء أن يسأل في ذلك ربه ويفزع إليه كما يحسن منه المداواة ، وإذا جاز أن يسأل ربه عند الغم مما يراه من إخوانه وأهله جاز أيضاً أن يسأل ربه من قبل نفسه ، فإن قيل : أفلا يجوز أنه تعالى تعبده بأن لا يسأل الكشف إلا في آخر أمره ، قلنا : يجوز ذلك بأن يعلمه بأن إنزال ذلك به مدة مخصوصة من مصالحه ومصالح غيره لا محالة ، فعلم عليه السلام أنه لا وجه للمسألة في هذا الأمر الخاص ، فإذا قرب الوقت جاز أن يسأل ذلك ، من حيث يجوز أن يدوم ويجوز أن ينقطع. وثالثها : قالوا : انتهاء ذلك المرض إلى حد التنفير عنه غير / جائز ، لأن الأمراض المنفرة من القبول غير جائزة على الأنبياء عليهم السلام فهذا جملة ما قيل في هذه الحكاية.
المسألة الثالثة : قال صاحب "الكشاف" قوله تعالى : {أَنِّى مَسَّنِىَ الضُّرُّ} أي ناداه بأني مسني الضر ، وقرىء إني بالكسر على إضمار القول أو لتضمين النداء معناه ، والضر بالفتح الضرر في كل شيء ، وبالضم الضرر في النفس من مرض وهزال.
جزء : 22 رقم الصفحة : 163
المسألة الرابعة : أنه عليه السلام ألطف في السؤال حيث ذكر نفسه بما يوجب الرحمة وذكر ربه بغاية الرحمة ولم يصرح بالمطلوب ، فإن قيل : أليس أن الشكوى تقدح في كونه صابراً. والجواب : قال سفيان بن عيينة رحمه الله من شكا إلى الله تعالى فإنه لا يعد ذلك جزعاً إذا كان في شكواه راضياً بقضاء الله إذ ليس من شرط الصبر استحلاء البلاء ، ألم تسمع قول يعقوب عليه السلام : {إِنَّمَآ أَشْكُوا بَثِّى وَحُزْنِى إِلَى اللَّهِ} (يوسف : 86) أما قوله : {وَأَنتَ أَرْحَمُ الراَّحِمِينَ} فالدليل على أنه سبحانه : {أَرْحَمُ الراَّحِمِينَ} أمور. أحدها : أن كل من رحم غيره فأما أن يرحمه طلباً للثناء في الدنيا أو الثواب في الآخرة أو دفعاً للرقة الجنسية عن الطبع ، وحينئذ يكون مطلوب ذلك الراحم منفعة نفسه ، أما الحق سبحانه فإنه يرحم عباده من غير وجه من هذه الوجوه ، ومن غير أن يعود إليه من تلك الرحمة زيادة ولا نقصان من الثناء ومن صفات الكمال ، فكان سبحانه أرحم الراحمين. وثانيها : أن كل من يرحم غيره فلا يكون ذلك إلا بمعونة رحمة الله تعالى لأن من أعطى غيره طعاماً أو ثوباً أو دفع عنه بلاء ، فلولا أنه سبحانه خلق المطعوم والملبوس والأدوية والأغذية وإلا لما قدر أحد على إعطاء ذلك الشيء ، ثم بعد وصول تلك العطية إليه ، فلولا أنه سبحانه جعله سبباً للراحة لما حصل النفع بذلك ، فإذاً رحمة العباد مسبوقة برحمة الله تعالى وملحوقة برحمته بل رحمتهم فيما بين الطرفين كالقطرة في البحر ، فوجب أن يكون تعالى هو أرحم الراحمين. وثالثها : أن الله تعالى لو لم يخلق في قلب العبد تلك الدواعي والإرادات لاستحال صدور ذلك الفعل عنه ، فكان الراحم هو الحق سبحانه ، من حيث إنه هو الذي أنشأ تلك الداعية ، فثبت أنه أرحم الراحمين فإن قيل كيف يكون أرحم الراحمين مع أنه سبحانه ملأ الدنيا من الآفات والأسقام والأمراض والآلام وسلط البعض على البعض بالذبح والكسر والإيذاء ، وكان قادراً على أن يغني كل واحد عن إيلام الآخر وإيذائه ؟
والجواب : أن كونه سبحانه ضاراً لا ينافي كونه نافعاً ، بل هو الضار النافع فإضراره ليس لدفع مشقة وإنفاعه ليس لجلب منفعة ، بل لا يسأل عما يفعل.
(1/3165)

أما قوله تعالى : {فَاسْتَجَبْنَا لَه } فإنه يدل على أنه دعا ربه ، لكن هذا الدعاء قد يجوز أن يكون واقعاً منه على سبيل التعريض ، كما يقال إن رأيت أو أردت أو أحببت فافعل كذا. ويجوز أن يكون على سبيل التصريح وإن كان الأليق بالأدب وبدلالة الآية هو الأول ، ثم إنه سبحانه بين أن كشف ما به من ضر وذلك يقتضي إعادته إلى ما كان في بدنه وأحواله ، وبين الله تعالى أنه آتاه أهله ويدخل / فيه من ينسب إليه من زوجة وولد وغيرهما ثم فيه قولان : أحدهما : وهو قول ابن مسعود وابن عباس وقتادة ومقاتل والكلبي وكعب رضي الله عنهم أن الله تعالى أحيا له أهله يعني أولاده بأعيانهم. والثاني : روى الليث رضي الله عنه ، قال : أرسل مجاهد إلى عكرمة وسأله عن الآية فقال : قيل له إن أهلك لك في الآخرة فإن شئت عجلناهم لك في الدنيا ، وإن شئت كانوا لك في الآخرة وآتيناك مثلهم في الدنيا. فقال : يكونون لي في الآخرة وأوتي مثلهم في الدنيا. والقول الأول أولى لأن قوله : {فَاسْتَجَبْنَا لَه } يدل بظاهره على أنه تعالى أعادهم في الدنيا وأعطاه معهم مثلهم أيضاً.
جزء : 22 رقم الصفحة : 163
وأما قوله تعالى : {وَذِكْرَى لِلْعَـابِدِينَ} ففيه دلالة على أنه تعالى فعل ذلك لكي يتفكر فيه فيكون داعية للعابدين في الصبر والإحتساب ، وإنما خص العابدين بالذكر(ى) لأنهم يختصون بالانتفاع بذلك.
(القصة السابعة)
جزء : 22 رقم الصفحة : 163
وأما قوله تعالى : {وَذِكْرَى لِلْعَـابِدِينَ} ففيه دلالة على أنه تعالى فعل ذلك لكي يتفكر فيه فيكون داعية للعابدين في الصبر والإحتساب ، وإنما خص العابدين بالذكر(ى) لأنهم يختصون بالانتفاع بذلك.
(القصة السابعة)
جزء : 22 رقم الصفحة : 163
0
اعلم أنه تعالى لما ذكر صبر أيوب عليه السلام وانقطاعه إليه أتبعه بذكر هؤلاء فإنهم كانوا أيضاً من الصابرين على الشدائد والمحن والعبادة ، أما إسمعيل عليه السلام فلأنه صبر على الإنقياد للذبح ، وصبر على المقام ببلد لا زرع فيه ولا ضرع ولا بناء ، وصبر في بناء البيت ، فلا جرم أكرمه الله تعالى وأخرج صلبه خاتم النبيين ، وأما إدريس عليه السلام فقد تقدمت قصته في سورة مريم عليها السلام ، قال ابن عمر رضي الله عنهما : "بعث إلى قومه داعياً لهم إلى الله تعالى فأبوا فأهلكهم الله تعالى ورفع إدريس إلى السماء الرابعة" وأما ذوا الكفل ففيه مسائل :
المسألة الأولى : فيها بحثان :
(1/3166)

الأول : قال الزجاج الكفل في اللغة الكساء الذي يجعل على عجز البعير ، والكفل أيضاً النصيب واختلفوا في أنه لم سمي بهذا الاسم على وجوه. أحدها : وهو قول المحققين أنه كان له ضعف عمل الأنبياء عليهم السلام في زمانه وضعف ثوابهم. وثانيها : قال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية : "إن نبياً من أنبياء بني إسرائيل آتاه الله الملك والنبوة ثم أوحى الله إليه أني أريد قبض روحك ، فأعرض ملكك على بني إسرائيل ، فمن تكفل لك أنه يصلي بالليل حتى يصبح ويصوم بالنهار فلا يفطر ، ويقضي بين الناس فلا يغضب فادفع ملكك إليه ، فقام ذلك النبي في بني إسرائيل / وأخبرهم بذلك ، فقام شاب وقال : أنا أتكفل لك بهذا. فقال في القوم : من هو أكبر منك فاقعد ثم صاح الثانية والثالثة فقام الرجل وقال : أتكفل لك بهذه الثلاث فدفع إليه ملكه ، ووفى بما ضمن. فحسده إبليس فأتاه وقت ما يريد أن يقيل ، فقال : إن لي غريماً قد مطلني حقي وقد دعوته إليك فأبى فأرسل معي من يأتيك به ، فأرسل معه وقعد حتى فاتته القيلولة ودعا إلى صلاته وصلى ليله إلى الصباح ، ثم أتاه من الغد عند القيلولة فقال : إن الرجل الذي استأذنتك له في موضع كذا فلا تبرح حتى آتيك به ، فذهب وبقي منتظراً حتى فاتته القيلولة ، ثم أتاه فقال له : هرب مني فمضى ذو الكفل إلى صلاته فصلى ليلته حتى أصبح ، فأتاه إبليس وعرفه نفسه ، وقال له : حسدتك على عصمة الله إياك فأردت أن أخرجك حتى لا تفي بما تكفلت به ، فشكره الله تعالى على ذلك ونبأه ، فسمي ذا الكفل". وعلى هذا فالمراد بالكفل هنا الكفالة. وثالثها : قال مجاهد : لما كبر اليسع عليه السلام ، قال : لو أني استخلفت رجلاً على الناس في حياتي حتى أنظر كيف يعمل ، فجمع الناس وقال من يتقبل مني حتى استخلفه ثلاثاً يصلي بالليل ويصوم بالنهار ويقضي فلا يغضب ، وذكر علي كرم الله وجهه نحو ما ذكره ابن عباس رضي الله عنه من فعل إبليس وتفويته عليه القيلولة ثلاثة أيام. وزاد أن ذا الكفل قال للبواب في اليوم الثالث : قد غلب علي النعاس فلا تدعن أحداً يقرب هذا الباب حتى أنام فإني قد شق علي النعاس ، فجاء إبليس فلم يأذن له البواب فدخل من كوة في البيت وتسور فيها فإذا هو يدق الباب من داخل ، فاستيقظ الرجل وعاتب البواب ، فقال : أما من قبلي فلم تؤت. فقام إلى الباب فإذا هو مغلق وإبليس على صورة شيخ معه في البيت ، فقال له : أتنام والخصوم على الباب. فعرفه فقال : أنت إبليس ، قال نعم أعييتني في كل شيء ففعلت هذه الأفعال لأغضبك فعصمك الله مني. فسمي ذا الكفل لأنه قد وفى بما تكفل به.
جزء : 22 رقم الصفحة : 163
المسألة الثانية : قال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه ومجاهد ذو الكفل لم يكن نبياً ولكن كان عبداً صالحاً ، وقال الحسن والأكثرون إنه من الأنبياء عليهم السلام وهذا أولى الوجوه : أحدها : أن ذا الكفل يحتمل أن يكون لقباً وأن يكون اسماً ، والأقرب أن يكون مفيداً ، لأن الاسم إذا أمكن حمله على ما يفيد فهو أولى من اللقب. إذا ثبت هذا فنقول الكفل هو النصيب والظاهر أن الله تعالى إنما سماه بذلك على سبيل التعظيم ، فوجب أن يكون ذلك الكفل هو كفل الثواب فهو إنما سمي بذلك لأن عمله وثواب عمله كان ضعف عمل غيره وضعف ثواب غيره ولقد كان في زمنه أنبياء على ما روي ومن ليس بنبي لا يكون أفضل من الأنبياء. وثانيها : أنه تعالى قرن ذكره بذكر إسمعيل وإدريس والغرض ذكر الفضلاء من عباده ليتأسى بهم وذلك يدل على نبوته. وثالثها : أن السورة ملقبة بسورة الأنبياء فكل من ذكره الله تعالى فيها فهو نبي.
المسألة الثالثة : قيل إن ذا الكفل زكريا وقيل يوشع وقيل إلياس ، ثم قالوا خمسة من الأنبياء سماهم الله تعالى باسمين : إسرائيل ويعقوب ، إلياس وذو الكفل ، عيسى والمسيح ، يونس / وذو النون ، محمد وأحمد.
وأما قوله تعالى : {كُلٌّ مِّنَ الصَّـابِرِينَ} أي على القيام بأمر الله تعالى واحتمال الأذى في نصرة دينه. وقوله : {وَأَدْخَلْنَـاهُمْ فِى رَحْمَتِنَآ } قال مقاتل : الرحمة النبوة ، وقال آخرون بل يتناول جميع أعمال البر والخير.
(القصة الثامنة ، قصة يونس عليه السلام)
جزء : 22 رقم الصفحة : 163
0
اعلم أن هنها مسائل :
المسألة الأولى : أنه لا خلاف في أن ذا النون هو يونس عليه السلام لأن النون هو السمكة ، وقد ذكرنا أن الاسم إذا دار بين أن يكون لقباً محضاً وبين أن يكون مفيداً ، فحمله على المفيد أولى ، خصوصاً إذا علمت الفائدة التي يصلح لها ذلك الوصف.
(1/3167)

المسألة الثانية : اختلفوا في أن وقوعه عليه السلام في بطن السمكة كان قبل اشتغاله بأداء رسالة الله تعالى أو بعده. أما القول الأول : فقال ابن عباس رضي الله عنه : كان يونس عليه السلام وقومه يسكنون فلسطين ، فغزاهم ملك وسبى منهم تسعة أسباط ونصفاً ، وبقي سبطان ونصف. فأوحى الله تعالى إلى شعيب النبي عليه السلام أن اذهب إلى حزقيل الملك وقل له حتى يوجه نبياً قوياً أميناً فإني ألقى في قلوب أولئك أن يرسلوا معه بني إسرائيل. فقال له الملك : فمن ترى وكان في مملكته خمسة من الأنبياء ، فقال يونس بن متى : فإنه قوي أمين فدعا الملك بيونس وأمره أن يخرج فقال يونس : هل أمرك الله بإخراجي ؟
قال : لا ، قال فهل سماني لك ؟
قال : لا قال فههنا أنبياء غيري ، فألحوا عليه فخرج مغاضباً للملك ولقومه فأتى بحر الروم فوجد قوماً هيأوا سفينة فركب معهم فلما تلججت السفينة تكفأت بهم وكادوا أن يغرقوا ، فقال الملاحون : ههنا رجل عاص أو عبد آبق لأن السفينة لا تفعل هذا من غير ريح إلا وفيها رجل عاص ، ومن رسمنا أنا إذا ابتلينا بمثل هذا البلاء أن نقترع فمن وقعت عليه القرعة ألقيناه في البحر ، ولأن يغرق (و) أحد خير من أن تغرق السفينة ، فاقترعوا ثلاث مرات فوقعت القرعة فيها كلها على يونس عليه السلام ، فقال : أنا / الرجل العاصي والعبد الآبق ، وألقى نفسه في البحر فجاء حوت فابتلعه ، فأوحى الله تعالى إلى الحوت لا تؤذ منه شعرة. فإني جعلت بطنك سجناً له ولم أجعله طعاماً لك ، ثم لما نجاه الله تعالى من بطن الحوت نبذه بالعراء كالفرخ المنتوف ليس عليه شعر ولا جلد ، فأنبت الله تعالى عليه شجرة من يقطين يستظل بها ويأكل من ثمرها حتى اشتد ، فلما يبست الشجرة حزن عليها يونس عليه السلام فقيل له : أتحزن على شجرة ولم تحزن على مائة ألف أو يزيدون ، حيث لم تذهب إليهم ولم تطلب راحتهم. ثم أوحى الله إليه وأمره أن يذهب إليهم فتوجه يونس عليه السلام نحوهم حتى دخل أرضهم وهم منه غير بعيد فأتاهم يونس عليه السلام ، وقال لملكهم إن الله تعالى أرسلني إليك لترسل معي بني إسرائيل ، فقالوا : ما نعرف ما تقول ، ولو علمنا أنك صادق لفعلنا ، ولقد أتيناكم في دياركم وسبيناكم فلو كان كما تقول لمنعنا الله عنكم ، فطاف ثلاثة أيام يدعوهم إلى ذلك فأبوا عليه فأوحى الله تعالى إليه : قل لهم إن لم تؤمنوا جاءكم العذاب فأبلغهم فأبوا ، فخرج من عندهم فلما فقدوه ندموا على فعلهم فانطلقوا يطلبونه فلم يقدروا عليه ، ثم ذكروا أمرهم وأمر يونس للعلماء الذين كانوا في دينهم ، فقالوا انظروا واطلبوه في المدينة فإن كان فيها فليس مما ذكر من نزول العذاب شيء ، وإن كان قد خرج فهو كما قال : فطلبوه فقيل لهم إنه خرج العشي فلما آيسوا أغلقوا باب مدينتهم فلم يدخلها بقرهم ولا غنمهم وعزلوا الوالدة عن ولدها وكذا الصبيان والأمهات ، ثم قاموا ينتظرون الصبح. فلما انشق الصبح رأوا العذاب ينزل من السماء فشقوا جيوبهم ووضعت الحوامل ما في بطونها/ وصاح الصبيان وثغت الأغنام والبقر ، فرفع الله تعالى عنهم العذاب ، فبعثوا إلى يونس عليه السلام فآمنوا به ، وبعثوا معه بني إسرائيل. فعلى هذا القول كانت رسالة يونس عليه السلام بعد ما نبذه الحوت ، ودليل هذا القول قوله تعالى في سورة الصافات :
جزء : 22 رقم الصفحة : 163
{فَنَبَذْنَـاهُ بِالْعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٌ * وَأَنابَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ * وَأَرْسَلْنَـاهُ إِلَى مِا ئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} (الصافات : 145 ـ 147) وفي هذا القول رواية أخرى وهي أن جبريل عليه السلام قال ليونس عليه السلام : انطلق إلى أهل نينوى وأنذرهم أن العذاب قد حضرهم ، فقال يونس عليه السلام : التمس دابة فقال الأمر أعجل من ذلك فغضب وانطلق إلى السفينة ، وباقي الحكاية كما مرت إلى أن التقمه الحوت فانطلق إلى أن وصل إلى نينوى فألقاه هناك. أما القول الثاني : وهو أن قصة الحوت كانت بعد دعائه أهل نينوى وتبليغه رسالة الله إليهم قالوا إنهم لما لم يؤمنوا وعدهم بالعذاب ، فلما كشف العذاب عنهم بعد ما توعدهم به خرج منهم مغاضباً ، ثم ذكروا في سبب الخروج والغضب أموراً. أحدها : أنه استحى أن يكون بين قوم قد جربوا عليه الكذب. وثانيها : أنه كان من عادتهم قتل الكاذب. وثالثها : أنه دخلته الأنفة. ورابعها : لما لم ينزل العذاب بأولئك ، وأكثر العلماء على القول بأن قصة الحوت وذهاب يونس عليه السلام مغاضباً بعد أن أرسله الله تعالى إليهم ، وبعد رفع العذاب عنهم.
(1/3168)

المسألة الثالثة : احتج القائلون بجواز الذنب على الأنبياء عليهم السلام بهذه الآية من / وجوه. أحدها : أن أكثر المفسرين على أنه ذهب يونس مغاضباً لربه ويقال ، هذا قول ابن مسعود وابن عباس والحسن والشعبي وسعيد بن جبير ووهب واختيار ابن قتيبة ومحمد بن جرير فإذا كان كذلك فيلزم أن مغاضبته لله تعالى من أعظم الذنوب ، ثم على تقدير أن هذه المغاضبة لم تكن مع الله تعالى بل كانت مع ذلك الملك أو مع القوم فهو أيضاً كان محظوراً لأن الله تعالى قال : {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ} (القلم : 48) وذلك يقتضي أن ذلك الفعل من يونس كان محظوراً. وثانيها : قوله تعالى : {فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ} وذلك يقتضي كونه شاكاً في قدرة الله تعالى. وثالثها : قوله : {إِنِّى كُنتُ مِنَ الظَّـالِمِينَ} والظلم من أسماء الذم لقوله تعالى : {أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّـالِمِينَ} (هود : 18). ورابعها : أنه لو لم يصدر منه الذنب ، فلم عاقبه الله بأن ألقاه في بطن الحوت. وخامسها : قوله تعالى في آية أخرى : {فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ} (
جزء : 22 رقم الصفحة : 163
الصافات : 142) والمليم هو ذو الملامة ، ومن كان كذلك فهو مذنب. وسادسها : قوله : {وَلا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ} فإن لم يكن صاحب الحوت مذنباً لم يجز النهي عن التشبه به وإن كان مذنباً فقد حصل الغرض. وسابعها : أنه قال : {وَلا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ} وقال : {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} (الأحقاف : 35) فلزم أن لا يكون يونس من أولي العزم وكان موسى من أولي العزم ، ثم قال : في حقه لو كان ابن عمران حياً ما وسعه إلا اتباعي ، وقال في يونس : "لا تفضلوني على يونس بن متى" وهذا خارج عن تفسير الآية. والجواب عن الأول أنه ليس في الآية من غاضبه ، لكنا نقطع على أنه لا يجوز على نبي الله أن يغاضب ربه ؛ لأن ذلك صفة من يجهل كون الله مالكاً للأمر والنهي والجاهل بالله لا يكون مؤمناً فضلاً عن أن يكون نبياً ، وأما ما روي أنه خرج مغاضباً لأمر يرجع إلى الاستعداد ، وتناول النفل فمما يرتفع حال الأنبياء عليهم السلام عنه ، لأن الله تعالى إذا أمرهم بشيء فلا يجوز أن يخالفوه لقوله تعالى : {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُه ا أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ } (الأحزاب : 36) وقوله : {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} إلى قوله : {ثُمَّ لا يَجِدُوا فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ} (النساء : 65) فإذا كان في الاستعداد مخالفة لم يجز أن يقع ذلك منهم ، وإذا ثبت أنه لا يجوز صرف هذه المغاضبة إلى الله تعالى ، وجب أن يكون المراد أنه خرج مغاضباً لغير الله ، والغالب أنه إنما يغاضب من يعصيه فيما يأمره به فيحتمل قومه أو الملك أو هما جميعاً ، ومعنى مغاضبته لقومه أنه أغضبهم بمفارقته لخوفهم حلول العذاب عليهم عندها ، وقرأ أبو شرف مغضباً.
جزء : 22 رقم الصفحة : 163
(1/3169)

أما قوله مغاضبة القوم أيضاً كانت محظورة لقوله تعالى : {وَلا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ} (القلم : 48) قلنا لا نسلم أنها كانت محظورة ، فإن الله تعالى أمره بتبليغ تلك الرسالة إليهم ، وما أمره بأن يبقى معهم أبداً مظاهر الأمر لا يقتضي التكرار ، فلم يكن خروجه من بينهم معصية ، وأما الغضب فلا نسلم أنه معصية وذلك لأنه لما لم يكن منهياً عنه قبل ذلك فظن أن ذلك جائز ، من حيث إنه لم يفعله إلا غضباً لله تعالى وأنفة لدينه وبغضاً للكفر وأهله ، بل كان الأولى له أن يصابر وينتظر الإذن من الله / تعالى في المهاجرة عنهم ، ولهذا قال تعالى : {وَلا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ} كأن الله تعالى أراد لمحمد صلى الله عليه وسلّم أفضل المنازل وأعلاها. والجواب عن الشبهة الثانية : وهي التمسك بقوله تعالى : {فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ} أن نقول من ظن عجز الله تعالى فهو كافر ، ولا خلاف أنه لا يجوز نسبة ذلك إلى آحاد المؤمنين ، فكيف إلى الأنبياء عليهم السلام فإذن لا بد فيه من التأويل وفيه وجوه : أحدها : {فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ} لن نضيق عليه وهو كقوله تعالى : {اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِه وَيَقْدِرُ } (العنكبوت : 12) أي يضيق : {وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُه } (الفجر : 16) أي ضيق : {وَأَمَّآ إِذَا مَا ابْتَلَـاـاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَه } (الطلاق : 7) أي ضيق ومعناه أن لن نضيق عليه ، واعلم أن على هذا التأويل تصير الآية حجة لنا ، وذلك لأن يونس عليه السلام ظن أنه مخير إن شاء أقام وإن شاء خرج ، وأنه تعالى لا يضيق عليه في اختياره ، وكان في المعلوم أن الصلاح في تأخر خروجه ، وهذا من الله تعالى بيان لما يجري مجرى العذر له من حيث خرج ، لا على تعمد المعصية لكن لظنه أن الأمر في خروجه موسع يجوز أن يقدم ويؤخر ، وكان الصلاح خلاف ذلك. وثانيها : أن يكون هذا من باب التمثيل بمعنى فكانت حالته ممثلة بحالة من ظن أن لن نقدر عليه في خروجه من قومه من غير انتظار لأمر الله تعالى. وثالثها : أن تفسر القدرة بالقضاء فالمعنى فظن أن لن نقضي عليه بشدة ، وهو قول مجاهد وقتادة والضحاك والكلبي ، ورواية العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهم واختيار الفراء والزجاج ، قال الزجاج : نقدر بمعنى نقدر. يقال : قدر الله الشيء قدراً وقدره تقديراً ، فالقدر بمعنى التقدير وقرأ عمر بن عبد العزيز والزهري : (فظن أن لن نقدر عليه بضم) النون والتشديد من التقدير ، وقرأ عبيد بن عمر بالتشديد على المجهول وقرأ يعقوب : (يقدر عليه) بالتخفيف على المجهول ، وروي أنه دخل ابن عباس رضي الله عنهما على معاوية رضي الله عنه ، فقال معاوية : لقد ضربتني أمواج القرآن البارحة فعرفت فيها فلم أجد لنفسي خلاصاً إلا بك فقال : وما هي ؟
قال : يظن نبي الله أن لن يقدر الله عليه ؟
فقال ابن عباس رضي الله عنهما هذا من القدر لا من القدرة. ورابعها : فظن أن لن نقدر : أي فظن أن لن نفعل لأن بين القدرة والفعل مناسبة فلا يبعد جعل أحدهما مجازاً عن الآخر. وخامسها : أنه استفهام بمعنى التوبيخ معناه أفظن أن لن نقدر عليه عن ابن زيد. وسادسها : أن على قول من يقول هذه الواقعة كانت قبل رسالة يونس عليه السلام كان هذا الظن حاصلاً قبل الرسالة ، ولا يبعد في حق غير الأنبياء والرسل أن يسبق ذلك إلى وهمه بوسوسة الشيطان. ثم إنه يرده بالحجة والبرهان. والجواب عن الثالث : وهو التمسك بقوله :
جزء : 22 رقم الصفحة : 163
{إِنِّى كُنتُ مِنَ الظَّـالِمِينَ} فهو أن نقول إنا لو حملناه على ما قبل النبوة فلا كلام ، ولو حملناه على ما بعدها فهي واجبة التأويل لأنا لو أجريناها على ظاهرها ، لوجب القول بكون النبي مستحقاً للعن ، وهذا لا يقوله مسلم ، وإذا وجب التأويل فنقول لا شك أنه كان تاركاً للأفضل مع القدرة على تحصيل الأفضل فكان ذلك ظلماً. والجواب عن الرابع : أنا لا نسلم أن ذلك كان عقوبة إذ الأنبياء لا يجوز أن يعاقبوا ، بل المراد به المحنة ، لكن كثير من المفسرين يذكرون في كل مضرة تفعل / لأجل ذنب أنها عقوبة. والجواب عن الخامس : أن الملامة كانت بسبب ترك الأفضل.
المسألة الرابعة : قال صاحب "الكشاف" في الظلمات أي في الظلمة الشديدة المتكاثفة في بطن الحوت كقوله تعالى : {ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَـاتٍ} (البقرة : 17) وقوله : {يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَـاتِ } (البقرة : 257) ومنهم من اعتبر أنواعاً مختلفة من الظلمات فإن كان النداء في الليل فهناك ظلمة الليل والبحر وبطن الحوت ، وإن كان في النهار أضيف إليه ظلمة أمعاء الحوت ، أو أن حوتاً ابتلع الحوت الذي هو في بطنه ، أو لأن الحوت إذا عظم غوصه في قعر البحر كان ما فوقه من البحر ظلمة في ظلمة ، أما قول من قال : إن الحوت الذي ابتلعه غاص في الأرض السابعة فإن ثبت ذلك بخبر فلا كلام ، وإن قيل بذلك لكي يقع نداؤه في الظلمات فما قدمناه يغني عن ذلك.
(1/3170)

أما قوله : {أَن لا إِلَـاهَ إِلا أَنتَ} فالمعنى بأنه لا إله إلا أنت ، أو بمعنى أي ، عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال : "ما من مكروب يدعو بهذا الدعاء إلا استجيب له" وعن الحسن : ما نجاه الله تعالى إلا بإقراره عن نفسه بالظلم.
أما قوله سبحانك فهو تنزيه عن كل النقائص ومنها العجز ، وهذا يدل على أنه ما كان مراده من قوله : {فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ} أنه ظن العجز ، وإنما قال : {سُبْحَـاـنَكَ} لأن تقديره سبحانك أن تفعل ذلك جوراً أو شهوة للانتقام ، أو عجزاً عن تخليصي عن هذا الحبس ، بل فعلته بحق الإلهية وبمقتضى الحكمة.
أما قوله : {إِنِّى كُنتُ مِنَ الظَّـالِمِينَ} فالمعنى ظلمت نفسي بفراري من قومي بغير إذنك ، كأنه قال : كنت من الظالمين ، وأنا الآن من التائبين النادمين ، فاكشف عني المحنة ، يدل عليه قوله : {فَاسْتَجَبْنَا لَه } وفيه وجه آخر وهو أنه عليه السلام وصفه بقوله : {لا إِلَـاهَ إِلا أَنتَ} بكمال الربوبية ووصف نفسه بقوله : {إِنِّى كُنتُ مِنَ الظَّـالِمِينَ} بضعف البشرية والقصور في أداء حق الربوبية ، وهذا القدر يكفي في السؤال على ما قال المتنبي :
جزء : 22 رقم الصفحة : 163
وفي النفس حاجات وفيك فطانة
سكوتي كلام عندها وخطاب
وروى عبد الله بن رافع مولى أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال : "لما أراد الله حبس يونس عليه السلام ، أوحى إلى الحوت أن خذه ولا تخدش له لحماً ، ولا تكسر له عظماً" فأخذه وهوى به إلى أسفل البحر ، فسمع يونس عليه السلام حساً ، فقال في نفسه : ما هذا ؟
فأوحى الله إليه هذا تسبيح دواب البحر/ قال فسبح ، فسمعت الملائكة تسبيحه ، فقالوا مثله.
أما قوله : {وَنَجَّيْنَـاهُ مِنَ الْغَمِّ } أي من غمه بسبب كونه في بطن الحوت ، وبسبب خطيئته ، وكما أنجينا يونس عليه السلام من كرب الحبس إذ دعانا : كذلك ننجي المؤمنين من كربهم إذا استغاثوا بنا. روى سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال : "دعوة ذي النون في بطن الحوت لا إله إلا أنت سبحانك ، إني كنت من الظالمين ، ما دعا بها عبد مسلم قط وهو مكروب إلا استجاب الله دعاءه". / قال صاحب "الكشاف" : قرىء ننجي وننجي ونجى والنون لا تدغم في الجيم ، ومن تمحل لصحته فجعله فعل وقال : نجى النجاء المؤمنين فأرسل الياء وأسنده إلى مصدره ، ونصب المؤمنين بالنجاء ، فتعسف بارد التعسف.
(القصة التاسعة ، قصة زكريا عليه السلام)
جزء : 22 رقم الصفحة : 163
183
اعلم أنه تعالى بين انقطاع زكريا عليه السلام إلى ربه تعالى لما مسه الضر بتفرده ، وأحب من يؤنسه ويقويه على أمر دينه ودنياه ويكون قائماً مقامه بعد موته ، فدعا الله تعالى دعاء مخلص عارف بأنه قادر على ذلك ، وإن انتهت الحال به وبزوجته من كبر وغيره إلى اليأس من ذلك بحكم العادة. وقال ابن عباس رضي الله عنهما : كان سنه مائة وسن زوجته تسعاً وتسعين.
أما قوله : {وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ} ففيه وجهان : أحدهما : أنه عليه السلام إنما ذكره في جملة دعائه على وجه الثناء على ربه ليكشف عن علمه بأن مآل الأمور إلى الله تعالى. والثاني : كأنه عليه السلام قال : "إن لم ترزقني من يرثني فلا أبالي فإنك خير وارث".
وأما قوله تعالى : {فَاسْتَجَبْنَا لَه } أي فعلنا ما أراده لأجل سؤاله ، وفي ذلك إعظام له ، فلذلك تقول العلماء بأن الاستجابة ثواب لما فيه من الإعظام.
وأما قوله تعالى : {وَوَهَبْنَا لَه يَحْيَى } فهو كالتفسير للاستجابة وفي تفسير قوله : {وَأَصْلَحْنَا لَه زَوْجَه ا } ثلاثة أقوال : أحدها : أصلحها للولادة بأن أزال عنها المانع بالعادة ، وهذا أليق بالقصة. والثاني : أنه أصلحها في أخلاقها وقد كانت على طريقة من سوء الخلق وسلاطة اللسان تؤذيه وجعل ذلك من نعمه عليه. والثالث : أنه سبحانه جعلها مصلحة في الدين ، فإن صلاحها في الدين من أكبر أعوانه في كونه داعياً إلى الله تعالى فكأنه عليه السلام سأل ربه المعونة على الدين والدنيا بالولد والأهل جميعاً. وهذا كأنه أقرب إلى الظاهر لأنه إذا قيل : أصلح الله فلاناً فالأظهر فيه ما يتصل بالدين ، واعلم أن قوله : {وَوَهَبْنَا لَه يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَه زَوْجَه ا } يدل على أن الواو لا تفيد الترتيب / لأن إصلاح الزوج مقدم على هبة الولد مع أنه تعالى أخره في اللفظ وبين تعالى مصداق ما ذكرناه فقال : {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَـارِعُونَ فِى الْخَيْرَاتِ} وأراد بذلك زكريا وولده وأهله فبين أنه آتاهم ما طلبوه وعضد بعضهم ببعض من حيث كانت طريقتهم أنهم يسارعون في الخيرات ، والمسارعة في طاعة الله تعالى من أكبر ما يمدح المرء به لأنه يدل على حرص عظيم على الطاعة.
جزء : 22 رقم الصفحة : 183
(1/3171)

أما قوله تعالى : {وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا } قرىء رغباً ورهباً وهو كقوله : {يَحْذَرُ الاخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّه } والمعنى أنهم ضموا إلى فعل الطاعات والمسارعة فيها أمرين : أحدهما : الفزع إلى الله تعالى لمكان الرغبة في ثوابه والرهبة في عقابه. والثاني : الخشوع وهو المخافة الثابتة في القلب ، فيكون الخاشع هو الحذر الذي لا ينبسط في الأمور خوفاً من الإثم.
(القصة العاشرة ، قصة مريم عليها السلام)
جزء : 22 رقم الصفحة : 183
184
اعلم أن التقدير واذكر التي أحصنت فرجها ، ثم فيه قولان : أحدهما : أنها أحصنت فرجها إحصاناً كلياً من الحلال والحرام جميعاً كما قالت : {وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا} (مريم : 20). والثاني : من نفخة جبريل عليه السلام حيث منعته من جيب درعها قبل أن تعرفه والأول أولى لأنه الظاهر من اللفظ.
وأما قوله : {فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا} فلقائل أن يقول : نفخ الروح في الجسد عبارة عن إحيائه قال تعالى : {فَإِذَا سَوَّيْتُه وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى} (الحجر : 29) أي أحييته وإذا ثبت ذلك كان قوله : {فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا} ظاهر الأشكال لأنه يدل على إحياء مريم عليها السلام. والجواب من وجوه : أحدها : معناه فنفخنا الروح في عيسى فيها ، أي أحييناه في جوفها كما يقول الزمار نفخت في بيت فلان أي في المزمار في بيته. وثانيها : فعلنا النفخ في مريم عليها السلام من جهة روحنا وهو جبريل عليه السلام لأنه نفخ في جيب درعها فوصل النفخ إلى جوفها ثم بين تعالى بأخصر الكلام ما خص به مريم وعيسى عليهما السلام من الآيات فقال : {وَجَعَلْنَـاهَا وَابْنَهَآ ءَايَةً لِّلْعَـالَمِينَ} أما مريم فآياتها كثيرة : أحدها : ظهور الحبل فيها لا من ذكر فصار ذلك آية ومعجزة خارجة عن العادة. وثانيها : أن رزقها كان يأتيها به الملائكة من الجنة وهو قوله تعالى : {أَنَّى لَكِ هَـاذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّه } . وثالثها ورابعها : قال الحسن إنها لم تلتقم ثدياً يوماً قط وتكلمت هي أيضاً في صباها كما تكلم عيسى عليه السلام ، وأما آيات عيسى عليه السلام فقد تقدم بيانها فبين سبحانه أنه جعلهما آية للناس يتدبرون فيما خصا به من الآيات ويستدلون به على قدرته وحكمته سبحانه / وتعالى فإن قيل : هلا قيل آيتين كما قال : {وَجَعَلْنَا الَّيْلَ وَالنَّهَارَ ءَايَتَيْنِ } (الإسراء : 12) قلنا ؛ لأن حالهما بمجموعهما آية واحدة ، وهي ولادتها إياه من غير فحل. وهنا آخر القصص.
جزء : 22 رقم الصفحة : 184
186
قال صاحب "الكشاف" : الأمة الملة وهو إشارة إلى ملة الإسلام ، أي أن ملة الإسلام هي ملتكم التي يجب أن تكونوا عليها يشار إليها بملة واحدة غير مختلفة ، وأنا إلهكم إله واحد فاعبدون ، ونصب الحسن (أمتكم) على البدل من هذه ورفع أمة خبراً وعنه رفعهما جميعاً خبرين أو نوى للثاني المبتدأ.
أما قوله تعالى : {وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ } والأصل وتقطعتم إلا أن الكلام صرف إلى الغيبة على طريق الالتفات كأنه ينقل عنهم ما أفسدوه إلى آخرين ويقبح عندهم فعلهم ويقول لهم : ألا ترون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء ، والمعنى جعلوا أمر دينهم فيما بينهم قطعاً كما تتوزع الجماعة الشيء ويقسمونه فيصير لهذا نصيب ولذلك نصيب تمثيلاً لاختلافهم فيه وصيرورتهم فرقاً وأحزاباً شتى.
أما قوله تعالى : {كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ} فقد توعدهم بأن هؤلاء الفرق المختلفة إليه يرجعون ، فهو محاسبهم ومجازيهم ، وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أنه قال : "تفرقت بنو إسرائيل على إحدى وسبعين فرقة فهلكت سبعون وخلصت فرقة ، وإن أمتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة فتهلك إحدى وسبعون فرقة وتخلص فرقة واحدة ، قالوا : يا رسول الله من تلك الفرقة الناجية ؟
قال : الجماعة الجماعة الجماعة" فتبين بهذا الخبر أن المراد بقوله تعالى : {وَإِنَّ هَـاذِه أُمَّتُكُمْ} الجماعة المتمسكة بما بينه الله تعالى في هذه السورة من التوحيد والنبوات ، وأن في قول الرسول صلى الله عليه وسلّم في الناجية إنها الجماعة إشارة إلى أن هذه أشار بها إلى أمة الإيمان وإلا كان قوله في تعريف الفرقة الناجية إنها الجماعة لغواً إذ لا فرقة تمسكت بباطل أو بحق إلا وهي جماعة من حيث العدد وطعن بعضهم في صحة هذا الخبر ، فقال : إن أراد بالثنتين والسبعين فرقة أصول الأديان فلم يبلغ هذا القدر ، وإن أراد الفروع فإنها تتجاوز هذا القدر إلى أضعاف ذلك ، وقيل أيضاً : قد روى ضد ذلك ، وهو أنها كلها ناجية إلا فرقة واحدة. والجواب : المراد ستفترق أمتي في حال ما وليس فيه دلالة على افتراقها في سائر الأحوال لا يجوز أن يزيد وينقص.
جزء : 22 رقم الصفحة : 186
189
(1/3172)

/ اعلم أنه سبحانه لما ذكر أمر الأمة من قبل وذكر تفرقهم وأنهم أجمع راجعون إلى حيث لا أمر إلا له أتبع ذلك بقوله : {فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّـالِحَـاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيِه } بين أن من جمع بين أن يكون مؤمناً وبين أن يعمل الصالحات فيدخل في الأول العلم والتصديق بالله ورسوله وفي الثاني فعل الواجبات وترك المحظورات : {فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيِه } أي لا بطلان لثواب عمله وهو كقوله تعالى : {وَمَنْ أَرَادَ الاخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَ أولئك كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا} (الإسراء : 19) فالكفران مثل في حرمان الثواب والشكر مثل في إعطائه وقوله : {فَلا كُفْرَانَ} المراد نفي الجنس ليكون في نهاية المبالغة لأن نفي الماهية يستلزم نفي جميع أفرادها.
وأما قوله تعالى : {وَإِنَّا لَه كَـاتِبُونَ} فالمراد وإنا لسعيه كاتبون ، فقيل : المراد حافظون لنجازي عليه ، وقيل : كاتبون إما في أم الكتاب أو في الصحف التي تعرض يوم القيامة ، والمراد بذلك ترغيب العباد في التمسك بطاعة الله تعالى.
أما قوله : {وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـاهَآ أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ} فاعلم أن قوله : {وَحَرَامٌ} خبر فلا بد له من مبتدأ وهو إما قوله : {أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ} أو شيء آخر أما الأول فالتقدير أن عدم رجوعهم حرام أي ممتنع وإذا كان عدم رجوعهم ممتنعاً كان رجوعهم واجباً فهذا الرجوع إما أن يكون المراد منه الرجوع إلى الآخرة أو إلى الدنيا. أما الأول : فيكون المعنى أن رجوعهم إلى الحياة في الدار الآخرة واجب ، ويكون الغرض منه إبطال قول من ينكر البعث ، وتحقيق ما تقدم أنه لا / كفران لسعي أحد فإنه سبحانه سيعطيه الجزاء على ذلك يوم القيامة وهو تأويل أبي مسلم بن بحر. وأما الثاني : فيكون المعنى أن رجوعهم إلى الدنيا واجب لكن المعلوم أنهم لم يرجعوا إلى الدنيا فعند هذا ذكر المفسرون وجهين : الأول : أن الحرام قد يجيء بمعنى الواجب والدليل عليه الآية والاستعمال والشعر ، أما الآية فقوله تعالى : {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُم أَلا تُشْرِكُوا بِه شَيْـاًا } (الأنعام : 151) وترك الشرك واجب وليس بمحرم ، وأما الشعر فقول الخنساء :
جزء : 22 رقم الصفحة : 189
وإن حراماً لا أرى الدهر باكيا
على شجوه إلا بكيت على عمرو
يعني وإن واجباً ، وأما الاستعمال فلأن تسمية أحد الضدين باسم الآخر مجاز مشهور كقوله تعالى : {وَجَزَا ؤُا سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا } (الشورى : 40) إذا ثبت هذا فالمعنى أنه واجب على أهل كل قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون ، ثم ذكروا في تفسير الرجوع أمرين : أحدهما : أنهم لا يرجعون عن الشرك ولا يتولون عنه وهو قول مجاهد والحسن. وثانيها : لا يرجعون إلى الدنيا وهو قول قتادة ومقاتل. الوجه الثاني : أن يترك قوله وحرام على ظاهره ويجعل في قوله : {لا يَرْجِعُونَ} صلة زائدة كما أنه صلة في قوله : {مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ} (الأعراف : 12) والمعنى حرام على قرية أهلكناها رجوعهم إلى الدنيا وهو كقوله : {فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلَى ا أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} (يس : 50) أو يكون المعنى وحرام عليهم رجوعهم عن الشرك وترك الأيمان ، وهذا قول طائفة من المفسرين ، وهذا كله إذا جعلنا قوله وحرام خبراً لقوله : {أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ} أما إذا جعلناه خبراً لشيء آخر فالتقدير وحرام على قرية أهلكناها ذاك ، وهو المذكور في الآية المتقدمة من العمل الصالح والسعي المشكور غير المكفور ثم علل فقال : {أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ} عن الكفر فكيف لا يمتنع ، ذلك هذا على قراءة إنهم بالكسر والقراءة بالفتح يصح حملها أيضاً على هذا أي أنهم لا يرجعون.
أما قوله تعالى : {حَتَّى ا إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِىَ شَـاخِصَةٌ أَبْصَـارُ الَّذِينَ كَفَرُوا } ففيه مسائل :
(1/3173)

المسألة الأولى : أن حتى متعلقة بحرام فأما على تأويل أبي مسلم فالمعنى أن رجوعهم إلى الآخرة واجب حتى أن وجوبه يبلغ إلى حيث أنه إذا فتحت يأجوج ومأجوج ، واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفورا ، والمعنى أنهم يكونون أول الناس حضوراً في محفل القيامة ، فحتى متعلقة بحرام وهي غاية له ولكنه غاية من جنس الشيء كقولك دخل الحاج حتى المشاة. وحتى ههنا هي التي يحكى بعدها الكلام. والكلام المحكى هو هذه الجملة من الشرط والجزاء أعني قوله : {حَتَّى ا إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ} فهناك يتحقق شخوص أبصار الذين كفروا ، وذلك غير جائز لأن الشرط إنما يحصل في آخر أيام الدنيا والجزاء إنما يحصل في يوم القيامة ، والشرط والجزاء لا بد وأن يكونا متقاربين ، قلنا التفاوت القليل يجري مجرى المعدوم ، وأما على التأويلات الباقية فالمعنى أن امتناع رجوعهم لا يزول حتى تقوم الساعة.
/
جزء : 22 رقم الصفحة : 189
المسألة الثانية : قوله : {حَتَّى ا إِذَا فُتِحَتْ} المعنى فتح سد يأجوج ومأجوج فحذف المضاف وأدخلت علامة التأنيث في فتحت لما حذف المضاف لأن يأجوج ومأجوج مؤنثان بمنزلة القبيلتين ، وقيل حتى إذا فتحت جهة يأجوج.
المسألة الثالثة : هما قبيلتان من جنس الإنس ، يقال : الناس عشرة أجزاء تسعة منها يأجوج ومأجوج يخرجون حين يفتح السد.
المسألة الرابعة : قيل : السد يفتحه الله تعالى ابتداء ، وقيل : بل إذا جعل الله تعالى الأرض دكاً زالت الصلابة عن أجزاء الأرض فحينئذ ينفتح السد.
أما قوله تعالى : {وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ} فحشو في أثناء الكلام ، والمعنى إذا فتحت يأجوج واقترب الوعد الحق شخصت أبصار الذين كفروا ، والحدب النشز من الأرض ، ومنه حدبة الأرض ، ومنه حدبة الظهر ، وقرأ ابن عباس رضي الله عنهما {مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ} ، اعتباراً بقوله : {فَإِذَا هُم مِّنَ الاجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ} (يس : 51) وقرىء بضم السين ونسل وعسل أسرع ثم فيه قولان ، قال أكثر المفسرين إنه كناية عن يأجوج ومأجوج ، وقال مجاهد : هو كناية عن جميع المكلفين أي يخرجون من قبورهم من كل موضع فيحشرون إلى موقف الحساب ، والأول هو الأوجه وإلا لتفكك النظم ، وأن يأجوج ومأجوج إذا كثروا على ما روى في "الخبر" ، فلا بد من أن ينشروا فيظهر إقبالهم على الناس من كل موضع مرتفع.
أما قوله تعالى : {وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ} فلا شبهة أن الوعد المذكور هو يوم القيامة.
أما قوله : {فَإِذَا هِىَ} فاعلم أن إذا ههنا للمفاجأة فسمى الموعد وعداً تجوزاً ، وهي تقع في المجازاة سادة مسد الفاء كقوله : {إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ} (الروم : 36) فإذا جاءت الفاء معها تعاونتا على وصل الجزاء بالشرط فيتأكد ولو قيل : {فَإِذَا هِىَ شَـاخِصَةٌ} أو فهي شاخصة كان سديداً ، أما لفظة {هِىَ} فقد ذكر النحويون فيها ثلاثة أوجه. أحدها : أن تكون كناية عن الأبصار ، والمعنى فإذا أبصار الذين كفروا شاخصة أبصارهم كني عن الإبصار ثم أظهر. والثاني : أن تكون عماداً ويصلح في موضعها هو فيكون كقوله : {إِنَّه ا أَنَا اللَّهُ} ومثله : {فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الابْصَـارُ} وجاز التأنيث لأن الأبصار مؤنثة وجاز التذكير للعماد وهو قول الفراء ، وقال سيبويه الضمير للقصة بمعنى فإذا القصة شاخصة ، يعني أن القصة أن أبصار الذين كفروا تشخص عند ذلك ، ومعنى الكلام أن القيامة إذا قامت شخصت أبصار هؤلاء من شدة الأهوال ، فلا تكاد تطرف من شدة ذلك اليوم ، ومن توقع ما يخافونه ، ويقولون : {كَفَرُوا يَـاوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِى غَفْلَةٍ مِّنْ هَـاذَا} يعني في الدنيا حيث كذبناه وقلنا : إنه غير كائن بل كنا ظالمين أنفسنا بتلك الغفلة وبتكذيب محمد صلى الله عليه وسلّم وعبادة الأوثان ، واعلم أنه لا بد قبل قوله يا ويلنا من حذف والتقدير يقولون يا ويلنا.
جزء : 22 رقم الصفحة : 189
190
/ اعلم أن قوله : {إِنَّكُمْ} خطاب لمشركي مكة وعبدة الأوثان.
(1/3174)

أما قوله تعالى : {وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ} روي أنه عليه السلام دخل المسجد وصناديد قريش في الحطيم وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً فجلس إليهم فعرض له النضر بن الحارث فكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلّم فأفحمه ثم تلا عليهم : {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} الآية فأقبل عبد الله بن الزبعري فرآهم يتهامسون فقال : فيم خوضكم ؟
فأخبره الوليد بن المغيرة بقول رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، فقال عبد الله أما والله لو وجدته لخصمته فدعوه ، فقال ابن الزبعري أأنت قلت ذلك ؟
قال نعم ، قال قد خصمتك ورب الكعبة أليس اليهود عبدوا عزيراً والنصارى عبدوا المسيح وبنوا مليح عبدوا الملائكة ثم روى في ذلك روايتان : إحداهما : أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم سكت ولم يجب فضحك القوم فنزل قوله تعالى : {وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ * وَقَالُوا ءَأَالِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَا مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلا جَدَا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} (الزخرف : 57 ، 58) ونزل في عيسى والملائكة : {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى } (الأنبياء : 101) الآية هذا قول ابن عباس. الرواية الثانية : أنه عليه السلام أجاب وقال بل هم عبدوا الشياطين التي أمرتهم بذلك فأنزل الله سبحانه : {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى } (الأنبياء : 101) الآية يعني عزيراً والمسيح والملائكة واعلم أن سؤال ابن الزبعري ساقط من وجوه : أحدها : أن قوله : {إِنَّكُمْ} خطاب مشافهة وكان ذلك مع مشركي مكة وهم كانوا يعبدون الأصنام فقط. وثانيها : أنه لم يقل ومن تعبدون بل قال ما تعبدون وكلمة ما لا تتناول العقلاء.
جزء : 22 رقم الصفحة : 190
أما قوله تعالى : {وَالسَّمَآءِ وَمَا بَنَـاـاهَا} (الشمس : 5) وقوله : {لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} (الكافرون : 2) فهو محمول على الشيء ونظيره ههنا أن يقال : إنكم والشيء الذي تعبدون من دون الله لكن لفظ الشيء لا يفيد العموم فلا يتوجه سؤال ابن الزبعري. وثالثها : أن من عبد الملائكة لا يدعي أنهم آلهة ، وقال سبحانه : {لَوْ كَانَ هَـا ؤُلاءِ ءَالِهَةً مَّا وَرَدُوهَا } . ورابعها : هب أنه ثبت العموم لكنه / مخصوص بالدلائل العقلية والسمعية في حق الملائكة والمسيح وعزير لبراءتهم من الذنوب والمعاصي ، ووعد الله إياهم بكل مكرمة ، وهذا هو المراد من قوله سبحانه : {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى ا أولئك عَنْهَا مُبْعَدُونَ} (الأنبياء : 101). وخامسها : الجواب الذي ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلّم وهو أنهم كانوا يعبدون الشياطين ، فإن قيل الشياطين عقلاء ، ولفظ ما لا يتناولهم فكيف قال الرسول صلى الله عليه وسلّم ذلك ؟
قلنا كأنه عليه السلام قال : لو ثبت لكم أنه يتناول العقلاء فسؤالكم أيضاً غير لازم من هذا الوجه. وأما ما قيل : إنه عليه السلام سكت عند إيراد ابن الزبعري هذا السؤال فهو خطأ لأنه لا أقل من أنه عليه السلام كان يتنبه لهذه الأجوبة التي ذكرها المفسرون ، لأنه عليه السلام كان أعلم منهم باللغة وبتفسير القرآن ، فكيف يجوز أن تظهر هذه الأجوبة لغيره ، ولا يظهر شيء منها له عليه السلام. فإن قيل : جوزوا أن يسكت عليه السلام انتظاراً للبيان قلنا : لما كان البيان حاضراً معه لم يجز عليه السكوت لكي لا يتوهم فيه الانقطاع عن سؤالهم ، ومن الناس من أجاب عن سؤال ابن الزبعري فقال : إن الله تعالى يصور لهم في النار ملكاً على صورة من عبدوه ، وحينئذ تبقى الآية على ظاهرها واعلم أن هذا ضعيف من وجهين. الأول : أن القوم لم يعبدوا تلك الصورة وإنما عبدوا شيئاً آخر لم يحصل معهم في النار. الثاني : وهو أن الملك لا يصير حصب جهنم في الحقيقة وإن صح أن يدخلها ، فإن خزنة النار يدخلونها مع أنهم ليسوا حصب جهنم.
المسألة الثانية : الحكمة في أنهم قرنوا بآلهتهم أمور. أحدها : أنهم لا يزالون لمقارنتهم في زيادة غم وحسرة ، لأنهم ما وقعوا في ذلك العذاب إلا بسببهم والنظر إلى وجه العدو باب من العذاب. وثانيها : أن القوم قدروا أنهم يشفعون لهم في الآخرة في دفع العذاب ، فإذا وجدوا الأمر على عكس ما قدروا لم يكن شيء أبغض إليهم منهم. وثالثها : أن إلقاءها في النار يجري مجرى الاستهزاء بعبادها. ورابعها : قيل ما كان منها حجراً أو حديداً يحمى ويلزق بعبادها ، وما كان خشباً يجعل جمرة يعذب بها صاحبها.
جزء : 22 رقم الصفحة : 190
أما قوله تعالى : {حَصَبُ جَهَنَّمَ} فالمراد يقذفون في نار جهنم فشبههم بالحصباء التي يرمى بها الشيء فلما رمى بها كرمي الحصباء ، جعلهم حصب جهنم تشبيهاً ، قال صاحب "الكشاف" : الحصب الرمي وقرىء بسكون الصاد وصفاً بالمصدر ، وقرىء حطب وحضب بالضاد المنقوطة متحركاً وساكناً.
(1/3175)

أما قوله تعالى : {أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} فإنما جاز مجيء اللام في لها لتقدمها على الفعل تقول أنت لزيد ضارب كقوله تعالى : {وَالَّذِينَ هُمْ لامَـانَـاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ} (المؤمنون : 8) {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ} (المؤمنون : 5) أي أنتم فيها داخلون ، والمعنى أنه لا بد وأن تردوها ولا معدل لكم عن دخولها.
أما قوله تعالى : {لَوْ كَانَ هَـا ؤُلاءِ ءَالِهَةً مَّا وَرَدُوهَا } فاعلم أن قوله : {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ} بالأصنام أليق لدخول لفظة ما ، وهذا الكلام بالشياطين أليق لقوله هؤلاء ويحتمل أن يريد / الشياطين والأصنام فيغلب بأن يذكروا بعبارة العقلاء ، ونبه الله تعالى على أن من يرمى إلى النار لا يمكن أن يكون إلهاً. وههنا سؤال : وهو أن قوله : {لَوْ كَانَ هَـا ؤُلاءِ ءَالِهَةً مَّا وَرَدُوهَا } لكنهم وردوها فهم ليسوا آلهة حجة ، وهذه الحجة إما أن يكون ذكرها لنفسه أو لغيره ، فإن ذكرها لنفسه فلا فائدة فيه لأنه كان عالماً بأنها ليست آلهة وإن ذكرها لغيره ، فإما أن يذكرها لمن يصدق بنبوته أو لمن يكذب بنبوته ، فإن ذكرها لمن صدق بنبوته فلا حاجة إلى هذه الحجة لأن كل من صدق بنبوته لم يقل بإلهية هذه الأصنام وإن ذكرها لمن يكذب بنبوته ، فذلك المكذب لا يسلم أن تلك الآلهة يردون النار ويكذبونه في ذلك ، فكان ذكره هذه الحجة ضائعاً كيف كان ، وأيضاً فالقائلون بآلهيتها لم يعتقدوا فيها كونها مدبرة للعالم وإلا لكانوا مجانين ، بل اعتقدوا فيها كونها تماثيل الكواكب أو صور الشفعاء ، وذلك لا يمنع من دخولها في النار. وأجيب عن ذلك بأن المفسرين قالوا : المعنى لو كان هؤلاء يعني الأصنام آلهة على الحقيقة ما وردوها أي ما دخل عابدوها النار ، ثم إنه سبحانه وصف ذلك العذاب بأمور ثلاثة : أحدها : الخلود فقال : {وَكُلٌّ فِيهَا خَـالِدُونَ} يعني العابدين والمعبودين وهو تفسير لقوله :
جزء : 22 رقم الصفحة : 190
{إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ} . وثانيها : قوله : {لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ} قال الحسن : الزفير هو اللهيب ، أي يرتفعون بسبب لهب النار حتى إذا ارتفعوا ورجوا الخروج ضربوا بمقامع الحديد فهووا إلى أسفلها سبعين خريفاً/ قال الخليل : الزفير أن يملأ الرجل صدره غماً ثم ينتفس قال أبو مسلم وقوله لهم : عام لكل معذب ، فنقول لهم : زفير من شدة ما ينالهم والضمير في قوله : {وَهُمْ فِيهَا لا يَسْمَعُونَ} يرجع إلى المعبودين أي لا يسمعون صراخهم وشكواهم. ومعناه : أنهم لا يغيثونهم وشبهه سمع الله لمن حده أي أجاب الله دعاءه. وثالثها : قوله : {وَهُمْ فِيهَا لا يَسْمَعُونَ} وفيه وجهان : أحدهما : أنه محمول على الأصنام خاصة على ما حكيناه عن أبي مسلم. والثاني : أنها محمولة على الكفار ، ثم هذا يحتمل ثلاثة أوجه. أحدها : أن الكفار يحشرون صماً كما يحشرون عمياً زيادة في عذابهم. وثانيها : أنهم لا يسمعون ما ينفعهم لأنهم إنما يسمعون أصوات المعذبين أو كلام من يتولى تعذيبهم من الملائكة. وثالثها : قال ابن مسعود إن الكفار يجعلون في توابيت من نار والتوابيت في توابيت أخر فلذلك لا يسمعون شيئاً والأول ضعيف لأن أهل النار يسمعون كلام أهل الجنة فلذلك يستغيثون بهم على ما ذكره الله تعالى في سورة الأعراف.
جزء : 22 رقم الصفحة : 190
194
/ اعلم أن من الناس من زعم أن ابن الزبعري لما أورد ذلك السؤال على الرسول صلى الله عليه وسلّم بقي ساكتاً حتى أنزل الله تعالى هذه الآية جواباً عن سؤاله لأن هذه الآية كالإستثناء من تلك الآية. وأما نحن فقد بينا فساد هذا القول وذكرنا أن سؤاله لم يكن وارداً ، وأنه لا حاجة في دفع سؤاله إلى نزول هذه الآية ، وإذا ثبت هذا لم يبق ههنا إلا أحد أمرين : الأول : أن يقال : إن عادة الله تعالى أنه متى شرح عقاب الكفار أردفه بشرح ثواب الأبرار ، فلهذا السبب ذكر هذه الآية عقيب تلك فهي عامة في حق كل المؤمنين. الثاني : أن هذه الآية نزلت في تلك الواقعة لتكون كالتأكيد في دفع سؤال ابن الزبعري ، ثم من قال العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وهو الحق أجراها على عمومها فتكون الملائكة والمسيح وعزير عليهم السلام داخلين فيها ، لا أن الآية مختصة بهم ، ومن قال : العبرة بخصوص السبب خصص قوله : {إِنَّ الَّذِينَ} بهؤلاء فقط.
جزء : 22 رقم الصفحة : 194
(1/3176)

أما قوله تعالى : {سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى } فقال صاحب "الكشاف" : الحسنى الخصلة المفضلة والحسنى تأنيث الأحسن ، وهي إما السعادة وإما البشرى بالثواب ، وإما التوفيق للطاعة. والحاصل أن مثبتي العفو حملوا الحسنى على وعد العفو ومنكري العفو حملوه على وعد الثواب ، ثم إنه سبحانه وتعالى شرح من أحوال ثوابهم أمور خمسة : أحدها : قوله : { أولئك عَنْهَا مُبْعَدُونَ} فقال أهل العفو معناه أولئك عنها مخرجون ، واحتجوا عليه بوجهين : الأول : قوله : {وَإِن مِّنكُمْ إِلا وَارِدُهَا } (مرمي : 71) أثبت الورود وهو الدخول ، فدل على أن هذا الإبعاد هو الإخراج. الثاني : أن أبعاد الشيء عن الشيء لا يصح إلا إذا كانا متقاربين لأنهما لو كانا متباعدين استحال إبعاد أحدهما عن اخر ، لأن تحصيل الحاصل محال ، واحتج القاضي عبد الجبار على فساد هذا القول الأول بأمور : أحدها : أن قوله تعالى : {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى } يقتضي أن الوعد بثوابهم قد تقدم في الدنيا وليس هذا حال من يخرج من النار لو صح ذلك. وثانيها : أنه تعالى قال : { أولئك عَنْهَا مُبْعَدُونَ} وكيف يدخل في ذلك من وقع فيها. وثالثها : قوله تعالى : {لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا } وقوله : {لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الاكْبَرُ} يمنع من ذلك. والجواب عن الأول : لا نسلم أن (يقال) المراد من قوله : {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى } هو أن الوعد بثوابهم قد تقدم ، ولم لا يجوز أن المراد من الحسنى تقدم الوعد بالعفو ، سلمنا أن المراد من الحسنى تقدم الوعد بالثواب ، لكن لم قلتم إن الوعد بالثواب لا يليق بحال من يخرج من النار فإن عندنا المحابطة باطلة ويجوز الجمع بين استحقاق الثواب والعقاب. وعن الثاني : أنا بينا أن قوله : { أولئك عَنْهَا مُبْعَدُونَ} لا يمكن إجراؤه على ظاهره إلا في حق من كان في النار. وعن الثالث : أن قوله : {لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا } مخصوص بما بعد الخروج.
/
جزء : 22 رقم الصفحة : 194
أما قوله : {لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الاكْبَرُ} فالفزع الأكبر هو عذاب الكفار ، وهذا بطريق المفهوم يقتضي أنهم يحزنهم الفزع الأصغر ، فإن لم يدل عليه فلا أقل من أن لا يدل على ثبوته ولا على عدمه. الوجه الثاني : في تفسير قوله : { أولئك عَنْهَا مُبْعَدُونَ} أن المراد الذين سبقت لهم منا الحسنى لا يدخلون النار ولا يقربونها ألبتة ، وعلى هذا القول بطل قول من يقول : إن جميع الناس يردون النار ثم يخرجون إلى الجنة ، لأن هذه الآية مانعة منه وحينئذ يجب التوفيق بينه وبين قوله : {وَإِن مِّنكُمْ إِلا وَارِدُهَا } (مريم : 71) وقد تقدم. الصفة الثانية : قوله تعالى : {لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا } والحسيس الصوت الذي يحس ، وفيه سؤالان : الأول : أي وجه في أن لا يسمعوا حسيسها من البشارة ولو سمعوه لم يتغير حالهم. قلنا : المراد تأكيد بعدهم عنها لأن من لم يدخلها وقرب منها قد يسمع حسيسها. السؤال الثاني : أليس أن أهل الجنة يرون أهل النار فكيف لا يسمعون حسيس النار ؟
الجواب : إذا حملناه على التأكيد زال هذا السؤال. الصفة الثالثة : قوله : {وَهُمْ فِى مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَـالِدُونَ} والشهوة طلب النفس للذة يعني نعيمها مؤبد ، قال العارفون : للنفوس شهوة وللقلوب شهوة وللأرواح شهوة ، وقال الجنيد : سبقت العناية في البداية ، فظهرت الولاية في النهاية. الصفة الرابعة : قوله : {لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الاكْبَرُ} وفيه وجوه : أحدها : أنها النفخة الأخيرة لقوله تعالى : {وَيَوْمَ يُنفَخُ فِى الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِى السَّمَـاوَاتِ وَمَن فِى الارْضِ} (النمل : 87). وثانيها : أنه الموت قالوا : إذا استقر أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار بعث الله تعالى جبريل عليه السلام ومعه الموت في صورة كبش أملح فيقول لأهل الدارين أتعرفون هذا فيقولون : لا فيقول هذا الموت ثم يذبحه ثم ينادي يا أهل الجنة خلود ولا موت أبداً ، وكذلك لأهل النار ، واحتج هذا القائل بأن قوله : {لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الاكْبَرُ} إنما ذكر بعد قوله : {وَهُمْ فِيهَا خَـالِدُونَ} (البقرة : 25) فلا بد وأن يكون لأحدهما تعلق بالآخر ، والفزع الأكبر الذي هو ينافي الخلود هو الموت. وثالثها : قال سعيد بن جبير هو إطباق النارعلى أهلها فيفزعون لذلك فزعة عظيمة ، قال القاضي عبد الجبار : الأولى في ذلك إنه الفزع من النار عند مشاهدتها لأنه لا فزع أكبر من ذلك ، فإذا بين تعالى أن ذلك لا يحزنهم فقد صح أن المؤمن آمن من أهوال يوم القيامة ، وهذا ضعيف لأن عذاب النار على مراتب فعذاب الكفار أشد من عذاب الفساق ، وإذا كانت مراتب التعذيب بالنار متفاوتة كانت مراتب الفزع منها متفاوتة ، فلا يلزم من نفي الفزع الأكبر نفي الفزع من النار.
جزء : 22 رقم الصفحة : 194
(1/3177)

الصفة الخامسة : قوله : {وَتَتَلَقَّـاهُمُ الْمَلَـا اـاِكَةُ هَـاذَا يَوْمُكُمُ الَّذِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ} قال الضحاك : هم الحفظة الذين كتبوا أعمالهم وأقوالهم ويقولون لهم مبشرين : {هَـاذَا يَوْمُكُمُ الَّذِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ} .
جزء : 22 رقم الصفحة : 194
199
/ اعلم أن التقدير لا يحزنهم الفزع الأكبر يوم نطوي السماء ، أو وتتلقاهم الملائكة يوم نطوي السماء. وقرىء يوم تطوى السماء على البناء للمفعول والسجل بوزن العتل والسجل بوزن الدلو وروى فيه الكسر ، وفي السجل قولان : أحدهما : أنه اسم للطومار الذي يكتب فيه والكتاب أصله المصدر كالبناء ، ثم يوقع على المكتوب ، ومن جمع فمعناه للمكتوبات أي لما يكتب فيه من المعاني الكثيرة ، فيكون معنى طي السجل للكتاب كون السجل ساتراً لتلك الكتابة ومخفياً لها لأن الطي ضد النشر الذي يكشف والمعنى نطوي السماء كما يطوى الطومار الذي يكتب فيه.
القول الثاني : أنه ليس اسماً للطومار ثم قال ابن عباس رضي الله عنهما : السجل اسم ملك يطوي كتب بني آدم إذا رفعت إليه ، وهو مروي عن علي عليه السلام ، وروى أبو الجوزاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه إسم كاتب كان لرسول الله صلى الله عليه وسلّم ، وهذا بعيد ؛ لأن كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم كانوا معروفين وليس فيهم من سمي بهذا ، وقال الزجاج : هو الرجل بلغة الحبشة ، وعلى هذه الوجوه فهو على نحو ما يقال : كطي زيد الكتاب واللام في للكتاب زائدة كما في قوله ردف لكم ، وإذا قلنا : المراد بالسجل الطومار فالمصدر وهو الطي مضاف إلى المفعول والفاعل محذوف والتقدير كطي الطاوي السجل ، وهذا الأخير هو قول الأكثرين.
أما قوله تعالى : {كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُه } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قال الفراء : انقطع الكلام عند قوله الكتاب ثم ابتدأ فقال : {كَمَا بَدَأْنَآ} ومنهم من قال : إنه تعالى لما قال : {وَتَتَلَقَّـاهُمُ الْمَلَـا اـاِكَةُ هَـاذَا يَوْمُكُمُ الَّذِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ} (الأنبياء : 103) عقبه بقوله : {يَوْمَ نَطْوِى السَّمَآءَ كَطَىِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ } فوصف اليوم بذلك ، ثم وصفه بوصف آخر فقال : {كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُه } .
جزء : 23 رقم الصفحة : 199
المسألة الثانية : قال صاحب "الكشاف" رحمه الله : {أَوَّلَ خَلْقٍ} مفعول نعيد الذي يفسره نعيده والكاف مكفوفة بما والمعنى نعيد أول الخلق كما بدأناه تشبيهاً للإعادة بالابتداء ، فإن قلت : ما بال خلق منكراً ؟
قلت : هو كقولك أول رجل جاءني زيد ، تريد أول الرجال ولكنك وحدته ونكرته إرادة تفصيلهم رجلاً رجلاً ، فكذلك معنى أول خلق أول الخلق بمعنى أول الخلائق لأن الخلق مصدر لا يجمع.
/ المسألة الثالثة : اختلفوا في كيفية الإعادة فمنهم من قال : إن الله تعالى يفرق أجزاء الأجسام ولا يعدمها ثم إنه يعيد تركيبها فذلك هو الإعادة ، ومنهم من قال : إنه تعالى يعدمها بالكلية ثم إنه يوجدها بعينها مرة أخرى وهذه الآية دلالة على هذا الوجه لأنه سبحانه شبه الإعادة بالإبتداء. ولما كان الابتداء ليس عبارة عن تركيب الأجزاء المتفرقة بل عن الوجود بعد العدم ، وجب أن يكون الحال في الإعادة كذلك واحتج القائلون بالمذهب الأول بقوله تعالى : {وَالسَّمَـاوَاتُ مَطْوِيَّـاتُا بِيَمِينِه } (الزمر : 67) فدل هذا على أن السموات حال كونها مطوية تكون موجودة ، وبقوله تعالى : {يَوْمَ تُبَدَّلُ الارْضُ غَيْرَ الارْضِ} (إبراهيم : 48) وهذا يدل على أن أجزاء الأرض باقية لكنها جعلت غير الأرض.
أما قوله تعالى : {وَعْدًا عَلَيْنَآ } ففيه قولان : أحدهما : أن وعداً مصدر مؤكد لأن قوله : {نُّعِيدُه } عدة للإعادة. الثاني : أن يكون المراد حقاً علينا بسبب الإخبار عن ذلك وتعلق العلم بوقوعه مع أن وقوع ما علم الله وقوعه واجب ، ثم إنه تعالى حقق ذلك بقوله : {إِنَّا كُنَّا فَـاعِلِينَ} أي سنفعل ذلك لا محالة وهو تأكيد لما ذكره من الوعد.
أما قوله تعالى : {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِى الزَّبُورِ مِنا بَعْدِ الذِّكْرِ} ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ حمزة بضم الزاي والباقون بفتحها يعني الزبور كالحلوب والركوب يقال : زبرت الكتاب أي كتبته والمزبور بضم الزاي جمع زبر كقشر وقشور ، ومعنى القراءتين واحد لأن الزبور هو الكتاب.
(1/3178)

المسألة الثانية : في الزبور والذكر وجوه : أحدها : وهو قول سعيد بن جبير ومجاهد والكلبي ومقاتل وابن زيد الزبور هو الكتب المنزلة والذكر الكتاب الذي هو أم الكتاب في السماء ، لأن فيها كتابة كل ما سيكون اعتباراً للملائكة وكتب الأنبياء عليهم السلام من ذلك الكتاب تنسخ. وثانيها : الزبور هو القرآن والذكر هو التوراة وهو قول قتادة والشعبي. وثالثها : الزبور زبور داود عليه السلام ، والذكر هو الذي يروى عنه عليه السلام ، قال : كان الله تعالى ولم يكن معه شيء ، ثم خلق الذكر. وعندي فيه وجه رابع : وهو أن المراد بالذكر العلم أي كتبنا ذلك في الزبور بعد أن كنا عالمين علماً لا يجوز السهو والنسيان علينا ، فإن من كتب شيئاً والتزمه ولكنه يجوز السهو عليه فإنه لا يعتمد عليه ، أما من لم يجز عليه السهو والخلف فإذا التزم شيئاً كان ذلك الشيء واجب الوقوع.
جزء : 23 رقم الصفحة : 199
أما قوله تعالى : {أَنَّ الارْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ الصَّـالِحُونَ} ففيه وجوه : أحدها : الأرض أرض الجنة والعباد الصالحون هم المؤمنون العاملون بطاعة الله تعالى فالمعنى أن الله تعالى كتب في كتب الأنبياء عليهم السلام وفي اللوح المحفوظ أنه سيورث الجنة من كان صالحاً من عباده وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة والسدي وأبي العالية وهؤلاء أكدوا هذا القول بأمور : أما أولاً : فقوله تعالى : {وَأَوْرَثَنَا الارْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُا فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَـامِلِينَ} (الزمر : 74) ، وأما ثانياً : فلأنها الأرض التي يختص بها الصالحون لأنها لهم خلقت ، وغيرهم إذا حصل معهم في الجنة فعلى وجه التبع ، فأما أرض الدنيا فلأنها للصالح وغير الصالح. وأما ثالثاً : فلأن هذه الأرض مذكورة عقيب الإعادة وبعد الإعادة الأرض التي هذا وصفها لا تكون إلا الجنة. وأما رابعاً : فقد روى في الخبر أنها أرض الجنة فإنها بيضاء نقية. وثانيها : أن المراد من الأرض أرض الدنيا فإنه سبحانه وتعالى سيورثها المؤمنين في الدنيا وهو قول الكلبي وابن عباس في بعض الروايات ودليل هذا القول قوله سبحانه : {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا } إلى قوله : {لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى الارْضِ} (النور : 55) وقوله تعالى : {قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا ا إِنَّ الارْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِه } (الأعراف : 128). وثالثها : هي الأرض المقدسة يرثها الصالحون ، ودليله قوله تعالى ؛ {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَـارِقَ الارْضِ وَمَغَـارِبَهَا الَّتِى بَـارَكْنَا فِيهَا } (الأعراف : 137) ثم بالآخرة يورثها أمة محمد صلى الله عليه وسلّم عند نزول عيسى ابن مريم عليه السلام.
أما قوله تعالى : {إِنَّ فِى هَـاذَا لَبَلَـاغًا لِّقَوْمٍ عَـابِدِينَ} فقوله هذا إشارة إلى المذكور في هذه السورة من الأخبار والوعد والوعيد والمواعظ البالغة والبلاغ الكفاية وما تبلغ به البغية وقيل في العابدين إنهم العالمون وقيل بل العاملون والأولى أنهم الجامعون بين الأمرين/ لأن العلم كالشجر والعمل كالثمر ، والشجر بدون الثمر غير مفيد ، والثمر بدون الشجر غير كائن.
جزء : 23 رقم الصفحة : 199
أما قوله تعالى : {وَمَآ أَرْسَلْنَـاكَ إِلا رَحْمَةً لِّلْعَـالَمِينَ} ففيه مسائل :
(1/3179)

المسألة الأولى : أنه عليه السلام كان رحمة في الدين وفي الدنيا ، أما في الدين فلأنه عليه السلام بعث والناس في جاهلية وضلالة ، وأهل الكتابين كانوا في حيرة من أمر دينهم لطول مكثهم وانقطاع تواترهم ووقوع الاختلاف في كتبهم فبعث الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلّم حين لم يكن لطالب الحق سبيل إلى الفوز والثواب ، فدعاهم إلى الحق وبين لهم سبيل الثواب ، وشرع لهم الأحكام وميز الحلال من الحرام ، ثم إنما ينتفع بهذه الرحمة من كانت همته طلب الحق فلا يركن إلى التقليد ولا إلى العناد والإستكبار وكان التوفيق قريناً له قال الله تعالى : {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا هُدًى وَشِفَآءٌ } إلى قوله : {وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى } (فصلت : 44) وأما في الدنيا فلأنهم تخلصوا بسببه من كثير من الذل والقتال والحروب ونصروا ببركة دينه. فإن قيل : كيف كان رحمة وقد جاء بالسيف واستباحة الأموال ؟
قلنا : الجواب من وجوه : أحدها : إنما جاء بالسيف لمن استكبر وعاند ولم يتفكر ولم يتدبر ، ومن أوصاف الله الرحمن الرحيم ، ثم هو منتقم من العصاة. وقال : {وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءً مُّبَـارَكًا} (ق : 9) ثم قد يكون سبباً للفساد. وثانيها : أن كل نبي قبل نبينا كان إذا كذبه قومه أهلك الله المكذبين بالخسف والمسخ والغرق وأنه تعالى أخر عذاب من كذب رسولنا إلى الموت أو إلى القيامة قال تعالى : {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ } (الأنفال : 33) لا يقال : أليس أنه تعالى قال : {قَـاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ} (التوبة : 14) وقال تعالى : {لِّيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَـافِقِينَ وَالْمُنَـافِقَـاتِ} (الأحزاب : 73) لأنا نقول تخصيص العام لا يقدح فيه. وثالثها : أنه عليه السلام كان في / نهاية حسن الخلق قال تعالى : {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} (القلم : 4) وقال أبو هريرة رضي الله عنه : "قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلّم أدع على المشركين ، قال : إنما بعثت رحمة ولم أبعث عذاباً" وقال في رواية حذيفة : "إنما أنا بشر أغضب كما يغضب البشر ، فأيما رجل سببته أو لعنته فاجعلها اللهم عليه صلاة يوم القيامة". ورابعها : قال عبد الرحمن بن زيد : {إِلا رَحْمَةً لِّلْعَـالَمِينَ} (الأنبياء : 107) يعني المؤمنين خاصة ، قال الإمام أبو القاسم الأنصاري والقولان يرجعان إلى معنى واحد ، لما بينا أنه كان رحمة للكل لو تدبروا في آيات الله وآيات رسوله ، فأما من أعرض واستكبر ، فإنما وقع في المحنة من قبل نفسه كما قال : {وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى } (فصلت : 44).
جزء : 23 رقم الصفحة : 199
المسألة الثانية : قالت المعتزلة لو كان الله تعالى أراد من الكافرين الكفر ولم يرد منهم القبول من الرسول ، بل ما أراد منهم إلا الرد عليه وخلق ذلك فيهم ولم يخلقهم إلا كذلك كما يقوله أهل السنة ، لوجب أن يكون إرساله نقمة وعذاباً عليهم لا رحمة وذلك على خلاف هذا النص ، لا يقال : إن رسالته عليه السلام رحمة للكفار من حيث لم يعجل عذابهم في الدنيا ، كما عجل عذاب سائر الأمم ، لأنا نقول : إن كونه رحمة للجميع على حد واحد وما ذكرتموه للكفار فهو حاصل للمؤمنين أيضاً ، فإذا يجب أن يكون رحمة للكافرين من الوجه الذي صار رحمة للمؤمنين. وأيضاً فإن الذي ذكروه من نعم الدنيا كانت حاصلة للكفار قبل بعثته صلى الله عليه وسلّم كحصولها بعده ، بل كانت نعمهم في الدنيا قبل بعثته أعظم لأن بعد بعثته نزل بهم الغم والخوف منه ، ثم أمر بالجهاد الذي فني أكثرهم فيه فلا يجوز أن يكون هذا هو المراد. والجواب : أن نقول لما علم الله سبحانه وتعالى أن أبا لهب لا يؤمن ألبتة وأخبر عنه أنه لا يؤمن كان أمره إياه بالإيمان أمراً يقلب علمه جهلاً وخبره الصدق كذباً وذلك محال ، فكان قد أمره بالمحال. وإن كانت البعثة مع هذا القول رحمة ، فلم لا يجوز أن يقال البعثة رحمة مع أنه خلق الكفر في الكافر ؟
ولأن قدرة الكافر إن لم تصلح إلا للكفر فقط فالسؤال عليهم لازم ، وإن كانت صالحة للضدين توقف للترجيح على مرجح من قبل الله تعالى ، قطعاً للتسلسل. وحينئذ يعود الإلزام ثم نقول : لم لا يجوز أن يكون رحمة للكافر بمعنى تأخير عذاب الاستئصال عنه ؟
قوله : أولاً لما كان رحمة للجميع على حد واحد وجب أن يكون رحمة للكفار من الوجه الذي كان رحمة للمؤمنين ، قلنا : ليس في الآية أنه عليه السلام رحمة للكل باعتبار واحد أو باعتبارين مختلفين ، فدعواك بكون الوجه واحداً تحكم. قوله نعم الدنيا كانت حاصلة للكفار من قبل قلنا : نعم ولكنه عليه السلام لكونه رحمة للمؤمنين لما بعث حصل الخوف للكفار من نزول العذاب ، فلما اندفع ذلك عنهم بسبب حضوره كان ذلك رحمة في حق الكفار.
(1/3180)

المسألة الثالثة : تمسكوا بهذه الآية في أنه أفضل من الملائكة ، قالوا : لأن الملائكة من العالمين. فوجب بحكم هذه الآية أن يكون عليه السلام رحمة للملائكة ، فوجب أن يكون أفضل منهم. والجواب : أنه معارض بقوله تعالى في حق الملائكة : {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا } (غافر : 7) وذلك رحمة / منهم في حق المؤمنين ، والرسول عليه السلام داخل في المؤمنين ، وكذا قوله تعالى : {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَـا اـاِكَتَه يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىِّ } (الأحزاب : 56).
جزء : 23 رقم الصفحة : 199
199
اعلم أنه تعالى لما أورد على الكفار الحجج في أن لا إله سواه من الوجوه التي تقدم ذكرها ، وبين أنه أرسل رسوله رحمة للعالمين ، أتبع ذلك بما يكون إعذاراً وإنذاراً في مجاهدتهم والإقدام عليهم ، فقال : {قُلْ إِنَّمَا يُوحَى ا إِلَىَّ} وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قال صاحب "الكشاف" : إنما يقصر الحكم على شيء أو يقصر الشيء على حكم ، كقولك إنما زيد قائم أو إنما يقوم زيد ، وقد اجتمع المثالان في هذه الآية. لأن : {إِنَّمَا يُوحَى ا إِلَىَّ} مع فاعله بمنزلة إنما يقوم زيد : {أَنَّمَآ إِلَـاهُكُمْ إِلَـاهٌ وَاحِدٌ } بمنزلة إنما زيد قائم ، وفائدة اجتماعهما الدلالة على أن الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم مقصور على إثبات وحدانية الله تعالى وفي قوله ؛ {فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ} أن الوحي الوارد على هذا السنن يوجب أن تخلصوا التوحيد له وأن تتخلصوا من نسبة الأنداد ، وفيه أنه يجوز إثبات التوحيد بالسمع. فإن قيل : لو دلت إنما على الحصر لزم أن يقال : إنه لم يوح إلى الرسول شيء إلا التوحيد ومعلوم أن ذلك فاسد ، قلنا : المقصود منه المبالغة ، أما قوله : {فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ ءَاذَنتُكُمْ عَلَى سَوَآءٍ } فقال صاحب "الكشاف" : آذن منقول من أذن إذا علم ولكنه كثر استعماله في الجري مجرى الإنذار ، ومنه قوله : {فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِه } (البقرة : 279) إذا عرفت هذا فنقول : المفسرون ذكروا فيه وجوهاً. أحدها : قال أبو مسلم : الإيذان على / السواء الدعاء إلى الحرب مجاهرة لقوله تعالى : {فَانابِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَآءٍ } (الأنفال : 58) وفائدة ذلك أنه كان يجوز أن يقدر على من أشرك من قريش أن حالهم مخالف لسائر الكفار في المجاهدة ، فعرفهم بذلك أنهم كالكفار في ذلك. وثانيها : أن المراد فقد أعلمتكم ما هو الواجب عليكم من التوحيد وغيره على السواء ، فلم أفرق في الإبلاغ والبيان بينكم ، لأني بعثت معلماً. والغرض منه إزاحة العذر لئلا يقولوا : {رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا} (طه : 134). وثالثها : على سواء على إظهار وإعلان. ورابعها : على مهل ، والمراد أني لا أعاجل بالحرب الذي آذنتكم به بل أمهل وأؤخر رجاء الإسلام منكم.
جزء : 23 رقم الصفحة : 199
أما قوله : {وَإِنْ أَدْرِى أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ} ففيه وجهان : أحدهما : {أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ} من يوم القيامة ، ومن عذاب الدنيا ثم قيل : نسخه قوله : {وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ} (الأنبياء : 97) يعني منهما ، فإن مثل هذا الخبر لا يجوز نسخه. وثانيها : المراد أن الذي آذنهم فيه من الحرب لا يدري هو قريب أم بعيد لئلا يقدر أنه يتأخر كأنه تعالى أمره بأن ينذرهم بالجهاد الذي يوحى إليه أن يأتيه من بعد ولم يعرفه الوقت ، فلذلك أمره أن يقول : إنه لا يعلم قربه أم بعده. تبين بذلك أن السورة مكية ، وكان الأمر بالجهاد بعد الهجرة. وثالثها : أن ما يوعدون به من غلبة المسلمين عليهم كائن لا محالة ولا بد أن يلحقهم بذلك الذل والصغار ، وإن كنت لا أدري متى يكون/ وذلك لأن الله تعالى لم يطلعني عليه.
أما قوله تعالى : {إِنَّه يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ} فالمقصود منه الأمر بالإخلاص وترك النفاق ، لأنه تعالى إذا كان عالماً بالضمائر وجب على العاقل أن يبالغ في الإخلاص.
أما قوله تعالى : {وَإِنْ أَدْرِى لَعَلَّه فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَـاعٌ إِلَى حِينٍ} ففيه وجوه ؛ أحدها : لعل تأخير العذاب عنكم. وثانيها : لعل إبهام الوقت الذي ينزل بكم العذاب فيه فتنة لكم أي بلية واختبار لكم ليرى صنعكم وهل تحدثون توبة ورجوعاً عن كفركم أم لا. وثالثها : قال الحسن : لعل ما أنتم فيه من الدنيا بلية لكم والفتنة البلوى والاختبار. ورابعها : لعل تأخير الجهاد فتنة لكم إذا أنتم دمتم على كفركم ، لأن ما يؤدي إلى الضرر العظيم يكون فتنة ، وإنما قال لا أدري لتجويز أن يؤمنوا فلا يكون تبقيتهم فتنة بل ينكشف عن نعمة ورحمة. وخامسها : أن يكون المراد وإن أدرى لعل ما بينت وأعلمت وأوعدت فتنة لكم ، لأنه زيادة في عذابكم إن لم تؤمنوا لأن المعرض عن الإيمان مع البيان حالاً بعد حال يكون عذابه أشد ، وإذا متعه الله تعالى بالدنيا يكون ذلك كالحجة عليه.
(1/3181)

سورة الحج
سبعون وست آيات وهي مكية
إلا ثلاث آيات هذان خصمان ـ إلى قوله ـ صراط الحميد
جزء : 23 رقم الصفحة : 201
203
اعلم أنه تعالى أمر الناس بالتقوى فدخل فيه أن يتقي كل محرم ويتقي ترك كل واجب وإنما دخل فيه الأمران ، لأن المتقي إنما يتقي ما يخافه من عذاب الله تعالى فيدع لأجله المحرم ويفعل لأجله الواجب ، ولا يكاد يدخل فيه النوافل لأن المكلف لا يخاف بتركها العذاب ، وإنما يرجو بفعلها الثواب فإذا قال : {اتَّقُوا رَبَّكُمُ} فالمراد اتقوا عذاب ربكم.
أما قوله : {إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ} ففيه مسائل :
المسألة الأولى : الزلزلة شدة حركة الشيء ، قال صاحب الكشاف ولا تخلو الساعة من أن تكون على تقدير الفاعلة لها كأنها هي التي تزلزل الأشياء على المجاز الحكمي فتكون الزلزلة مصدراً مضافاً إلى فاعله أو على تقدير المفعول فيها على طريقة الاتساع في الظرف وإجرائه مجرى المفعول به كقوله تعالى : {بَلْ مَكْرُ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ} (سبأ : 33) وهي الزلزلة المذكورة في قوله : {إِذَا زُلْزِلَتِ الارْضُ زِلْزَالَهَا} (الزلزلة : 1).
المسألة الثانية : اختلفوا في وقتها فعن علقمة والشعبي أن هذه الزلزلة تكون في الدنيا وهي التي يكون معها طلوع الشمس من مغربها. وقيل هي التي تكون معها الساعة. وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم في حديث الصور "إنه قرن عظيم ينفخ فيه ثلاث نفخات : نفخة الفزع ، ونفخة الصعقة ، ونفخة القيام لرب العالمين ، وإن عند نفخة الفزع يسير الله الجبال وترجف الراجفة ، تتبعها الرادفة ، قلوب / يومئذ واجفة ، وتكون الأرض كالسفينة تضربها الأمواج أو كالقنديل المعلق ترجرجه الرياح" وقال مقاتل وابن زيد هذا في أول يوم من أيام الآخرة. واعلم أنه ليس في اللفظ دلالة على شيء من هذه الأقسام ، لأن هذه الإضافة تصح وإن كانت الزلزلة قبلها ، وتكون من أماراتها وأشراطها ، وتصح إذا كانت فيها ومعها ، كقولنا آيات الساعة وأمارات الساعة.
جزء : 23 رقم الصفحة : 203
(1/3182)

أما قوله تعالى : {قَالَ رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قرىء : قل رب أحكم بالحق على الإكتفاء بالكسرة (ورب احكم) على الضم (وربي أحكم) أفعل التفضيل (وربي أحكم) من الإحكام.
جزء : 23 رقم الصفحة : 199
المسألة الثانية : {رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ } فيه وجوه : أحدها أي ربي اقض بيني وبين قومي / بالحق أي بالعذاب. كأنه قال : اقص بيني وبين من كذبني بالعذاب ، وقال قتادة : أمره الله تعالى أن يقتدي بالأنبياء في هذه الدعوة وكانوا يقولون : {رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ} (الأعراف : 89) فلا جرم حكم الله تعالى عليهم بالقتل يوم بدر. وثانيها : افصل بيني وبينهم بما يظهر الحق للجميع وهو أن تنصرني عليهم.
أما قوله تعالى : {وَرَبُّنَا الرَّحْمَانُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} ففيه وجهان ؛ أحدهما : أي من الشرك والكفر وما تعراضون به دعوتي من الأباطيل والتكذيب كأنه سبحانه قال : قل داعياً لي : {رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ } وقل متوعداً للكفار : {وَرَبُّنَا الرَّحْمَانُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} قرأ ابن عامر بالياء المنقوطة من تحت ، أي قل لأصحابك المؤمنين ، وربنا الرحمن المستعان على ما يصف الكفار من الأباطيل ، أي من العون على دفع أباطيلهم. وثانيها : كانوا يطمعون أن تكون لهم الشوكة والغلبة فكذب الله ظنونهم وخيب آمالهم ونصر رسوله صلى الله عليه وسلّم والمؤمنين وخذلهم ، قال القاضي : إنما ختم الله هذه السورة بقوله : {قَالَ رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ } لأنه عليه السلام كان قد بلغ في البيان الغاية لهم وبلغوا النهاية في أذيته وتكذيبه فكان قصارى أمره تعالى بذلك تسلية له وتعريفاً أن المقصود مصلحتهم ، فإذا أبوا إلا التمادي في كفرهم ، فعليك بالانقطاع إلى ربك ليحكم بينك وبينهم بالحق ، إما بتعجيل العقاب بالجهاد أو بغيره ، وإما بتأخير ذلك فإن أمرهم وإن تأخر فما هو كائن قريب ، وما روي أنه عليه السلام كان يقول ذلك في حروبه كالدلالة على أنه تعالى أمره أن يقول هذا القول كالإستعجال للأمر بمجاهدتهم وبالله التوفيق ، وصلاته على خير خلقه محمد النبي وآله وصحبه وسلم تسليماً آمين.
جزء : 23 رقم الصفحة : 199
201
المسألة الثالثة : روى "أن هاتين الآيتين نزلتا بالليل والناس يسيرون فنادى رسول الله صلى الله عليه وسلّم فاجتمع الناس حوله فقرأهما عليهم ، فلم ير باكياً أكثر من تلك الليلة ، فلما أصبحوا لم يحطوا السرج ولم يضربوا الخيام ولم يطبخوا القدور ، والناس بين باك وجالس حزين متفكر. فقال عليه السلام : "أتدرون أي ذلك اليوم هو ؟
قالوا الله ورسوله أعلم ، قال ذلك يوم يقول الله لآدم عليه السلام قم فابعث بعث النار من ولدك ، فيقول آدم وما بعث النار ؟
يعني من كم كم ؟
فيقول الله عز وجل من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة ، فعند ذلك يشيب الصغير ، وتضع كل ذات حمل حملها ، وترى الناس سكارى ، فكبر ذلك على المؤمنين وبكوا ، وقالوا فمن ينجو يا رسول الله ؟
فقال عليه الصلاة والسلام أبشروا وسددوا وقاربوا فإن معكم خليقتين ما كانا في قوم إلا كثرتاه يأجوج ومأجوج ، ثم قال إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة فكبروا ، ثم قال إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة فكبروا وحمدوا الله ، ثم قال إني لأرجو أن تكونوا ثلثي أهل الجنة ، إن أهل الجنة مائة وعشرون صفاً ثمانون منها أمتي وما المسلمون في الكفار إلا كالشامة في جنب البعير أو كالشعرة البيضاء في الثور الأسود ، ثم قال ويدخل من أمتي سبعون ألفاً إلى الجنة بغير حساب ، فقال عمر سبعون ألفاً ؟
قال نعم ومع كل واحد سبعون ألفاً/ فقام عكاشة بن محصن فقال يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم ، فقال أنت منهم ، فقام رجل من الأنصار فقال مثل قوله ، فقال سبقك بها عكاشة" فخاض الناس في السبعين ألفاً فقال بعضهم هم الذين ولدوا على الإسلام ، وقال بعضهم هم الذين آمنوا وجاهدوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم فأخبروا رسول الله صلى الله عليه وسلّم بما قالوا فقال : "هم الذين لا يكتوون ولا يكوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون".
المسألة الرابعة : أنه سبحانه أمر الناس بالتقوى ثم علل وجوبها عليهم بذكر الساعة ووصفها بأهول صفة ، والمعنى أن التقوى تقتضي دفع مثل هذا الضرر العظيم عن النفس ، ودفع الضرر عن النفس معلوم الوجوب ، فيلزم أن تكون التقوى واجبة.
المسألة الخامسة : احتجت المعتزلة بقوله تعالى : {إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ} وصفها بأنها شيء مع أنها معدومة ، واحتجوا أيضاً بقوله تعالى : {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} (البقرة : 20) فالشيء الذي قدر الله عليه إما أن يكون موجوداً أو معدوماً ، والأول محال وإلا لزم كون القادر قادراً على إيجاد الموجود ، وإذا بطل هذا ثبت أن الشيء الذي قدر الله عليه معدوم فالمعدوم شيء. واحتجوا أيضاً بقوله تعالى : {وَلا تَقُولَنَّ لِشَا ىْءٍ إِنِّى فَاعِلٌ ذَالِكَ غَدًا} (الكهف : 23) أطلق اسم الشيء في الحال على ما يصير مفعولاً / غداً ، والذي يصير مفعولاً غداً يكون معدوماً في الحال ، فالمعدوم شيء والله أعلم والجواب : عن الأول أن الزلزلة عبارة عن الأجسام المتحركة وهي جواهر قامت بها أعراض وتحقق ذلك في المعدوم محال ، فالزلزلة يستحيل أن تكون شيئاً حال عدمها ، فلا بد من التأويل بالاتفاق. ويكون المعنى أنها إذا وجدت صارت شيئاً ، وهذا هو الجواب عن البواقي.
جزء : 23 رقم الصفحة : 203
المسألة السادسة : وصف الله تعالى الزلزلة بالعظيم ولا عظيم أعظم مما عظمه الله تعالى. أما قوله تعالى : {يَوْمَ تَرَوْنَهَا} فهو منصوب بتذهل أي تذهل في ذلك اليوم والضمير في ترونها يحتمل أن يرجع إلى الزلزلة وأن يرجع إلى الساعة لتقدم ذكرهما ، والأقرب رجوعه إلى الزلزلة لأن مشاهدتها هي التي توجب الخوف الشديد. واعلم أنه سبحانه وتعالى ذكر من أهوال ذلك اليوم أموراً ثلاثة أحدها : قوله : {تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ} أي تذهلها الزلزلة والذهول الذهاب عن الأمر مع دهشة ، فإن قيل : لم قال مرضعة دون مرضع ؟
قلت المرضعة هي التي في حال الإرضاع وهي ملقمة ثديها الصبي والمرضع شأنها أن ترضع ، وإن لم تباشر الإرضاع في حال وصفها به ، فقيل مرضعة ليدل على أن ذلك الهول إذا فوجئت به هذه وقد ألقمت الرضيع ثديها نزعته من فيه لما يلحقها من الدهشة ، وقوله : {عَمَّآ أَرْضَعَتْ} أي عن إرضاعها أو عن الذي أرضعته وهو الطفل فتكون ما بمعنى من على هذا التأويل. وثانيها : قوله : {وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا} والمعنى أنها تسقط ولدها لتمام أو لغير تمام من هول ذلك اليوم وهذا يدل على أن هذه الزلزلة إنما تكون قبل البعث ، قال الحسن : تذهل المرضعة عن ولدها بغير فطام وألقت الحوامل ما في بطونها لغير تمام ، وقال القفال : يحتمل أن يقال من ماتت حاملاً أو مرضعة تبعث حاملاً أو مرضعة تضع حملها من الفزع ، ويحتمل أن يكون المراد من ذهول المرضعة ووضع الحمل على جهة المثل كما قد تأول قوله : {يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا} ، وثالثها : قوله : {وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى } وفيه مسائل :
(1/3183)

المسألة الأولى : قرىء وترى بالضم تقول أريتك قائماً أو رأيتك قائماً والناس بالنصب والرفع ، أما النصب فظاهر ، وأما الرفع فلأنه جعل الناس اسم ما لم يسم فاعله وأنثه على تأويل الجماعة/ وقرىء سكرى وسكارى ، وهو نظير جوعى وعطشى في جوعان وعطشان ، سكارى وسكارى نحو كسالى وعجالى ، وعن الأعمش : سكرى وسكرى بالضم وهو غريب.
المسألة الثانية : المعنى وتراهم سكارى على التشبيه {وَمَا هُم بِسُكَـارَى } على التحقيق ، ولكن ما أرهقهم من هول عذاب الله تعالى هو الذي أذهب عقولهم وطير تمييزهم ، وقال ابن عباس والحسن ونراهم سكارى من الخوف وما هم بسكارى من الشراب ، فإن قلت لم قيل أولا ترون ثم قيل ترى على الإفراد ؟
قلنا لأن الرؤية أولاً علقت بالزلزلة ، فجعل الناس جميعاً رائين لها ، وهي معلقة آخراً بكون الناس على حال من السكر ، فلا بد وأن يجعل كل واحد منهم رائياً لسائرهم.
جزء : 23 رقم الصفحة : 203
المسألة الثالثة : إن قيل أتقولون إن شدة ذلك اليوم تحصل لكل أحد أو لأهل النار خاصة ؟
قلنا قال قوم إن الفزع الأكبر وغيره يختص بأهل النار ، وإن أهل الجنة يحشرون وهم آمنون. وقيل بل يحصل للكل لأنه سبحانه لا اعتراض لأحد عليه في شيء من أفعاله ، وليس لأحد عليه حق.
جزء : 23 رقم الصفحة : 203
206
وفيه مسائل :
المسألة الأولى : في كيفية النظم وجهان : الأول : أخبر تعالى فيما تقدم عن أهوال يوم القيامة وشدتها ، ودعا الناس إلى تقوى الله. ثم بين في هذه الآية قوماً من الناس الذين ذكروا في الأول. وأخبر عن مجادلتهم الثاني : أنه تعالى بين أنه مع هذا التحذير الشديد بذكر زلزلة الساعة وشدائدها ، فإن من الناس من يجادل في الله بغير علم ، ثم في قوله : {وَمِنَ النَّاسِ } وجهان : الأول : أنهم الذين ينكرون البعث ، ويدل عليه قوله : {أَوَلَمْ يَرَ الانسَـانُ أَنَّا خَلَقْنَـاهُ مِن نُّطْفَةٍ} (يس : 77) إلى آخر الآية. وأيضاً فإن ما قبل هذه الآية وصف البعث وما بعدها في الدلالة على البعث ، فوجب أن يكون المراد من هذه المجادلة هو المجادلة في البعث والثاني : أنها نزلت في النضر بن الحرث ، كان يكذب بالقرآن ويزعم أنه أساطير الأولين ، ويقول ما يأتيكم به محمد كما كنت أحدثكم به عن القرون الماضية وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما.
المسألة الثانية : هذه الآية بمفهومها تدل على جواز المجادلة الحقة ، لأن تخصيص المجادلة مع عدم العلم بالدلائل يدل على أن المجادلة مع العلم جائزة ، فالمجادلة الباطلة هي المراد من قوله : {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلا جَدَا } (الزخرف : 58) والمجادلة الحقة هي المراد من قوله : {وَجَـادِلْهُم بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ } (النحل : 125).
المسألة الثالثة : في قوله : {وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَـانٍ مَّرِيدٍ} قولان : أحدهما : يجوز أن يريد شياطين الإنس وهم رؤساء الكفار الذين يدعون من دونهم إلى الكفر والثاني : أن يكون المراد بذلك إبليس وجنوده ، قال الزجاج المريد والمارد المرتفع الأملس ، يقال صخرة مرداء أي ملساء ، ويجوز أن يستعمل في غير الشيطان إذا جاوز حد مثله.
أما قوله : {كُتِبَ عَلَيْهِ} ففيه وجهان : أحدهما : أن الكتبة عليه مثل أي كأنما كتب إضلال من عليه ورقم به لظهور ذلك في حاله والثاني : كتب عليه في أم الكتاب ، واعلم أن هذه الهاء بعد ذكر من يجادل وبعد ذكر الشيطان ، يحتمل أن يكون راجعاً إلى كل واحد منهما ، فإن رجع إلى من / يجادل فإنه يرجع إلى لفظه الذي هو موحد ، فكأنه قال كتب على من يتبع الشيطان أنه من تولى الشيطان أضله عن الجنة وهداه إلى النار. وذلك زجر منه تعالى فكأنه تعالى قال كتب على من هذا حاله أنه يصير أهلاً لهذا الوعيد ، فإن رجع إلى الشيطان كان المعنى ويتبع كل شيطان مريد قد كتب عليه أنه من يقبل منه فهو في ضلال. وعلى هذا الوجه أيضاً يكون زجراً عن اتباعه ، وفي الآية مسائل :
جزء : 23 رقم الصفحة : 206
المسألة الأولى : قال القاضي عبد الجبار إذا قيل المراد بقوله : {كُتِبَ عَلَيْهِ} قضى عليه فلا جائز أن يرد إلا إلى من يتبع الشيطان ، لأنه تعالى لا يجوز أن يقضي على الشيطان أنه يضل ، ويجوز أن يقضي على من يقبله بقوله ، قد أضله عن الجنة وهداه إلى النار. قال أصحابنا رحمهم الله لما كتب ذلك عليه فلو لم يقع لانقلب خبر الله الصدق كذباً ، وذلك محال ومستلزم المحال محال ، فكان لا وقوعه محالاً.
المسألة الثانية : دلت الآية على أن المجادل في الله إن كان لا يعرف الحق فهو مذموم معاقب ، فيدل على أن المعارف ليست ضرورية.
المسألة الثالثة : قال القاضي فيه دلالة على أن المجادلة في الله ليست من خلق الله تعالى وبإرادته ، وإلا لما كانت مضافة إلى اتباع الشيطان/ وكان لا يصح القول بأن الشيطان يضله بل كان الله تعالى قد أضله والجواب : المعارضة بمسألة العلم وبمسألة الداعي.
(1/3184)

المسألة الرابعة : قرىء أنه بالفتح والكسر فمن فتح فلأن الأول فاعل كتب والثاني عطف عليه ، ومن كسر فعلى حكاية المكتوب كما هو كأنما كتب عليه هذا الكلام ، كما يقول كتبت أن الله هو الغني الحميد ، أو على تقدير قيل أو على أن كتب فيه معنى القول.
جزء : 23 رقم الصفحة : 206
207
/ القراءة قرأ الحسن {مِّنَ الْبَعْثِ} بالتحريك ونظيره الحلب والطرد في الحلب وفي الطرد {مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ} بجر التاء والراء ، وقرأ ابن أبي عبلة بنصبهما القراءة المعروفة بالنون في قوله : {لِّنُبَيِّنَ} وفي قوله : {وَنُقِرُّ} وفي قوله : {ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلا} ابن أبي عبلة بالياء في هذه الثلاثة ، أما القراءة بالنون ففيها وجوه : أحدها : القراءة المشهورة وثانيها : روى السيرافي عن داود عن يعقوب ونقر بفتح النون وضم القاف والراء وهو من قر الماء إذا صبه ، وفي رواية أخرى عنه كذلك إلا أنه بنصب الراء وثالثها : ونقر ونخرجكم بنصب الراء والجيم أما القراءة بالياء ففيها وجوه : أحدها : يقر ويخرجكم بفتح القاف والراء والجيم وثانيها : يقر ويخرجكم بضم القاف والراء والجيم وثالثها : بفتح الياء وكسر القاف وضم الراء أبو حاتم {وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى } بفتح الياء أي يتوفاه الله تعالى ابن عمرة والأعمش {الْعُمُرُ } بإسكان الميم القراءة المعروفة {وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى ا أَرْذَلِ الْعُمُرِ} وفي حرف عبدالله ومنكم من يتوفى ومنكم من يكون شيوخاً بغير القراءة المعروفة وربت أبو جعفر وربأت أي ارتفعت ، وروى العمري عنه بتليين الهمزة وقرىء وأنه باعث.
جزء : 23 رقم الصفحة : 207
(1/3185)

المعاني : اعلم أنه سبحانه لما حكى عنهم الجدال بغير العلم في إثبات الحشر والنشر وذمهم عليه فهو سبحانه أورد الدلالة على صحة ذلك من وجهين : أحدهما : الاستدلال بخلقة الحيوان أولاً وهو موافق لما أجمله في قوله : {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِى أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ } (يس : 79) وقوله : {فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِى فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ } (الإسراء : 51) فكأنه سبحانه وتعالى قال : إن كنتم في ريب مما وعدناكم من البعث ، فتذكروا في خلقتكم الأولى لتعلموا أن القادر على خلقكم أولاً قادر على خلقكم ثانياً ، ثم إنه سبحانه ذكر من مراتب الخلقة الأولى أموراً سبعة : المرتبة الأولى : قوله : {فَإِنَّا خَلَقْنَـاكُم مِّن تُرَابٍ} وفيه وجهان : أحدهما : إنا خلقنا أصلكم وهو آدم عليه السلام من تراب ، لقوله : {كَمَثَلِ ءَادَمَا خَلَقَه مِن تُرَابٍ} (آل عمران : 59) وقوله : {مِنْهَا خَلَقْنَـاكُمْ} (طه : 55) ، والثاني : أن خلقة الإنسان من المنى ودم الطمث وهما إنما يتولدان من الأغذية ، والأغذية إما حيوان أو نبات وغذاء الحيوان ينتهي قطعاً للتسلسل إلى النبات ، والنبات إنما يتولد من الأرض والماء ، فصح قوله : {فَإِنَّا خَلَقْنَـاكُم مِّن تُرَابٍ} / المرتبة الثانية : قوله : {ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ} والنطفة اسم للماء القليل أي ماء كان/ وهو ههنا ماء الفحل فكأنه سبحانه يقول : أنا الذي قلبت ذلك التراب اليابس ماء لطيفاً ، مع أنه لا مناسبة بينهما ألبتة المرتبة الثالثة : قوله : {ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ} العلقة قطعة الدم الجامدة ، ولا شك أن بين الماء وبين الدم الجامد مباينة شديدة المرتبة الرابعة : قوله : {ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُم وَنُقِرُّ فِى الارْحَامِ مَا نَشَآءُ} فالمضغة اللحمة الصغيرة قدر ما يمضغ ، والمخلقة المسواة الملساء السالمة من النقصان والعيب ، يقال خلق السواك والعود إذا سواه وملسه ، من قولهم صخرة خلقاء إذا كانت ملساء. ثم للمفسرين فيه أقوال : أحدها : أن يكون المراد من تمت فيه أحوال الخلق ومن لم تتم ، كأنه سبحانه قسم المضغة إلى قسمين : أحدهما : تامة الصور والحواس والتخاطيط وثانيهما : الناقصة في هذه الأمور فبين أن بعد أن صيره مضعة منها ما خلقه إنساناً تاماً بلا نقص ومنها ما ليس كذلك وهذا قول قتادة والضحاك ، فكأن الله تعالى يخلق المضغ متفاوتة منها ما هو كامل الخلقة أملس من العيوب ومنها ما هو على عكس ذلك فتبع ذلك التفاوت ، تفاوت الناس في خلقهم وصورهم وطولهم وقصرهم وتمامهم ونقصانهم وثانيها : المخلقة الولد الذي يخرج حياً وغير المخلقة السقط وهو قول مجاهد وثالثها : المخلقة المصورة وغير المخلقة أي غير المصورة وهو الذي يبقى لحماً من غير تخطيط وتشكيل واحتجوا بما روى علقمة عن عبدالله قال : "إذا وقعت النطفة في الرحم بعث الله ملكاً وقال يا رب مخلقة أو غير مخلقة ، فءن قال غير مخلقة مجتها الأرحام دماً ، وإن قال مخلقة ، قال يا رب فما صفتها ، أذكر أم أنثى ، ما رزقها ، ما أجلها ، أشقى ، أم سعيد ؟
فيقول الله سبحانه انطلق إلى أم الكتاب فاستنسخ منه صفة هذه النطفة ، فينطلق الملك فينسخها ، فلا يزال معه حتى يأتي على آخر صفتها" ورابعها : قال القفال : التخليق مأخوذ من الخلق فما تتابع عليه الأطوار وتوارد عليه الخلق بعد الخلق فذاك هو المخلق لتتابع الخلق عليه ، قالوا فما تم فهو المخلق وما لم يتم فهو غير المخلق ، لأنه لم يتوارد عليه التخليقات. والقول الأول أقرب لأنه تعالى قال في أول الآية :
جزء : 23 رقم الصفحة : 207
{فَإِنَّا خَلَقْنَـاكُم} وأشار إلى الناس فيجب أن تحمل مخلقة وغير مخلقة على من سيصير إنساناً وذلك يبعد في السقط لأنه قد يكون سقطاً ولم يتكامل فيه الخلقة فإن قيل هلا حملتم ذلك على السقط لأجل قوله : {وَنُقِرُّ فِى الارْحَامِ مَا نَشَآءُ} وذلك كالدلالة على أن فيه مالا يقره في الرحم وهو السقط ، فلنا إن ذلك لا يمنع من صحة ما ذكرنا في كون المضغة مخلقة وغير مخلقة ، لأنه بعد أن تمم خلقة البعض ونقص خلقة البعض لا يجب أن يتكامل ذلك بل فيه ما يقره الله في الرحم وفيه مالا يقره وإن كان قد أظهر فيه خلقة الإنسان فيكون من هذا الوجه قد دخل فيه السقط.
أما قوله تعالى : {لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ } ففيه وجهان : أحدهما : لنبين لكم أن تغيير المضغة إلى المخلقة هو باختيار الفاعل المختار ، ولولاه لما صار بعضه مخلقاً وبعضه غير مخلق وثانيهما : التقدير إن كنتم في ريب من البعث فإنا أخبرناكم أنا خلقناكم من كذا وكذا لنبين لكم ما يزيل عنكم ذلك الريب / في أمر بعثكم ، فإن القادر على هذه الأشياء كيف يكون عاجزاً عن الإعادة.
(1/3186)

أما قوله تعالى : {وَنُقِرُّ فِى الارْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَى ا أَجَلٍ مُّسَمًّى} فالمراد منه من يبلغه الله تعالى حد الولادة ، والأجل المسمى هو الوقت المضروب للولادة وهو آخر ستة أشهر ، أو تسعة ، أو أربع سنين أو كما شاء وقدر الله تعالى فإن كتب ذلك صار أجلاً مسمى المرتبة الخامسة : قوله : {ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلا} وإنما وحد الطفل لأن الغرض الدلالة على الجنس ويحتمل أن يخرج كل واحد منكم طفلاً كقوله : {وَالْمَلَـا اـاِكَةُ بَعْدَ ذَالِكَ ظَهِيرٌ} (التحريم : 4) المرتبة السادسة : قوله : {ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ} والأشد كمال القوة والعقل والتمييز وهو من ألفاظ الجموع التي لم يستعمل لها واحد وكأنها شدة في غير شيء واحد فبنيت لذلك على لفظ الجمع ، والمراد والله أعلم ثم سهل في تربيتكم وأغذيتكم أموراً لتبلغوا أشدكم فنبه بذلك على الأحوال التي بين خروج الطفل من بطن أمه وبين بلوغ الأشد ويكون بين الحالتين وسائط ، وذكر بعضهم أنه ليس بين حال الطفولية وبين ابتداء حال بلوغ الأشد واسطة حتى جوز أن يبلغ في السن ويكون طفلاً كما يكون غلاماً ثم يدخل في الأشد المرتبة السابعة : قوله :
جزء : 23 رقم الصفحة : 207
{وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى ا أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنا بَعْدِ عِلْمٍ شَيْـاًا } والمعنى أن منكم من يتوفى على قوته وكماله ، ومنكم من يرد إلى أرذل العمر وهو الهرم والخرف ، فيصير كما كان في أول طفوليته ضعيف البنية ، سخيف العقل ، قليل الفهم. فإن قيل كيف قال : {لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنا بَعْدِ عِلْمٍ شَيْـاًا } مع أنه يعلم بعض الأشياء كالطفل ؟
قلنا المراد أنه يزول عقله فيصير كأنه لا يعلم شيئاً لأن مثل ذلك قد يذكر في النفي لأجل المبالغة ، ومن الناس من قال هذه الحالة لا تحصل للمؤمنين لقوله تعالى : {ثُمَّ رَدَدْنَـاهُ أَسْفَلَ سَـافِلِينَ * إِلا الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّـالِحَـاتِ} وهو ضعيف. لأن معنى قوله : {ثُمَّ رَدَدْنَـاهُ أَسْفَلَ سَـافِلِينَ} (التين : 5) هو دلالة على الذم فالمراد به ما يجري مجرى العقوبة ولذلك قال : {إِلا الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّـالِحَـاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُون } (التين : 6) فهذا تمام الاستدلال بحال خلقة الحيوان على صحة البعث الوجه الثاني : الاستدلال بحال خلقة النبات على ذلك وهو قوله سبحانه وتعالى : {وَتَرَى الارْضَ هَامِدَةً} وهمودها يبسها وخلوها عن النبات والخضرة {فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَآءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} والاهتزاز الحركة على سرور فلا يكاد يقال اهتز فلان لكيت وكيت إلا إذا كان الأمر من المحاسن والمنافع فقوله : {اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ } أي تحركت بالنبات وانتفخت.
جزء : 23 رقم الصفحة : 207
(1/3187)

أما قوله : {وَأَنابَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجا بَهِيجٍ} فهو مجاز لأن الأرض ينبت منها والله تعالى هو المنبت لذلك ، لكنه يضاف إليها توسعاً ، ومعنى {مِن كُلِّ زَوْجا بَهِيجٍ} من كل نوع من أنواع النبات من زرع وغرس ، والبهجة حسن الشيء ونضارته ، والبهيج بمعنى المبهج قال المبرد وهو الشيء المشرق الجميل ، ثم إنه سبحانه لما قرر هذين الدليلين رتب عليهما ما هو المطلوب والنتيجة وذكر أموراً خمسة أحدها : قوله ذلك : {بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ} والحق هو الموجود الثابت فكأنه سبحانه بين أن هذه الوجوه دالة على وجود الصانع وحاصلها راجع إلى أن / حدوث هذه الأمراض المتنافية وتواردها على الأجسام يدل على وجود الصانع وثانيها : قوله تعالى : {ذَالِكَ بِأَنَّ اللَّهَ} فهذا تنبيه على أنه لما لم يستبعد من الإله إيجاد هذه الأشياء فكيف يستبعد منه إعادة الأموات وثالثها : قوله : {وَأَنَّه عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} يعني أن الذي يصح منه إيجاد هذه الأشياء لا بد وأن يكون واجب الإنصاف لذاته بالقدرة ومن كان كذلك كان قادراً على جميع الممكنات ومن كان كذلك فإنه لا بد وأن يكون قادراً على الإعادة ورابعها : قوله : {وَأَنَّ السَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِى الْقُبُورِ} والمعنى أنه لما أقام الدلائل عى أن الإعادة في نفسها ممكنة وأنه سبحانه وتعالى قادر على كل الممكنات وجب القطع بكونه قادراً على الإعادة في نفسها/ وإذا ثبت الإمكان والصادق أخبر عن وقوعه فلا بد من القطع بوقوعه ، واعلم أن تحرير هذه الدلالة على الوجه النظري أن يقال الإعادة في نفسها ممكنة والصادق أخبر عن وقوعها فلا بد من القطع بوقوعها ، أما بيان الإمكان فالدليل عليه أن هذه الأجسام بعد تفرقها قابلة لتلك الصفات التي كانت قائمة بها حال كونها حية عاقلة والبارىء سبحانه عالم بكل المعلومات قادر على كل المقدورات الممكنة وذلك يقتضي القطع بإمكان الإعادة لما قلنا إن تلك الإجسام بعد تفرقها قابلة لتلك الصفات لأنها لو لم تكن قابلة لها في وقت لما كانت قابلة لها في شيء من الأوقات لأن الأمور الذاتية لا تزول ، ولو لم تكن قابلة لها في شيء من الأوقات لما كانت حية عاقلة في شيء من الأوقات ، لكنها كانت حية عاقلة فوجب أن تكون قابلة أبداً لهذه الصفات. وأما أن البارىء سبحانه يمكنه تحصيل ذلك الممكن فلأنه سبحانه عالم بكل المعلومات فيكون عالماً بأجزاء كل واحد من المكلفين على التعيين وقادراً على كل الممكنات ، فيكون قادراً على إيجاد تلك الصفات في تلك الذوات. فثبت أن الإعادة في نفسها ممكنة وأنه سبحانه يمكنه تحصيل ذلك الممكن. فثبت أن الإعادة ممكنة في نفسها. فإذا أخبر الصادق عن وقوعها فلا بد من القطع بوقوعها ، فهذا هو الكلام في تقرير هذا الأصل. فإن قيل فأي منفعة لذكر مراتب خلقة الحيوانات وخلقة النبات في هذه الدلالة ؟
قلنا إنها تدل على أنه سبحانه قادر على كل الممكنات وعالم بكل المعلومات ، ومتى صح ذلك فقد صح كون الإعادة ممكنة فإن الخصم لا ينكر المعاد إلا بناء على إنكار أحد هذين الأصلين ، ولذلك فإن الله تعالى حيث أقام الدلالة على البعث في كتابه ذكر معه كونه قادراً عالماً كقوله :
جزء : 23 رقم الصفحة : 207
{قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِى أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍا وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} فقوله : {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِى أَنشَأَهَآ} بيان للقدرة وقوله : {وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} (يس : 79) بيان للعلم والله أعلم.
جزء : 23 رقم الصفحة : 207
210
/ القراءة : {ثَانِىَ عِطْفِه } بكسر العين الحسن وحده بفتح العين {لِّيُضِلَّ} قرىء بضم الياء وفتحها القراءة المعروفة {وَنُذِيقُه } بالنون وقرأ زيد بن علي أذيقه ، المعاني في الآية مسائل :
(1/3188)

المسألة الأولى : اختلفوا في أن المراد بقوله : {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَـادِلُ فِى اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَـانٍ مَّرِيدٍ} (الحج : 3) من هم ؟
على وجوه : أحدها : قال أبو مسلم الآية الأولى وهي قوله : {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَـادِلُ فِى اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ} ويتبع كل شيطان مريد واردة في الأتباع المقلدين وهذه الآية واردة في المتبوعين المقلدين ، فإن كلا المجادلين جادل بغير علم وإن كان أحدهما تبعاً والآخر متبوعاً وبين ذلك قوله : {وَلا هُدًى وَلا كِتَـابٍ مُّنِيرٍ} فإن مثل ذلك لا يقال في المقلد ، وإنما يقال فيمن يخاصم بناء على شبهة ، فإن قيل : كيف يصح ما قلتم والمقلد لا يكون مجادلاً ؟
قلنا قد يجادل تصويباً لتقليده وقد يورد الشبهة الظاهرة إذا تمكن منها وإن كان معتمده الأصلي هو التقليد وثانيها : أن الآية الأولى نزلت في النضر بن الحرث ، وهذه الآية في أبي جهل وثالثها : أن هذه الآية نزلت أيضاً في النضر وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما وفائدة التكرير المبالغة في الذم وأيضاً ذكر في الآية الأولى اتباعه للشيطان تقليداً بغير حجة ، وفي الثانية مجادلته في الدين وإضلاله غيره بغير حجة والوجه الأول أقرب لما تقدم.
المسألة الثانية : الآية دالة على أن الجدال مع العلم والهدى والكتاب المنير حق حسن على ما مر تقريره.
جزء : 23 رقم الصفحة : 210
المسألة الثالثة : المراد بالعلم العلم الضروري ، وبالهدى الاستدلال والنظر لأنه يهدي إلى المعرفة وبالكتاب المنير الوحي ، والمعنى أنه يجادل من غير مقدمة ضرورية ولا نظرية ولا سمعية وهو كقوله : {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُم وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّه ظَهِيرًا} (الحج : 71) وقوله : {ائْتُونِى بِكِتَـابٍ مِّن قَبْلِ هَـاذَآ} (الأحقاف : 4) أما قوله : {ثَانِىَ عِطْفِه لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّه } فاعلم أن ثنى العطف عبارة عن الكبر والخيلاء كتصعير الخد ولي الجيد وقوله : {لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} فأما القراءة بضم الياء فدلالة على أن هذا المجادل فعل الجدال وأظهر التكبر لكي يتبعه غيره فيضله عن طريق الحق فجمع بين الضلال والكفر وإضلال الغير. وأما القراءة بفتح الياء فالمعنى أنه لما أدى جداله إلى الضلال جعل كأنه غرضه ، ثم إنه سبحانه وتعالى شرح حاله في الدنيا والآخرة. أما في الدنيا فيوم / بدر روينا عن ابن عباس رضي الله عنهما أنهما نزلت في النضر بن الحرث وأنه قتل يوم بدر ، وأما الذين لم يخصصوا هذه الآية بواحد معين قالوا المراد بالخزي في الدنيا ما أمر المؤمنون بذمه ولعنه ومجاهدته وأما في الآخرة فقوله : {وَنُذِيقُه يَوْمَ الْقِيَـامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ} ثم بين تعالى أن هذا الخزي المعجل وذلك العقاب المؤجل لأجل ما قدمت يداه ، قالت المعتزلة هذه الآية تدل على مطالب :
الأول : دلت الآية على أنه إنما وقع في ذلك العقاب بسبب عمله وفعله فلو كان فعله خلقاً لله تعالى لكان حينما خلقه الله سبحانه وتعالى استحال منه أن ينفك عنه/ وحينما لا يخلقه الله تعالى استحال منه أن يتصف به ، فلا يكون ذلك العقاب بسبب فعله فإذا عاقبه عليه كان ذلك محض الظلم وذلك على خلاف النص.
الثاني : أن قوله بعد ذلك {وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّـامٍ لِّلْعَبِيدِ} دليل على أنه سبحانه إنما لم يكن ظالماً بفعل ذلك العذاب لأجل أن المكلف فعل فعلاً استحق به ذلك العقاب وذلك يدل على أنه لو عاقبه لا بسبب فعل يصدر من جهته لكان ظالماً ، وهذا يدل على أنه لا يجوز تعذيب الأطفال بكفر آبائهم.
الثالث : أنه سبحانه تمدح بأنه لا يفعل الظلم فوجب أن يكون قادراً عليه خلاف ما يقوله النظام ، وأن يصح ذلك منه خلاف ما يقوله أهل السنة.
جزء : 23 رقم الصفحة : 210
الرابع : وهو أن لا يجوز الاستدلال بهذه الآية على أنه تعالى لا يظلم لأن عندهم صحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلّم موقوفة على نفي الظلم فلو أثبتنا ذلك بالدليل السمعي لزم الدور والجواب : عن الكل المعارضة بالعلم والداعي.
جزء : 23 رقم الصفحة : 210
212
(1/3189)

/ القراءة : قرىء {فِى الدُّنُيَا وَالاخِرَةِ } بالنصب والرفع فالنصب على الحال والرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف ، وفي حرف عبدالله {لَمَن ضَرُّه } بغير لام ، واعلم أنه تعالى لما بين حال المظهرين للشرك المجادلين فيه على ما ذكرنا عقبه بذكر المنافقين فقال : {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ } وفي تفسير الحرف وجهان : الأول : ما قاله الحسن وهو أن المرء في باب الدين معتمدة القلب واللسان فهما حرفا الدين ، فإذا وافق أحدهما الآخر فقد تكامل في الدين وإذا أظهر بلسانه الدين لبعض الأغراض وفي قلبه النفاق جاز أن يقال فيه على وجه الذم يعبد الله على حرف الثاني : قوله : {عَلَى حَرْفٍ } أي على طرف من الدين لا في وسطه وقلبه ، وهذا مثل لكونهم على قلق واضطراب في دينهم لا على سكون طمأنينة كالذي يكون على طرف من العسكر فإن أحس بغنيمة قر واطمأن وإلا فر وطار على وجهه. وهذا هو المراد {فَإِنْ أَصَابَه خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِه ا وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِه } لأن الثبات في الدين إنما يكون لو كان الغرض منه إصابة الحق وطاعة الله والخوف من عقابه فأما إذا كان غرضه الخير المعجل فإنه يظهر الدين عند السراء ويرجع عنه عند الضراء فلا يكون إلا منافقاً مذموماً وهو مثل قوله تعالى : {يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَالِكَ} (النساء : 143) وكقوله : {فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ} (النساء : 141).
المسألة الثانية : قال الكلبي : نزلت هذه الآية في أعراب كانوا يقدمون على النبي صلى الله عليه وسلّم بالمدينة مهاجرين من باديتهم فكان أحدهم إذا صح بها جسمه ونتجت فرسه مهراً حسناً وولدت امرأته غلاماً وكثر ماله وماشيته رضي به واطمأن إليه وإن أصابه وجع وولدت امرأته جارية أو أجهضت رماكه وذهب ماله وتأخرت عنه الصدقة أتاه الشيطان وقال له ما جاءتك هذه الشرور إلا بسبب هذا الدين فينقلب عن دينه. وهذا قول ابن عباس رضي الله عنهما وسعيد بن جبير والحسن ومجاهدة وقتادة وثانيها : وهو قول الضحاك نزلت في المؤلفة قلوبهم ، منهم عيينة بن بدر والأقرع بن حابس والعباس بن مرداس قال بعضهم لبعض ندخل في دين محمد فإن أصبنا خيراً عرفنا أنه حق ، وإن أصبنا غير ذلك عرفنا أنه باطل وثالثها : قال أبو سميد الخدري : "أسلم رجل من اليهود فذهب بصره وماله وولده فقال يا رسول الله أقلني فإني لم أصب من ديني هذا خيراً ، ذهب بصري وولدي ومالي. فقال صلى الله عليه وسلّم : إن الإسلام لا يقال ، إن الإسلام ليسبك كما تسبك النار خبث الحديد والذهب والفضة" فنزلت هذه الآية.
جزء : 23 رقم الصفحة : 212
وأما قوله : {وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِه } ففيه سؤالات : الأول : كيف قال : {وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِه } والخير أيضاً فتنة لأنه امتحان وقال تعالى : {وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً } ، والجواب : مثل هذا كثير في اللغة لأن النعمة بلاء وابتلاء لقوله : {فَأَمَّا الانسَـانُ إِذَا مَا ابْتَلَـاـاهُ رَبُّه فَأَكْرَمَه وَنَعَّمَه } (الفجر : 15) ولكن إنما يطلق اسم البلاء على ما يثقل على الطبع ، والمنافق ليس عنده الخير إلا الخير الدنيوي ، وليس عنده الشر إلا الشر الدنيوي ، لأنه لا دين له. فلذلك وردت / الآية على ما يعتقدونه ، وإن كان الخير كله فتنة ، لكن أكثر ما يستعمل فيما يشتد ويثقل.
السؤال الثاني : إذا كانت الآية في المنافق فما معنى قوله : {انقَلَبَ عَلَى وَجْهِه } وهو في الحقيقة لم يسلم حتى ينقلب ويرتد ؟
والجواب : المراد أنه أظهر بلسانه خلاف ما كان أظهره فصار يذم الدين عند الشدة وكان من قبل يمدحه وذلك انقلاب في الحقيقة.
السؤال الثالث : قال مقاتل : الخير هو ضد الشر فلما قال : {فَإِنْ أَصَابَه خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِه } كان يجب أن يقول : وإن أصابه شر انقلب على وجهه الجواب : لما كانت الشدة ليست بقبيحة لم يقل تعالى وإن أصابه شر بل وصفه بما لا يفيد فيه القبح.
أما قوله تعالى : {خَسِرَ الدُّنْيَا وَالاخِرَةَ } فذلك لأنه يخسر في الدنيا العزة والكرامة وإصابة الغنيمة وأهلية الشهادة والإمامة والقضاء ولا يبقى ماله ودمه مصوناً ، وأما في الآخرة فيفوته الثواب الدائم ويحصل له العقاب الدائم {ذَالِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} .
(1/3190)

أما قوله : {يَدْعُوا مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّه وَمَا لا يَنفَعُه ا ذَالِكَ هُوَ الضَّلَـالُ الْبَعِيدُ} فالأقرب أنه المشرك الذي يعبد الأوثان وهذا كالدلالة على أن الآية لم ترد في اليهودي لأنه ليس ممن يدعو من دون الله الأصنام ، والأقرب أنها واردة في المشركين الذين انقطعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم على وجه النفاق وبين تعالى أن : {ذالِكَ هُوَ الضَّلَـالُ الْبَعِيدُ} ، وأراد به عظم ضلالهم وكفرهم ، ويحتمل أن يعني بذلك بعد ضلالهم عن الصواب لأن جميعه وإن كان يشترك في أنه خطأ فبعضه أبعد من الحق من البعض ، واستعير الضلال البعيد من ضلال من أبعد في التيه ضالاً وطالت وبعدت مسافة ضلاله.
جزء : 23 رقم الصفحة : 212
أما قوله تعالى : {يَدْعُوا لَمَن ضَرُّه ا أَقْرَبُ مِن نَّفْعِه } ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : اختلفوا في تفسيره على وجهين : أحدهما : أن المراد رؤساؤهم الذين كانوا يفزعون إليهم لأنه يصح منهم أن يضروا ، وحجة هذا القول أن الله تعالى بين في الآية الأولى أن الأوثان لا تضرهم ولا تنفعهم ، وهذه الآية تقتضي كون المذكور فيها ضاراً نافعاً ، فلو كان المذكور في هذه الآية هو الأوثان لزم التناقض. القول الثاني : أن المراد الوثن وأجابوا عن التناقض بأمور : أحدها : أنها لا تضر ولا تنفع بأنفسها ولكن عبادتها سبب الضرر وذلك يكفي في إضافة الضرر إليها ، كقوله تعالى : {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ } (إبراهيم : 36) فأضاف الإضلال إليهم من حيث كانوا سبباً للضلال ، فكذا ههنا نفي الضرر عنهم في الآية الأولى بمعنى كونها فاعلة وأضاف الضرر إليهم في هذه الآية بمعنى أن عبادتها سبب الضرر. وثانيها : كأنه سبحانه وتعالى بين في الآية الأولى أنها في الحقيقة لا تضر ولا تنفع ، ثم قال في الآية الثانية : لو سلمنا كونها ضارة نافعة لكن ضررها أكثر من نفعها. وثالثها : كان الكفار إذا أنصفوا علموا أنه لا يحصل منها نفع ولا ضرر في الدنيا ، ثم إنهم في الآخرة يشاهدون العذاب العظيم بسبب عبادتها ، فكأنهم يقولون لها في الآخرة : إن ضرركم أعظم من نفعكم.
المسألة الثانية : اختلف النحويون في إعراب قوله : {لَمَن ضَرُّه ا أَقْرَبُ} .
أما قوله : {لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ} فالمولى هو الولي والناصر ، والعشير الصاحب والمعاشر ، واعلم أن هذا الوصف بالرؤساء أليق لأن ذلك لا يكاد يستعمل في الأوثان ، فبين تعالى أنهم يعدلون عن عبادة الله تعالى الذي يجمع خير الدنيا والآخرة إلى عبادة الأصنام وإلى طاعة الرؤساء/ ثم ذم الرؤساء بقوله : {لَبِئْسَ الْمَوْلَى } والمراد ذم من انتصر بهم والتجأ إليهم.
جزء : 23 رقم الصفحة : 212
214
اعلم أنه سبحانه لما بين في الآية السابقة حال عبادة المنافقين وحال معبودهم ، بن في هذه الآية صفة عبادة المؤمنين وصفة معبودهم ، أما عبادتهم فقد كانت على الطريق الذي لا يمكن صوابه ، وأما معبودهم فلا يضر ولا ينفع. وأما المؤمنون فعبادتهم حقيقية ومعبودهم يعطيهم أعظم المنافع وهو الجنة ، ثم بين كمال الجنة التي تجمع بين الزرع والشجر وأن تجري من تحتها الأنهار وبين تعالى أنه يفعل ما يريد بهم من أنواع الفضل والإحسان زيادة على أجورهم كما قال تعالى : {فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزيدُهُم مِّن فَضْلِه } واحتج أصحابنا في خلق الأفعال بقوله سبحانه : {إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} قالوا : أجمعنا على أنه سبحانه يريد الإيمان ولفظة ما للعموم فوجب أن يكون فاعلاً للإيمان لقوله : {إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} أجاب الكعبي عنه بأن الله تعالى يفعل ما يريد أن يفعله لا ما يريد أن يفعله غيره. والجواب : أن قوله ما يريد أعم من قولنا ما يريد أن يفعله ومن قولنا ما يريد أن يفعله غيره فالتقييد خلاف النص.
أما قوله : {مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللَّهُ فِى الدُّنْيَا وَالاخِرَةِ} فالهاء إلى ماذا يرجع ؟
فيه وجهان : الأول : وهو قول ابن عباس والكلبي ومقاتل والضحاك وقتادة وابن زيد والسدي ، واختيار الفراء والزجاج أنه يرجع إلى محمد صلى الله عليه وسلّم يريد أن من ظن أن لن ينصر الله محمداً صلى الله عليه وسلّم في الدنيا بإعلاء كلمته / وإظهار دينه ، وفي الآخرة بإعلاء درجته والانتقام ممن كذبه والرسول صلى الله عليه وسلّم وإن لم يجر له ذكر في الآية ففيها ما يدل عليه وهو ذكر الإيمان في قوله : {إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ ءَامَنُوا } والإيمان لا يتم إلا بالله ورسوله فيجب البحث ههنا عن أمرين : أحدهما : أنه من الذي كان يظن أن الله تعالى لا ينصر محمدًا صلى الله عليه وسلّم ؟
والثاني : أنه ما معنى قوله : {فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَآءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ} ؟
.
جزء : 23 رقم الصفحة : 214
(1/3191)

أما البحث الأول : فذكروا فيه وجوهاً : أحدها : كان قوم من المسلمين لشدة غيظهم وحنقهم على المشركين يستبطئون ما وعد الله رسوله من النصر فنزلت هذه الآية. وثانيها : قال مقاتل : نزلت في نفر من أسد وغطفان قالوا نخاف أن الله لا ينصر محمداً فينقطع الذي بيننا وبين حلفائنا من اليهود فلا يميروننا. وثالثها : أن حساده وأعداءه كانوا يتوقعون أن لا ينصره الله وأن لا يعليه على أعدائه ، فمتى شاهدوا أن الله نصره غاظهم ذلك.
وأما البحث الثاني : فاعلم أن في لفظ السبب قولين : أحدهما : أنه الحبل وهؤلاء اختلفوا في السماء فمنهم من قال هو سماء البيت ، ومنهم من قال هو السماء في الحقيقة ، فقالوا المعنى : من كان يظن أن لن ينصره الله ، ثم يغيظه أنه لا يظفر بمطلوبه فليستقص وسعه في إزالة ما يغيظه بأن يفعل ما يفعل من بلغ منه الغيظ كل مبلغ حتى مد حبلاً إلى سماء بيته فاختنق ، فلينظر أنه إن فعل ذلك هل يذهب نصر الله الذي يغيظه. وعلى هذا القول اختلفوا في القطع فقال بعضهم : سمى الاختناق قطعاً لأن المختنق يقطع نفسه بحبس مجاريه ، وسمى فعله كيداً لأنه وضعه موضع الكيد حيث لم يقدر على غيره ، أو على سبيل الاستهزاء إلا أنه لم يكد به محسوده وإنما كاد به نفسه ، والمراد ليس في يده إلا ما ليس بمذهب لما يغيظ. وهذا قول الكلبي ومقاتل وقال ابن عباس رضي الله عنه : يشد الحبل في عنقه وفي سقف البيت ، ثم ليقطع الحبل حتى يختنق ويهلك ، هذا كله إذا حملنا السماء على سقف البيت وهو قول كثير من المفسرين. وقال آخرون : المراد منه نفس السماء فإنه يمكن حمل الكلام على نفس السماء فهو أولى من حمله على سماء البيت ، لأن ذلك لا يفهم منه إلا مقيداً ، ولأن الغرض ليس الأمر بأن يفعل ذلك ، بل الغرض أن يكون ذلك صارفاً له عن الغيظ إلى طاعة الله تعالى ، وإذا كان كذلك فكل ما كان المذكور أبعد من الإمكان كان أولى بأن يكون هو المراد ومعلوم أن مد الحبل إلى سماء الدنيا والاختناق به أبعد في الإمكان من مده إلى سقف البيت ، لأن ذلك ممكن. أما الذين قالوا السبب ليس هو الحبل فقد ذكروا وجهين : الأول : كأنه قال فليمدد بسبب إلى السماء ، ثم ليقطع بذلك السبب المسافة ، ثم لينظر فإنه يعلم أن مع تحمل المشقة فيما ظنه خاسر الصفقة كأن لم يفعل شيئاً وهو قول أبي مسلم. والثاني : كأنه قال فليطلب سبباً يصل به إلى السماء فليقطع نصر الله لنبيه ، ولينظر هل يتهيأ له الوصول إلى السماء بحيلة ، وهل يتهيأ له أن يقطع بذلك نصر الله عن رسوله ، فإذا كان ذلك ممتنعاً كان غيظه عديم الفائدة ، واعلم أن المقصد على كل هذه الوجوه معلوم فإنه زجر للكفار عن الغيظ فيما لا فائدة فيه ، وهو في معنى قوله : {فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِىَ نَفَقًا فِى الارْضِ أَوْ سُلَّمًا فِى السَّمَآءِ} (الأنعام : 35) مبيناً بذلك أنه لا حيلة له في الآيات التي اقترحوها القول الثاني : أن الهاء في قوله : {لَّن يَنصُرَهُ اللَّهُ} راجع إلى من في أول الآية لأنه المذكور ومن حق الكناية أن ترجع إلى مذكور إذا أمكن ذلك ومن قال بذلك حمل النصرة على الرزق. وقال أبو عبيدة وقف علينا سائل من بني بكر فقال : من ينصرني نصره الله. أي من يعطيني أعطاه الله ، فكأنه قال من كان يظن أن لن يرزقه الله في الدنيا والآخرة ، فلهذا الظن يعدل عن التمسك بدين محمد صلى الله عليه وسلّم كما وصفه تعالى في قوله : {وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِه } (الحج : 11) فيبلغ غاية الجزع وهو الاختناق فإن ذلك لا يغلب التسمية ويجعله مرزوقاً.
جزء : 23 رقم الصفحة : 214
أما قوله : {وَكَذَالِكَ أَنزَلْنَـاهُ ءَايَـاتا بَيِّنَـاتٍ} فمعناه ومثل ذلك الإنزال أنزلنا القرآن كله آيات بينات.
(1/3192)

أما قوله : {وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يُرِيدُ} فقد احتج أصحابنا به فقالوا : المراد من الهداية ، إما وضع الأدلة أو خلق المعرفة والأول غير جائز لأنه تعالى فعل ذلك في حق كل المكلفين ولأن قوله : {يَهْدِى مَن يُرِيدُ} دليل على أن الهداية غير واجبة عليه بل هي معلقة بمشيئته سبحانه ووضع الأدلة عند الخصم واجب فبقي أن المراد منه خلق المعرفة قال القاضي عبد الجبار في الاعتذار هذا يحتمل وجوهاً : أحدها : يكلف من يريد لأن من كلف أحداً شيئاً فقد وصفه له وبينه له. وثانيها : أن يكون المراد يهدي إلى الجنة والإثابة من يريد ممن آمن وعمل صالحاً. وثالثها : أن يكون المراد أن الله تعالى يلطف بمن يريد ممن علم أنه إذا زاده هدى ثبت على إيمانه كقوله تعالى : {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى} وهذا الوجه هو الذي أشار الحسن إليه بقوله : إن الله يهدي من قبل لا من لم يقبل ، والوجهان الأولان ذكرهما أبو علي والجواب : عن الأول أن الله تعالى ذكر ذلك بعد بيان الأدلة والجواب عن الشبهات فلا يجوز حمله على محض التكليف/ وأما الوجهان الأخيران فمدفوعان لأنهما عندك واجبان على الله تعالى وقوله : {يَهْدِى مَن يُرِيدُ} يقتضي عدم الوجوب.
جزء : 23 رقم الصفحة : 214
216
/ القراءة : قرى {حَقٍّ} بالضم وقرىء حقاً أي حق عليه العذاب حقاً وقرىء {مُّكْرِمٍ } بفتح الراء بمعنى الإكرام ، واعلم أنه تعالى لما قال : {وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يُرِيدُ} أتبعه في هذه الآية ببيان من يهديه ومن لا يهديه ، واعلم أن المسلم لا يخالفه في المسائل الأصولية إلا طبقات ثلاثة : أحدها : الطبقة المشاركة له في نبوة نبيه كالخلاف بين الجبرية والقدرية في خلق الأفعال البشرية والخلاف بين مثبتي الصفات والرؤية ونفاتها. وثانيها : الذين يخالفونه في النبوة ولكن يشاركونه في الاعتراف بالفاعل المختار كالخلاف بين المسلمين واليهود والنصارى في نبوة محمد صلى الله عليه وسلّم وعيسى وموسى عليهما السلام. وثالثها : الذين يخالفونه في الإله وهؤلاء هم السوفسطائية المتوقفون في الحقائق ، والدهرية الذين لا يعترفون بوجود مؤثر في العالم ، والفلاسفة الذين يثبتون مؤثراً موجباً لا مختاراً. فإذا كانت الاختلافات الواقعة في أصول الأديان محصورة في هذه الأقسام الثلاثة ، ثم لا يشك أن أعظم جهات الخلاف هو من جهة القسم الأخير منها. وهذا القسم الأخير بأقسامه الثلاثة لا يوجدون في العام المتظاهرين بعقائدهم ومذاهبهم بكل يكونون مستترين ، أما القسم الثاني وهو الاختلاف الحاصل بسبب الأنبياء عليهم السلام ، فتقسيمه أن يقال القائلون بالفاعل المختار ، إما أن يكونوا معترفين بوجود الأنبياء ، أو لا يكونوا معترفين بذلك ، فإما أن يكونوا أتباعاً لمن كان نبياً في الحقيقة أو لمن كان متنبئاً ، أما أتباع الأنبياء عليهم السلام فهم المسلمون واليهود والنصارى ، وفرقة أخرى بين اليهود والنصارى وهم الصابئون ، وأما أتباع المتنبىء فهم المجوس ، وأما المنكرون للأنبياء على الإطلاق فهم عبدة الأصنام والأوثان ، وهم المسمون بالمشركين ، ويدخل فيهم البراهمة على اختلاف طبقاتهم. فثبت أن الأديان الحاصلة بسبب الاختلافات في الأنبياء عليهم السلام هي هذه الستة التي ذكرها الله تعالى في هذه الآية ، قال قتادة ومقاتل الأديان ستة واحدة لله تعالى وهو الإسلام وخمسة للشيطان ، وتمام الكلام في هذه الآية قد تقدم في سورة البقرة.
جزء : 23 رقم الصفحة : 216
أما قوه : {إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَـامَةِ } ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : قال الزجاج هذا خبر لقول الله تعالى : {إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا } كما تقول إن أخاك ، إن الدين عليه لكثير. قال جرير :
إن الخليفة إن الله سربله
سربال ملك به ترجى الخواتيم
المسألة الثانية : الفصل مطلق فيحتمل الفصل بينهم في الأحوال والأماكن جميعاً فلا يجازيهم / جزاء واحداً بغير تفاوت ولا يجمعهم في موطن واحد وقيل يفصل بينهم يقضي بينهم.
أما قوله تعالى : {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ} فالمراد أنه يفصل بينهم وهو عالم بما يستحقه كل منهم فلا يجري في ذلك الفصل ظلم ولا حيف.
أما قوله سبحانه وتعالى : {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَه } ففيه أسئلة :
السؤال الأول : ما الرؤية ههنا الجواب : أنها العلم أي ألم تعلم أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض وإنما عرف ذلك بخبر الله لا أنه رآه.
(1/3193)

السؤال الثاني : ما السجود ههنا قلنا فيه وجوه : أحدها : قال الزجاج أجود الوجوه في سجود هذه الأمور أنها تسجد مطيعة لله تعالى وهو كقوله : {ثُمَّ اسْتَوَى ا إِلَى السَّمَآءِ وَهِىَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلارْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآاـاِعِينَ} (فصلت : 11) ، {أَن نَّقُولَ لَه كُن فَيَكُونُ} (النحل : 40) ، {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّه } (البقرة : 74) ، {وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدَه } (الإسراء : 44) ، {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُادَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ} والمعنى أن هذه الأجسام لما كانت قابلة لجميع الأعراض التي يحدثها الله تعالى فيها من غير امتناع ألبتة أشبهت الطاعة والانقياد وهو السجود فإن قيل هذا التأويل يبطله قوله : {وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ } فإن السجود بالمعنى الذي ذكرته عام في كل الناس فإسناده إلى كثير منهم يكون تخصيصاً من غير فائدة والجواب من وجوه : أحدها : أن السجود بالمعنى الذي ذكرناه وإن كان عاماً في حق الكل إلا أن بعضهم تمرد وتكبر وترك السجود في الظاهر ، فهذا الشخص وإن كان ساجداً بذاته لكنه متمرد بظاهره ، أما المؤمن فإنه ساجد بذاته وبظاهره فلأجل هذا الفرق حصل التخصيص بالذكر. وثانيها : أن نقطع قوله :
جزء : 23 رقم الصفحة : 216
{وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ } عما قبله ثم فيه ثلاثة أوجه : الأول : أن نقول تقدير الآية : ولله يسجد من في السموات ومن في الأرض ويسجد له كثير من الناس فيكون السجود الأول بمعنى الانقياد والثاني بمعنى الطاعة والعبادة ، وإنما فعلنا ذلك لأنه قامت الدلالة على أنه لا يجوز استعمال اللفظ المشترك في معنييه جميعاً. الثاني : أن يكون قوله : {وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ } مبتدأ وخبره محذوف وهو مثاب لأن خبر مقابله يدل عليه وهو قوله : {حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ } ، والثالث : أن يبالغ في تكثير المحقوقين بالعذاب فيعطف كثير على كثير ثم يخبر عنهم بحق عليهم العذاب كأنه قيل وكثير من الناس وكثير حق عليهم العذاب وثالثها : أن من يجوز استعمال اللفظ المشترك في مفهوميه جميعاً يقول : المراد بالسجود في حق الأحياء العقلاء العبادة وفي حق الجمادات الانقياد ، ومن ينكر ذلك يقول إن الله تعالى تكلم بهذه اللفظة مرتين ، فعنى بها في حق العقلاء ، الطاعة وفي حق الجمادات الانقياد.
السؤال الثالث : قوله : {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِى السَّمَـاوَاتِ وَالارْضِ} (الرعد : 15) لفظه لفظ العموم فيدخل فيه الناس فلم قال مرة أخرى {وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ } الجواب : لو اقتصر على ما تقدم لأوهم أن كل الناس يسجدون كما أن كل الملائكة يسجدون فبين أن كثيراً منهم يسجدون طوعاً / دون كثير منهم فإنه يمتنع عن ذلك وهم الذين حق عليهم العذاب. القول الثاني : في تفسير السجود أن كل ما سوى الله تعالى فهو ممكن لذاته والممكن لذاته لا يترجح وجوده على عدمه إلا عند الانتهاء إلى الواجب لذاته كما قال : {وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى } (النجم : 42) وكما أن الإمكان لازم للممكن حال حدوثه وبقائه فافتقاره إلى الواجب حاصل حال حدوثه وحال بقائه ، وهذا الافتقار الذاتي اللازم للماهية أدل على الخضوع والتواضع من وضع الجبهة على الأرض فإن ذلك علامة وضعية للافتقار الذاتي ، قد يتطرق إليها الصدق والكذب ، أما نفس الافتقار الذاتي فإنه ممتنع التغير والتبدل ، فجميع الممكنات ساجدة بهذا المعنى لله تعالى أي خاضعة متذللة معترفة بالفاقة إليه والحاجة إلى تخليفه وتكوينه/ وعلى هذا تأولوا قوله : {وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدَه } (الإسراء : 44) وهذا قول القفال رحمه الله. القول الثالث : أن سجود هذه الأشياء سجود ظلها كقوله تعالى : {يَتَفَيَّؤُا ظِلَـالُه عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَآاـاِلِ سُجَّدًا لِّلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ} (النحل : 48) وهو قول مجاهد.
جزء : 23 رقم الصفحة : 216
وأما قوله : {وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِا وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ } فقال ابن عباس في رواية عطاء وكثير من الناس يوحده وكثير حق عليه العذاب ممن لا يوحده ، وروى عنه أيضاً أنه قال وكثير من الناس في الجنة. وهذه الرواية تؤكد ما ذكرنا أن قوله : {وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ } مبتدأ وخبره محذوف ، وقال آخرون : الوقف على قوله : {وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ } ثم استأنف فقال : {وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ } أي وجب بإبائه وامتناعه من السجود.
وأما قوله تعالى : {وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَه مِن مُّكْرِمٍ } فالمعنى أن الذين حق عليهم العذاب ليس لهم أحد يقدر على إزالة ذلك الهوان عنهم فيكون مكرماً لهم ، ثم بين بقوله : {إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ } أنه الذي يصح منه الإكرام والهوان يوم القيامة بالثواب والعقاب ، والله أعلم.
جزء : 23 رقم الصفحة : 216
(1/3194)

218
/ القراءة : روي عن الكسائي {خَصْمَانِ} بكسر الخاء ، وقرىء {قُطِّعَتْ} بالتخفيف كان الله يقدر لهم نيراناً على مقادير جثثهم تشتمل عليهم كما تقطع الثياب الملبوسة ، قرأ الأعمش : {كُلَّمَآ أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا} الحسن {يُصْهَرُ} بتشديد الهاء للمبالغة ، وقرىء {وَلُؤْلُؤًا } بالنصب على تقدير ويؤتون لؤلؤاً كقوله وحوراً عيناً ولؤلؤاً بقلب الهمزة الثانية واواً ، واعلم أنه سبحانه لما بين أن الناس قسمان منهم من يسجد لله ومنهم من حق عليه العذاب ذكر ههنا كيفية اختصامهم ، وفيه مسائل :
المسألة الأولى : احتج من قال أقل الجمع اثنان بقوله : {هَـاذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا } ، والجواب : الخصم صفة وصف بها الفوج أو الفريق فكأنه قيل : هذان فوجان أو فريقان يختصمان ، فقوله : {هَـاذَانِ} للفظ واختصموا للمعنى كقوله : {وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى ا إِذَا خَرَجُوا } .
جزء : 23 رقم الصفحة : 218
المسألة الثانية : ذكروا في تفسير الخصمين وجوهاً : أحدها : المراد طائفة المؤمنين وجماعتهم وطائفة الكفار وجماعتهم وأن كل الكفار يدخلون في ذلك ، قال ابن عباس رضي الله عنهما يرجع إلى أهل الأديان الستة {فِى رَبِّهِمْ } أي في ذاته وصفاته وثانيها : روى أن أهل الكتاب قالوا نحن أحق بالله وأقدم منكم كتاباً ونبينا قبل نبيكم ، وقال المؤمنون نحن أحق بالله آمنا بمحمد وآمنا بنبيكم وبما أنزل الله من كتاب ، وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا ثم تركتموه وكفرتم به حسداً ، فهذه خصومتهم في ربهم وثالثها : روى قيس بن عبادة عن أبي ذر الغفاري رحمه الله أنه كان يحلف بالله أن هذه الآية نزلت في ستة نفر من قريش تبارزوا يوم بدر : حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث وعتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة ، وقال علي عليه السلام أنا أول من يجثو للخصومة بين يدي الله تعالى يوم القيامة. ورابعها : قال عكرمة : هما الجنة والنار قالت النار خلقني الله لعقوبته. وقالت الجنة خلقني الله لرحمته فقص الله من خبرهما على محمد صلى الله عليه وسلّم ذلك ، والأقرب هو الأول لأن السبب وإن كان خاصاً فالواجب حمل الكلام على ظاهره / قوله : {هَـاذَانِ} كالإشارة إلى من تقدم ذكره وهم أهل الأديان الستة ، وأيضاً ذكر صنفين أهل طاعته وأهل معصيته ممن حق عليه العذاب ، فوجب أن يكون رجوع ذلك إليهما ، فمن خص به مشركي العرب أو اليهود من حيث قالوا في كتابهم ونبيهم ما حكيناه فقد أخطأ ، وهذا هو الذي يدل عليه قوله : {إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ} أراد به الحكم لأن ذكر التخاصم يقتضي الواقع بعده يكون حكماً فبين الله تعالى حكمه في الكفار ، وذكر من أحوالهم أموراً ثلاثة : أحدها : قوله : {قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ} والمراد بالثياب إحاطة النار بهم كقوله : {لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ } (الأعراف : 41) عن أنس ، وقال سعيد بن جبير من نحاس أذيب بالنار أخذاً من قوله تعالى : {سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ} (إبراهيم : 5) وأخرج الكلام بلفظ الماضي كقوله تعالى : {وَنُفِخَ فِى الصُّورِ } (الكهف : 99) ، {وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآاـاِقٌ وَشَهِيدٌ} (ق : 21) لأن ما كان من أمر الآخرة فهو كالواقع. وثانيها : قوله :
جزء : 23 رقم الصفحة : 218
(1/3195)

{يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ} يصهر به ما في بطونهم والجلود ، الحميم الماء الحار ، قال ابن عباس رضي الله عنهما لو سقطت منه قطرة على جبال الدنيا لأذابتها ، يصهر أي يذاب أي إذا صب الحميم على رؤوسهم كان تأثيره في الباطن نحو تأثيره في الظاهر فيذيب أمعاءهم وأحشاءهم كما يذيب جلودهم وهو أبلغ من قوله : {وَسُقُوا مَآءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ} (محمد : 15). وثالثها : قوله : {وَلَهُم مَّقَـامِعُ مِنْ حَدِيدٍ} المقامع السياط وفي الحديث "لو وضعت مقمعة منها في الأرض فاجتمع عليها الثقلان ما أقلوها" وأما قوله : {كُلَّمَآ أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا} فاعلم أن الإعادة لا تكون إلا بعد الخروج والمعنى كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم فخرجوا أعيدوا فيها ، ومعنى الخروج ما يروى عن الحسن أن النار تضربهم بلهبها فترفعهم حتى إذا كانوا في أعلاها ضربوا بالمقاطع فهووا فيها سبعين خريفاً وقيل لهم ذوقوا عذاب الحريق ، والحريق الغليظ من النار العظيم الإهلاك ، ثم إنه سبحانه ذكر حكمه في المؤمنين من أربعة أوجه : أحدها : المسكن ، وهو قوله : {إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّـالِحَـاتِ جَنَّـاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانْهَـارُ } ، وثانيها : الحلية ، وهو قوله : {يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} فبين تعالى أنه موصلهم في الآخرة إلى ما حرمه عليهم في الدنيا من هذه الأمور وإن كان من أحله لهم أيضاً شاركهم فيه لأن المحلل للنساء في الدنيا يسير بالإضافة إلى ما سيحصل لهم في الآخرة. وثالثها : الملبوس وهو قوله : {وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} ، ورابعها : قوله : {وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ} وفيه وجوه : أحدها : شهادة أن لا إله إلا الله هو الطيب من القول لقوله : {مَثَلا كَلِمَةً طَيِّبَةً} (إبراهيم : 24) وقوله : {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} (فاطر : 10) وهو صراط الحميد لقوله : {وَإِنَّكَ لَتَهْدِى إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} (الشورى : 52) ، وثانيها : قال السدي وهدوا إلى الطيب من القول هو القرآن. وثالثها : قال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية عطاء هو قولهم الحمد لله الذي صدقنا وعده. ورابعها : أنهم إذا ساروا إلى الدار الآخرة هدوا إلى البشارات التي تأتيهم من قبل الله تعالى بدوام النعيم والسرور والسلام ، وهو معنى قوله : {جَنَّـاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآاـاِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّـاتِهِم وَالْمَلَـا اـاِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلَـامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُم فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} (الرعد : 23 ، 24) وعندي فيه وجه. خامس : وهو أن العلاقة البدنية جارية مجرى الحجاب للأرواح البشرية في الاتصال بعالم القدس فإذا فارقت أبدانها انكشف الغطاء ولاحت الأنوار الإلهية ، وظهور تلك الأنوار هو المراد من قوله : {وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ} والتعبير عنها هو المراد من قوله : {وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ} .
جزء : 23 رقم الصفحة : 218
222
اعلم أنه تعالى بعد أن فصل بين الكفار والمؤمنين ذكر عظم حرمه البيت وعظم كفر هؤلاء فقال : {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا } بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلّم {وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} وذلك بالمنع من الهجرة والجهاد لأنهم كانوا يأبون ذلك. وفيه إشكال وهو أنه كيف عطف المستقبل وهو قوله : {وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّه } الماضي وهو قوله : {كَفَرُوا } والجواب : عنه من وجهين : الأول : أنه يقال فلان يحسن إلى الفقراء ويعين الضعفاء لا يراد به حال ولا استقبال وإنما يراد استمرار وجود الإحسان منه في جميع أزمنته وأوقاته ، فكأنه قيل إن الذين كفروا من شأنهم الصد عن سبيل الله ، ونظيره قوله : {الَّذِينَ ءَامَنُوا وَتَطْمَـاـاِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّه } . وثانيهما : قال أبو علي الفارسي التقدير إن الذين كفروا فيما مضى وهم الآن يصدون ويدخل فيه أنهم يفعلون ذلك في الحال والمستقبل ، أما قوله : {وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} يعني ويصدوهم أيضاً عن المسجد الحرام ، قال ابن عباس رضي الله عنهما نزلت الآية في أبي سفيان بن حرب وأصحابه حين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلّم عام الحديبية عن المسجد الحرام عن أن يحجوا ويعتمروا وينحروا الهدى فكره رسول الله صلى الله عليه وسلّم قتالهم وكان محرماً بعمرة ثم صالحوه على أن يعود في العام القابل.
أما قوله : {الَّذِى جَعَلْنَـاهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً الْعَـاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ } ففيه مسائل :
(1/3196)

المسألة الأولى : قال أبو علي الفارسي أي جعلناه للناس منسكاً ومتعبداً وقوله : {سَوَآءً الْعَـاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ } رفع على أنه خبر مبتدأ مقدم أي العاكف والباد فيه سواء ، وتقدير الآية المسجد الحرام الذي جعلناه للناس منسكاً فالعاكف والبادي فيه سواء وقرأ عاصم ويعقوب سواء بالنصب بإيقاع الجعل عليه لأن الجعل يتعدى إلى مفعولين والله أعلم.
/
جزء : 23 رقم الصفحة : 222
المسألة الثانية : العاكف المقيم به الحاضر. والبادي الطارىء من البدو وهو النازع إليه من عربته ، وقال بعضهم يدخل في العاكف القريب إذا جاور ولزمه للتعبد وإن لم يكن من أهله.
المسألة الثالثة : اختلفوا في أنهما في أي شيء يستويان قال ابن عباس رضي الله عنهما في بعض الروايات إنهما يستويات في سكنى مكة والنزول بها فليس أحدهما أحق بالمنزل الذي يكون فيه من الآخر إلا أن يكون واحد سبق إلى المنزل وهو قول قتادة وسعيد بن جبير ومن مذهب هؤلاء أن كراء دور مكة وبيعها حرام واحتجوا عليه بالآية. والخبر ، أما الآية فهي هذه قالوا إن أرض مكة لا تملك فإنها لو ملكت لم يستو العاكف فيها والبادي ، فلما استويا ثبت أن سبيله سبيل المساجد ، وأما الخبر فقوله عليه السلام : "مكة مباح لمن سبق إليها" وهذا مذهب ابن عمر وعمر بن عبد العزيز ومذهب أبي حنيفة وإسحق الحنظلي رضي الله عنهم وعلى هذا المراد بالمسجد الحرام الحرم كله لأن إطلاق لفظ المسجد الحرام والمراد منه البلد جائز بدليل قوله تعالى : {سُبْحَـانَ الَّذِى أَسْرَى بِعَبْدِه لَيْلا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} (الإسراء : 1) وههنا قد دل الدليل وهو قوله : {الْعَـاكِفُ} لأن المراد منه المقيم إقامة ، وإقامته لا تكون في المسجد بل في المنازل فيجب أن يقال ذكر المسجد وأراد مكة. القول الثاني : المراد جعل الله الناس في العبادة في المسجد سواء ليس للمقيم أن يمنع البادي وبالعكس قال عليه السلام : "يا بني عبد مناف من ولي منكم من أمور الناس شيئاً فلا يمنعن أحداً طاف بهذا البيت أو صلى أية ساعة من ليل أو نهار" وهذا قول الحسن ومجاهد وقول من أجاز بيع دور مكة. وقد جرت مناظرة بين الشافعي وإسحق الحنظلي بمكة وكان إسحق لا يرخص في كراء بيوت مكة ، واحتج الشافعي رحمه الله بقوله تعالى : {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَـارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ} (الحج : 4) فأضيفت الدار إلى مالكها وإلى غير مالكها ، وقال عليه السلام يوم فتح مكة : "من أغلق بابه فهو آمن" وقال صلى الله عليه وسلّم : "هل ترك لنا عقيل من ربع" وقد اشترى عمر بن الخطاب رضي الله عنهما دار السجن ، أترى أنه اشتراها من مالكها أو من غير مالكها ؟
قال إسحق : فلما علمت أن الحجة قد لزمتني تركت قولي. أما الذي قالوه من حمل لفظ المسجد على مكة بقرينة قوله العاكف ، فضعيف لأن العاكف قد يراد به الملازم للمسجد المعتكف فيه على الدوام ، أو في الأكثر فلا يلزم ما ذكروه ، ويحتمل أن يراد بالعاكف المجاور للمسجد المتمكن في كل وقت من التعبد فيه فلا وجه لصرف الكلام عن ظاهره مع هذه الاحتمالات.
جزء : 23 رقم الصفحة : 222
أما قوله : {وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادا بِظُلْمٍ} ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قرىء {يُرِدْ} بفتح الياء من الورود ، ومعناه من أتى فيه بإلحاد وعن الحسن ومن يرد إلحاده بظلم ، والمعنى ومن يرد إيقاع إلحاد فيه ، فالإضافة صحيحة على الاتساع في الظرف كمكر الليل والنهار ، ومعناه ومن يرد أن يلحد فيه ظالماً.
(1/3197)

/ المسألة الثانية : الإلحاد العدول عن القصد وأصله إلحاد الحافر ، وذكر المفسرون في تفسير الإلحاد وجوهاً : أحدها : أنه الشرك ، يعني من لجأ إلى حرم الله ليشرك به عذبه الله تعالى ، وهو إحدى الروايات عن ابن عباس وقول عطاء بن أبي رباح وسعيد بن جبير وقتادة ومقاتل. وثانيها : قال ابن عباس رضي الله عنهما : نزلت في عبدالله بن سعد حيث استسلمه النبي صلى الله عليه وسلّم فارتد مشركاً ، وفي قيس بن ضبابة. وقال مقاتل : نزلت في عبدالله بن خطل حين قتل الأنصاري وهرب إلى مكة كافراً ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلّم بقتله يوم الفتح كافراً. وثالثها : قتل ما نهى الله تعالى عنه من الصيد. ورابعها : دخول مكة بغير إحرام وارتكاب ما لا يحل للمحرم. وخامسها : أنه الاحتكار عن مجاهد وسعيد بن جبير. وسادسها : المنع من عمارته. وسابعها : عن عطاء قول الرجل في المبايعة لا والله وبلى والله. وعن عبد الله بن عمر أنه كان له قسطاطان أحدهما في الحل والآخر في الحرم ، فإذا أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الحل ، فقيل له فقال : كنا نحدث أن من الإلحاد فيه أن يقول الرجل لا والله وبلى والله. وثامنها : وهو قول المحققين : أن الإلحاد بظلم عام في كل المعاصي ، لأن كل ذلك صغر أم كبر يكون هناك أعظم منه في سائر البقاع حتى قال ابن مسعود رضي الله عنه : لو أن رجلاً بعدن هم بأن يعمل سيئة عند البيت أذاقه الله عذاباً أليماً. وقال مجاهد : تضاعف السيئات فيه كما تضاعف الحسنات ، فإن قيل كيف يقال ذلك مع أن قوله : {نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} غير لائق بكل المعاصي قلنا لا نسلم ، فإن كل عذاب يكون أليماً ، إلا أنه تختلف مراتبه على حسب اختلاف المعصية.
المسألة الثالثة : الباء في قوله : {بِإِلْحَاد } فيه قولاه : أحدهما : وهو الأولى وهو اختيار صاحب "الكشاف" أن قوله : {بِإِلْحَادا بِظُلْمٍ} حالان مترادفان ومفعول يرد متروك ليتناول كل متناول كأنه قال ومن يرد فيه مراداً ما عادلاً عن القصد ظالماً نذقه من عذاب أليم ، يعني أن الواجب على من كان فيه أن يضبط نفسه ويسلك طريق السداد والعدل في جميع ما يهم به ويقصده. الثاني : قال أبو عبيدة : مجازه ومن يرد فيه إلحاداً والباء من حروف الزوائد.
جزء : 23 رقم الصفحة : 222
المسألة الرابعة : لما كان الإلحاد بمعنى الميل من أمر إلى أمر بين الله تعالى أن المراد بهذا الإلحاد ما يكون ميلاً إلى الظلم ، فلهذا قرن الظلم بالإلحاد لأنه لا معصية كبرت أم صغرت إلا وهو ظلم ، ولذلك قال تعالى : {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} .
أما قوله تعالى : {نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} فهو بيان الوعيد وفيه مسائل :
المسألة الأولى : من قال الآية نزلت في ابن خطل قال : المراد بالعذاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قتله يوم الفتح ، ولا وجه للتخصيص إذا أمكن التعميم ، بل يجب أن يكون المراد العذاب في الآخرة لأنه من أعظم ما يتوعد به.
/ المسألة الثانية : أن هذه الآية تدل على أن المرء يستحق العذاب بإرادته للظلم كما يستحقه على عمل جوارحه.
المسألة الثالثة : ذكروا قولين في خبر إن المذكور في أول الآية : الأول : التقدير إن الذين كفروا ويصدون ومن يرد فيه بإلحاد نذقه من عذاب فهو عائد إلى كلتا الجملتين. الثاني : أنه محذوف لدلالة جواب الشرط عليه تقديره : إن الذين كفروا ويصدون عن المسجد الحرام نذيقهم من عذاب أليم. وكل من ارتكب فيه ذنباً فهو كذلك.
جزء : 23 رقم الصفحة : 222
224
اعلم أن قوله : {وَإِذْ بَوَّأْنَا} أي واذكر حين جعلنا لإبراهيم مكان البيت مباءة ، أي مرجعاً يرجع إليه للعمارة والعبادة. وكان قد رفع البيت إلى السماء أيام الطوفان وكان من ياقوتة حمراء ، فأعلم الله تعالى إبراهيم عليه السلام مكانه بريح أرسلها فكشفت ما حوله فبناه على وضعه الأول ، وقيل أمر إبراهيم بأن يأتي موضع البيت فيبنى ، فانطلق فخفي عليه مكانه فبعث الله تعالى على قدر البيت الحرام في العرض والطول غمامة وفيها رأس يتكلم وله لسان وعينان فقال يا إبراهيم ابن علي قدري وحيالى فأخذ في البناء وذهبت السحابة ، وههنا سؤالات :
السؤال الأول : لا شك أن (أن) هي المفسرة فكيف يكون النهي عن الشرك والأمر / بتطهير البيت تفسيراً للتبوئة الجواب : أنه سبحانه لما قال جعلنا البيت مرجعاً لإبراهيم ، فكأنه قيل ما معنى كون البيت مرجعاً له ، فأجيب عنه بأن معناه أن يكون بقلبه موحداً لرب البيت عن الشريك والنظير ، وبقالبه مشتغلاً بتنظيف البيت عن الأوثان والأصنام.
السؤال الثاني : أن إبراهيم لما لم يشرك بالله فكيف قال أن لا تشرك بي الجواب : المعنى لا تجعل في العبادة لي شريكاً ، ولا تشرك بي غرضاً آخر في بناء البيت.
(1/3198)

السؤال الثالث : البيت ما كان معموراً قبل ذلك فكيف قال وطهر بيتي الجواب : لعل ذلك المكان كان صحراء وكانوا يرمون إليها الأقذار ، فأمر إبراهيم ببناء البيت في ذلك المكان وتطهيره من الأقذار ، وكانت معمورة فكانوا قد وضعوا فيها أصناماً فأمره الله تعالى بتخريب ذلك البناء ووضع بناء جديد وذلك هو التطهير عن الأوثان ، أو يقال المراد أنك بعد أن تبنيه فطهره عما لا ينبغي من الشرك وقول الزور.
جزء : 23 رقم الصفحة : 224
وأما قوله : {لِلطَّآاـاِفِينَ وَالْقَآاـاِمِينَ} فقال ابن عباس رضي الله عنهما للطائفين بالبيت من غير أهل مكة {وَالْقَآاـاِمِينَ} أي المقيمين بها {وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} أي من المصلين من الكل ، وقال آخرون القائمون وهم المصلون ، لأن المصلي لا بد وأن يكون في صلاته جامعاً بين القيام والركوع والسجود والله أعلم.
أما قوله تعالى : {وَأَذِّن فِى النَّاسِ بِالْحَجِّ} ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ ابن محيصن {وَأَذِّن} بمعنى أعلم.
المسألة الثانية : في المأمور قولان : أحدهما : وعليه أكثر المفسرين أنه هو إبراهيم عليه السلام قالوا لما فرغ إبراهيم عليه السلام من بناء البيت قال سبحانه : {وَأَذِّن فِى النَّاسِ بِالْحَجِّ} قال يا رب وما يبلغ صوتي ؟
قال عليك الأذان وعلى البلاغ. فصعد إبراهيم عليه السلام الصفا وفي رواية أخرى أبا قبيس ، وفي رواية أخرى على المقام قال إبراهيم كيف أقول ؟
قال جبريل عليه السلام : قل لبيك اللهم لبيك فهو أول من لبى ، وفي رواية أخرى أنه صعد الصفا فقال : يا أيها الناس إن الله كتب عليكم حج البيت العتيق فسمعه ما بين السماء والأرض ، فما بقي شيء سمع صوته إلا أقبل يلبي يقول : لبيك اللهم لبيك ، وفي رواية أخرى إن الله يدعوكم إلى حج البيت الحرام ليثيبكم به الجنة ويخرجكم من النار ، فأجابه يومئذ من كان في أصلاب الرجال وأرحام النساء ، وكل من وصل إليه صوته من حجر أو شجر ومدر وأكمة أو تراب ، قال مجاهد : فما حج إنسان ولا يحج أحد حتى تقوم الساعة إلا وقد أسمعه ذلك النداء ، فمن أجاب مرة حج مرة ، ومن أجاب مرتين أو أكثر. فالحج مرتين أو أكثر على ذلك المقدار ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لما أمر إبراهيم عليه السلام بالأذان تواضعت له الجبال وخفضت وارتفعت له القرى ، قال القاضي عبد الجبار : يبعد قولهم إنه أجابه الصخر والمدر ، لأن الإعلام لا يكون إلا لمن يؤمر بالحج / دون الجماد ، فأما من يسمع من أهل المشرق والمغرب نداءه فلا يمتنع إذا قواه الله تعالى ورفع الموانع ومثل ذلك قد يجوز في زمان الأنبياء عليهم السلام. القول الثاني : أن المأمور بقوله : {وَأَذِّن} هو محمد صلى الله عليه وسلّم وهو قول الحسن واختيار أكثر المعتزلة واحتجوا عليه بأن ما جاء في القرآن وأمكن حمله على أن محمداً صلى الله عليه وسلّم هو المخاطب به فهو أولى وتقدم قوله : {وَإِذْ بَوَّأْنَا لابْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ} لا يوجب أن يكون قوله : {وَأَذِّن} يرجع إليه إذ قد بينا أن معنى قوله : {وَإِذْ بَوَّأْنَا} أي واذكر يا محمد {وَإِذْ بَوَّأْنَا} فهو في حكم المذكور ، فإذا قال تعالى : {وَأَذِّن} فإليه يرجع الخطاب وعلى هذا القول ذكروا في تفسير قوله تعالى : {وَأَذِّن} وجوهاً : أحدها : أن الله تعالى أمر محمداً صلى الله عليه وسلّم بأن يعلم الناس بالحج. وثانيها : قال الجبائي أمره الله تعالى أن يعلن التلبية فيعلم الناس أنه حاج فيحجوا معه قال وفي قوله : {يَأْتُوكَ} دلالة على أن المراد أن يحج فيقتدي به. وثالثها : أنه ابتداء فرض الحج من الله تعالى للرسول صلى الله عليه وسلّم.
جزء : 23 رقم الصفحة : 224
أما قوله : {يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} ففيه مسائل :
المسألة الأولى : الرجال المشاة واحدهم راجل كنيام ونائم وقرىء رجال بضم الراء مخفف الجيم ومثقله ورجال كعجال عن ابن عباس رضي الله عنهما وقوله : {وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ} أي ركباناً والضمور الهزال ضمر يضمر ضموراً ، والمعنى أن الناقة صارت ضامرة لطول سفرها. وإنما قال : {يَأْتِينَ} أي جماعة الإبل وهي الضوامر لأن قوله : {وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ} معناه على إبل ضامرة فجعل الفعل بمعنى كل ولو قال يأتي على اللفظ صح وقرىء يأتون صفة للرجال والركبان ، والفج الطريق بين الجبلين ، ثم يستعمل في سائر الطرق اتساعاً ، والعميق البعيد قرأ ابن مسعود معيق يقال بئر بعيدة العمق والمعق.
المسألة الثانية : المعنى : وأذن ، ليأتوك رجالاً وعلى كل ضامر ، أي وأذن ، ليأتوك على هاتين الصفتين ، أو يكون المراد : وأذن فإنهم يأتوك على هاتين الصفتين.
(1/3199)

المسألة الثالثة : بدأ الله بذكر المشاة تشريفاً لهم ، وروى سعيد بن جبير بإسناده عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال : "إن الحاج الراكب له بكل خطوة تخطوها راحلته سبعون حسنة وللماشي سبعمائة حسنة من حسنات الحرم ، قيل يا رسول الله وما حسنات الحرم قال الحسنة بمائة ألف حسنة".
المسألة الرابعة : إنما قال : {يَأْتُوكَ رِجَالا} لأنه هو المنادي فمن أتى بمكة حاجاً فكأنه أتى إبراهيم عليه السلام لأنه يجيب نداءه.
أما قوله : {لِّيَشْهَدُوا مَنَـافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِى أَيَّامٍ مَّعْلُومَـاتٍ} ففيه مسائل :
المسألة الأولى : أنه تعالى لما أمر بالحج في قوله : {وَأَذِّن فِى النَّاسِ بِالْحَجِّ} ذكر حكمة ذلك الأمر في قوله : {لِّيَشْهَدُوا مَنَـافِعَ لَهُمْ} واختلفوا فيها فبعضهم حملها على منافع الدنيا. وهي أن يتجرو في أيام الحج ، وبعضهم حملها على منافع الآخرة ، وهي العفو والمغفرة عن محمد الباقر عليه السلام ، وبعضهم حملها على الأمرين جميعاً ، وهو الأولى.
/ المسألة الثانية : إنما نكر المنافع لأنه أراد منافع مختصة بهذه العبادة دينية ودنيوية لا توجد في غيرها من العبادات.
جزء : 23 رقم الصفحة : 224
المسألة الثالثة : كنى عن الذبح والنحر بذكر اسم الله تعالى لأن أهل الإسلام لا ينفكون عن دكر اسمه إذا نحروا وذبحوا وفيه تنبيه على أن الغرض الأصلي فيما يتقرب به إلى الله تعالى أن يذكر اسم الله تعالى ، وأن يخالف المشركين في ذلك فإنهم كانوا يذبحونها للنصب والأوثان قال مقاتل إذا ذبحت فقل بسم الله والله أكبر اللهم منك وإليك وتستقبل القبلة ، وزاد الكلبي فقال إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ، قال القفال : وكان المتقرب بها وبإراقة دمائها متصور بصورة من يفدى نفسه بما يعادلها فكأنه يبذل تلك الشاة بدل مهجته طلباً لمرضاة الله تعالى ، واعترافاً بأن تقصيره كاد يستحق مهجته.
المسألة الرابعة : أكثر العلماء صاروا إلى أن الأيام المعلومات عشر ذي الحجة والمعدودات أيام التشريق ، وهذا قول مجاهد وعطاء وقتادة والحسن ، ورواية سعيد بن جبير عن ابن عباس واختيار الشافعي وأبي حنيفة رحمهم الله ، واحتجوا بأنها معلومة عند الناس لحرصهم على علمها من أجل أن وقت الحج في آخرها. ثم للمنافع أوقات من العشر معروفة كيوم عرفة ، والمشعر الحرام وكذلك الذبائح لها وقت منها وهو يوم النحر ، وقال ابن عباس في رواية عطاء إنها يوم النحر وثلاثة أيام بعده وهو اختيار أبي مسلم قال لأنها كانت معروفة عند العرب بعدها وهي أيام النحر وهو قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله.
أما قوله : {بَهِيمَةُ الانْعَـامِ} فقال صاحب "الكشاف" : البهمة مبهمة في كل ذات أربع في البر والبحر ، فبينت بالأنعام وهي الإبل والبقر والضأن والمعز.
أما قوله تعالى : {فَكُلُوا مِنْهَا} فمن الناس من قال إنه أمر وجوب لأن أهل الجاهلية كانوا لا يأكلون منها ترفعاً على الفقراء ، فأمر المسلمين بذلك لما فيه من مخالفة الكفار ومساواة الفقراء واستعمال التواضع ، وقال الأكثرون إنه ليس على الوجوب. ثم قال العلماء من أهدى أو ضحى فحسن أن يأكل النصف ويتصدق بالنصف لقوله تعالى : {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَآاـاِسَ الْفَقِيرَ} ومنهم من قال يأكل الثلث ويدخر الثلث ويدخر الثلث ويتصدق بالثلث ، ومذهب الشافعي رحمه الله أن الأكل مستحب والإطعام واجب فإن أطعم جميعها أجزأه وإن أكل جميعها لم يجزه ، هذا فيما كان تطوعاً ، فأما الواجبات كالنذور والكفارات والجبرانات لنقصان مثل دم القران ودم التمتع ودم الإساءة ودماء القلم والحلق فلا يؤكل منها.
جزء : 23 رقم الصفحة : 224
أما قوله : {وَأَطْعِمُوا الْبَآاـاِسَ الْفَقِيرَ} فلا شبهة في أنه أمر إيجاب ، والبائس الذي أصابه بؤس أي شدة والفقيرة الذي أضعفه الإعسار وهو مأخوذ من فقار الظهر. قال ابن عباس البائس الذي ظهر بؤسه في ثيابه وفي وجهه ، والفقير الذي لا يكون كذلك فتكون ثيابه نقية ووجهه وجه غني.
/ أما قوله : {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ} قال الزجاج : إن أهل اللغة لا يعرفون التفث إلا من التفسير ، وقال المبرد أصل التفث في كلام العرب كل قاذورة تلحق الإنسان فيجب عليه نقضها. والمراد ههنا قص الشارب والأظفار ونتف الإبط وحلق العامة ، والمراد من القضاء إزالة التفث ، وقال القفال قال نفطويه : سألت أعرابياً فصيحاً ما معنى قوله : {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ} ؟
فقال ما أفسر القرآن ولكنا نقول للرجل ما أتفثك وما أدرنك/ ثم قال القفال وهذا أولى من قول الزجاج لأن القول قول المثبت لا قول النافي.
(1/3200)

أما قوله : {وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ} فقرىء بتشديد الفاء ثم يحتمل ذلك ما أوجبه الدخول في الحج من أنواع المناسك ، ويحتمل أن يكون المراد ما أوجبوه بالنذر الذي هو القول ، وهذا القول هو الأقرب فإن الرجل إذا حج أو اعتمر فقد يوجب على نفسه من الهدى وغيره ما لولا إيجابه لم يكن الحج يقتضيه فأمر الله تعالى بالوفاء بذلك.
أما قوله : {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} فالمراد الطواف الواجب وهو طواف الإفاضة والزيارة ، أما كون هذا الطواف بعد الوقوف ورمي الجمار والحلق ، ثم هو في يوم النحر أو بعده ففيه تفصيل ، وسمى البيت العتيق لوجوه : أحدها : العتيق القديم لأنه أول بيت وضع للناس عن الحسن. وثانيها : لأنه أعتق من الجبابرة فكم من جبار سار إليه ليهدمه فمنعه الله تعالى وهو قول ابن عباس وقول ابن الزبير ، ورووه عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم ولما قصد أبرهة فعل به ما فعل ، فإن قيل فقد تسلط الحجاج عليه فالجواب : قلنا ما قصد التسلط على البيت وإنما تحصن به عبدالله بن الزبير فاحتال لإخراجه ثم بناه وثالثها : لم يملك قط عن ابن عيينة ورابعها : أعتق من الغرق عن مجاهد وخامسها : بيت كريم من قولهم عتاق الطير والخيل ، واعلم أن اللام في ليقضوا وليوفوا وليطوفوا لام الأمر ، وفي قراءة ابن كثير ونافع والأكثرين تخفيف هذه اللامات وفي قراءة أبي عمرو تحريكها بالكسر.
جزء : 23 رقم الصفحة : 224
225
قال صاحب "الكشاف" {ذَالِكَ} خبر مبتدأ محذوف أي الأمر والشأن ذلك كما يقدم الكاتب جملة من كلامه في بعض المعاني فإذا أراد الخوض في معنى آخر قال هذا وقد كان كذا ، والحرمة ما لا يحل هتكه وجميع ما كلفه الله تعالى بهذه الصفة من مناسك الحج وغيرها يحتمل أن يكون عاماً في جميع تكاليفه ، ويحتمل أن يكون خاصاً فيما يتعلق بالحج ، وعن زيد بن أسلم الحرمات خمس : الكعبة الحرام والمسجد الحرام والبلد الحرام والشهر الحرام والمشعر الحرام ، وقال المتكلمون ولا تدخل النوافل في حرمات الله تعالى : {فَهُوَ خَيْرٌ لَّه عِندَ رَبِّه } أي فالتعظيم خير له للعلم بأنه يجب القيام بمراعاتها وحفظها ، وقوله : {عِندَ رَبِّه } يدل على الثواب المدخر لأنه لا يقال عند ربه فيما قد حصل من الخيرات ، قال الأصم فهو خير له من التهاون بذلك ، ثم إنه تعالى عاد إلى بيان حكم الحج فقال : {وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الانْعَـامُ} فقد كان يجوز أن يظن أن الإحرام إذا حرم الصيد وغيره فالأنعام أيضاً تحرم فبين الله تعالى أن الإحرام لا يؤثر فيها فهي محللة ، واستثنى منه ما يتلى في كتاب الله من المحرمات من النعم وهو المذكور في سورة المائدة ، وهو قوله تعالى : {غَيْرَ مُحِلِّى الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ } وقوله : {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ} وقوله : {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} (الأنعام : 121) ، ثم إنه سبحانه لما حث على تعظيم حرماته وحمد من يعظمها أتبعه بالأمر باجتناب الأوثان وقول الزور. لأن توحيد الله تعالى وصدق القول أعظم الخيرات ، وإنما جمع الشرك وقول الزور في سلك واحد لأن الشرك من باب الزور ، لأن المشرك زاعم أن الوثن تحق له العبادة فكأنه قال فاجتنبوا عبادة الأوثان التي هي رأس الزور ، واجتنبوا قول الزور كله ، ولا تقربوا منه شيئاً لتماديه في القبح والسماجة ، وما ظنك بشيء من قبيله عبادة الأوثان وسمى الأوثان رجساً لا للنجاسة ، لكن لأن وجوب تجنبها أوكد من وجوب تجنب الرجس ولأن عبادتها أعظم من التلوث بالنجاسات. ثم قال الأصم إنما وصفها بذلك لأن عادتهم في المتقربات أن يتعمدوا سقوط الدماء عليها وهذا بعيد وقيل إنه إنما وصفها بذلك استحقاراً واستخفافاً وهذا أقرب ، وقوله :
جزء : 23 رقم الصفحة : 225
{مِنَ الاوْثَـانِ} بيان للرجس وتمييز له كقوله عندي عشرون من الدراهم لأن الرجس لما فيه من الإيهام يتناول كل شيء ، فكأنه قال فاجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان ، وليس المراد أن بعضها ليس كذلك ، والزور من الزور والإزورار وهو الانحراف ، كما أن الأفك من أفكه إذا صرفه ، والمفسرون ذكروا في قول الزور / وجوهاً : أحدها : أنه قولهم هذا حلال وهذا حرام وما أشبه ذلك من افترائهم وثانيها : شهادة الزور عن النبي صلى الله عليه وسلّم : "أنه صلى الصبح فلما سلم قام قائماً واستقبل الناس بوجهه وقال عدلت شهادة الزور الإشراك بالله" وتلا هذه الآية وثالثها : الكذب والبهتان ورابعها : قول أهل الجاهلية في تلبيتهم لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك.
(1/3201)

أما قوله تعالى : {حُنَفَآءَ لِلَّهِ} فقد تقدم ذكر تفسير ذلك وأنه الاستقامة على قول بعضهم والميل إلى الحق على قول البعض ، والمراد في هذا الموضع ما قيل من أنه الإخلاص فكأنه قال تمسكوا بهذه الأمور التي أمرت ونهيت على وجه العبادة لله وحده لا على وجه إشراك غير الله به. ولذلك قال غير مشركين به. وهذا يدل على أن الواجب على المكلف أن ينوي بما يأتيه من العبادة الإخلاص فبين تعالى مثلين للكفر لا مزيد عليهما في بيان أن الكافر ضار بنفسه غير منتفع بها. وهو قوله : {وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَآءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِى بِهِ الرِّيحُ فِى مَكَانٍ سَحِيقٍ} قال صاحب "الكشاف" إن كان هذا تشبيهاً مركباً فكأنه قيل من أشرك بالله فقد أهلك نسه إهلاكاً ليس وراءه هلاك بأن صور حاله بصورة حال من خر من السماء فاختطفته الطير فتفرقت أجزاؤه في حواصلها أو عصفت به الريح حتى هوت به في بعض المهالك البعيدة. وإن كان تشبيهاً مفرقاً فقد شبه الإيمان في علوه بالسماء ، والذي ترك الإيمان وأشرك بالله كالساقط من السماء والأهواء التي تتوزع أفكاره بالطير المختطفة والشيطان الذي يطرحه في وادي الضلالة بالريح التي تهوى بما عصفت به في بعض المهاوي المختلفة. وقرىء بكسر الخاء والطاء وبكسر الفاء مع كسرهما وهي قراءة الحسن وأصلها تختطفه وقرىء الرياح ، ثم إنه سبحانه أكد ما تقدم فقال ذلك ومن يعظم شعائر الله واختلفوا فقال بعضهم يدخل فيه كل عبادة وقال بعضهم بل المناسك في الحج وقال بعضهم بل المراد الهدى خاصة والأصل في الشعائر الأعلام التي بها يعرف الشيء فإذا فسرنا الشعائر بالهدايا فتعظيمها على وجهين : أحدهما : أن يختارها عظام الأجسام حساناً جساماً سماناً غالية الأثمان ويترك المكاس في شرائها ، فقد كانوا يتغالون في ثلاثة ويكرهون المكاس فيهن الهدى والأضحية والرقبة. روي عن ابن عمر رضي الله عنهما عن أبيه "أنه أهدى نجيبة طلبت منه بثلثمائة دينار فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلّم أن يبيعها ويشتري بثمنها بدناً فنهاه عن ذلك ، وقال بل أهدها" "وأهدى رسول الله صلى الله عليه وسلّم مائة بدنة فيها جمل لأبي جهل في أنفه برة من ذهب" والوجه الثاني : في تعظيم شعائر الله تعالى أن يعتقد أن طاعة الله تعالى في التقرب بها وإهدائها إلى بيته المعظم أمر عظيم لا بد وأن يحتفل به ويتسارع فيه
جزء : 23 رقم الصفحة : 225
{فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ} أي إن تعظيمها من أفعال ذوي تقوى القلوب فحذفت هذه المضافات ، ولا يستقيم المعنى إلا بتقديرها لأنه لا بد من راجع من الجزاء إلى من ارتبط به وإنما ذكرت القلوب لأن المنافق قد يظهر التقوى من نفسه. ولكن لما كان قلبه خالياً عنها لا جرم لا يكون مجداً في أداء الطاعات ، أما المخلص الذي تكون التقوى متمكنة في قلبه / فإنه يبالغ في أداء الطاعات على سبيل الإخلاص ، فإن قال قائل : ما الحكمة في أن الله تعالى بالغ في تعظيم ذبح الحيوانات هذه المبالغة ؟
فالجواب.
جزء : 23 رقم الصفحة : 225
227
اعلم أن قوله تعالى : {لَكُمْ فِيهَا مَنَـافِعُ إِلَى ا أَجَلٍ مُّسَمًّى} لا يليق إلا بأن تحمل الشعائر على الهدى الذي فيه منافع إلى وقت النحر ، ومن يحمل ذلك على سائر الواجبات يقول لكم فيها أي في التمسك بها منافع إلى أجل ينقطع التكليف عنده ، والأول هو قول جمهور المفسرين ، ولا شك أنه أقرب. وعلى هذا القول فالمنافع مفسرة بالدر والنسل والأوبار وركوب طهورها ، فأما قوله إلى أجل مسمى ففيه قولان : أحدهما : أن لكم أن تنتفعوا بهذه البهائم إلى أن تسموها ضحية وهدياً فإذا فعلتم ذلك فليس لكم أن تنتفعوا بها ، وهذا قول ابن عباس ومجاهد وعطاء وقتادة والضحاك وقال آخرون لكم فيها أي في البدن منافع مع تسميتها هدياً بأن تركبوها إن احتجتم إليها وأن تشربوا ألبانها إذا اضطررتم إليها إلى أجل مسمى يعني إلى أن تنحروها هذه هي الرواية الثانية عن ابن عباس رضي الله عنهما وهو اختيار الشافعي ، وهذا القول أولى لأنه تعالى قال : {لَكُمْ فِيهَا مَنَـافِعُ} أي في الشعائر ولا تسمى شعائر قبل أن تسمى هدياً وروى أبو هريرة أنه عليه السلام "مر برجل يسوق بدنة وهو في جهد ، فقال عليه السلام اركبها فقال يا رسول الله إنها هدى فقال اركبها ويلك" وروى جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أنه قال : "اركبوا الهدى بالمعروف حتى تجدوا ظهراً" واحتج أبو حنيفة رحمه الله على أنه لا يملك منافعها بأن لا يجوز له أن يؤجرها للركوب فلو كان مالكاً لمنافعها لملك عقد الإجارة عليها كمنافع سائر المملوكات ، وهذا ضعيف لأن أم الولد لا يمكنه بيعها ، ويمكنه الانتفاع بها فكذا ههنا.
(1/3202)

/ أما قوله تعالى : {ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} فالمعنى أن لكم في الهدايا منافع كثيرة في دنياكم ودينكم وأعظم هذه المنافع محلها إلى البيت العتيق أي وجوب نحرها أو وقت وجوب نحرها منتهية إلى البيت ، كقوله : {هَدْيَا بَـالِغَ الْكَعْبَةِ} وبالجملة فقوله : {مَحِلُّهَآ} يعني حيث يحل نحرها ، وأما البيت العتيق فالمراد به الحرم كله ، ودليله قوله تعالى : {فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـاذَا } (التوبة : 28) أي الحرم كله فالمنحر على هذا القول كل مكة ، ولكنها تنزهت عن الدماء إلى منى ومنى من مكة ، قال عليه السلام : "كل فجاج مكة منحر وكل فجاج منى منحر" قال القفال هذا إنما يختص بالهدايا التي بلغت منى فأما الهدى المتطوع به إذا عطب قبل بلوغ مكة فإن محله موضعه.
جزء : 23 رقم الصفحة : 227
أما قوله تعالى : {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِّيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ} فالمعنى شرعنا لكل أمة من الأمم السالفة من عهد إبراهيم عليه السلام إلى من بعده ضرباً من القربان وجعل العلة في ذلك أن يذكروا اسم الله تقدست أسماؤه على المناسك ، وما كانت العرب تذبحه للصنم يسمى العتر والعتيرة كالذبح والذبيحة ، وقرأ أهل الكوفة إلا عاصماً منسكاً بكسر السين وقرأ الباقون بالفتح وهو مصدر بمعنى النسك والمكسور بمعنى الموضع.
أما قوله تعالى : {فَإِلَـاهُكُمْ إِلَـاهٌ وَاحِدٌ} ففي كيفية النظم وجهان : أحدهما : أن الإله واحد وإنما اختلفت التكاليف باختلاف الأزمنة والأشخاص لاختلاف المصالح الثاني : {فَإِلَـاهُكُمْ إِلَـاهٌ وَاحِدٌ} فلا تذكروا على ذبائحكم غير اسم الله {فَلَه ا أَسْلِمُوا } أي اخلصوا له الذكر خاصة بحيث لا يشوبه إشراك ألبتة ، والمراد الانقياد لله تعالى في جميع تكاليفه ، ومن انقاد له كان مخبتاً فلذلك قال بعده {وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ} والمخبت المتواضع الخاشع. قال أبو مسلم : حقيقة المخبت من صار في خبت من الأرض ، يقال أخبت الرجل إذا صار في الخبت كما يقال أنجد وأشأم وأتهم ، والخبت هو المطمئن من الأرض. وللمفسرين فيه عبارات أحدها : المخبتين المتواضعين عن ابن عباس وقتادة وثانيها : المجتهدين في العبادة عن الكلبي وثالثها : المخلصين عن مقاتل ورابعها : الطمئنين إلى ذكر الله تعالى والصالحين عن مجاهد وخامسها : هم الذين لا يظلمون وإذا ظلموا لم ينتصروا عن عمرو بن أوس.
ثم وصفهم الله تعالى بقوله : {الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} فيظهر عليهم الخوف من عقاب الله تعالى والخشوع والتواضع لله ، ثم لذلك الوجل أثران أحدهما : الصبر على المكاره وذلك هو المراد بقوله : {وَالصَّـابِرِينَ عَلَى مَآ أَصَابَهُمْ} وعلى ما يكون من قبل الله تعالى ، لأنه الذي يجب الصبر عليه كالأمراض والمحن والمصائب. فأما ما يصيبهم من قبل الظلمة فالصبر عليه غير واجب بل إن أمكنه دفع ذلك لزمه الدفع ولو بالمقاتلة والثاني : الاشتغال بالخدمة وأعز الأشياء عند الإنسان نفسه وماله. أما الخدمة بالنفس فهي الصلاة ، وهو المراد بقوله : {الَّذِينَ إِذَآ} وأما الخدمة بالمال فهو المراد من قوله : {وَمِمَّا رَزَقْنَـاهُمْ يُنفِقُونَ} قرأ الحسن {الَّذِينَ إِذَآ} بالنصب على تقدير النون ، وقرأ ابن مسعود والمقيمين الصلاة على الأصل.
جزء : 23 رقم الصفحة : 227
أما قوله تعالى : {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِّيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ} فالمعنى شرعنا لكل أمة من الأمم السالفة من عهد إبراهيم عليه السلام إلى من بعده ضرباً من القربان وجعل العلة في ذلك أن يذكروا اسم الله تقدست أسماؤه على المناسك ، وما كانت العرب تذبحه للصنم يسمى العتر والعتيرة كالذبح والذبيحة ، وقرأ أهل الكوفة إلا عاصماً منسكاً بكسر السين وقرأ الباقون بالفتح وهو مصدر بمعنى النسك والمكسور بمعنى الموضع.
(1/3203)

أما قوله تعالى : {فَإِلَـاهُكُمْ إِلَـاهٌ وَاحِدٌ} ففي كيفية النظم وجهان : أحدهما : أن الإله واحد وإنما اختلفت التكاليف باختلاف الأزمنة والأشخاص لاختلاف المصالح الثاني : {فَإِلَـاهُكُمْ إِلَـاهٌ وَاحِدٌ} فلا تذكروا على ذبائحكم غير اسم الله {فَلَه ا أَسْلِمُوا } أي اخلصوا له الذكر خاصة بحيث لا يشوبه إشراك ألبتة ، والمراد الانقياد لله تعالى في جميع تكاليفه ، ومن انقاد له كان مخبتاً فلذلك قال بعده {وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ} والمخبت المتواضع الخاشع. قال أبو مسلم : حقيقة المخبت من صار في خبت من الأرض ، يقال أخبت الرجل إذا صار في الخبت كما يقال أنجد وأشأم وأتهم ، والخبت هو المطمئن من الأرض. وللمفسرين فيه عبارات أحدها : المخبتين المتواضعين عن ابن عباس وقتادة وثانيها : المجتهدين في العبادة عن الكلبي وثالثها : المخلصين عن مقاتل ورابعها : الطمئنين إلى ذكر الله تعالى والصالحين عن مجاهد وخامسها : هم الذين لا يظلمون وإذا ظلموا لم ينتصروا عن عمرو بن أوس.
ثم وصفهم الله تعالى بقوله : {الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} فيظهر عليهم الخوف من عقاب الله تعالى والخشوع والتواضع لله ، ثم لذلك الوجل أثران أحدهما : الصبر على المكاره وذلك هو المراد بقوله : {وَالصَّـابِرِينَ عَلَى مَآ أَصَابَهُمْ} وعلى ما يكون من قبل الله تعالى ، لأنه الذي يجب الصبر عليه كالأمراض والمحن والمصائب. فأما ما يصيبهم من قبل الظلمة فالصبر عليه غير واجب بل إن أمكنه دفع ذلك لزمه الدفع ولو بالمقاتلة والثاني : الاشتغال بالخدمة وأعز الأشياء عند الإنسان نفسه وماله. أما الخدمة بالنفس فهي الصلاة ، وهو المراد بقوله : {الَّذِينَ إِذَآ} وأما الخدمة بالمال فهو المراد من قوله : {وَمِمَّا رَزَقْنَـاهُمْ يُنفِقُونَ} قرأ الحسن {الَّذِينَ إِذَآ} بالنصب على تقدير النون ، وقرأ ابن مسعود والمقيمين الصلاة على الأصل.
جزء : 23 رقم الصفحة : 227
231
/ اعلم أن قوله تعالى : {وَالْبُدْنَ} فيه مسائل :
المسألة الأولى : البدن جمع بدنة كخشب وخشبة ، سميت بذلك إذا أهديت للحرم لعظم بدنها وهي الإبل خاصة ، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلّم ألحق البقر بالإبل حين قال : "البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة" ولأنه قال : {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} وهذا يختص بالإبل فإنها تنحر قائمة دون البقر ، وقال قوم البدن الإبل والبقر التي يتقرب بها إلى الله تعالى في الحج والعمرة ، لأنه إنما سمى بذلك لعظم البدن فالأولى دخولها فيه ، أما الشاة فلا تدخل وإن كانت تجوز في النسك لأنها صغيرة الجسم فلا تسمى بدنة.
المسألة الثانية : قرأ الحسن والبدن بضمتين كثمر في جمع ثمرة ، وابن أبي إسحق بالضمتين وتشديد النون على لفظ الوقف ، وقرىء بالنصب والرفع كقوله : {وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَـاهُ مَنَازِلَ} والله أعلم.
المسألة الثالثة : إذا قال لله على بدنة ، هل يجوز له نحرها في غير مكة ؟
قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله يجوز ، وقال أبو يوسف رحمه الله لا يجوز إلا بمكة واتفقوا فيمن نذر هدياً أن عليه ذبحه بمكة ، ولو قال : لله على جزور ، أنه يذبحه حيث شاء ، وقال أبو حنيفة رحمه الله البدنة بمنزلة الجزور فوجب أن يجوز له نحرها حيث يشاء بخلاف الهدى فإنه تعالى قال : {هَدْيَا بَـالِغَ الْكَعْبَةِ} (يس : 39) فجعل بلوغ الكعبة من صفة الهدى ، واحتج أبو يوسف رحمه الله بقوله تعالى : {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَـاهَا لَكُم مِّن شَعَـا اـاِرِ اللَّهِ} فكان اسم البدنة يفيد كونها قربة فكان كاسم الهدى ، أجاب أبو حنيفة رحمه الله / بأنه ليس كل ما كان ذبحه قربة اختص بالحرم فإن الأضحية قربة وهي جائزة في سائر الأماكن.
جزء : 23 رقم الصفحة : 231
(1/3204)

أما قوله تعالى : {جَعَلْنَـاهَا لَكُم} فاعلم أنه سبحانه لما خلق البدن وأوجب أن تهدي في الحج جاز أن يقول {جَعَلْنَـاهَا لَكُم مِّن شَعَـا اـاِرِ اللَّهِ} أما قوله : {لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ } فالكلام فيه ما تقدم في قوله : {لَكُمْ فِيهَا مَنَـافِعُ} (الحج : 33) وإذا كان قوله : {لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ } كالترغيب فالأولى أن يراد به الثواب في الآخرة وما أخلق العاقل بالحرص على شيء شهد الله تعالى بأن فيه خيراً وبأن فيه منافع ، أما قوله : {فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا} ففيه حذف أي اذكروا اسم الله على نحرها ، قال المفسرون هو أن يقال عند النحر أو الذبح بسم الله والله أكبر اللهم منك وإليك ، أما قوله : {صَوَآفَّ } ، فالمعنى قائمات قد صففن أيديهن وأرجلهن وقرىء صوافن من صفون الفرس ، وهو أن تقوم على ثلاث وتنصب الرابعة على طرف سنبكه لأن البدنة تعقل إحدى يديها فتقوم على ثلاث ، وقرىء صوافي أي خوالص لوجه الله تعالى لا تشركوا بالله في التسمية على نحرها أحداً كما كان يفعله المشركون ، وعن عمرو بن عبيد صوافياً بالتنوين عوضاً عن حرف الإطلاق عند الوقف ، وعن بعضهم صوافي نحو قول العرب اعط القوس باريها ولا يبعد أن تكون الحكمة في إصفافها ظهور كثرتها للناظرين فتقوى نفوس المحتاجين ويكون التقرب بنحرها عند ذلك أعظم أجراً وأقرب إلى ظهور التكبير وإعلاء اسم الله وشعائر دينه/ وأما قوله : {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} فاعلم أن وجوب الجنوب وقوعها على الأرض من وجب الحائط وجبة إذا سقط ، ووجبت الشمس وجبة إذا غربت ، والمعنى إذا سقطت على الأرض وذلك عند خروج الروح منها {فَكُلُوا مِنْهَا} وقد ذكرنا اختلاف العلماء فيما يجوز أكله منها {وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ } القانع السائل يقال قنع يقنع قنوعاً إذا سأل قال أبو عبيد هو الرجل يكون مع القوم يطلب فضلهم ويسأل معروفهم ونحوه ، قال الفراء والمعنى الثاني القانع هو الذي لا يسأل من القناعة يقال قنع يقنع قناعة إذا رضي بما قسم له وترك السؤال ، أما المعتر فقيل إنه المتعرض بغير سؤال ، وقيل إنه المتعرض بالسؤال قال الأزهري قال ابن الأعرابي يقال عروت فلاناً وأعررته وعروته واعتريته إذا أتيته تطلب معروفه ونحوه ، قال أبو عبيد والأقرب أن القانع هو الراضي بما يدفع إليه من غير سؤال وإلحاح ، والمعتر هو الذي يتعرض ويطلب ويعتريهم حالاً بعد حال فيفعل ما يدل على أنه لا يقنع بما يدفع إليه أبداً وقرأ الحسن والمعتري وقرأ أبو رجاء القنع وهو الراضي لا غير يقال قنع فهو قنع وقانع.
جزء : 23 رقم الصفحة : 231
أما قوله : {كَذَالِكَ سَخَّرْنَـاهَا لَكُمْ} فالمعنى أنها أجسم وأعظم وأقوى من السباع وغيرها مما يمتنع علينا التمكن منه ، فالله تعالى جعل الإبل والبقر بالصفة التي يمكننا تصريفها على ما نريد ، وذلك نعمة عظيمة من الله تعالى في الدين والدنيا ، ثم لما بين تعالى هذه النعمة قال بعده {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} والمراد لكي تشكروا. قالت المعتزلة : هذا يدل على أنه سبحانه أراد من جميعهم أن يشكروا فدل هذا / على أنه يريد كل ما أمر به ممن أطاع وعصى ، لا كما يقوله أهل السنة من أنه تعالى لم يرد ذلك إلا من المعلوم أن يطيع ، والكلام عليه قد تقدم غير مرة.
أما قوله تعالى : {لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَآؤُهَا} ففيه مسائل :
المسألة الأولى : لما كانت عادة الجاهلية على ما روي في القربان أنهم يلوثون بدمائها ولحومها الوثن وحيطان الكعبة بين تعالى ما هو القصد من النحر فقال : {لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَآؤُهَا وَلَـاكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ } فبين أن الذي يصل إليه تعالى ويرتفع إليه من صنع المهدي من قوله ونحره وما شاكله من فرائضه هو تقوى الله دون نفس اللحم والدم ، ومعلوم أن شيئاً من الأشياء لا يوصف بأنه يناله سبحانه فالمراد وصول ذلك إلى حيث يكتب يدل عليه قوله : {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} (فاطر : 10).
المسألة الثانية : قالت المعتزلة دلت هذه الآية على أمور : أحدها : أن الذي ينتفع به المرء فعله دون الجسم الذي ينتفع بنحره وثانيها : أنه سبحانه غني عن كل ذلك ، وإنما المراد أن يجتهد العبد في امتثال أوامره وثالثها : أنه لما لم ينتفع بالأجسام التي هي اللحوم والدماء وانتفع بتقواه وجب أن تكون تقواه فعلاً وإلا لكانت تقواه بمنزلة اللحوم ورابعها : أنه لما شرط القبول بالتقوى وصاحب الكبيرة غير متق فوجب أن لا يكون عمله مقبولاً وأنه لا ثواب له والجواب : أما الأولان فحقان ، وأما الثالث فمعارض بالداعي والعلم ، وأما الرابع فصاحب الكبيرة وإن لم يكن متقياً مطلقاً ولكنه متق فيما أتى به من الطاعة على سبيل الإخلاص فوجب أن تكون طاعته مقبولة وعند هذا تنقلب الآية حجة عليهم.
(1/3205)

المسألة الثالثة : كلهم قرأوا {يَنَالَ اللَّهَ} ويناله بالياء إلا يعقوب فإنه قرأ بالتاء في الحرفين فمن أنث فقد رده إلى اللفظ ومن ذكر فللحائل بين الاسم والفعل. ثم قال : {كَذَالِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ} والمراد أنه إنما سخرها كذلك لتكبروا الله وهو التعظيم ، بما نفعله عند النحر وقبله وبعده على ما هدانا ودلنا عليه وبينه لنا/ ثم قال بعده على وجه الوعد لمن امتثل أمره {وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ} كما قال من قبل {وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ} (الحج : 34) والمحسن هو الذي يفعل الحسن من الأعمال ويتمسك به فيصير محسناً إلى نفسه بتوفير الثواب عليه.
جزء : 23 رقم الصفحة : 231
234
/ اعلم أنه تعالى لما بين ما يلزم الحج ومناسكه وما فيه من منافع الدنيا والآخرة ، وقد ذكرنا من قبل أن الكفار صدوهم أتبع ذلك ببيان ما يزيل الصد ويؤمن معه التمكن من الحج فقال : {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ ءَامَنُوا } (الحج : 38) وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ أبو جعفر وشيبة ونافع بالألف ومثله {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ} وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بغير ألف فيهما. وقرأ حمزة والكسائي وعاصم {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ} بالألف {وَلَوْلا دَفْعُ} بغير ألف ، فمن قرأ يدافع فمعناه يبالغ في الدفع عنهم ، وقال الخليل يقال دفع الله المكروه عنك دفعاً ودافع عنك دفاعاً والدفاع أحسنهما.
المسألة الثانية : ذكر {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ ءَامَنُوا } ولم يذكر ما يدفعه حتى يكون أفخم وأعظم وأعم ، وإن كان في الحقيقة أنه يدافع بأس المشركين. فلذلك قال بعده {إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ} (الحج : 38) فنبه بذلك على أنه يدفع عن المؤمنين كيد من هذا صفته.
المسألة الثالثة : قال مقاتل : إن الله يدافع كفار مكة عن الذين آمنوا بمكة ، هذا حين أمر المؤمنين بالكف عن كفار مكة قبل الهجرة حين آذوهم فاستأذنوا النبي صلى الله عليه وسلّم في قتلهم سراً فنهاهم.
المسألة الرابعة : هذه الآية بشارة للمؤمنين بإعلائهم على الكفار وكف بواثقهم عنهم وهي كقوله : {لَن يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى } (آل عمران : 111) وقوله : {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُوا } (غافر : 51) وقال : {إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ} (الصافات : 172) {وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ } (الصف : 13).
جزء : 23 رقم الصفحة : 234
أما قوله تعالى : {إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ} (الحج : 38) فالمعنى أنه سبحانه جعل العلة في أنه يدافع / عن الذين آمنوا أن الله لا يحب صدهم ، وهو الخوان الكفور أي خوان في أمانة الله كفور لنعمته ونظيره قوله : {لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَـانَـاتِكُمْ} (الأنفال : 27) قال مقاتل أقروا بالصانع وعبدوا غيره فأي خيانة أعظم من هذه ؟
أما قوله تعالى : {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَـاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ أهل المدينة والبصرة وعاصم في رواية حفص {أَذِنَ} بضم الألف والباقون بفتحها أي أذن الله لهم في القتال ، وقرأ أهل المدينة وعاصم {يَقْتُلُونَ} بنصب التاء ، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي {أَذِنَ} بنصب الف بكسر التاء. قال الفراء والزجاج : يعني أذن الله للذين يحرصون على قتال المشركين في المستقبل/ ومن قرأ بفتح التاء فالتقدير أذن للذين يقاتلون في القتال.
المسألة الثانية : في الآية محذوف والتقدير أذن للذين يقاتلون في القتال فحذف المأذون فيه لدلالة يقاتلون عليه.
أما قوله : {يُقَـاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا } فالمراد أنهم أذنوا في القتال بسبب كونهم مظلومين وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم كان مشركوا مكة يؤذونهم أذى شديداً وكانوا يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلّم من بين مضروب ومشجوج يتظلمون إليه فيقول لهم اصبروا فإني لم أومر بقتال حتى هاجر فأنزل الله تعالى هذه الآية وهي أول آية أذن فيها بالقتال بعد ما نهى عنه في نيف وسبعين آية ، وقيل نزلت في قوم خرجوا مهاجرين فاعترضهم مشركوا مكة فأذن في مقاتلتهم.
أما قوله : {وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} فذلك وعد منه تعالى بنصرهم كما يقول المرء لغيره إن أطعتني فأنا قادر على مجازاتك لا يعني بذلك القدرة بل يريد أنه سيفعل ذلك.
(1/3206)

أما قوله تعالى : {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَـارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ} فاعلم أنه تعالى لما بين أنهم إنما أذنوا في القتال لأجل أنهم ظلموا فبين ذلك الظلم بقوله : {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَـارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّه } فبين تعالى ظلمهم لهم بهذين الوجهين : أحدهما : أنهم أخرجوهم من ديارهم والثاني : أنهم أخرجوهم بسبب أنهم قالوا : {رَبُّنَا اللَّهُ} وكل واحد من الوجهين عظيم في الظلم ، فإن قيل كيف استثنى من غير حق قولهم : {رَبُّنَا اللَّهُ} وهو من الحق ؟
قلنا تقدير الكلام أنهم أخرجوا بغير موجب سوى التوحيد الذي ينبغي أن يكون موجب الإقرار والتمكين لا موجب الإخراج والتسيير ، ومثله {هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلا أَنْ ءَامَنَّا بِاللَّهِ} ثم بين سبحانه بقوله : {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ} أن عادته جل جلاله أن يحفظ دينه بهذا الأمر قرأ نافع {لَّهُدِّمَتْ} بالتخفيف وقرأ الباقون بالتشديد وههنا سؤالات :
جزء : 23 رقم الصفحة : 234
السؤال الأول : ما المراد بهذا الدفاع الذي أضافه إلى نفسه ؟
الجواب : هو إذنه لأهل دينه بمجاهدة الكفار فكأنه قال تعالى : ولولا دفاع الله أهل الشرك بالمؤمنين ، من حيث يأذن لهم في جهادهم وينصرهم على أعدائهم لاستولى أهل الشرك على أهل الأديان وعطلوا ما يبنونه من / مواضع العبادة ، ولكنه دفع عن هؤلاء بأن أمر بقتال أعداء الدين ليتفرغ أهل الدين للعبادة وبناء البيوت لها ، ولهذا المعنى ذكر الصوامع والبيع والصلوات وإن كانت لغير أهل الإسلام ، وذكر المفسرون وجوهاً أخر : أحدها : قال الكلبي يدفع الله بالنبيين عن المؤمنين وبالمجاهدين عن القاعدين عن الجهاد وثانيها : روى أبو الجوزاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال يدفع الله بالمحسن عن المسيء ، وبالذي يصلي عن الذي لا يصلي ، وبالذي يتصدق عن الذي لا يتصدق وبالذي يحج عن الذي لا يحج ، وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلّم : "إن الله يدفع بالمسلم الصالح عن مائة من أهل بيته ومن جيرانه" ثم تلا هذه الآية وثالثها : قال الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما يدفع بدين الإسلام وبأهله عن أهل الذمة ورابعها : قال مجاهد يدفع عن الحقوق بالشهود وعن النفوس بالقصاص.
السؤال الثاني : لماذا جمع الله بين مواضع عبادات اليهود والنصارى وبين مواضع عبادة المسلمين ؟
الجواب : لأجل ما سألت عنه اختلفوا على وجوه : أحدها : قال الحسن المراد بهذه المواضع أجمع مواضع المؤمنين ، وإن اختلفت العبارات عنها وثانيها : قول الزجاج ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدم في شرع كل نبي المكان الذي يصلي فيه ، فلولا ذلك الدفع لهدم في زمن موسى الكنائس التي كانوا يصلون فيها في شرعه/ وفي زمن عيسى الصوامع ، وفي زمن نبينا محمد صلى الله عليه وسلّم المساجد فعلى هذا إنما دفع عنهم حين كانوا على الحق قبل التحريف وقبل النسخ وثالثها : بل المراد لهدمت هذه الصوامع في أيام الرسول صلى الله عليه وسلّم لأنها على كل حال يجري فيها ذكر الله تعالى فليست بمنزلة عبادة الأوثان.
السؤال الثالث : ما الصوامع والبيع والصلوات والمساجد ؟
الجواب : ذكروا فيها وجوهاً : أحدها : الصوامع للنصارى والبيع لليهود والصلوات للصابئين والمساجد للمسلمين عن أبي العالية رضي الله عنه وثانيها : الصوامع للنصارى وهي التي بنوها في الصحارى والبيع لهم أيضاً وهي التي يبنونها في البلد والصلوات لليهود ، قال الزجاج وهي بالعبرانية صلوتاً وثالثها : الصوامع للصابئين والبيع للنصارى والصلوات لليهود عن قتادة ورابعها : أنها بأسرها أسماء المساجد عن الحسن ، أما الصوامع فلأن المسلمين قد يتخذون الصوامع ، وأما البيع فأطلق هذا الاسم على المساجد على سبيل التشبيه ، وأما الصلوات فالمعنى أنه لولا ذلك الدفع لانقطعت الصلوات ولخربت المساجد.
جزء : 23 رقم الصفحة : 234
السؤال الرابع : الصلوات كيف تهدم خصوصاً على تأويل من تأوله على صلاة المسلمين ؟
الجواب : من وجوه : أحدها : المراد بهدم الصلاة إبطالها وإهلاك من يفعلها كقولهم هدم فلان إحسان فلان إذا قابله بالكفر دون الشكر وثانيها : بل المراد مكان الصلوات لأنه الذي يصح هدمه كقوله : {وَسْـاَلِ الْقَرْيَةَ} (يوسف : 82) أي أهلها وثالثها : لما كان الأغلب فيما ذكر ما يصح أن / أن يهدم جاز ضم ما لا يصح أن يهدم إليه ، كقولهم متقلداً سيفاً ورمحاً ، وإن كان الرمح لا يتقلد.
السؤال الخامس : قوله : {يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا } مختص بالمساجد أو عائد إلى الكل ؟
الجواب : قال الكلبي ومقاتل عائد إلى الكل لأن الله تعالى يذكر في هذه المواضع كثيراً ، والأقرب أنه مختص بالمساجد تشريفاً لها بأن ذكر الله يحصل فيها كثيراً.
(1/3207)

السؤال السادس : لم قدم الصوامع والبيع في الذكر على المساجد ؟
الجواب : لأنها أقدم في الوجود ، وقيل أخرها في الذكر كما في قوله : {وَمِنْهُمْ سَابِقُا بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّه } (فاطر : 32) ولأن أول الفكر آخر العمل ، فلما كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم خير الرسل وأمته خير الأمم لا جرم كانوا آخرهم ولذلك قال عليه السلام : "نحن الآخرون السابقون".
جزء : 23 رقم الصفحة : 234
أما قوله تعالى : {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُه ا } فقال بعضهم من ينصره بتلقى الجهاد بالقبول نصرة لدين الله تعالى ، وقال آخرون : بل المراد من يقوم بسائر دينه ، وإنما قالوا ذلك لأن نصرة الله على الحقيقة لا تصح ، وإنما المراد من نصرة الله نصرة دينه كما يقال في ولاية الله وعداوته مثل ذلك وفي قوله : {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُه ا } وعد بالنصر لمن هذه حاله ونصر الله تعالى للعبد أن يقويه على أعدائه حتى يكون هو الظافر ويكون قائماً بإيضاح الأدلة والبينات ، وبكون بالإعانة على المعارف والطاعات ، وفيه ترغيب في الجهاد من حيث وعدهم النصر ، ثم بين تعالى أنه قوي على هذه النصرة التي وعدها المؤمنين ، وأنه لا يجوز عليه المنع وهو معنى قوله {عَزِيزٌ} لأن العزيز هو الذي لا يضام ولا يمنع مما يريده. ثم إنه سبحانه وتعالى وصف الذين أذن لهم في القتال في الآية الأولى فقال : {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّـاهُمْ فِى الارْضِ} والمراد من هذا التمكن السلطنة ونفاذ القول على الخلق لأن المتبادر إلى الفهم من قوله : {مَّكَّنَّـاهُمْ فِى الارْضِ} ليس إلا هذا ، ولأنا لو حلمناه على أصل القدرة لكان كل العباد كذلك وحينئذ يبطل ترتب الأمور الأربعة المذكورة عليه في معرض الجزاء/ لأنه ليس كل من كان قادراً على الفعل أتى بهذه الأشياء. إذا ثبت هذا فنقول : المراد بذلك هم المهاجرون لأن قوله : {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّـاهُمْ} صفة لمن تقدم وهو قوله : {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَـارِهِم} والأنصار ما أخرجوا من ديارهم فيصير معنى الآية أن الله تعالى وصف المهاجرين بأنه إن مكنهم من الأرض وأعطاهم السلطنة ، فإنهم أتوا بالأمور الأربعة ، وهي إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، لكن قد ثبت أن الله تعالى مكن الأئمة الأربعة من الأرض وأعطاهم السلطنة عليها فوجب كونهم آتين بهذه الأمور الأربعة. وإذا كانوا آمرين بكل معروف وناهين عن كل منكر وجب أن يكونوا على الحق ، فمن هذا الوجه دلت هذه الآية على إمامة الأربعة. ولا يجوز حمل الآية على علي عليه السلام وحده لأن الآية دالة على الجمع ، وفي قوله : {وَلِلَّهِ عَـاقِبَةُ الامُورِ} دلالة على أن الذي تقدم ذكره من سلطنتهم وملكهم كائن لا محالة. ثم إن الأمور ترجع إلى الله تعالى بالعاقبة فإنه سبحانه هو الذي / لا يزول ملكه أبداً وهو أيضاً يؤكد ما قلناه.
جزء : 23 رقم الصفحة : 234
234
اعلم أنه تعالى لما بين فيما تقدم إخراج الكفار المؤمنين من ديارهم بغير حق ، وأذن في مقاتلتهم وضمن للرسول والمؤمنين النصرة وبين أن لله عاقبة الأمور ، أردفه بما يجري مجرى التسلية للرسول صلى الله عليه وسلّم في الصبر على ما هم عليه من أذيته وأذية المؤمنين بالتكذيب وغيره ، فقال : وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم سائر الأمم أنبياءهم ، وذكر الله سبعة منهم. فإن قيل : ولم قال : {وَكُذِّبَ مُوسَى } ولم يقل قوم موسى ؟
فالجواب : من وجهين : الأول : أن موسى عليه السلام ما كذبه قومه بنوا إسرائيل وإنما كذبه غير قومه وهم القبط الثاني : كأنه قيل بعد ما ذكر تكذيب كل قوم رسوله ، وكذب موسى أيضاً مع وضوح آياته وعظم معجزاته فما ظنك بغيره.
أما قوله تعالى : {فَأَمْلَيْتُ لِلْكَـافِرِينَ} يعني أمهلتهم إلى الوقت المعلوم عندي ثم أخذتهم بالعقوبة {فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} استفهام تقرير (ي) ، أي فكيف كان إنكاري عليهم بالعذاب ، أليس كان واقعاً / قطعاً ؟
ألم أبدلهم بالنعمة نقمة وبالكثرة قلة وبالحياة موتاً وبالعمارة خراباً ؟
ألست أعطيت الأنبياء جميع ما وعدتهم من النصرة على أعدائهم والتمكين لهم في الأرض. فينبغي أن تكون عادتك يا محمد الصبر عليهم ، فإنه تعالى إنما يمهل للمصلحة فلا بد من الرضاء والتسليم ، وإن شق ذلك على القلب. واعلم أن بدون ذلك يحصل التسلية لمن حاله دون حال الرسول عليه السلام ، فكيف بذلك مع منزلته ، لكنه في كل وقت يصل إليه من جهتهم ما يزيده غماً ، فأجرى الله عادته بأن يصبره حالاً بعد حال ، وقد تقدم ذكر هؤلاء المكذبين وبأي جنس من عذاب الاستئصال هلكوا.
جزء : 23 رقم الصفحة : 234
(1/3208)

وههنا بحث ، وهو أن هذه الآية تدل على أنه سبحانه يفعل به وبقومه كل ما فعل بهم وبقومهم إلا عذاب الاستئصال فإنه لا يفعله بقوم محمد صلى الله عليه وسلّم وإن كان قد مكنهم من قتل أعدائهم وثبتهم. قال الحسن : السبب في تأخر عذاب الاستئصال عن هذه الأمة أن ذلك العذاب مشروط بأمرين : أحدهما : أن عند الله حد(اً) من الكفر من بلغه عذبه ومن لم يبلغه لم يعذبه والثاني : أن الله لا يعذب قوماً حتى يعلم أن أحداً منهم لا يؤمن ، فأما إذا حصل الشرطان وهو أن يبلغوا ذلك الحد من الكفر وعلم الله أن أحداً منهم لا يؤمن ، فحينئذ يأمر الأنبياء فيدعون على أممهم فيستجيب الله دعاءهم فيعذبهم بعذاب الاستئصال وهو المراد من قوله : {حَتَّى ا إِذَا اسْتَيْـاَسَ الرُّسُلُ} (يوسف : 110) أي من إجابة القوم ، وقوله لنوح : {وَأُوحِىَ إِلَى نُوحٍ أَنَّه لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلا} (هود : 36) وإذا عذبهم الله تعالى فإنه ينجي المؤمنين لقوله : {فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا} (هود : 66) أي بالعذاب نجينا هوداً ، واعلم أن الكلام في هذه المسألة قد تقدم فلا فائدة في الإعادة ، فإن قيل كيف يوصف ما ينزله بالكفار من الهلاك بالعذاب المعجل بأنه نكير ؟
قلنا إذا كان رادعاً لغيره وصادعاً له عن مثل ما أوجب ذلك صار نكيراً.
أما قوله : {فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـاهَا} ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قال بعضهم : المراد من قوله : {فَكَأَيِّن} فكم على وجه التكثير ، وقيل أيضاً معناه ، ورب قرية والأول أولى لأنه أوكد في الزجر ، فكأنه تعالى لما بين حال قوم من المكذبين وأنه عجل إهلاكهم أتبعه بما دل على أن لذلك أمثالاً وإن لم يذكر مفصلاً.
المسألة الثانية : قرأ ابن كثير وأهل الكوفة والمدينة {أَهْلَكْنَـاهَآ } بالنون ، وقرأ أبو عمرو ويعقوب وهو اختيار أبي عبيد لقوله في الآية الأولى {مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَـافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ } .
المسألة الثالثة : قوله : {أَهْلَكْنَـاهَآ } أي أهلها ودل بقوله وهي ظالمة على ما ذكرنا ، ويحتمل أن يكون المراد إهلاك نفس القرية ، فيدخل تحت إهلاكها إهلاك من فيها لأن العذاب النازل إذا بلغ أن يهلك القرية فتصير منهدمة حصل بهلاكها هلاك من فيها وإن كان الأول أقرب.
جزء : 23 رقم الصفحة : 234
أما قوله وهي : {خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا} ففيه سؤالان :
السؤال الأول : ما معنى هذه اللفظة ؟
فقال صاحب الكشاف : كل مرتفع أظلك من سقف بيت أو خيمة أو ظلة فهو عرش ، والخاوي الساقط من خوى النجم إذا سقط أو الخالي من / خوى المنزل إذا خلا من أهله ، فإن فسرنا الخاوي بالساقط ، كان المعنى أنها ساقطة على سقوفها ، أي خرت سقوفها على الأرض ، ثم تهدمت حيطانها فسقطت فوق السقوف ، وإن فسرناه بالخالي كان المعنى أنها خالية عن الناس مع بقاء عروشها وسلامتها ، قال ويمكن أن يكون خبراً بعد خبر ، كأنه قيل هي خاوية وهي على عروشها ، بمعنى أن السقوف سقطت على الأرض فصارت في قرار الحيطان وبقيت الحيطان قائمة فهي مشرفة على السقوف الساقطة ، وبالجملة فالآية دالة على أنها بقيت محلاً للاعتبار.
السؤال الثاني : ما محل هاتين الجملتين من الإعراب. أعني {وَهِىَ ظَالِمَةٌ فَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا} الجواب : الأولى : في محل النصب على الحال والثانية : لا محل لها لأنها معطوفة على أهلكناها وهذا الفعل ليس له محل. قال أبو مسلم : المعنى فكأين من قرية أهلكناها وهي كانت ظالمة وهي الآن خاوية.
أما قوله : {وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ} ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ الحسن {مُّعَطَّلَةٍ} من أعطله بمعنى معطلة ومعنى المعطلة أنها عامرة فيها الماء ويمكن الاستقاء منها إلا أنها عطلت أي تركت لا يستقي منها لهلاك أهلها وفي المشيد قولان : أحدهما : أنه المجصص لأن الجص بالمدينة يسمى الشيد والثاني : أنه المرفوع المطول ، والمعنى أنه تعالى بين أن القرية مع تكلف بنائهم لها واغتباطهم بها جعلت لأجل كفرهم بهذا الوصف ، وكذلك البئر التي كلفوها وصارت شربهم صارت معطلة بلا شارب ولا وارد ، والقصر الذي أحكموه بالجص وطولوه صار ظاهراً خالياً بلا ساكن ، وجعل ذلك تعالى عبرة لمن اعتبر وتدبر. وفيه دلالة على أن تفسير على بمع أولى لأن التقدير وهي خاوية مع عروشها ومعلوم أنها إذا كانت كذلك كانت أدخل في الاعتبار وهو كقوله تعالى : {وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ} (الصافات : 137) والله أعلم بالصواب.
(1/3209)

المسألة الثانية : روى أبو هريرة رضي الله عنه أن هذه البئر نزل عليها صالح مع أربعة آلاف نفر ممن آمن به ، ونجاهم الله تعالى من العذاب وهم بحضرموت ، وإنما سميت بذلك لأن صالحاً حين حضرها مات ثم ، وثم بلدة عند البئر اسمها حاضوراً بناها قوم صالح ، وأمروا عليها حاسر بن جلاس وجعلوا وزيره سنجاريب وأقاموا بها زماناً ثم كفروا وعبدوا صنماً ، وأرسل الله تعالى إليهم حنظلة بن صفوان فقتلوه في السوق فأهلكهم الله تعالى ، وعطل بئرهم وخرب قصورهم/ قال الإمام أبو القاسم الإنصاري ، وهذا عجيب لأني زرت قبر صالح بالشام ببلدة يقال لها عكة فكيف يقال إنه بحضرموت.
جزء : 23 رقم الصفحة : 234
أما قوله تعالى : {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِى الارْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَآ أَوْ ءَاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا } فالمقصود منه ذكر ما يتكامل به ذلك الاعتبار لأن الرؤية لها حظ عظيم في الاعتبار وكذلك / استماع الأخبار فيه مدخل ، ولكن لا يكمل هذان الأمران إلا بتدبر القلب لأن من عاين وسمع ثم لم يتدبر ولم يعتبر لم ينتفع ألبتة ولو تفكر فيها سمع لانتفع ، فلهذا قال : {فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الابْصَـارُ وَلَـاكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِى فِى الصُّدُورِ} كأنه قال لا عمى في أبصارهم فإنهم يرون بها لكن العمى في قلوبهم حيث لم ينتفعوا بما أبصروه ، وههنا سؤالات :
السؤال الأول : قوله : {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِى الارْضِ} هل يدل على الأمر بالسفر الجواب : يحتمل أنهم ما سافروا فحثهم على السفر ليروا مصارع من أهلكهم الله بكفرهم ويشاهدوا آثارهم فيعتبروا ، ويحتمل أن يكونوا قد سافروا ورأوا ذلك ولكن لم يعتبروا فجعلوا كأن لم يسافروا ولم يروا.
السؤال الثاني : ما معنى الضمير في قوله : {فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الابْصَـارُ} والجواب : هذا الضمير ضمير القصة والشأن يجيء مؤنثاً ومذكراً وفي قراءة ابن مسعود {فَإِنَّه } ويجوز أن يكون ضميراً مبهماً يفسره الأبصار.
السؤال الثالث : أي فائدة في ذكر الصدور مع أن كل أحد يعلم أن القلب لا يكون إلا في الصدر ؟
الجواب : أن المتعارف أن العمى مكانه الحدقة ، فلما أريد إثباته للقلب على خلاف المتعارف احتيج إلى زيادة بيان كما تقول : ليس المضاء للسيف ولكنه للسانك الذي بين فكيك ، فقولك الذي بين فكيك تقرير لما ادعيته للسان وتثبيت ، لأن محل المضاء هو هو لا غير ، وكأنك قلت ما نفيت المضاء عن السيف وأثبته للسانك سهواً ، ولكني تعمدته على اليقين. وعندي فيه وجه آخر وهو أن القلب قد يجعل كناية عن الخاطر والتدبر كقوله تعالى : {إِنَّ فِى ذَالِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَه قَلْبٌ} (ق : 37) وعند قوم أن محل التفكر هو الدماغ فالله تعالى بين أن محل ذلك هو الصدر.
السؤال الرابع : هل تدل الآية على أن العقل هو العلم وعلى أن محل العلم هو القلب ؟
الجواب : نعم لأن المقصود من قوله : {قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَآ} العلم وقوله : {يَعْقِلُونَ بِهَآ} كالدلالة على أن القلب آلة لهذا التعقل ، فوجب جعل القلب محلاً للتعقل ويسمى الجهل بالعمى لأن الجاهل لكونه متحيراً بشبه الأعمى.
جزء : 23 رقم الصفحة : 234
235
/ اعلم أنه تعالى لما حكى من عظم ما هم عليه من التكذيب أنهم يستهزئون باستعجال العذاب فقال : {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ} وفي ذلك دلالة على أنه عليه السلام كان يخوفهم بالعذاب إن استمروا على كفرهم ولأن قولهم : {لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِ الملائكة } يدل على ذلك فقال تعالى : {وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَه } لأن الوعد بالعذاب إذا كان في الآخرة دون الدنيا فاستعجاله يكون كالخلف ثم بين أن العاقل لا ينبغي أن يستعجل عذاب الآخرة فقال : {وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ} يعني فيما ينالهم من العذاب وشدته {كَأَلْفِ سَنَةٍ} لو بقي وعذب في كثرة الآلام وشدتها فبين سبحانه أنهم لو عرفوا حال عذاب الآخرة وأنه بهذا الوصف لما استعجلوه ، وهذا قول أبي مسلم وهو أولى الوجوه : الوجه الثاني : أن المراد طول أيام الآخرة في المحاسبة ويرجع معناه إلى قريب مما تقدم ، وذلك أن الأيام القصيرة إذا مرت في الشدة كانت مستطيلة فكيف تكون الأيام المستطيلة إذا مرت في الشدة. ثم إن العذاب الذي يكون طول أيامها إلى هذا الحد لا ينبغي للعاقل أن يستعجله والوجه الثالث : أن اليوم الواحد وألف سنة بالنسبة إليه على السواء لأنه القادر الذي لا يعجزه شيء ، فإذا لم يستبعدوا إمهال يوم فلا يستبعدوا أيضاً إمهال ألف سنة.
(1/3210)

أما قوله : {وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِىَ ظَالِمَةٌ} فالمراد وكم من قرية أخرت إهلاكهم مع استمرارهم على ظلمهم فاغتروا بذلك التأخير ثم أخذتهم بأن أنزلت العذاب بهم ، ومع ذلك فعذابهم مدخر إذا صاروا إلي وهو تفسير قوله : {وَإِلَىَّ الْمَصِيرُ} فإن قيل فلم قال فيما قبل {فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـاهَا وَهِىَ ظَالِمَةٌ} (الحج : 45) وقال ههنا : {وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا} الأولى بالفاء وهذه بالواو ؟
قلنا : الأولى وقعت بدلاً عن قوله : {فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} (الحج : 44) وأما هذه فحكمها حكم ما تقدمها من الجملتين المعطوفتين بالواو ، أعني قوله : {وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَه ا وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} .
جزء : 23 رقم الصفحة : 235
أما قوله : {قُلْ يَـا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَآ أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} فالمعنى أنه تعالى أمر رسوله بأن يديم لهم التخويف والإنذار ، وأن لا يصده ما يكون منهم من الاستعجال للعذاب على سبيل الهزؤ عن إدامة التخويف والإنذار ، وأن يقول لهم إنما بعثت للإنذار فاستهزاؤكم بذلك لا يمنعني منه.
جزء : 23 رقم الصفحة : 235
242
اعلم أنه تعالى لما بين للرسول صلى الله عليه وسلّم أنه يجب أن يقول لهم أنا نذير مبين أردف ذلك بأن أمره بوعدهم ووعيدهم ، لأن الرجل إنما يكون منذراً بذكر الوعد للمطيعين / والوعيد للعاصين. فقال والذين آمنوا وعملوا الصالحات فجمع بين الوصفين وهذا دليل على أن العمل الصالح خارج عن مسمى الإيمان وبه يبطل قول المعتزلة ويدخل في الإيمان كل ما يجب من الاعتقاد بالقلب والإقرار باللسان ، ويدخل في العمل الصالح أداء كل واجب وترك كل محظور ، ثم بين سبحانه أن من جمع بينهما فالله تعالى يجمع له بين المغفرة والرزق الكريم. أما المغفرة فإما أن تكون عبارة عن غفران الصغائر ، أو عن غفران الكبائر بعد التوبة ، أو عن غفرانها قبل التوبة ، والأولان واجبان عند الخصم ، وأداء الواجب لا يسمى غفراناً ، فبقي الثالث وهو دلالته على العفو عن أصحاب الكبائر من أهل القبلة. وأما الرزق الكريم فهو إشارة إلى الثواب ، وكرمه يحتمل أن يكون للصفات السلبية ، وهو أن الإنسان هناك يستغني عن المكاسب وتحمل المشاق والذل فيها وارتكاب المآثم والدناءة بسببها ، وأن يكون للصفات الثبوتية ، وهو أن يكون رزقاً كثيراً دائماً خالصاً عن شوائب الضرر ، مقروناً بالتعظيم والتبجيل. والأولى جعل الكريم دالاً على كل هذه الصفات ، فهذا شرح حال المؤمنين. وأما حال الكفار فقال : {وَالَّذِينَ سَعَوْا فِى ءَايَـاتِنَا مُعَـاجِزِينَ} والمراد اجتهدوا في ردها والتكذيب بها حيث سموها سحراً وشعراً وأساطير الأولين ، ويقال لمن بذل جهده في أمر : إنه سعى فيه توسعاً من حيث بلغ في بذل الجهد النهاية ، كما إذا بلغ الماشي نهاية طاقته فيقال له سعى ، وذكر الآيات وأراد التكذيب بها مجازاً. قال صاحب "الكشاف" : يقال سعى في أمر فلان إذا أصلحه أو أفسده بسعيه ، أما المعاجز فيقال عاجزته ، أي طمعت في إعجازه ، واختلفوا في المراد ، هل معاجزين لله أو للرسول وللمؤمنين ، والأقرب هو الثاني لأنهم إن أنكروا الله استحال منهم أن يطمعوا في إعجازه وإن أثبتوه فيبعد أن يعتقدوا أنهم يعجزونه ويغلبونه ، ويصح منهم أن يظنوا ذلك في الرسول بالحيل والمكايد. أما الذين قالوا المراد معاجزين لله ، فقد ذكروا وجوهاً : أحدها : المراد بمعاجزين مغالبين مفوتين لربهم من عذابهم وحسابهم حيث جحدوا البعث وثانيها : أنهم يثبطون غيرهم عن التصديق بالله ويثبطونهم بسبب الترغيب والترهيب وثالثها : يعجزون الله بإدخال الشبه في قلوب الناس والجواب : عن الأول أن من جحد أصل الشيء لا يوصف بأنه مغالب لمن يفعل ذلك الشيء ، ومن تأول الآية على ذلك فيجب أن يكون مراده أنهم ظنوا مغالبة الرسول صلى الله عليه وسلّم فيما كان يقوله من أمر الحشر والنشر والجواب : عن الثاني والثالث أن المغالبة في الحقيقة ترجع إلى الرسول والأمة ، لا إلى الله تعالى.
جزء : 23 رقم الصفحة : 242
أما قوله تعالى : { أولئك أَصْحَـابُ الْجَحِيمِ} فالمراد أنهم يدومون فيها وشبههم من حيث الدوام بالصاحب ، فإن قيل إنه عليه السلام في هذه الآية بشر المؤمنين أولاً وأنذر الكافرين ثانياً ، فكان القياس أن يقال : قل يا أيها الناس إنما أنا لكم بشير ونذير ، قلنا الكلام مسوق إلى المشركين ، ويا أيها الناس نداء لهم ، وهم الذين قيل فيهم {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِى الارْضِ} (الحج : 46) ووصفوا بالاستعجال وإنما ألقى ذكر المؤمنين وثوابهم في البين زيادة لغيظهم وإيذائهم.
جزء : 23 رقم الصفحة : 242
246
(1/3211)

/ أما قوله تعالى : {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلا نُوحِى إِلَيْهِ أَنَّه لا إِلَـاهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ} ففيه مسائل :
المسألة الأولى : من الناس من قال : الرسول هو الذي حدث وأرسل ، والنبي هو الذي لم / يرسل ولكنه ألهم أو رأى في النوم ، ومن الناس من قال : إن كل رسول نبي ، وليس كل نبي يكون رسولاً ، وهو قول الكلبي والفراء. وقالت المعتزلة كل رسول نبي ، وكل نبي رسول ، ولا فرق بينهما ، واحتجوا على فساد القول الأول بوجوه : أحدها : هذه الآية فإنها دالة على أن النبي قد يكون مرسلاً ، وكذا قوله تعالى : {وَمَآ أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّبِىٍّ} (الأعراف : 94) ، وثانيها : أن الله تعالى خاطب محمداً مرة بالنبي ومرة بالرسول ، فدل على أنه لا منافاة بين الأمرين ، وعلى القول الأول المنافاة حاصلة وثالثها : أنه تعالى نص على أنه خاتم النبيين ورابعها : أن اشتقاق لفظ النبي إما من النبأ وهو الخبر ، أو من قولهم نبأ إذا ارتفع ، والمعنيان لا يحصلان إلا بقبول الرسالة. أما القول الثاني : فاعلم أن شيئاً من تلك الوجوه لا يبطله ، بل هذه الآية دالة عليه لأنه عطف النبي على الرسول ، وذلك يوجب المغايرة وهو من باب عطف العام على الخاص. وقال في موضع آخر {وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِيٍّ فِى الاوَّلِينَ} (الزخرف : 6) وذلك يدل على أنه كان نبياً ، فجعله الله مرسلاً وهو يدل على قولنا : "وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلّم كم المرسلون ؟
فقال ثلثمائة وثلاثة عشرة ، فقيل وكم الأنبياء ؟
فقال مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً الجم الغفير" إذا ثبت هذا فنقول : ذكروا في الفرق بين الرسول والنبي أموراً : أحدها : أن الرسول من الأنبياء من جمع إلى المعجزة الكتاب المنزل عليه ، والنبي غير الرسول من لم ينزل عليه كتاب ، وإنما أمر أن يدعو إلى كتاب من قبله والثاني : أن من كان صاحب المعجزة وصاحب الكتاب ونسخ شرع من قبله فهو الرسول ، ومن لم يكن مستجمعاً لهذه الخصال فهو النبي غير الرسول ، وهؤلاء يلزمهم أن لا يجعلوا إسحق ويعقوب وأيوب ويونس وهرون وداود وسليمان رسلاً لأنهم ما جاءوا بكتاب ناسخ والثالث : أن من جاءه الملك ظاهراً وأمره بدعوة الخلق فهو الرسول ، ومن لم يكن كذلك بل رأى في النوم كونه رسولاً ، أو أخبره أحد من الرسال بأنه رسول الله ، فهو النبي الذي لا يكون رسولاً وهذا هو الأولى.
جزء : 23 رقم الصفحة : 246
المسألة الثانية : ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآية أن الرسول صلى الله عليه وسلّم لما رأى إعراض قومه عنه وشق عليه ما رأى من مباعدتهم عما جاءهم به تمنى في نفسه أن يأتيهم من الله ما يقارب بينه وبين قومه وذلك لحرصه على إيمانهم فجلس ذات يوم في ناد من أندية قريش كثير أهله وأحب يومئذ أن لا يأتيه من الله شيء ينفروا عنه وتمنى ذلك فأنزل الله تعالى سورة {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى } (النجم : 1) فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلّم حتى بلغ قوله {أَفَرَءَيْتُمُ اللَّـاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَواةَ الثَّالِثَةَ الاخْرَى } (النجم : 19 ، 20) ألقى الشيطان على لسانه "تلك العرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى" فلما سمعت قريش ذلك فرحوا ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلّم في قراءته فقرأ السورة كلها فسجد وسجد المسلمون لسجوده وسجد جميع من في المسجد من المشركين فلم يبق في المسجد مؤمن ولا كافر إلا سجد سوى الوليد بن المغيرة وأبي أحيحة سعيد بن العاصي فإنهما أخذا حفنة من التراب من البطحاء ورفعاها إلى / جبهتيهما وسجدا عليها لأنهما كانا شيخين كبيرين فلم يستطيعا السجود وتفرقت قريش وقد سرهم ما سمعوا وقالوا قد ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر فلما أمسى رسول الله صلى الله عليه وسلّم أتاه جبريل عليه السلام فقال ماذا صنعت تلوت على الناس ما لم آتك به عن الله وقلت ما لم أقل لك ؟
فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلّم حزناً شديداً وخاف من الله خوفاً عظيماً حتى نزل قوله تعالى : {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلا نُوحِى إِلَيْهِ أَنَّه لا إِلَـاهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ} الآية. هذا رواية عامة المفسرين الظاهريين ، أما أهل التحقيق فقد قالوا هذه الرواية باطلة موضوعة واحتجوا عليه بالقرآن والسنة والمعقول. أما القرآن فوجوه : أحدها : قوله تعالى : {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الاقَاوِيلِ * لاخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ} (الحاقة : 44 ـ 46) ، وثانيها : قوله : {بَدِّلْه قُلْ مَا يَكُونُ لِى أَنْ أُبَدِّلَه مِن تِلْقَآى ِ نَفْسِى ا إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى ا إِلَىَّ } (يونس : 15) وثالثها : قوله : {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلا وَحْىٌ يُوحَى }
جزء : 23 رقم الصفحة : 246
(1/3212)

فلو أنه قرأ عقيب هذه الآية تلك الغرانيق العلي لكان قد ظهر كذب الله تعالى في الحال وذلك لا يقوله مسلم ورابعها : قوله تعالى : {وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِى أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ لِتَفْتَرِىَ عَلَيْنَا غَيْرَه ا وَإِذًا اتَّخَذُوكَ خَلِيلا} (الإسراء : 73) وكلمة كاد عند بعضهم معناه قرب أن يكون الأمر كذلك مع أنه لم يحصل وخامسها : قوله : {وَلَوْلا أَن ثَبَّتْنَـاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْـاًا قَلِيلا} (الإسراء : 74) وكلمة لولا تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره فدل على أن ذلك الركون القليل لم يحصل وسادسها : قوله : {وَكُلا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنابَآءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِه فُؤَادَكَ } (الفرقان : 32). وسابعها : قوله : {سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى } (الأعلى : 6). وأما السنة فهي ما روي عن محمد بن إسحق بن خزيمة أنه سئل عن هذه القصة فقال هذا وضع من الزنادقة وصنف فيه كتاباً. وقال الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل ثم أخذ يتكلم في أن رواة هذه القصة مطعون فيهم ، وأيضاً فقد روى البخاري في صحيحه أن النبي عليه السلام قرأ سورة النجم وسجد فيها المسلمون والمشركون والإنس والجن وليس فيه حديث الغرانيق. وروي هذا الحديث من طرق كثيرة وليس فيها ألبتة حديث الغرانيق. وأما المعقول فمن وجوه : أحدها : أن من جوز على الرسول صلى الله عليه وسلّم تعظيم الأوثان فقد كفر لأن من المعلوم بالضرورة أن أعظم سعيه كان في نفي الأوثان وثانيها : أنه عليه السلام ما كان يمكنه في أول الأمر أن يصلى ويقرأ القرآن عند الكعبة آمناً أذى المشركين له حتى كانوا ربما مدوا أيديهم إليه وإنما كان يصلي إذا لم يحضروها ليلاً أو في أوقات خلوة وذلك يبطل قولهم وثالثها : أن معاداتهم للرسول كانت أعظم من أن يقروا بهذا القدر من القراءة دون أن يقفوا على حقيقة الأمر فكيف أجمعوا على أنه عظم آلهتهم حتى خروا سجداً مع أنه لم يظهر عندهم موافقته لهم ورابعها : قوله : {فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِى الشَّيْطَـانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ ءَايَـاتِه } وذلك لأن إحكام الآيات بإزالة ما يلقيه الشيطان عن الرسول أقوى من نسخه بهذه الآيات التي تبقى الشبهة معها ، فإذا أراد الله إحكام الآيات لئلا يلتبس ما ليس بقرآن قرآناً ، فبأن يمنع الشيطان من ذلك أصلاً أولى وخامسها : وهو أقوى الوجوه / أنا لو جوزنا ذلك ارتفع الأمان عن شرعه وجوزنا في كل واحد من الأحكام والشرائع أن يكون كذلك ويبطل قوله تعالى : {يَعْمَلُونَ * يَـا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَا وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَه ا وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ } (المائدة : 67) فإنه لا فرق في العقل بين النقصان عن الوحي وبين الزيادة فيه فبهذه الوجوه عرفنا على سبيل الإجمال أن هذه القصة موضوعة أكثر ما في الباب أن جمعاً من المفسرين ذكروها لكنهم ما بلغوا حد التواتر ، وخبر الواحد لا يعارض الدلائل النقلية والعقلية المتواترة ، ولنشرع الآن في التفصيل فنقول التمني جاء في اللغة لأمرين : أحدهما : تمنى القلب والثاني : القراءة قال الله تعالى : {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَـابَ إِلا أَمَانِىَّ} أي إلا قراءة لأن الأمي لا يعلم القرآن من المصحف وإنما يعلمه قراءة ، وقال حسان :
جزء : 23 رقم الصفحة : 246
تمنى كتاب الله أول ليلة
وآخرها لاقى حمام المقادر
(1/3213)

قيل إنما سميت القراءة أمنية لأن القارىء إذا انتهى إلى آية رحمة تمنى حصولها وإذا انتهى إلى آية عذاب تمنى أن لا يبتلى بها ، وقال : أبو مسلم التمني هو التقدير وتمنى هو تفعل من منيت والمنية وفاة الإنسان في الوقت الذي قدره الله تعالى ، ومنى الله لك أي قدر لك. وقال رواة اللغة الأمنية القراءة واحتجوا ببيت حسان ، وذلك راجع إلى الأصل الذي ذكرناه فإن التالي مقدر للحروف ويذكرها شيئاً فشيئاً ، فالحاصل من هذا البحث أن الأمنية ، إما القراءة ، وإما الخاطر ، أما إذا فسرناها بالقراءة ففيه قولان : الأول : أنه تعالى أراد بذلك ما يجوز أن يسهو الرسول صلى الله عليه وسلّم فيه ويشتبه على القارىء دون ما رووه من قوله تلك الغرانيق العلى الثاني : المراد منه وقوع هذه الكلمة في قراءته ثم اختلف القائلون بهذا على وجوه : الأول : أن النبي صلى الله عليه وسلّم لم يتكلم بقوله تلك الغرانيق العلى ولا الشيطان تكلم به ولا أحد تكلم به لكنه عليه السلام لما قرأ سورة النجم اشتبه الأمر على الكفار فحسبوا بعض ألفاظه ما رووه من قولهم تلك الغرانيق العلى وذلك على حسب ما جرت العادة به من توهم بعض الكلمات على غير ما يقال وهذا الوجه ذهب إليه جماعة وهو ضعيف لوجوه : أحدها : أن التوهم في مثل ذلك إنما يصح فيما قد جرت العادة بسماعه فأما غير المسموع فلا يقع ذلك فيه وثانيها : أنه لو كان كذلك لوقع هذا التوهم لبعض السامعين دون البعض فإن العادة مانعة من اتفاق الجم العظيم في الساعة الواحدة على خيال واحد فاسد في المحسوسات وثالثها : لو كان كذلك لم يكن مضافاً إلى الشيطان الوجه الثاني : قالوا إن ذلك الكلام كلام شيطان الجن وذلك بأن تلفظ بكلام من تلقاء نفسه أوقعه في درج تلك التلاوة في بعض وقفاته ليظن أنه من جنس الكلام المسموع من الرسول صلى الله عليه وسلّم قالوا والذي يؤكده أنه لا خلاف في أن الجن والشياطين متكلمون فلا يمتنع أن يأتي الشيطان بصوت مثل صوت الرسول عليه السلام فيتكلم بهذه الكلمات في أثناء كلام الرسول عليه السلام وعند سكوته فإذا سمع الحاضرون تلك الكلمة بصوت مثل صوت الرسول وما رأوا شخصاً آخر ظن الحاضرون أنه كلام / الرسول/ ثم هذا لا يكون قادحاً في النبوة لما لم يكن فعلاً له ، وهذا أيضاً ضعيف فإنك إذا جوزت أن يتكلم في أثناء الشيطان كلام الرسول صلى الله عليه وسلّم بما يشتبه على كل السامعين كونه كلاماً للرسول بقي هذا الاحتمال في كل ما يتكلم به الرسول فيفضي إلى ارتفاع الوثوق عن كل الشرع فإن قيل هذا الاحتمال قائم في الكل ولكنه لو وقع لوجب في حكمة الله تعالى أن يشرح الحال فيه كما في هذه الواقعة إزالة للتلبيس ، قلنا لا يجب على الله إزالة الاحتمالات كما في المتشابهات وإذا لم يجب على الله ذلك تمكن الاحتمال من الكل الوجه الثالث : أن يقال المتكلم بذلك بعض شياطين الإنس وهم الكفرة فإنه عليه السلام لما انتهى في قراءة هذه السورة إلى هذا الموضع وذكر أسماء آلهتهم وقد علموا من عادته أنه يعيبها فقال بعض من حضر تلك الغرانيق العلى فاشتبه الأمر على القوم لكثرة لغط القوم وكثرة صياحهم وطلبهم تغليطه وإخفاء قراءته ، ولعل ذلك كان في صلاته لأنهم كانوا يقربون منه في حال صلاته ويسمعون قراءته ويلغون فيها ، وقيل إنه عليه السلام كان إذا تلا القرآن على قريش توقف في فصول الآيات فألقى بعض الحاضرين ذلك الكلام في تلك الوقفات فتوهم القوم أنه من قراءة الرسول صلى الله عليه وسلّم ثم أضاف الله تعالى ذلك إلى الشيطان لأنه بوسوسته يحصل أولاً ولأنه سبحانه جعل ذلك المتكلم في نفسه شيطاناً وهذا أيضاً ضعيف لوجهين : أحدهما : أنه لو كان كذلك لكان يجب على الرسول صلى الله عليه وسلّم إزالة الشبهة وتصريح الحق وتبكيت ذلك القائل وإظهار أن هذه الكلمة منه صدرت وثانيهما : لو فعل ذلك لكان ذلك أولى بالنقل ، فإن قيل إنما لم يفعل الرسول صلى الله عليه وسلّم ذلك لأنه كان قد أدى السورة بكمالها إلى الأمة من دون هذه الزيادة فلم يكن ذلك مؤدياً إلى التلبيس كما يؤدي سهوه في الصلاة بعد أن وصفها إلى اللبس ، قلنا إن القرآن لم يكن مستقراً على حالة واحدة في زمان حياته لأنه كان تأتيه الآيات فيلحقها بالسور فلم يكن تأدية تلك السورة بدون هذه الزيادة سبباً لزوال اللبس ، وأيضاً فلو كان كذلك لما استحق العتاب من الله تعالى على ما رواه القوم الوجه الرابع : هو أن المتكلم بهذا هو الرسول صلى الله عليه وسلّم ثم هذا يحتمل ثلاثة أوجه فإنه إما أن يكون قال هذه الكلمة سهواً أو قسراً أو اختياراً أما الوجه الأول : وهو أنه عليه السلام قال هذه الكلمة سهواً فكما يروى عن قتادة ومقاتل أنهما قالا إنه عليه السلام كان يصلي عند المقام فنعس وجرى على لسانه هاتان الكلمتان فلما فرغ من السورة سجد وسجد كل من في المسجد وفرح المشركون بما سمعوه وأتاه جبريل عليه السلام فاستقرأه ، فلما انتهى إلى الغرانيق قال لم آتك بهذا ، فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلى
(1/3214)

أن نزلت هذه الآية وهذا ضعيف أيضاً لوجوه : أحدها : أنه لو جاز هذا السهو لجاز في سائر المواضع وحينئذ تزول الثقة عن الشرع وثانيها : أن الساهي لا يجوز أن يقع منه مثل هذه الألفاظ المطابقة لوزن السورة وطريقتها ومعناها ، فإنا نعلم بالضرورة أن واحداً لو أنشد قصيدة لما جاز أن يسهو حتى يتفق منه بيت شعر في وزنها ومعناها وطريقتها وثالثها : هب أنه تكلم / بذلك سهواً ، فكيف لم ينبه لذلك حين قرأها على جبريل عليه السلام وذلك ظاهر أما الوجه الثاني : وهو أنه عليه السلام تكلم بذلك قسراً وهو الذي قال قوم إن الشيطان أجبر النبي صلى الله عليه وسلّم على أن يتكلم بهذا فهذا أيضاً فاسد لوجوه : أحدها : أن الشيطان لو قدر على ذلك في حق النبي عليه السلام لكان اقتداره علينا أكثر فوجب أن يزيل الشيطان الناس عن الدين ولجاز في أكثر ما يتكلم به الواحد منا أن يكون ذلك بإجبار الشياطين وثانيها : أن الشيطان لو قدر على هذا الإجبار لارتفع الأمان عن الوحي لقيام هذا الاحتمال وثالثها : أنه باطل بدلالة قوله تعالى حاكياً عن الشيطان
جزء : 23 رقم الصفحة : 246
(1/3215)

{وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَـانٍ إِلا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِى فَلا تَلُومُونِى وَلُومُوا أَنفُسَكُمْ } (إبراهيم : 22) وقال تعالى : {إِنَّه لَيْسَ لَه سُلْطَـانٌ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَـانُه عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَه } (النحل : 99 ، 100) وقال : {إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} (الحجر : 40) ولا شك أنه عليه السلام كان سيد المخلصين أما الوجه الثالث : وهو أنه عليه السلام تكلم بذلك اختياراً فههنا وجهان : أحدهما : أن نقول إن هذه الكلمة باطلة والثاني : أن نقول إنها ليست كلمة باطلة أما على الوجه الأول فذكروا فيه طريقين : الأول : قال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية عطاء إن شيطاناً يقال له الأبيض أتاه على صورة جبريل عليه السلام وألقى عليه هذه الكلمة فقرأها فلما سمع المشركون ذلك أعجبهم فجاء جبريل عليه السلام فاستعرضه فقرأها فلما بلغ إلى تلك الكلمة قال جبريل عليه السلام أنا ما جئتك بهذه قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم إنه أتاني آت على صورتك فألقاها على لساني الطريق الثاني : قال بعض الجهال إنه عليه السلام لشدة حرصه على إيمان القوم أدخل هذه الكلمة من عند نفسه ثم رجع عنها ، وهذان القولان لا يرغب فيهما مسلم ألبتة لأن الأول يقتضي أنه عليه السلام ما كان يميز بين الملك المعصوم والشيطان الخبيث والثاني يقتضي أنه كان خائناً في الوحي وكل واحد منهما خروج عن الدين أما الوجه الثاني : وهو أن هذه الكلمة ليست باطلة فههنا أيضاً طرق الأول : أن يقال الغرانيق هم الملائكة وقد كان ذلك قرآناً منزلاً في وصف الملائكة. فلما توهم المشركون أنه يريد آلهتهم نسخ الله تلاوته الثاني : أن يقال المراد منه الاستفهام على سبيل الإنكار ، فكأنه قال : أشفاعتهن ترتجى ؟
الثالث : أن يقال إنه ذكر الإثبات وأراد النفي كقوله تعالى : {يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا } (النساء : 176) أي لا تضلوا كما قد يذكر النفي ويريد به الإثبات كقوله تعالى : {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُم أَلا تُشْرِكُوا بِه شَيْـاًا } (الأنعام : 151) والمعنى أن تشركوا ، وهذان الوجهان الأخيران يعترض عليهما بأنه لو جاز ذلك بناء على هذا التأويل فلم لا يجوز أن يظهروا كلمة الكفر في جملة القرآن أو في الصلاة بناء على هذا التأويل ، ولكن الأصل في الدين أن لا يجوز عليهم شيء من ذلك لأن الله تعالى قد نصبهم حجة واصطفاهم للرسالة فلا يجوز عليهم ما يطعن في ذلك أو ينفر ، ومثل ذلك في التنفير أعظم من الأمور التي حثه الله تعالى على تركها كنحو الفظاظة والكتابة وقول الشعر فهذه الوجوه المذكورة / في قوله تلك الغرانيق العلا قد طهر على القطع كذبها ، فهذا كله إذا فسرنا التمني بالتلاوة. وأما إذا فسرناها بالخاطر وتمنى القلب فالمعنى أن النبي صلى الله عليه وسلّم متى تمنى بعض ما يتمناه من الأمور يوسوس الشيطان إليه بالباطل ويدعوه إلى ما لا ينبغي ثم إن الله تعالى ينسخ ذلك ويبطله ويهديه إلى ترك الالتفات إلى وسوسته ، ثم اختلفوا في كيفية تلك الوسوسة على وجوه : أحدها : أنه يتمنى ما يتقرب به إلى المشركين من ذكر آلهتهم بالثناء قالوا إنه عليه السلام كان يحب أن يتألفهم وكان يردد ذلك في نفسه فعندما لحقه النعاس زاد تلك الزيادة من حيث كانت في نفسه وهذا أيضاً خروج عن الدين وبيانه ما تقدم وثانيها : ما قال مجاهد من أنه عليه السلام كان يتمنى إنزال الوحي عليه على سرعة دون تأخير فنسخ الله ذلك بأن عرفه بأن إنزال ذلك بحسب المصالح في الحوادث والنوازل وغيرها وثالثها : يحتمل أنه عليه السلام عند نزول الوحي كان يتفكر في تأويله إن كان مجملاً فيلقى الشيطان في جملته ما لم يرده ، فبين تعالى أنه ينسخ ذلك بالإبطال ويحكم ما أراده الله تعالى بأدلته وآياته ورابعها : معنى الآية إذا تمنى إذا أراد فعلاً مقرباً إلى الله تعالى ألقى الشيطان في فكره ما يخالفه فيرجع إلى الله تعالى في ذلك وهو كقوله تعالى :
جزء : 23 رقم الصفحة : 246
{إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَـا اـاِفٌ مِّنَ الشَّيْطَـانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} (الأعراف : 201) وكقوله : {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَـانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّه } (الأعراف : 200) ومن الناس من قال لا يجوز حمل الأمنية على تمني القلب لأنه لو كان كذلك لم يكن ما يخطر ببال رسول الله صلى الله عليه وسلّم فتنة للكفار وذلك يبطله قوله تعالى : {لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِى الشَّيْطَـانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ } ، والجواب : لا يبعد أنه إذا قوي التمني اشتغل الخاطر به فحصل السهو في الأفعال الظاهرة بسببه فيصير ذلك فتنة للكفار فهذا آخر القول في هذه المسألة.
(1/3216)

المسألة الثالثة : يرجع حاصل البحث إلى أن الغرض من هذه الآية بيان أن الرسل الذين أرسلهم الله تعالى وإن عصمهم عن الخطأ مع العلم فلم يعصمهم من جواز السهو ووسوسة الشيطان بل حالهم في جواز ذلك كحال سائر البشر فالواجب أن لا يتبعوا إلا فيما يفعلونه عن علم فذلك هو المحكم ، وقال أبو مسلم معنى الآية أنه لم يرسل نبياً إلا إذا تمنى كأنه قيل : وما أرسلنا إلى البشر ملكاً وما أرسلنا إليهم نبياً إلا منهم ، وما أرسلنا نبياً خلا عند تلاوته الوحي من وسوسة الشيطان وأن يلقي في خاطره وما يضاد الوحي ويشغله عن حفظه فيثبت الله النبي على الوحي وعلى حفظه ويعلمه صواب ذلك وبطلان ما يكون من الشيطان ، قال وفيما تقدم من قوله : {قُلْ يَـا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَآ أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} تقوية لهذا التأويل فكأنه تعالى أمره أن يقول للكافرين أنا نذير لكم لكني من البشر لا من الملائكة ، ولم يرسل الله تعالى مثلي ملكاً بل أرسل رجالاً فقد وسوس الشيطان إليهم ، فإن قيل هذا إنما يصح لو كان السهو لا يجوز على الملائكة ، قلنا إذا كانت الملائكة أعظم درجة من الأنبياء لم يلزم من استيلائهم بالوسوسة على الأنبياء استيلاؤهم بالوسوسة على الملائكة ، واعلم أنه سبحانه لما شرح حال هذه الوسوسة أردف ذلك ببحثين :
/ البحث الأول : كيفية إزالتها وذلك هو قوله تعالى : {فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِى الشَّيْطَـانُ} فالمراد إزالته وإزالة تأثيره فهو النسخ اللغوي لا النسخ الشرعي المستعمل في الأحكام. أما قوله : {ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ ءَايَـاتِه } فإذا حمل التمني على القراءة فالمراد به آيات القرآن وإلا فيحمل على أحكام الأدلة التي لا يجوز فيها الغلط.
جزء : 23 رقم الصفحة : 246
البحث الثاني : أنه تعالى بين أثر تلك الوسوسة ، ثم إنه سبحانه شرح أثرها في حق الكفار أولاً ثم في حق المؤمنين ثانياً ، أما في حق الكفار فهو قوله : {لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِى الشَّيْطَـانُ فِتْنَةً} والمراد به تشديد التبعيد لأن عندما يظهر من الرسول صلى الله عليه وسلّم الاشتباه في القرآن سهواً يلزمهم البحث عن ذلك ليميزوا السهو من العمد وليعلموا أن العمد صواب والسهو قد لا يكون صواباً.
أما قوله : {لِّلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ } ففيه سؤالان :
السؤال الأول : لم قال : {فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} ولم خصهم بذلك الجواب : لأنهم مع كفرهم يحتاجون إلى ذلك التدبر ، وأما المؤمنون فقد تقدم علمهم بذلك فلا يحتاجون إلى التدبر.
السؤال الثاني : ما مرض القلب الجواب : أنه الشك والشبهة وهم المنافقون كما قال : {فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} وأما القاسية قلوبهم فهم المشركون المصرون على جهلهم ظاهراً وباطناً.
أما قوله تعالى : {وَإِنَّ الظَّـالِمِينَ لَفِى شِقَاقا بَعِيدٍ} يريد أن هؤلاء المنافقين والمشركين فأصله وإنهم ، فوضع الظاهر موضع المضمر قضاء عليهم بالظلم والشقاق والمشاقة والمعاداة والمباعدة سواء ، وأما في حق المؤمنين فهو قوله : {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ} وفي الكناية ثلاثة أوجه : أحدها : أنها عائدة إلى نسخ ما ألقاه الشيطان ، عن الكلبي. وثانيها : أنه الحق أي القرآن عن مقاتل وثالثها : أن تمكن الشيطان من ذلك الإلقاء هو الحق ، أما على قولنا فلأنه سبحانه وتعالى أي شيء فعل فقد تصرف في ملكه وملكه بضم الميم وكسرها فكان حقاً ، وأما على قول المعتزلة فلأنه سبحانه حكيم فتكون كل أفعاله صواباً فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم أي تخضع وتسكن لعلمهم بأن المقضي كائن ، وكل ميسر لما خلق له ، {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ} إلى أن يتأولوا ما يتشابه في الدين بالتأويلات الصحيحة ويطلبوا ما أشكل منه من المجمل الذي تقتضيه الأصول المحكمة حتى لا تلحقهم حيرة ولا تعتريهم شبهة وقرىء لهاد الذين آمنوا بالتنوين ، ولما بين سبحانه حال الكافرين أولاً ثم حال المؤمنين ثانياً عاد إلى شرح حال الكافرين مرة أخرى فقال : {وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِى مِرْيَةٍ مِّنْهُ} أي من القرآن أو من الرسول ، وذلك يدل على أن الأعصار إلى قيام الساعة لا تخلو ممن هذا وصفه.
جزء : 23 رقم الصفحة : 246
(1/3217)

أما قوله تعالى : {حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً} أي فجأة من دون أن يشعروا ثم جعل الساعة غاية لكفرهم ، وأنهم يؤمنون عند أشراط الساعة على وجه الإلجاء. واختلف في المراد باليوم العقيم / وفيه قولان : أحدهما : أنه يوم بدر وإنما وصف يوم الحرب بالعقيم لوجوه أربعة : أحدها : أن أولاد النساء يقتلون فيه فيصرن كأنهن عقم لم يلدن وثانيها : أن المقاتلين يقال لهم أبناء الحرب فإذا قتلوا وصف يوم الحرب بالعقيم على سبيل المجاز وثالثها : هو الذي لا خير فيه يقال ريح عقيم إذا لم تنشىء مطراً ولم تلقح شجراً ورابعها : أنه لا مثل له في عظم أمره ، وذلك لقتال الملائكة فيه القول الثاني : أنه يوم القيامة ، وإنما وصف بالعقيم لوجوه : أحدها : أنهم لا يرون فيه خيراً وثانيها : أنه لا ليل فيه فيستمر كاستمرار المرأة على تعطل الولادة وثالثها : أن كل ذات حمل تضع حملها في ذلك اليوم فكيف يحصل الحمل فيه ، وهذا القول أولى لأنه لا يجوز أن يقول الله تعالى {وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا } ويكون المراد يوم بدر ، لأن من المعلوم أنهم في مرية بعد يوم بدر ، فإن قيل لما ذكر الساعة. فلو حملتم اليوم العقيم على يوم القيامة لزم التكرار ؛ قلنا ليس كذلك لأن الساعة من مقدمات القيامة واليوم العقيم هو نفس ذلك اليوم ، وعلى أن الأمر لو كان كما قاله لم يكن تكراراً لأن في الأول ذكر الساعة ، وفي الثاني ذكر عذاب ذلك اليوم ، ويحتمل أن يكون المراد بالساعة وقت موت كل أحد وبعذاب يوم عقيم القيامة.
أما قوله : {الْمُلْكُ يَوْمَـاـاِذٍ لِّلَّهِ} فمن أقوى ما يدل على أن اليوم العقيم هو ذلك اليوم وأراد بذلك أنه لا مالك في ذلك اليوم سواه فهو بخلاف أيام الدنيا التي ملك الله الأمور غيره ، وبين أنه الحاكم بينهم لا حاكم سواه وذلك زجر عن معصيته ثم بين كيف يحكم بينهم ، وأنه يصير المؤمنين إلى جنات النعيم ، والكافرين في العذاب المهين ، وقد تقدم وصف الجنة والنار فإن قيل التنوين في يومئذ عن أي جملة ينوب ؟
قلنا تقديره : الملك يوم يؤمنون أو يوم تزول مريتهم لقوله تعالى : {وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِى مِرْيَةٍ مِّنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ} .
جزء : 23 رقم الصفحة : 246
248
/ اعلم أنه تعالى لما ذكر أن الملك له يوم القيامة وأنه يحكم بينهم ويدخل المؤمنين الجنات أتبعه بذكر وعده الكريم للمهاجرين ، وأفردهم بالذكر تفخيماً لشأنهم فقال عز من قائل {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا } واختلفوا فيمن أريد بذلك ، فقال بعضهم من هاجر إلى المدينة طالباً لنصرة الرسول صلى الله عليه وسلّم وتقرباً إلى الله تعالى ، وقال آخرون بل المراد من جاهد فخرج مع الرسول صلى الله عليه وسلّم أو في سراياه لنصرة الدين ولذلك ذكر القتل بعده ، ومنهم من حمله على الأمرين. واختلفوا من وجه آخر فقال قوم المراد قوم مخصوصون ، روى مجاهد أنها نزلت في طوائف خرجوا من مكة إلى المدينة للهجرة فتبعهم المشركون فقاتلوهم ، وظاهر الكلام للعموم. ثم إنه سبحانه وتعالى وصفهم برزقهم ومسكنهم ، أما الرزق فقوله تعالى : {لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} وفيه مسائل :
المسألة الأولى : لا شبهة في أن الرزق الحسن هو نعيم الجنة ، وقال الأصم إنه العلم والفهم كقول شعيب عليه السلام {وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا } (هود : 88) فهذا في الدنيا وفي الآخرة الجنة ، وقال الكلبي رزقاً حسناً حلالاً وهو الغنيمة وهذان الوجهان ضعيفان ، لأنه تعالى جعله جزاء على هجرتهم في سبيل الله بعد القتل والموت وبعدهما لا يكون إلا نعيم الجنة.
المسألة الثانية : لا بد من شرط اجتناب الكبائر في كل وعد في القرآن لأن هذا المهاجر لو ارتكب كبيرة لكان حكمه في المشيئة على قولنا ، ولخرج عن أن يكون أهلاً للجنة قطعاً على قول المعتزلة. فإن قيل فما فضله على سائر المؤمنين في الوعد إن كان كما قلتم ؟
قلنا فضلهم يظهر لأن ثوابهم أعظم وقد قال تعالى : {لا يَسْتَوِى مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَـاتَلَ } (الحديد : 10) فمعلوم أن من هاجر مع الرسول صلى الله عليه وسلّم وفارق دياره وأهله لتقويته ونصرة دينه مع شدة قوة الكفار وطهور صولتهم صار فعله كالسبب لقوة الدين ، وعلى هذا الوجه عظم محل الأنصار حتى صار ذكرهم والثناء عليهم تالياً لذكر المهاجرين لما آووه ونصروه.
جزء : 23 رقم الصفحة : 248
(1/3218)

المسألة الثالثة : اختلفوا في معنى قوله : {وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} مع العلم بأن كل الرزق من عنده على وجوه : أحدها : التفاوت إنما كان بسبب أنه سبحانه مختص بأن يرزق ما لا يقدر عليه غيره وثانيها : أن يكون المراد أنه الأصل في الرزق ، وغيره إنما يرزق بما تقدم من الرزق من جهة الله تعالى وثالثها : أن غيره ينقل الرزق من يده إلى يد غيره لا أنه يفعل / نفس الرزق ورابعها : أن غيره إذا رزق فإنما يرزق لانتفاعه به ، إما لأجل أن يخرج عن الواجب ، وإما لأجل أن يستحق به حمداً أو ثناء ، وإما لأجل دفع الرقة الجنسية ، فكان الواحد منا إذا رزق فقد طلب العوض/ أما الحق سبحانه فإن كماله صفة ذاتية له فلا يستفيد من شيء كمالاً زائداً فكان الرزق الصادر منه لمحض الإحسان وخامسها : أن غيره إنما يرزق لو حصل في قلبه إرادة ذلك الفعل ، وتلك الإرادة من الله ، فالرازق في الحقيقة هو الله تعالى وسادسها : أن المرزوق يكون تحت منة الرازق ومنة الله تعالى أسهل تحملاً من منة الغير ، فكان هو {خَيْرُ الراَّزِقِينَ} وسابعها : أن الغير إذا رزق فلولا أن الله تعالى أعطى ذلك الإنسان أنواع الحواس وأعطاه السلامة والصحة والقدرة على الانتفاع بذلك الرزق لما أمكنه الانتفاع به ، ورزق الغير لا بد وأن يكون مسبوقاً برزق الله وملحوقاً به حتى يحصل الانتفاع. وأما رزق الله تعالى فإنه لا حاجة به إلى رزق غيره ، فثبت أنه سبحانه {خَيْرُ الراَّزِقِينَ} .
المسألة الرابعة : قالت المعتزلة الآية تدل على أمور ثلاثة : أحدها : أن الله تعالى قادر وثانيها : أن غير الله يصح منه أن يرزق ويملك ، ولولا كونه قادراً فاعلاً لما صح ذلك وثالثها : أن الرزق لا يكون إلا حلالاً لأن قوله {خَيْرُ الراَّزِقِينَ} دلالة على كونهم ممدوحين والجواب : لا نزاع في كون العبد قادراً ، فإن عندنا القدرة مع الداعي مؤثرة في الفعل بمعنى الاستلزام. وأما الثالث فبحث لفظي وقد سبق الكلام فيه.
المسألة الخامسة : لما قال تعالى : {ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا } فسوى بينهما في الوعد ، ظن قوم أن حال المقتول في الجهاد والميت على فراشه سواء ، وهذا إن أخذوه من الظاهر فلا دلالة فيه ، لأن الجمع بينهما في الوعد لا يدل على تفضيل ولا تسوية ، كما أن الجمع بين المؤمنين لا يدل على ذلك. وإن أخذوه من دليل آخر فهو حق ، فإنه روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال : "المقتول في سبيل الله تعالى ، والمتوفى في سبيل الله بغير قتل ، هما في الخير والأجر شريكان" ولفظ الشركة مشعر بالتسوية ، وإلا فلا يبقى لتخصيصهما بالذكر فائدة. وروى أيضاً : أن طوائف من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم قالوا يا رسول الله هؤلاء الذين قتلوا قد علمنا ما أعطاهم الله من الخير ، ونحن نجاهد معك كما جاهدوا ، فما لنا إن متنا معك. فأنزل الله تعالى هاتين الآيتين وهذا يدل على التسوية لأنهم لما طلبوا مقدار الأجر ، فلولا التسوية لم يكن الجواب مفيداً. أما المسكن فقوله تعالى : {لَيُدْخِلَنَّهُم مُّدْخَلا يَرْضَوْنَه ا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ} وفيه مسائل :
جزء : 23 رقم الصفحة : 248
المسألة الأولى : قرىء مدخلاً بضم الميم وهو من الإدخال ، ومن قرأ بالفتح فالمراد الموضع.
المسألة الثانية : قيل في المدخل الذي يرضونه إنه خيمة من درة بيضاء لا فصم فيها ولا وصم لها سبعون ألف مصراع ، وقال أبو القاسم القشيري هو أن يدخلهم الجنة من غير مكروه تقدم ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : إنما قال يرضونه ، لأنهم يرون في الجنة ما لا عين رأت / ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر فيرضونه ولا يبغون عنها حولاً ، ونظيره قوله تعالى : {وَمَسَـاكِنُ تَرْضَوْنَهَآ} (التوبة : 24) وقوله : {فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ} (الحاقة : 21) وقوله : {ارْجِعِى إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً} (الفجر : 28) وقوله : {وَمَسَـاكِنَ طَيِّبَةً فِى جَنَّـاتِ عَدْنٍا وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ } (التوبة : 72).
المسألة الثالثة : إن قيل ما معنى {وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ} وما تعلقه بما تقدم ؟
قلنا يحتمل أنه عليم بما يستحقونه فيفعله بهم ويزيدهم ، ويحتمل أن يكون المراد أنه عليم بما يرضونه فيعطيهم ذلك في الجنة ، وأما الحليم فالمراد أنه لحلمه لا يعجل بالعقوبة فيمن يقدم على المعصية ، بل يمهل ليقع منه التوبة فيستحق منه الجنة.
أما قوله : {ذَالِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِه ثُمَّ بُغِىَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّه إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قوله : {ذَالِكَ} قد مضى الكلام فيه في هذه الآية في هذه السورة. وقال الزجاج أي الأمر ما قصصنا عليك من إنجاز الوعد للمهاجرين الذين قتلوا أو ماتوا.
(1/3219)

المسألة الثانية : قوله : {ذَالِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِه ثُمَّ بُغِىَ عَلَيْهِ} معناه : قاتل من كان يقاتله ، ثم كان المقاتل مبغياً عليه بأن اضطر إلى الهجرة ومفارقة الوطن وابتدىء بالقتال ، قال مقاتل : نزلت في قوم من المشركين لقوا قوماً من المسلمين لليلتين بقيتا من المحرم ، فقال بعضهم لبعض : إن أصحاب محمد يكرهون القتال في الشهر الحرام فاحملوا عليهم ، فناشدهم المسلمون أن يكفوا عن قتالهم لحرمة الشهر ، فأبوا وقاتلوهم. فذلك بغيهم عليهم ، وثبت المسلمون لهم فنصروا عليهم. فوقع في أنفس المسلمين من القتال في الشهر الحرام ما وقع ، فأنزل الله تعالى هذه الآية : وعفا عنهم وغفر لهم وههنا سؤالات :
جزء : 23 رقم الصفحة : 248
السؤال الأول : أي تعلق لهذه الآية بما قبلها ؟
الجواب : كأنه سبحانه وتعالى قال مع إكرامي لهم في الآخرة بهذا الوعد لا أدع نصرتهم في الدنيا على من بغى عليهم.
السؤال الثاني : هل يرجع ذلك إلى المهاجرين خاصة أو إليهم وإلى المؤمنين ؟
الجواب : الأقرب أنه يعود إلى الفريقين فإنه تقدم ذكرهما ، وبين ذلك قوله تعالى : {لَيَنصُرَنَّهُ اللَّه } وبعد القتل والموت لا يمكن ذلك في الدنيا.
السؤال الثالث : ما المراد بالعقوبة المذكورة ؟
الجواب : فيه وجهان : أحدهما : المراد ما فعله مشركو مكة مع المهاجرين بمكة من طلب آثارهم ، ورد بعضهم إلى غير ذلك ، فبين تعالى أن من عاقب هؤلاء الكفار بمثل ما فعلوا فسينصره عليهم ، وهذه النصرة المذكورة تقوي تأويل من تأوله على مجاهدة الكفار لا على القصاص ، لأن ظاهر النص لا يليق إلا بذلك والجواب الثاني : أن هذه الآية في القصاص والجراحات ، وهي آية مدنية عن الضحاك.
السؤال الرابع : لم سمى ابتداء فعلهم بالعقوبة ؟
الجواب : أطلق اسم العقوبة على الأول / للتعلق الذي بينه وبين الثاني كقوله تعالى : {وَجَزَا ؤُا سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا } {يُخَـادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَـادِعُهُمْ} .
السؤال الخامس : أي تعلق لقوله : {وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} بما تقدم ؟
الجواب : فيه وجوه : أحدها : أن الله تعالى ندب المعاقب إلى العفو عن الجاني بقوله : {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُه عَلَى اللَّه } (الشورى : 40) {وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى } (البقرة : 237) ، {وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَالِكَ لَمِنْ عَزْمِ الامُورِ} (الشورى : 40) فلما لم يأت بهذا المندوب فهو نوع إساءة ، فكأنه سبحانه قال : إني قد عفوت عن هذه الإساءة وغفرتها ، فإني أنا الذي أذنت لك فيه وثانيها : أنه سبحانه وإن ضمن له النصر على الباغي ، لكنه عرض مع ذلك بما كان أولى به من العفو والمغفرة فلوح بذكر هاتين الصفتين وثالثها : أنه سبحانه دل بذكر العفو والمغفرة على أنه قادر على العقوبة ، لأنه لا يوصف بالعفو إلا القادر على ضده.
السؤال السادس : أي تعلق لقوله : {ذَالِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ الَّيْلَ فِى النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِى الَّيْلِ} بما قبله ؟
والجواب : من وجهين : أحدهما : ذلك أي ذلك النصر بسبب أنه قادر ومن آيات قدرته البالغة كونه خالقاً لليل والنهار ومتصرفاً فيهما ، فوجب أن يكون قادراً عالماً بما يجري فيهما ، وإذا كان كذلك كان قادراً على النصر مصيباً فيه وثانيها : المراد أنه سبحانه مع ذلك النصر ينعم في الدنيا بما يفعله من تعاقب الليل والنهار وولوج أحدهما في الآخر.
جزء : 23 رقم الصفحة : 248
السؤال السابع : ما معنى إيلاج الليل في النهار وإيلاج النهار في الليل الجواب : فيه وجهان : أحدهما : يحصل ظلمة هذا في مكان ضياء ذلك بغيبوبة الشمس ، وضياء ذلك في مكان ظلمة هذا بطلوعها ، كما يضيء البيت بالسراج ويظلم بفقده وثانيهما : أنه سبحانه يزيد في أحدهما ما ينقص من الآخر من الساعات.
السؤال الثامن : أي تعلق لقوله : {وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعُا بَصِيرٌ} بما تقدم ؟
الجواب : المراد أنه كما يقدر على ما لا يقدر عليه غيره ، فكذلك يدرك المسموع والمبصر ، ولا يجوز المنع عليه ، ويكون ذلك كالتحذير من الإقدام على ما لا يجوز في المسموع والمبصر.
السؤال التاسع : ما معنى قوله : {ذَالِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ} وأي تعلق له بما تقدم ؟
الجواب : فيه وجهان : أحدهما : المراد أن ذلك الوصف الذي تقدم ذكره من القدرة على هذه الأمور إنما حصل لأجل أن الله هو الحق أي هو الموجود الواجب لذاته الذي يمتنع عليه التغير والزوال فلا جرم أتى بالوعد والوعيد ثانيهما : أن ما يفعل من عبادته هو الحق وما يفعل من عبادة غيره فهو الباطل كما قال : {لَيْسَ لَه دَعْوَةٌ فِى الدُّنْيَا وَلا فِى الاخِرَةِ} (غافر : 43).
(1/3220)

السؤال العاشر : أي تعلق لقوله : {وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِىُّ الْكَبِيرُ} بما تقدم ؟
والجواب : معنى العلي القاهر المقتدر الذي لا يغلب فنبه بذلك على أنه القادر على الضر والنفع دون سائر من يعبد مرغباً بذلك في عبادته زاجراً عن عبادة غيره ، فأما الكبير فهو العظيم في قدرته وسلطانه ، وذلك أيضاً يفيد كمال القدرة.
/ المسألة الثالثة : قوله : {لَيَنصُرَنَّهُ اللَّه } إخبار عن الغيب فإنه وجد مخبره كما أخبر فكان من المعجزات.
المسألة الرابعة : قال الشافعي رحمه الله : من حرق حرقناه ، ومن غرق غرقناه. وقال أبو حنيفة رحمه الله : بل يقتل بالسيف. واحتج الشافعي رحمه الله بهذه الآية ، فإن الله تعالى جوز للمظلوم أن يعاقب بمثل ما عوقب به ووعده النصر عليه.
المسألة الخامسة : قرأ نافع وابن عامر {تَدْعُونَ} بالتاء ههنا وفي لقمان وفي المؤمنين وفي العنكبوت. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو كلها بالياء على الخبر ، والعرب قد تنصرف من الخطاب إلى الإخبار ومن الإخبار إلى الخطاب.
جزء : 23 رقم الصفحة : 248
السؤال السابع : ما معنى إيلاج الليل في النهار وإيلاج النهار في الليل الجواب : فيه وجهان : أحدهما : يحصل ظلمة هذا في مكان ضياء ذلك بغيبوبة الشمس ، وضياء ذلك في مكان ظلمة هذا بطلوعها ، كما يضيء البيت بالسراج ويظلم بفقده وثانيهما : أنه سبحانه يزيد في أحدهما ما ينقص من الآخر من الساعات.
السؤال الثامن : أي تعلق لقوله : {وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعُا بَصِيرٌ} بما تقدم ؟
الجواب : المراد أنه كما يقدر على ما لا يقدر عليه غيره ، فكذلك يدرك المسموع والمبصر ، ولا يجوز المنع عليه ، ويكون ذلك كالتحذير من الإقدام على ما لا يجوز في المسموع والمبصر.
السؤال التاسع : ما معنى قوله : {ذَالِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ} وأي تعلق له بما تقدم ؟
الجواب : فيه وجهان : أحدهما : المراد أن ذلك الوصف الذي تقدم ذكره من القدرة على هذه الأمور إنما حصل لأجل أن الله هو الحق أي هو الموجود الواجب لذاته الذي يمتنع عليه التغير والزوال فلا جرم أتى بالوعد والوعيد ثانيهما : أن ما يفعل من عبادته هو الحق وما يفعل من عبادة غيره فهو الباطل كما قال : {لَيْسَ لَه دَعْوَةٌ فِى الدُّنْيَا وَلا فِى الاخِرَةِ} (غافر : 43).
السؤال العاشر : أي تعلق لقوله : {وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِىُّ الْكَبِيرُ} بما تقدم ؟
والجواب : معنى العلي القاهر المقتدر الذي لا يغلب فنبه بذلك على أنه القادر على الضر والنفع دون سائر من يعبد مرغباً بذلك في عبادته زاجراً عن عبادة غيره ، فأما الكبير فهو العظيم في قدرته وسلطانه ، وذلك أيضاً يفيد كمال القدرة.
/ المسألة الثالثة : قوله : {لَيَنصُرَنَّهُ اللَّه } إخبار عن الغيب فإنه وجد مخبره كما أخبر فكان من المعجزات.
المسألة الرابعة : قال الشافعي رحمه الله : من حرق حرقناه ، ومن غرق غرقناه. وقال أبو حنيفة رحمه الله : بل يقتل بالسيف. واحتج الشافعي رحمه الله بهذه الآية ، فإن الله تعالى جوز للمظلوم أن يعاقب بمثل ما عوقب به ووعده النصر عليه.
المسألة الخامسة : قرأ نافع وابن عامر {تَدْعُونَ} بالتاء ههنا وفي لقمان وفي المؤمنين وفي العنكبوت. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو كلها بالياء على الخبر ، والعرب قد تنصرف من الخطاب إلى الإخبار ومن الإخبار إلى الخطاب.
جزء : 23 رقم الصفحة : 248
249
اعلم أنه تعالى لما دل على قدرته من قبل بما ذكره من ولوج الليل في النهار ونبه به على نعمه ، أتبعه بأنواع أخر من الدلائل على قدرته ونعمته وهي ستة.
أولها : قوله تعالى : {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَتُصْبِحُ الارْضُ مُخْضَرَّةًا إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} وفيه مسائل :
المسألة الأولى : ذكروا في قوله : {أَلَمْ تَرَ} وجوهاً ثلاثة : أحدها : أن المراد هو الرؤية الحقيقية ، قالوا لأن الماء النازل من السماء يرى بالعين واخضرار النبات على الأرض مرئي ، وإذا أمكن حمل الكلام على حقيقته فهو أولى وثانيها : أن المراد ألم تخبر على سبيل الاستفهام / وثالثها : المراد ألم تعلم والقول الأول ضعيف لأن الماء وإن كان مرئياً إلا أن كون الله منزلاً له من السماء غير مرئي إذا ثبت هذا وجب حمله على العلم ، لأن المقصود من تلك الرؤية هو العلم ، لأن الرؤية إذا لم يقترن بها العلم كانت كأنها لم تحصل.
المسألة الثانية : قرىء {مُخْضَرَّةً } كمبقلة ومسبعة أي ذات خضرة ، وههنا سؤالات :
السؤال الأول : لم قال : {فَتُصْبِحُ} الأرض ولم يقل فأصبحت ؟
الجواب : لنكتة فيه وهي إفادة بقاء أثر المطر زماناً بعد زمان ، كما تقول أنعم على فلان عام كذا فأروح وأغد شاكراً له ، ولو قلت فرحت وغدوت لم يقع ذلك الموقع.
(1/3221)

السؤال الثاني : لم رفع ولم ينصب جواباً للاستفهام ؟
والجواب : لو نصب لأعطى عكس ما هو الغرض ، لأن معناه إثبات الإخضرار فينقلب بالنصب إلى نفي الإخضرار مثاله أن تقول لصاحبك ألم تر أني أنعمت عليك فتشكر. وإن نصبته فأنت ناف لشكره شاك لتفريطه ، وإن رفعته فأنت مثبت للشكر.
جزء : 23 رقم الصفحة : 249
السؤال الثالث : لم أورد تعالى ذلك دلالة على قدرته على الإعادة ، كما قال أبو مسلم. الجواب : يحتمل ذلك ويحتمل أنه نبه به على عظيم قدرته وواسع نعمه.
السؤال الرابع : ما تعلق قوله : {إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} بما تُقدم ؟
الجواب : من وجوه أحدها : أراد أنه رحيم بعباده ولرحمته فعل ذلك حتى عظم انتفاعهم به ، لأن الأرض إذا أصبحت مخضرة والسماء إذا أمطرت كان ذلك سبباً لعيش الحيوانات على اختلافها أجمع. ومعنى {خَبِيرٌ} أنه عالم بمقادير مصالحهم فيفعل على قدر ذلك من دون زيادة ونقصان وثانيها : قال ابن عباس {لَطِيفُ } بأرزاق عباده {خَبِيرٌ} بما في قلوبهم من القنوط وثالثها : قال الكلبي {لَطِيفُ } في أفعاله {خَبِيرٌ} بأعمال خلقه ورابعها : قال مقاتل : {لَطِيفُ } باستخراج النبت {خَبِيرٌ} بكيفية خلقه.
الدلالة الثانية : قوله تعالى : {لَّه مَا فِى السَّمَـاوَاتِ وَمَا فِى الارْضِا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ} والمعنى أن كل ذلك منقاد له غير ممتنع من التصرف فيه وهو غني عن الأشياء كلها وعن حمد الحامدين أيضاً لأنه كامل لذاته ، والكامل لذاته غني عن كل ما عداه في كل الأمور ، ولكنه لما خلق الحيوان فلا بد في الحكمة من قطر ونبات فخلق هذه الأشياء رحمة للحيوانات وإنعاماً عليهم/ لا لحاجة به إلى ذلك. وإذا كان كذلك كان إنعامه خالياً عن غرض عائد إليه فكان مستحقاً للحمد. فكأنه قال إنه لكونه غنياً لم يفعل ما فعله إلا للإحسان ، ومن كان كذلك كان مستحقاً للحمد فوجب أن يكون حميداً. فلهذا قال : {وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ} .
الدلالة الثالثة : قوله : {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِى الارْضِ} أي ذلل لكم ما فيها فلا أصلب من الحجر ولا أحد من الحديد ولا أكثر هيبة من النار ، وقد سخرها لكم وسخر الحيوانات أيضاً حتى ينتفع بها من حيث الأكل والركوب والحمل عليها والانتفاع بالنظر إليها ، فلولا أن سخر الله / تعالى الإبل والبقر مع قوتهما حتى يذللهما الضعيف من الناس ويتمكن منهما لما كان ذلك نعمة.
جزء : 23 رقم الصفحة : 249
الدلالة الرابعة : قوله تعالى : {وَالْفُلْكَ تَجْرِى فِى الْبَحْرِ بِأَمْرِه } والأقرب أن المراد وسخر لكم الفلك لتجري في البحر ، وكيفية تسخيره الفلك هو من حيث سخر الماء والرياح لجريها ، فلولا صفتهما على ما هما عليه لما جرت بل كانت تغوص أو تقف أو تعطب. فنبه تعالى على نعمه بذلك ، وبأن خلق ما تعمل منه السفن ، وبأن بين كيف تعمل ، وإنما قال بأمره لأنه سبحانه لما كان المجرى لها بالرياح نسب ذلك إلى أمره توسعاً ، لأن ذلك يفيد تعظيمه بأكثر مما يفيد لو أضافه إلى فعل بناء على عادة الملوك في مثل هذه اللفظة.
الدلالة الخامسة : قوله تعالى : {وَيُمْسِكُ السَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى الارْضِ إِلا بِإِذْنِه ا إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ} واعلم أن النعم المتقدمة لا تكمل إلا بهذه لأن السماء مسكن الملائكة فوجب أن يكون صلباً. ووجب أن يكون ثقيلاً ، وما كان كذلك فلا بد من الهوى لولا مانع يمنع منه ، وهذه الحجة مبنية على ظاهر الأوهام ، وقوله تعالى : {أَن تَقَعَ} قال الكوفيون : كي لا تقع ، وقال البصريون كراهية أن تقع ، وهذا بناء على مسألة كلامية وهي أن الإرادات والكراهات هل تتعلق بالعدم ؟
فمن منع من ذلك صار إلى التأويل الأول ، والمعنى أنه أمسكها لكي لا تقع فتبطل النعم التي أنعم بها.
أما قوله تعالى : {إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ} فالمعنى أن المنعم بهذه النعم الجامعة لمنافع الدنيا والدين قد بلغ الغاية في الإحسان والإنعام ، فهو إذن رؤوف رحيم.
(1/3222)

الدلالة السادسة : قوله : {وَهُوَ الَّذِى أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُم إِنَّ الانسَـانَ لَكَفُورٌ} والمعنى أن من سخر له هذه الأمور ، وأنعم عليه بها فهو الذي أحياه فنبه بالإحياء الأول على إنعام الدنيا علينا بكل ما تقدم. ونبه بالإماتة والإحياء الثاني على نعم الدين علينا ، فإنه سبحانه وتعالى خلق الدنيا بسائر أحوالها للآخرة وإلا لم يكن للنعم على هذا الوجه معنى. يبين ذلك أنه لولا أمر الآخرة لم يكن للزراعات وتكلفها ولا لركوب الحيوانات وذبحها إلى غير ذلك معنى ، بل كان تعالى يخلقه ابتداء من غير تكلف الزرع والسقي ، وإنما أجرى الله العادة بذلك ليعتبر به في باب الدين ولما فصل تعالى هذه النعم قال : {إِنَّ الانسَـانَ لَكَفُورٌ} وهذا كما قد يعدد المرء نعمه على ولده ، ثم يقول إن الولد لكفور لنعم الوالد زجراً له عن الكفران وبعثاً له على الشكر ، فلذلك أورد تعالى ذلك في الكفار ، فبين أنهم دفعوا هذه النعم وكفروا بها وجهلوا خالقها مع وضوح أمرها ونظيره قوله تعالى : {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ} (سبأ : 13) وقال ابن عباس رضي الله عنهما الإنسان ههنا هو الكافر ، وقال أيضاً هو الأسود بن عبد الأسد وأبو جهل والعاص وأبي بن خلف ، والأولى تعميمه في كل المنكرين.
جزء : 23 رقم الصفحة : 249
251
/ اعلم أنه تعالى لما قدم ذكر نعمه وبين أنه رؤوف رحيم بعباده وإن كان منهم من يكفر ولا يشكر ، أتبعه بذكر نعمه بما كلف فقال : {لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوه } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : إنما حذف الواو في قوله : {لِكُلِّ أُمَّةٍ} لأنه لا تعلق لهذا الكلام بما قبله فلا جرم حذف العاطف.
المسألة الثانية : في المنسك أقوال : أحدها : قال ابن عباس عيد(اً) يذبحون فيه وثانيها : قرباناً ولفظ المنسك مختص بالذبائح عن مجاهد وثالثها : مألفاً يألفونه إما مكاناً معيناً أو زماناً معيناً لأداء الطاعات ورابعها : المنسك هو الشريعة والمنهاج وهو قول ابن عباس في رواية عطاء واختيار القفال وهو الأقرب لقوله تعالى : {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا } (المائدة : 48) ولأن المنسك مأخوذ من النسك وهو العبادة ، وإذا وقع الإسم على كل عبادة فلا وجه للتخصيص. فإن قيل هلا حملتموه على الذبح ، لأن المنسك في العرف لا يفهم منه إلا الذبح ؟
وهلا حملتموه على موضع العبادة أو على وقتها ؟
الجواب : عن الأول لا نسلم أن المنسك في العرف مخصوص بالذبح ، والدليل عليه أن سائر ما يفعل في الحج يوصف بأنه مناسك ولأجله قال عليه السلام : "خذوا عني مناسككم" وعن الثاني : أن قوله : {هُمْ نَاسِكُوه } أليق بالعبادة منه بالوقت والمكان.
المسألة الثالثة : زعم قوم أن المراد من قوله : {هُمْ نَاسِكُوه } من كان في زمن الرسول صلى الله عليه وسلّم متمسكاً بشرع كاليهود والنصارى ، ولا يمتنع أن يريد كل من تعبد من الأمم سواء بقيت آثارهم أو لم تبق ، لأن قوله : {هُمْ نَاسِكُوه } كالوصف للأمم وإن لم يعبدوا في الحال.
جزء : 23 رقم الصفحة : 251
أما قوله تعالى : {فَلا يُنَـازِعُنَّكَ فِى الامْرِ } فقرىء {فَلا يُنَـازِعُنَّكَ} أي أثبت في دينك ثباتاً لا يطمعون أن يخدعوك ليزيلوك عنه. وأما قوله : {فَلا يُنَـازِعُنَّكَ} ففيه قولان : أحدهما : وهو قول الزجاج : أنه نهى لهم عن منازعتهم ، كما تقول لا يضاربنك فلان أي لا تضاربه والثاني : أن المراد أن عليهم اتباعك وترك مخالفتك ، وقد استقر الأمر الآن على شرعك وعلى أنه ناسخ لكل / ما عداه. فكأنه تعالى نهى كل أمة بقيت منها بقية أن تستمر على تلك العادة ، وألزمها أن تتحول إلى اتباع الرسول صلى الله عليه وسلّم فلذلك قال : {وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ } أي لا تخص بالدعاء أمة دون أمة فكلهم أمتك فادعهم إلى شريعتك فإنك على هدى مستقيم ، والهدى يحتمل نفس الدين ويحتمل أدلة الدين وهو أولى. كأنه قال ادعهم إلى هذا الدين فإنك من حيث الدلالة على طريقة واضحة ولهذا قال : {وَإِن جَـادَلُوكَ} والمعنى فإن عدلوا عن النظر في هذه الأدلة إلى طريقة المراء والتمسك بالعادة فقد بينت وأظهرت ما يلزمك {فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ} لأنه ليس بعد إيضاح الأدلة إلا هذا الجنس الذي يجري مجرى الوعيد والتحذير من حكم يوم القيامة الذي يتردد بين جنة وثواب لمن قبل ، وبين نار وعقاب لمن رد وأنكر. فقال : {اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَـامَةِ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} فتعرفون حينئذ الحق من الباطل والله أعلم.
جزء : 23 رقم الصفحة : 251
253
(1/3223)

اعلم أنه تعالى لما قال من قبل {فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَـامَةِ } (النساء : 141) أتبعه بما به يعلم أنه سبحانه عالم بما يستحقه كل أحد منهم ، فيقع الحكم منه بينهم بالعدل لا بالجور فقال لرسوله : {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى السَّمَآءِ وَالارْضِ } وههنا مسائل :
المسألة الأولى : قوله : {أَلَمْ تَعْلَمْ} هو على لفظ الاستفهام لكن معناه تقوية قلب الرسول صلى الله عليه وسلّم والوعد له وإيعاد الكافرين بأن كل فعلهم محفوظ عند الله لا يضل عنه ولا ينسى.
المسألة الثانية : الخطاب مع الرسول صلى الله عليه وسلّم والمراد سائر العباد ولأن الرسالة لا تثبت / إلا بعد العلم بكونه تعالى عالماً بكل المعلومات إذ لو لم يثبت ذلك لجاز أن يشتبه عليه الكاذب بالصادق ، فحينئذ لا يكون إظهار المعجز دليلاً على الصدق ، وإذا كان كذلك استحال أن لا يكون الرسول عالماً بذلك. فثبت أن المراد أن يكون خطاباً مع الغير.
أما قوله : {إِنَّ ذَالِكَ فِى كِتَـابٍ } ففيه قولان : أحدهما : وهو قول أبي مسلم أن معنى الكتاب الحفظ والضبط والشد يقال كتبت المزادة أكتبها إذا خرزتها فحفظت بذلك ما فيها ، ومعناه ومعنى الكتاب بين الناس حفظ ما يتعاملون به ، فالمراد من قوله : {إِنَّ ذَالِكَ فِى كِتَـابٍ } أنه محفوظ عنده وهو قول الجمهور أن كل ما يحدثه الله في السموات والأرض فقد كتبه في اللوح المحفوظ قالوا وهذا أولى ، لأن القول الأول وإن كان صحيحاً نظراً إلى الاشتقاق لكن الواجب حمل اللفظ على المتعارف ، ومعلوم أن الكتاب هو ما تكتب فيه الأمور فكان حمله عليه أولى. فإن قيل فقد يوهم ذلك أن علمه مستفاد من الكتاب وأيضاً فأي فائدة في ذلك الكتاب والجواب عن الأول : أن كتبه تلك الأشياء في ذلك الكتاب مع كونها مطابقة للموجودات من أدل الدلائل على أنه سبحانه غني في علمه عن ذلك الكتاب وعن الثاني : أن الملائكة ينظرون فيه ثم يرون الحوادث داخلة في الوجود على وفقه فصار ذلك دليلاً لهم زائداً على كونه سبحانه عالماً بكل المعلومات.
جزء : 23 رقم الصفحة : 253
أما قوله : {كِتَـابٍا إِنَّ ذَالِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} فمعناه أن كتبه جملة الحوادث مع أنها من الغيب مما يتعذر على الخلق لكنها بحيث متى أرادها الله تعالى كانت فعبر عن ذلك بأنه يسير ، وإن كان هذا الوصف لا يستعمل إلا فينا من حيث تسهل وتصعب علينا الأمور ، وتعالى الله عن ذلك ثم بين سبحانه ما يقدم الكفار عليه مع عظيم نعمه ، ووضوح دلائله. فقال : {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُم وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّه ظَهِيرًا} فبين أن عبادتهم لغير الله تعالى ليست مأخوذة عن دليل سمعي وهو المراد من قوله : {مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِه سُلْطَـانًا } ولا عن دليل عقلي وهو المراد من قوله : {وَمَا لَيْسَ لَهُم بِه عِلْمٌ } وإذا لم يكن كذلك فهو عن تقليد أو جهل أو شبهة/ فوجب في كل قول هذا شأنه أن يكون باطلاً ، فمن هذا الوجه يدل على أن الكافر قد يكون كافراً ، وإن لم يعلم كونه كافراً ، ويدل أيضاً على فساد التقليد.
أما قوله : {وَمَا لِلظَّـالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ} ففيه وجهان : أحدهما : أنهم ليس لهم أحد ينتصر لهم من الله كما قد تتفق النصرة في الدنيا والثاني : ما لهم في كفرهم ناصر بالحجة فإن الحجة ليست إلا للحق ، واحتجت المعتزلة بهذه الآية في نفي الشفاعة والكلام عليه معلوم.
أما قوله تعالى : {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَـاتُنَا بَيِّنَـاتٍ} يعني من تقدم ذكره وهذه الآيات هي القرآن ، ووصفها بأنها بينات لكونها متضمنة للدلائل العقلية وبيان الأحكام ، فبين أنهم مع جهلهم إذا نبهوا على الأدلة وعرضت عليهم المعجزة ظهر في وجوههم المنكر والمراد دلالة الغيظ والغضب ، قال صاحب "الكشاف" المنكر الفظيع من التهجم والفجور والنشوز والإنكار ، كالمكرم بمعنى الإكرام / وقرىء تعرف على ما لم يسم فاعله ، وللمفسرين في المنكر عبارات : أحدها : قال الكلبي تعرف في وجوههم الكراهية للقرآن ثانيها : قال ابن عباس رضي الله عنهما : التجبر والترفع وثالثها : قال مقاتل أنكروا أن يكون من الله تعالى.
جزء : 23 رقم الصفحة : 253
(1/3224)

أما قوله تعالى : {يَكَادُونَ يَسْطُونَ} فقال الخليل والفراء والزجاج : السطو شدة البطش والوثوب ، والمعنى يهمون بالبطش والوثوب تعظيماً لإنكار ما خوطبوا ، به فحكى تعالى عظيم تمردهم على الأنبياء والمؤمنين ثم أمر رسوله بأن يقابلهم بالوعيد فقال : {قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَالِكُمُا النَّارُ} قال صاحب "الكشاف" قوله : {مِّن ذَالِكُمُ } أي من غيظكم على الناس وسطوكم عليهم أو مما أصابكم من الكراهة والضجر بسبب ما تلى عليكم ، فقوله : {مِّن ذَالِكُمُ } فيه وجهان : أحدهما : المراد أن الذي ينالكم من النار التي تكادون تقتحمونها بسوء فعالكم أعظم مما ينالكم عند تلاوة هذه الآيات من الغضب ومن هذا الغم والثاني : أن يكون المراد {بِشَرٍّ مِّن ذَالِكُمُ } ما تهمون به فيمن يحاجكم فإن أكبر ما يمكنكم فيه الإهلاك ثم بعده مصيرهم إلى الجنة وأنتم تصيرون إلى النار الدائمة التي لا فرج لكم عنها ، وأما {النَّارِ} فقال صاحب "الكشاف" قرىء {النَّارِ} بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف كأن قائلاً يقول ما شر من ذلك ؟
فقيل النار أي هو النار. وبالنصب على الاختصاص وبالجر على البدل من شر. ثم بين سبحانه أنه وعدها الذين كفروا إذا ماتوا على كفرهم وهو بئس المصير ، قال صاحب "الكشاف" {وَعَدَهَا اللَّهُ} استئناف كلام ويحتمل أن تكون النار مبتدأ و{وَعَدَهَا} خبراً.
جزء : 23 رقم الصفحة : 253
253
اعلم أنه سبحانه لما بين من قبل أنهم يعبدون من دون الله مالا حجة لهم فيه ولا علم ، ذكر في هذه الآية ما يدل على إبطال قولهم.
/ أما قوله تعالى : {ضُرِبَ مَثَلٌ} ففيه سؤالات :
السؤال الأول : الذي جاء به ليس بمثل فكيف سماه مثلاً ؟
والجواب : لما كان المثل في الأكثر نكتة عجيبة غريبة جاز أن يسمى كل ما كان كذلك مثلاً.
السؤال الثاني : قوله : {ضُرِبَ} يفيد فيما مضى والله تعالى هو المتكلم بهذا الكلام ابتداء ؟
الجواب : إذا كان ما يورد من الوصف معلوماً من قبل جاز ذلك فيه ، ويكون ذكره بمنزلة إعادة أمر قد تقدم.
أما قوله : {فَاسْتَمِعُوا لَه ا } أي تدبروه حق تدبره لأن نفس السماع لا ينفع ، وإنما ينفع التدبر. واعلم أن الذباب لما كان في غاية الضعف احتج الله تعالى به على إبطال قولهم من وجهين : الأول : قوله : {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَه } قرىء يدعون بالياء والتاء ويدعون مبنياً للمفعول {وَلَنْ} أصل في نفي المستقبل إلا أنه ينفيه نفياً مؤكداً فكأنه سبحانه قال : إن هذه الأصنام وإن اجتمعت لن تقدر على خلق ذبابة على ضعفها ، فكيف يليق بالعاقل جعلها معبوداً ، فقوله : {وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَه } نصب على الحال كأنه قال يستحيل أن يخلقوا الذباب حال اجتماعهم فكيف حال انفرداهم والثاني : أن قوله : {وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْـاًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْه } كأنه سبحانه قال : أترك أمر الخلق والإيجاد وأتكلم فيما هو أسهل منه ، فإن الذباب إن سلب منها شيئاً ، فهي لا تقدر على استنقاذ ذلك الشيء من الذباب ، واعلم أن الدلالة الأولى صالحة لأن يتمسك بها في نفي كون المسيح والملائكة آلهة ، أما الثانية فلا ، فإن قيل هذا الاستدلال إما أن يكون لنفي كون الأوثان خالقة عالمة حية مدبرة ، أو لنفي كونها مستحقة للتعظيم والأول : فاسد لأن نفي كونها كذلك معلوم بالضرورة ، فأي فائدة في إقامة الدلالة عليه وأما الثاني : فهذه الدلالة لا تفيده لأنه لا يلزم من نفي كونها حية أن لا تكون معظمة ، فإن جهات التعظيم مختلفة ، فالقوم كانوا يعتقدون فيها أنها طلسمات موضوعة على صورة الكواكب ، أو أنها تماثيل الملائكة والأنبياء المتقدمين ، وكانوا يعظمونها على أن تعظيمها يوجب تعظيم الملائكة ، وأولئك الأنبياء المتقدمين والجواب : أما كونها طلسمات موضوعة على الكواكب بحيث يحصل منها الإضرار والانتفاع ، فهو يبطل بهذه الدلالة فإنها لما لم تنفع نفسها في هذا القدر وهو تخليص النفس عن الذبابة فلأن لا تنفع غيرها أولى ، وأما أنها تماثيل الملائكة والأنبياء المتقدمين ، فقد تقرر في العقل أن تعظيم غير الله تعالى ينبغي أن يكون أقل من تعظيم الله تعالى ، والقوم كانوا يعظمونها غاية التعظيم ، وحينئذ كان يلزم التسوية بينها وبين الخالق سبحانه في التعظيم ، فمن ههنا صاروا مستوجبين للذم والملام.
جزء : 23 رقم الصفحة : 253
(1/3225)

أما قوله تعالى : {ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} ففيه قولان : أحدهما : المراد منه الصنم والذباب فالصنم كالطالب من حيث إنه لو طلب أن يخلقه ويستنقذ منه ما استلبه لعجز عنه والذباب بمنزلة / المطلوب الثاني : أن الطالب من عبد الصنم/ والمطلوب نفس الصنم أو عبادتها ، وهذا أقرب لأن كون الصنم طالباً ليس حقيقة بل هو على سبيل التقدير ، أما ههنا فعلى سبيل التحقيق لكن المجاز فيه حاصل لأن الوثن لا يصح أن يكون ضعيفاً ، لأن الضعف لا يجوز إلا على من يصح أن يقوى ، وههنا وجه ثالث وهو أن يكون معنى قوله : {ضِعْفَ} لا من حيث القوة ولكن لظهور قبح هذا المذهب ، كما يقال للمرء عند المناظرة : ما أضعف هذا المذهب وما أضعف هذا الوجه.
أما قوله : {مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِه } أي ما عظموه حق تعظيمه ، حيث جعلوا هذه الأصنام على نهاية خساستها شريكة له في المعبودية ، وهذه الكلمة مفسرة في سورة الأنعام ، وهو {قَوِىٌّ} لا يتعذر عليه فعل شيء و{عَزِيزٌ} لا يقدر أحد على مغالبته ، فأي حاجة إلى القول بالشريك. قال الكلبي في هذه الآية ونظيرها في سورة الأنعام : إنها نزلت في جماعة من اليهود وهم مالك ابن الصيف وكعب بن الأشرف وكعب بن أسد وغيرهم لعنهم الله ، حيث قالوا إنه سبحانه لما فرغ من خلق السموات والأرض أعيا من خلقها فاستلقى واستراح ووضع إحدى رجليه على الأخرى ، فنزلت هذه الآية تكذيباً لهم ونزل قوله تعالى : {وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ} . واعلم أن منشأ هذه الشبهات هو القول بالتشبيه فيجب تنزيه ذات الله تعالى عن مشابهة سائر الذوات خلاف ما يقوله المشبهة ، وتنزيه صفاته عن مشابهة سائر الصفات خلاف ما يقوله الكرامية ، وتنزيه أفعاله عن مشابهة سائر الأفعال ، أعني الغرض والداعي واستحقاق المدح والذم خلاف ما تقوله المعتزلة ، قال الإمام أبو القاسم الأنصاري رحمه الله ، فهو سبحانه جبار النعت عزيز الوصف فالأوهام لا تصوره والأفكار لا تقدره والعقول لا تمثله والأزمنة لا تدركه والجهات لا تحويه ولا تحده ، صمدي الذت سرمدي الصفات.
جزء : 23 رقم الصفحة : 253
258
اعلم أنه سبحانه لما قدم ما يتعلق بالإلهيات ذكر ههنا ما يتعلق بالنبوات ، قال مقاتل : قال الوليد ابن المغيرة : أأنزل عليه الذكر من بيننا ؟
فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وههنا سؤالان :
السؤال الأول : كلمة {مِنْ} للتبعيض فقوله : {اللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ الملائكة رُسُلا} (فاطر : 1) يقتضي أن تكون الرسل بعضهم لا كلهم ، وقوله : {جَاعِلِ الملائكة رُسُلا} يقتضي كون كلهم رسلاً فوقع التناقض والجواب : جاز أن يكون المذكور ههنا من كان رسلاً إلى بني آدم ، وهم أكابر الملائكة / كجبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل والحفظة صلوات الله عليهم ، وأما كل الملائكة فبعضهم رسل إلى البعض فزال التناقض.
السؤال الثاني : قال في سورة الزمر : {لَّوْ أَرَادَ اللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا اصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ } (الزمر : 4) فدل على أن ولده يجب أن يكون مصطفى ، وهذه الآية دلت على أن بعض الملائكة وبعض الناس من المصطفين ، فيلزم بمجموع الآيتين إثبات الولد والجواب : أن قوله : {لَّوْ أَرَادَ اللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا اصْطَفَى } يدل على أن كل ولد مصطفى ، ولا يدل على أن كل مصطفى ولد ، فلا يلزم من دلالة هذه الآية على وجود مصطفى كونه ولداً ، وفي هذه الآية وجه آخر ، وهو أن المراد تبكيت من عبد غير الله تعالى من الملائكة ، كأنه سبحانه أبطل في الآية الأولى قول عبدة الأوثان. وفي هذه الآية أبطل قول عبدة الملائكة ، فبين أن علو درجة الملائكة ليس لكونهم آلهة ، بل لأن الله تعالى اصطفاهم لمكان عبادتهم ، فكأنه تعالى بين أنهم ما قدروا الله حق قدره أن جعلوا الملائكة معبودين مع الله ، ثم بين سبحانه بقوله : {إِنَّ اللَّهَ سَمِيعُا بَصِيرٌ} أنه يسمع ما يقولون ويرى ما يفعلون ، ولذلك أتبعه بقوله : {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ } فقال بعضهم ما تقدم في الدنيا وما تأخر ، وقال بعضهم : {مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} أمر الآخرة ، {وَمَا خَلْفَهُم} أمر الدنيا ، ثم أتبعه بقوله : {وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الامُورُ} فقوله : {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} إشارة إلى العلم التام وقوله : {وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الامُورُ} إشارة إلى القدرة التامة والتفرد بالإلهية والحكم ، ومجموعهما يتضمن نهاية الزجر عن الإقدام على المعصية.
جزء : 23 رقم الصفحة : 258
258
اعلم أنه سبحانه لما تكلم في الإلهيات ثم في النبوات أتبعه بالكلام في الشرائع وهو من أربع أوجه أولها : تعيين المأمور وثانيها : أقسام المأمور به وثالثها : ذكر ما يوجب قبول تلك الأوامر ورابعها : تأكيد ذلك التكليف.
(1/3226)

أما النوع الأول : وهو تعيين المأمور فهو قوله تعالى : {ذَالِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا } وفيه قولان : أحدهما : المراد منه كل المكلفين سواء كان مؤمناً أو كافراً ، لأن التكليف بهذه الأشياء عام في كل المكلفين فلا معنى لتخصيص المؤمنين بذلك والثاني : أن المراد بذلك المؤمنون فقط أما أولاً : فلأن اللفظ صريح فيه ، وأما ثانياً : فلأن قوله بعد ذلك {هُوَ اجْتَبَـاكُمْ} وقوله : {هُوَ سَمَّـاـاكُمُ الْمُسْلِمِينَ} وقوله : {وَتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ } كل ذلك لا يليق إلا بالمؤمنين. أقصى ما في الباب أن يقال لما كان ذلك واجباً على الكل فأي فائدة في تخصيص المؤمنين ؟
لكنا نقول تخصيصهم بالذكر لا يدل على نفي ذلك عما عداهم بل قد دلت هذه الآية على كونهم على التخصيص مأمورين بهذه الأشياء ودلت سائر الآيات على كون الكل مأمورين بها. ويمكن أن يقال فائدة التخصيص أنه لما جاء الخطاب العام مرة بعد أخرى ثم إنه ما قبله إلا المؤمنون خصهم الله تعالى بهذا الخطاب ليكون ذلك كالتحريض لهم على المواظبة على قبوله وكالتشريق لهم في ذلك الإقرار والتخصيص.
جزء : 23 رقم الصفحة : 258
أما النوع الثاني : وهو المأمور به فقد ذكر الله أموراً أربعة : الأول : الصلاة وهو المراد من قوله : {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا } وذلك لأن أشرف أركان الصلاة هو الركوع والسجود والصلاة هي المختصة بهذين الركنين فكان ذكرهما جارياً مجرى ذكر الصلاة وذكر ابن عباس رضي الله عنهما أن الناس في أول إسلامهم كانوا يركعون ولا يسجدون حتى نزلت هذه الآية الثاني : قوله : {وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ} وذكروا فيه وجوهاً : أحدها : اعبدوه ولا تعبدوا غيره وثانيها : واعبدوا ربكم في سائر المأمورات والمنهيات وثالثها : افعلوا الركوع والسجود وسائر الطاعات على وجه العبادة لأنه لا يكفي أن يفعل فإنه ما لم يقصد به عبادة الله تعالى لا ينفع في باب الثواب فلذلك عطف هذه الجملة على الركوع والسجود الثالث : قوله تعالى : {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ} قال ابن عباس رضي الله عنهما يزيد به صلة الرحم ومكارم الأخلاق والوجه عندي في هذا الترتيب أن الصلاة نوع من أنواع العبادة والعبادة نوع من أنواع فعل الخير ، لأن فعل الخير ينقسم إلى خدمة المعبود الذي هو عبارة عن التعظيم لأمر الله وإلى الإحسان الذي هو عبارة عن الشفقة على خلق الله ويدخل فيه البر والمعروف والصدقة على الفقراء وحسن القول للناس فكأنه سبحانه قال كلفتكم بالصلاة بل كلفتكم بما هو أعم منها وهو العبادة بل كلفتكم بما هو أعم من العبادة وهو فعل الخيرات.
أما قوله تعالى : {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} فقيل معناه لتفلحوا ، والفلاح الظفر بنعيم الآخرة/ وقال الإمام أبو القاسم الأنصاري لعل كلمة للترجية فإن الإنسان قلما يخلو في أداء الفريضة من تقصير / وليس هو على يقين من أن الذي أتي به هل هو مقبول عند الله تعالى والعواقب أيضاً مستورة "وكل ميسر لما خلق له" الرابع : قوله تعالى : {وَجَـاهِدُوا فِى اللَّهِ حَقَّ جِهَادِه } قال صاحب "الكشاف" {فِى اللَّهِ} أي في ذات الله ، ومن أجله. يقال هو حق عالم وجد عالم أي عالم حقاً وجداً ومنه {حَقَّ جِهَادِه } وههنا سؤالات :
السؤال الأول : ما وجه هذه الإضافة وكان القياس حق الجهاد فيه أو حق جهادكم فيه كما قال : {وَجَـاهِدُوا فِى اللَّهِ حَقَّ جِهَادِه } ؟
والجواب : الإضافة تكون بأدنى ملابسة واختصاص ، فلما كان الجهاد مختصاً بالله من حيث إنه مفعول لوجهه ومن أجله صحت الإضافة إليه.
جزء : 23 رقم الصفحة : 258
(1/3227)

السؤال الثاني : ما هذا الجهاد ؟
الجواب : فيه وجوه : أحدها : أن المراد قتال الكفار خاصة ، ومعنى {حَقَّ جِهَادِه } أن لا يفعل إلا عبادة لا رغبة في الدنيا من حيث الإسم أو الغنيمة والثاني : أن يجاهدوا آخراً كما جاهدوا أولاً فقد كان جهادهم في الأول أقوى وكانوا فيه أثبت نحو صنعهم يوم بدر ، روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال لعبد الرحمن بن عوف : أما علمت أنا كنا نقرأ {وَجَـاهِدُوا فِى اللَّهِ حَقَّ جِهَادِه } في آخر الزمان كما جاهدتموه في أوله ، فقال عبد الرحمن ومتى ذاك يا أمير المؤمنين ؟
قال إذا كانت بنو أمية الأمراء وبنو المغيرة الوزراء ، واعلم أنه يبعد أن تكون هذه الزيادة من القرآن وإلا لنقل كنقل نظائره ، ولعله إن صح ذلك عن الرسول فإنما قاله كالتفسير للآية ، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأ : وجاهدوا في الله حق جهاده كما جاهدتم أول مرة. فقال عمر من الذي أمرنا بجهاده ؟
فقال قبيلتان من قريش مخزوم وعبد شمس ، فقال صدقت والثالث : قال ابن عباس : حق جهاده ، لا تخافوا في الله لومة لائم والرابع : قال الضحاك : واعملوا لله حق عمله والخامس : استفرغوا وسعكم في إحياء دين الله وإقامة حقوقه بالحرب باليد واللسان وجميع ما يمكن وردوا أنفسكم عن الهوى والميل والوجه السادس : قال عبدالله بن المبارك : حق جهاده ، مجاهدة النفس والهوى. ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلّم من غزوة تبوك قال : "رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر" والأولى أن يحمل ذلك على كل التكاليف ، فكل ما أمر به ونهى عنه فالمحافظة عليه جهاد.
السؤال الثالث : هل يصح ما نقل عن مقاتل والكلبي أن هذه الآية منسوخة بقوله : {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} (التغابن : 16) كما أن قوله : {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِه } (آل عمران : 102) منسوخ بذلك ؟
الجواب : هذا بعيد لأن التكليف مشروط بالقدرة لقوله تعالى : {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا } فكيف يقول الله وجاهدوا في الله على وجه لا تقدرون عليه ، وكيف وقد كان الجهاد في الأول مضيقاً حتى لا يصح أن يفر الواحد من عشرة ، ثم خففه الله بقوله : {الْـاَـانَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ} أفيجوز مع ذلك أن يوجبه على وجه لا يطاق حتى يقال إنه منسوخ.
/ النوع الثالث : بيان ما يوجب قبول هذه الأوامر وهو ثلاثة : الأول : قوله : {هُوَ اجْتَبَـاكُمْ} ومعناه أن التكليف تشريف من الله تعالى للعبد ، فلما خصكم بهذا التشريف فقد خصكم بأعظم التشريفات واختاركم لخدمته والاشتغال بطاعته ، فأي رتبة أعلى من هذا ، وأي سعادة فوق هذا ، ويحتمل في اجتباكم خصكم بالهداية والمعونة والتيسير.
جزء : 23 رقم الصفحة : 258
أما قوله تعالى : {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } فهو كالجواب عن سؤال يذكر وهو أن التكليف وإن كان تشريفاً واجباً كما ذكرتم لكنه شاق شديد على النفس ؟
فأجاب الله تعالى عنه بقوله : {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } روي أن أبا هريرة رضي الله عنه قال كيف قال الله تعالى : {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } مع أنه منعنا عن الزنا والسرقة ؟
فقال ابن عباس رضي الله عنهما : بلى ولكن الإصر الذي كان على بني إسرائيل وضع عنكم ، وههنا سؤالات :
السؤال الأول : ما الحرج في أصل اللغة ؟
الجواب : روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال لبعض هذيل ما تعدون الحرج فيكم ؟
قال الضيق ، وعن عائشة رضي الله عنها : "سألت رسول الله صلى الله عليه وسلّم عن ذلك فقال الضيق".
السؤال الثاني : ما المراد من الحرج في الآية ؟
الجواب : قيل هو الإتيان بالرخص ، فمن لم يستطع أن يصلي قائماً فليصل جالساً ومن لم يستطع ذلك فليؤم ، وأباح للصائح الفطر في السفر والقصر فيه. وأيضاً فإنه سبحانه لم يبتل عبده بشيء من الذنوب إلا وجعل له مخرجاً منها إما بالتوبة أو بالكفارة ، وعن ابن عمر رضي الله عنهما "إنه من جاءته رخصة فرغب عنها كلف يوم القيامة أن يحمل ثقل تنين حتى يقضي بين الناس" وعن النبي صلى الله عليه وسلّم "إذا اجتمع أمران فأحبهما إلى الله تعالى أيسرهما" وعن كعب : أعطى الله هذه الأمة ثلاثاً لم يعطهم إلا للأنبياء : "جعلهم شهداء على الناس ، وما جعل عليهم في الدين من حرج ، وقال أدعوني أستجب لكم".
السؤال الثالث : استدلت المعتزلة بهذه الآية في المنع من تكليف مالا يطاق ، فقالوا : لما خلق الله الكفر والمعصية في الكافر والعاصي ثم نهاه عنهما كان ذلك من أعظم الحرج وذلك منفي بصريح هذا النص والجواب : لما أمره بترك الكفر وترك الكفر يقتضي انقلاب علمه جهلاً فقد أمر الله المكلف بقلب علم الله جهلاً وذلك من أعظم الحرج ، ولما استوى القدمان زال السؤال.
(1/3228)

الموجب الثاني : لقبول التكليف قوله : {مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَا هُوَ سَمَّـاـاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ} وفي نصب الملة وجهان : أحدهما : وهو قول الفراء أنها منصوبة بمضمون ما تقدمها كأنه قيل وسع دينكم توسعة ملة أبيكم إبراهيم ، ثم حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه والثاني : أن يكون منصوباً على المدح والتعظيم أي أعني بالدين ملة أبيكم إبراهيم ، واعلم أن المقصود من ذكره التنبيه على أن هذه التكاليف والشرائع هي شريعة إبراهيم عليه الصلاة والسلام. والعرب كانوا محبين لإبراهيم عليه السلام لأنهم من أولاده ، فكان التنبيه على ذلك كالسبب لصيروتهم منقادين لقبول هذا الدين وههنا سؤالات :
/
جزء : 23 رقم الصفحة : 258
السؤال الأول : لم قال : {مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ } ولم يدخل في الخطاب المؤمنون الذين كانوا في زمن الرسول صلى الله عليه وسلّم ولم يكن من ولده ؟
والجواب : من وجهين : أحدهما : لما كان أكثرهم من ولده كالرسول ورهطه وجميع العرب جاز ذلك وثانيهما : وهو قول الحسن أن الله تعالى جعل حرمة إبراهيم عليه السلام على المسلمين كحرمة الوالد على ولده ، ومنه قوله تعالى {النَّبِىُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ } (الأحزاب : 6) فجعل حرمته كحرمة الوالد على الولد ، وحرمة نسائه كحرمة الوالدة على ما قال تعالى : {وَأَزْوَاجُه ا أُمَّهَـاتُهُمْ } (الأحزاب : 6).
السؤال الثاني : هذا يقتضي أن تكون ملة محمد كملة إبراهيم عليهما السلام سواء ، فيكون الرسول ليس له شرع مخصوص ويؤكده قوله تعالى : {أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} ، الجواب : هذا الكلام إنما وقع مع عبدة الأوثان ، فكأنه تعالى قال : عبادة الله وترك الأوثان هي ملة إبراهيم فأما تفاصيل الشرائع فلا تعلق لها بهذا الموضع.
السؤال الثالث : ما معنى قوله تعالى : {هُوَ سَمَّـاـاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ} ؟
الجواب : فيه قولان : أحدهما : أن الكناية راجعة إلى إبراهيم عليه السلام ، فإن لكل نبي دعوة مستجابة وهو قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام : {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ} (البقرة : 128) فاستجاب الله تعالى له فجعلها أمة محمد صلى الله عليه وسلّم ، وروي أنه عليه الصلاة والسلام أخبر بأن الله تعالى سيبعث محمداً بمثل ملته وأنه ستسمى أمته بالمسلمين والثاني : أن الكناية راجعة إلى الله تعالى في قوله : {هُوَ اجْتَبَـاكُمْ} فروى عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : إن الله سماكم المسلمين من قبل" أي في كل الكتب ، وفي هذا أي في القرآن. وهذا الوجه أقرب لأنه تعالى قال : {لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ } فبين أنه سماهم بذلك لهذا الغرض وهذا لا يليق إلا بالله ، ويدل عليه أيضاً قراءة أبي بن كعب {اللَّهُ سَمْعَكُمْ} والمعنى أنه سبحانه في سائر الكتب المتقدمة على القرآن ، وفي القرآن أيضاً بين فضلكم على الأمم وسماكم بهذا الاسم الأكرم ، لأجل الشهادة المذكورة. فلما خصكم الله بهذه الكرامة فاعبدوه ولا تردوا تكاليفه. وهذا هو العلة الثالثة : الموجبة لقبول التكليف ، وأما الكلام في أنه كيف يكون الرسول شهيداً علينا ، وكيف تكون أمته شهداء على الناس ؟
فقد تقدم في سورة البقرة ، وبينا أنه أخذ منه ما يدل على أن الإجماع حجة.
جزء : 23 رقم الصفحة : 258
(1/3229)

النوع الرابع : شرح ما يجري مجرى المؤكد لما مضى ، وهو قوله : {ءَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ} ويجب صرفها إلى المفروضات لأنها هي المعهودة واعتصموا بالله أي بدلائله العقلية والسمعية وألطافه وعصمته ، قال ابن عباس : "سلوا الله العصمة عن كل المحرمات" وقال القفال : اجعلوا الله عصمة لكم مما تحذرون هو مولاكم وسيدكم المتصرف فيكم فنم المولى ونعم البصير ، فكأنه سبحانه قال أنا مولاك بل أنا ناصرك وحسبك ، واعلم أن المعتزلة احتجوا بهذه الآيات / من وجوه : أحدها : أن قوله : {لِّتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ} يدل على أنه سبحانه أراد الإيمان من الكل ، لأنه تعالى لا يجعل الشهيد على عباده إلا من كان عدلاً مرضياً ، فإذا أراد أن تكونوا شهداء على الناس فقد أراد تكونوا جميعاً صالحين عدولاً ، وقد علمنا أن منهم فاسقاً ، فدل ذلك على أن الله تعالى أراد من الفسق كونه عدلاً وثانيها : قوله : {وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ} وكيف يمكن الاعتصام به مع أن الشر لا يوجد إلا منه ؟
وثالثها : قوله : {فَنِعْمَ الْمَوْلَى } لأنه لو كان كما يقوله أهل السنة من أنه خلق أكثر عباده ليخلق فيهم الكفر والفساد ثم يعذبهم لما كان نعم المولى ، بل كان لا يوجد من شرار الموالي أحد إلا وهو شر منه. فكان يجب أن يوصف بأنه بئس المولى وذلك باطل فدل على أنه سبحانه ما أراد من جميعهم إلا الصلاح . فإن قيل لم لا يجوز أن يكون نعم المولى للمؤمنين خاصة كما أنه نعم النصير لهم خاصة ؟
قلنا إنه تعالى مولى المؤمنين والكافرين جميعاً فيجب أن يقال إنه نعم المولى للمؤمنين وبئس المولى للكافرين. فإن ارتكبوا ذلك فقد ردوا القرآن والإجماع وصرحوا بشتم الله تعالى ، ورابعها : أن قوله : {سَمَّا كُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ} يدل على إثبات الأسماء الشرعية وأنها من قبل الله تعالى لأنها لو كانت لغة لما أضيفت إلى الله تعالى على وجه الخصوص. والجواب : عن الأول وهو قوله كونه تعالى مريداً لكونه شاهداً يستلزم كونه مريداً لكونه عدلاً ، فنقول : إن كانت إرادة الشيء مستلزمة لإرادة لوازمه فإرادة الإيمان من الكافر توجب أن تكون مستلزمة لإرادة جهل الله تعالى فيلزم كونه تعالى مريداً لجهل نفسه. وإن لم يكن ذلك واجباً سقط الكلام.
وأما قوله : {وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ} فيقال هذا أيضاً وارد عليكم فإنه سبحانه خلق الشهوة في قلب الفاسق وأكدها وخلق المشتهي وقربه منه ورفع المانع ثم سلط عليه الشياطين من الإنس والجن وعلم أنه لا محالة يقع في الفجور والضلال ، وفي الشاهد كل من فعل ذلك فإنه يكون بئس المولى ، فإن صح قياس الغائب على الشاهد فهذا لازم عليكم وإن بطل سقط كلامكم بالكلية.
جزء : 23 رقم الصفحة : 258
264
(1/3230)

سورة المؤمنون
مائة وثمان عشرة آية مكية
جزء : 23 رقم الصفحة : 264
268
/ اعلم أنه سبحانه حكم بحصول الفلاح لمن كان مستجمعاً لصفات سبع ، وقبل الخوض في شرح تلك الصفات لا بد من بحثين :
البحث الأول : أن {قَدْ} نقيضة لما فقد تثبت المتوقع ولما تنفيه ولا شك أن المؤمنين كانوا متوقعين لمثل هذه البشارة ، وهي الإخبار بثبات الفلاح لهم فخوطبوا بما دل على ثبات ما توقعوه.
/ البحث الثاني : الفلاح الظفر بالراد وقيل البقاء في الخير ، وأفلح دخل في الفلاح كأبشر دخل في البشارة ، ويقال أفلحه صيره إلى الفلاح ، وعليه قراءة طلحة بن مصرف أفلح على البناء للمفعول ، وعنه أفلحوا على لغة أكلوني البراغيث أو على الإبهام والتفسير.
الصفة الأولى : قوله : {الْمُؤْمِنُونَ} وقد تقدم القول في الإيمان في سورة البقرة.
جزء : 23 رقم الصفحة : 268
الصفة الثانية : قوله : {الَّذِينَ هُمْ فِى صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ} واختلفوا في الخشوع فمنهم من جعله من أفعال القلوب كالخوف والرهبة ، ومنهم من جعله من أفعال الجوارح كالسكون وترك الالتفات ، ومنهم من جمع بين الأمرين وهو الأولى. فالخاشع في صلاته لا بد وأن يحصل له مما يتعلق بالقلب من الأفعال نهاية الخضوع والتذلل للمعبود ، ومن التروك أن لا يكون ملتفت الخاطر إلى شيء سوى التعظيم ، ومما يتعلق بالجوارح أن يكون ساكناً مطرقاً ناظراً إلى موضع سجوده ، ومن التروك أن لا يلتفت يميناً ولا شمالاً ، ولكن الخشوع الذي يرى على الإنسان ليس إلا ما يتعلق بالجوارح فإن ما يتعلق بالقلب لا يرى ، قال : الحسن وابن سيرين كان المسلمون يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلّم يفعل ذلك فلما نزلت هذه الآية طأطأ وكان لا يجاوز بصره مصلاه ، فإن قيل فهل تقولون إن ذلك واجب في الصلاة ؟
قلنا إنه عندنا واجب ويدل عليه أمور : أحدها : قوله تعالى : {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ} (محمد : 24) والتدبر لا يتصور بدون الوقوف على المعنى ، وكذا قوله تعالى : {وَرَتِّلِ الْقُرْءَانَ تَرْتِيلا} (المزمل : 4) معناه قف على عجائبه ومعانيه وثانيها : قوله تعالى : {إِنَّنِى أَنَا اللَّهُ} (طه : 14) وظاهر الأمر للوجوب والغفلة تضاد الذكر فمن غفل في جميع صلاته كيف يكون مقيماً للصلاة لذكره وثالثها : قوله تعالى : {وَلا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ} (الأعراف : 205) وظاهر النهي للتحريم ورابعها : قوله : {حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} النساء : 43) تعليل لنهي السكران وهو مطرد في الغافل المستغرق المهتم بالدنيا وخامسها : قوله عليه السلام : "إنما الخشوع لمن تمسكن وتواضع" وكلمة إنما للحصر ، وقوله عليه السلام : "من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعداً" وصلاة الغافل لا تمنع من الفحشاء ، وقال عليه السلام : "كم من قائم حظه من قيامه التعب والنصب" وما أراد به إلا الغافل ، وقال أيضاً : "ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل" وسادسها : قال الغزالي رحمه الله : المصلي يناجي ربه كما ورد به الخبر والكلام مع الغفلة ليس بمناجاة ألبتة ، وبيانه أن الإنسان إذا أدى الزكاة حال الغفلة فقد حصل المقصود منها على بعض الوجوه ، وهو كسر الحرص وإغناء الفقير ، وكذا الصوم قاهر للقوى كاسر لسطوة الهوى التي هي عدوة الله تعالى. فلا يبعد أن يحصل منه مقصوده مع الغفلة ، وكذا الحج أفعال شاقة ، وفيه من المجاهدة ما يحصل به الابتلاء سواء كان القلب حاضراً أو لم يكن. أما الصلاة فليس فيها إلا ذكر وقراءة وركوع وسجود وقيام وقعود ، أما الذكر فإنه مناجاة مع الله تعالى. فإما أن يكون المقصود منه كونه مناجاة ، أو المقصود مجرد الحروف والأصوات ، / ولا شك في فساد هذا القسم فإن تحريك اللسان بالهذيان ليس فيه غرض صحيح. فثبت أن المقصود منه المناجاة وذلك لا يتحقق إلا إذا كان اللسان معبراً عما في القلب من التضرعات فأي سؤال في قوله
جزء : 23 رقم الصفحة : 268
(1/3231)

{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} (الفاتحة : 6) وكان القلب غافلاً عنه ؟
بل أقول لو حلف إنسان ، وقال : والله لأشكرن فلاناً وأثنى عليه وأسأله حاجة. ثم جرت الألفاظ الدالة على هذه المعاني على لسانه في اليوم لم يبر في يمينه ولو جرى على لسانه في ظلمة الليل وذلك الإنسان حاضر وهو لا يعرف حضوره ولا يراه لا يصير باراً في يمينه ، ولا يكون كلامه خطاباً معه ما لم يكن حاضراً بقلبه ، ولو جرت هذه الكلمات على لسانه وهو حاضر في بياض النهار إلا أن المتكلم غافل لكونه مستغرق الهم بفكر من الأفكار ولم يكن له قصد توجيه الخطاب عليه عند نطقه لم يصر باراً في يمينه ، ولا شك أن المقصود من القراءة الأذكار والحمد والثناء والتضرع والدعاء والمخاطب هو الله تعالى ، فإذا كان القلب محجوباً بحجاب الغفلة وكان غافلاً عن جلال الله وكبريائه ، ثم إن لسانه يتحرك بحكم العادة فما أبعد ذلك عن القبول. وأما الركوع والسجود فالمقصود منهما التعظيم ، ولو جاز أن يكون تعظيماً لله تعالى مع أنه غافل عنه ، لجاز أن يكون تعظيماً للصنم الموضوع بين يديه وهو غافل عنه ، ولأنه إذا لم يحصل التعظيم لم يبق إلا مجرد حركة الظهر والرأس ، وليس فيها من المشقة ما يصير لأجله عماداً للدين ، وفاصلاً بين الكفر والإيمان ، ويقدم على الحج والزكاة والجهاد وسائر الطاعات الشاقة ، ويجب القتل بسببه على الخصوص ، وبالجملة فكل عاقل يقطع بأن مشاهدة الخواص العظيمة ليس أعمالها الظاهرة إلا أن ينضاف إليها مقصود هذه المناجاة ، فدلت هذه الاعتبارات على أن الصلاة لا بد فيها من الحضور وسابعها : أن الفقهاء اختلفوا فيما ينويه بالسلام عند الجماعة والانفراد ، هل ينوي الحضور أو الغيبة والحضور معاً. فإذا احتيج إلى التدبر في معنى السلام الذي هو آخر الصلاة فلأن يحتاج إلى التدبر في معنى التكبير والتسبيح التي هي الأشياء المقصودة من الصلاة بالطريق الأولى ، واحتج المخالف بأن اشتراط الخضوع والخشوع على خلاف اجتماع الفقهاء فلا يلتفت إليه والجواب : من وجوه : أحدها : أن الحضور عندنا ليس شرطاً للأجزاء ، بل شرط للقبول ، والمراد من الإجزاء أن لا يجب القضاء ، والمراد من القبول حكم الثواب. والفقهاء إنما يبحثون عن حكم الإجزاء لا عن حكم الثواب ، وغرضنا في هذا المقام هذا ، ومثاله في الشاهد من استعار منك ثوباً ثم رده على الوجه الأحسن ، فقد خرج عن العهدة واستحق المدح ، ومن رماه إليك على وجه الاستخفاف خرج عن العهدة ، ولكنه استحق الذم ، كذا من عظم الله تعالى حال أدائه العبادة صار مقيماً للفرض مستحقاً للثواب ، ومن استهان بها صار مقيماً للفرض ظاهراً لكنه استحق الذم وثانيها : أنا نمنع هذا الإجماع ، أما المتكلمون فقد اتفقوا على أنه لا بد من الحضور والخشوع ، واحتجوا عليه بأن السجود لله تعالى طاعة وللصنم كفر/ وكل واحد منهما يماثل الآخر في ذاته ولوازمه ، فلا بد من أمر لأجله صار السجود في إحدى الصورتين طاعة ، / وفي الأخرى معصية ، قالوا وما ذاك إلا القصد والإرادة ، والمراد من القصد إيقاع تلك الأفعال لداعية الامتثال ، وهذه الداعية لا يمكن حصولها إلا عند الحضور ، فلهذا اتفقوا على أنه لا بد من الحضور ، أما الفقهاء فقد ذكر الفقيه أبو الليث رحمه الله في تنبيه الغافلين : أن تمام القراءة أن يقرأ بغير لحن وأن يقرأ بالتفكر. وأما الغزالي رحمه الله فإنه نقل عن أبي طالب المكي عن بشر الحافي أنه قال : من لم يخشع فسدت صلاته. وعن الحسن رحمه الله : كل صلاة لا يحضر فيها القلب فهي إلى العقوبة أسرع. وعن معاذ بن جبل : من عرف من على يمينه وشماله متعمداً وهو في الصلاة فلا صلاة له. وروي أيضاً مسنداً قال عليه السلام : "إن العبد ليصلي الصلاة لا يكتب له سدسها ولا عشرها ، وإنما يكتب للعبد من صلاته ما عقل منها". وقال عبد الواحد بن زيد : أجمعت العلماء على أنه ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل ، وادعى فيه الإجماع إذا ثبت هذا فنقول هب أن الفقهاء بأسرهم حكموا بالجواز ، أليس الأصوليون وأهل الورع ضيقوا الأمر فيها ، فهلا أخذت بالاحتياط فإن بعض العلماء اختار الإمامة ، فقيل له في ذلك فقال : أخاف إن تركت الفاتحة أن يعاتبني الشافعي ، وإن قرأتها مع الإمام أن يعاتبني أبو حنيفة ، فاخترت الإمامة طلباً للخلاص عن هذا الاختلاف والله أعلم.
جزء : 23 رقم الصفحة : 268
(1/3232)

الصفة الثالثة : قوله تعالى : {وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ} وفي اللغو أقوال : أحدها : أنه يدخل فيه كل ما كان حراماً أو مكروهاً أو كان مباحاً ، ولكن لا يكون بالمرء إليه ضرورة وحاجة وثانيها : أنه عبارة عن كل ما كان حراماً فقط ، وهذا التفسير أخص من الأول وثالثها : أنه عبارة عن المعصية في القول والكلام خاصة ، وهذا أخص من الثاني ورابعها : أنه المباح الذي لا حاجة إليه ، واحتج هذا القائل بقوله تعالى : {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِى أَيْمَـانِكُمْ} (المائدة : 89) فكيف يحمل ذلك على المعاصي التي لا بد فيها من المؤاخذة ، واحتج الأولون بأن اللغو إنما سمي لغواً بما أنه يلغي وكل ما يقتضي الدين إلغاءه كان أولى باسم اللغو ، فوجب أن يكون كل حرام لغواً ، ثم اللغو قد يكون كفراً لقوله : {لا تَسْمَعُوا لِهَـاذَا الْقُرْءَانِ وَالْغَوْا فِيهِ} (فصلت : 26) وقد يكون كذباً لقوله : {لا تَسْمَعُ فِيهَا لَـاغِيَةً} (الغاشية : 11) وقوله : {لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا} (الواقعة : 25) ثم إنه سبحانه وتعالى مدحهم بأنهم يعرضون عن هذا اللغو والإعراض عنه ، هو بأن لا يفعله ولا يرضى به ولا يخالط من يأتيه ، وعلى هذا الوجه قال تعالى : {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} (الفرقان : 72) واعلم أنه سبحانه وتعالى لما وصفهم بالخشوع في الصلاة أتبعه الوصف بالإعراض عن اللغو ، ليجمع لهم الفعل والترك الشاقين على الأنفس الذين هما قاعدتا بناء التكليف وهو أعلم.
الصفة الرابعة : قوله تعالى : {وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَواةِ فَـاعِلُونَ} وفي الزكاة قولان : أحدهما : قول أبي مسلم : أن فعل الزكاة يقع على كل فعل محمود مرضي ، كقوله : {قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى } (الأعلى : 14) وقوله : {فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ } (النجم : 32) ومن جملته ما يخرج من حق المال ، وإنما سمى بذلك لأنها تطهر من الذنوب لقوله / تعالى : {تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا} (التوبة : 103). والثاني : وهو قول الأكثرين أنه الحق الواجب في الأموال خاصة وهذا هو الأقرب. لأن هذه اللفظة قد اختصت في الشرع بهذا المعنى ، فإن قيل إنه لا يقال في الكلام الفصيح إنه فعل الزكاة/ قلنا قال صاحب "الكشاف" : الزكاة اسم مشترك بين عين ومعنى ، فالعين القدر الذي يخرجه المزكى من النصاب إلى الفقير ، والمعنى فعل المزكى الذي هو التزكية وهو الذي أراده الله تعالى فجعل المزكين فاعلين له ولا يسوغ فيه غيره ، لأنه ما من مصدر إلا يعبر عن معناه بالفعل. ويقال لمحدثه فاعل ، يقال للضارب فاعل الضرب ، وللقاتل فاعل القتل ، وللمزكى فاعل الزكاة ، وعلى هذا الكلام كله يجوز أن يراد بالزكاة العين ، ويقدر مضاف محذوف وهو الأداء فإن قيل إن الله تعالى هناك لم يفصل بين الصلاة والزكاة ، فلم فصل ههنا بينهما بقوله : {وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ} ؟
قلنا لأن الإعراض عن اللغو من متممات الصلاة.
جزء : 23 رقم الصفحة : 268
الصفة الخامسة : قوله تعالى : {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَـافِظُونَ * إِلا عَلَى ا أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} وفيه سؤالات :
السؤال الأول : لم لم يقل إلا عن أزواجهم الجواب : قال الفراء معناه إلا من أزواجهم وذكر صاحب "الكشاف" فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه في موضع الحال أي إلا والين على أزواجهم أو قوامين عليهن من قولك كان فلان على فلانة ، ونظيره كان زياد على البصرة أي والياً عليها ، ومنه قولهم فلانة تحت فلان ومن ثم سميت المرأة فراشاً. والمعنى أنهم لفروجهم حافظون في كافة الأحوال إلا في حال تزوجهم أو تسريهم وثانيها : أنه متعلق بمحذوف يدل عليه غير ملومين كأنه قيل يلامون إلا على أزواجهم أي يلامون على كل مباشرة إلا على ما أطلق لهم فإنهم غير ملومين عليه وهو قول الزجاج وثالثها : أن تجعله صلة لحافظين.
السؤال الثاني : هلا قيل من ملكت الجواب : لأنه اجتمع في السرية وصفان : أحدهما : الأنوثة وهي مظنة نقصان العقل والآخر كونها بحيث تباع وتشتري كسائر السلع ، فلاجتماع هذين الوصفين فيها جعلت كأنها ليست من العقلاء.
السؤال الثالث : هذه الآية تدل على تحريم المتعة على ما يروى عن القاسم بن محمد الجواب : نعم وتقريره أنها ليست زوجة له فوجب أن لا تحل له ، وإنما قلنا إنها ليست زوجة له لأنهما لا يتوارثان بالإجماع ولو كانت زوجة له لحصل التوارث لقوله تعالى : {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ} (النساء : 12) وإذا ثبت أنها ليست بزوجة له وجب أن لا تحل له لقوله تعالى : {إِلا عَلَى ا أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـانُهُمْ} وهو أعلم.
(1/3233)

السؤال الرابع : أليس لا يحل له في الزوجة وملك اليمين الاستمتاع في أحوال كحال الحيض وحال العدة وفي الأمة حال تزويجها من الغير وحال عدتها ، وكذا الغلام داخل في ظاهر قوله وتعالى : {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـانُهُمْ} والجواب : من وجهين : أحدهما : أن مذهب أبي حنيفة / رحمه الله أن الاستثناء من النفي لا يكون إثباتاً واحتج عليه بقوله عليه السلام : "لا صلاة إلا بطهور ولا نكاح إلا بولي" فإن ذلك لا يقتضي حصول الصلاة بمجرد حصول الطهور وحصول النكاح بمجرد حصول الولي. وفائدة الاستثناء صرف الحكم لا صرف المحكوم به فقوله : {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَـافِظُونَ * إِلا عَلَى ا أَزْوَاجِهِمْ} معناه أنه يجب حفظ الفروج عن الكل إلا في هاتين الصورتين فإني ما ذكرت حكمهما لا بالنفي ولا بالإثبات الثاني : أنا إن سلمنا أن الاستثناء من النفي إثبات ، فغايته أنه عام دخله التخصيص بالدليل فيبقى فيما وراءه حجة.
جزء : 23 رقم الصفحة : 268
أما قوله تعالى : {فَ أولئك هُمُ الْعَادُونَ} يعني الكاملون في العدوان المتناهون فيه.
الصفة السادسة : قوله تعالى : {وَالَّذِينَ هُمْ لامَـانَـاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} قرأ نافع وابن كثير واعلم أنه يسمى الشيء المؤتمن عليه والمعاهد عليه أمانة وعهداً/ ومنه قوله تعالى : {ظَلِيلا * إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الامَـانَـاتِ إِلَى ا أَهْلِهَا} وقال : {وَتَخُونُوا أَمَـانَـاتِكُمْ} (الأنفال : 27) وإنما تؤدي العيون دون المعاني فكان المؤتمن عليه الأمانة في نفسه والعهد ، ما عقده على نفسه فيما يقربه إلى ربه ويقع أيضاً على ما أمر الله تعالى به كقوله : {الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَآ} (آل عمران : 183) والراعي القائم على الشيء لحفظ وإصلاح كراعي الغنم وراعي الرعية ، ويقال من راعى هذا الشيء ؟
أي موليه. واعلم أن الأمانة تتناول كل ما تركه يكون داخلاً في الخيانة وقد قال تعالى : { يَـا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَـانَـاتِكُمْ} (الأنفال : 270) فمن ذلك العبادات التي المرء مؤتمن عليها وكل العبادات تدخل في ذلك ، لأنها إما أن تخفي أصلاً كالصوم وغسل الجنابة وإسباغ الوضوء أو تخفي كيفية إتيانه بها وقال عليه السلام : "أعظم الناس خيانة من لم يتم صلاته" وعن ابن مسعود رضي الله عنه : "أول ما تفقدون من دينكم الأمانة وآخر ما تفقدون الصلاة" ومن جملة ذلك ما يلتزمه بفعل أو قول فيلزمه الوفاء به كالودائع والعقود وما يتصل بهما. ومن ذلك الأقوال التي يحرم بها العبيد والنساء لأنه مؤتمن في ذلك ، ومن ذلك أن يراعى أمانته فلا يفسدها بغصب أو غيره ، وأما العهد فإنه دخل فيه العقود والإيمان والنذور ، فبين سبحانه أن مراعاة هذه الأمور والقيام بها معتبر في حصول الفلاح.
الصفة السابعة : قوله : {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} وإنما أعاد تعالى ذكرها لأن الخشوع والمحافظة متغايران غير متلازمين ، فإن الخشوع صفة للمصلي في حال الأداء لصلاته والمحافظة إنما تصح حال ما لم يؤدها بكمالها. بل المراد بالمحافظة التعهد لشروطها من وقت وطهارة وغيرهما والقيام على أركانها وإتمامها حتى يكون ذلك دأبه في كل وقت ، ثم لما ذكر الله تعالى مجموع هذه الأمور قال : { أولئك هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَـالِدُونَ} وههنا سؤالات :
جزء : 23 رقم الصفحة : 268
(1/3234)

السؤال الأول : لم سمي ما يجدونه من الثواب والجنة بالميراث ؟
مع أنه سبحانه حكم بأن الجنة حقهم في قوله : {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ } الجواب : من / وجوه : الأول : ما روي عن الرسول صلى الله عليه وسلّم وهو أبين على ما يقال فيه وهو : أنه لا مكلف إلا أعد الله له في النار ما يستحقه إن عصى وفي الجنة ما يستحقه إن أطاع وجعل لذلك علامة. فإذا آمن منهم البعض ولم يؤمن البعض صار منزل من لم يؤمن كالمنقول إلى المؤمنين وصار مصيرهم إلى النار الذي لا بد معه من حرمان الثواب كموتهم ، فسمى ذلك ميراثاً لهذا الوجه ، وقد قال الفقهاء إنه لا فرق بين ما ملكه الميت وبين ما يقدر فيه الملك في أنه يورث عنه كذلك قالوا في الدية التي تجب بالقتل إنها تورث مع أنه ما ملكها على التحقيق وذلك يشهد بما ذكرنا ، فإن قيل إنه تعالى وصف كل الذي يستحقونه إرثاً وعلى ما قلتم يدخل في الإرث ما كان يستحقه غيرهم لو أطاع. قلنا لا يمتنع أنه تعالى جعل ما هو منزلة لهذا المؤمن بعينه منزلة لذلك الكافر لو أطاع لأنه عند ذلك وكان يزيد في المنازل فإذا آمن هذا عدل بذلك إليه وثانيها : أن انتقال الجنة إليهم بدون محاسبة ومعرفة بمقاديره يشبه انتقال المال إلى الوارث وثالثها : أن الجنة كانت مسكن أبينا آدم عليه السلام فإذا انتقلت إلى أولاده صار ذلك شبيهاً بالميراث.
السؤال الثاني : كيف حكم على الموصوفين بالصفات السبع بالفلاح مع أنه تعالى ما تمم ذكر العبادات الواجبة كالصوم والحج والطهارة والجواب : أن قوله : {وَالَّذِينَ هُمْ لامَـانَـاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} يأتي على جميع الواجبات من الأفعال والتروك كما قدمنا والطهارات دخلت في جملة المحافظة على الصلوات الخمس لكونها من شرائطها.
السؤال الثالث : أفيدل قوله تعالى : { أولئك هُمُ الْوَارِثُونَ} على أنه لا يدخلها غيرهم ؟
الجواب : أن قوله : {هُمُ الْوَارِثُونَ} يفيد الحصر لكنه يجب ترك العمل به لأنه ثبت أن الجنة يدخلها الأطفال والمجانين والولدان والحور العين ويدخلها الفساق من أهل القبلة بعد العفو ، لقوله تعالى : {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَالِكَ لِمَن يَشَآءُ } .
السؤال الرابع : أفكل الجنة هو الفردوس ؟
الجواب : الفردوس هو الجنة بلسان الحبشة وقيل بلسان الروم ، وروى أبو موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال : "الفردوس مقصورة الرحمن فيها الأنهار والأشجار" وروى أبو أمامة عنه عليه السلام أنه قال : "سلوا الله الفردوس فإنها أعلى الجنان ، وإن أهل الفردوس يسمعون أطيط العرش".
جزء : 23 رقم الصفحة : 268
السؤال الخامس : هل تدل الآية على أن هذه الصفات هي التي لها ولأجلها يكونون مؤمنين أم لا ؟
الجواب : ادعى القاضي أن الأمر كذلك بناء على مذهبه أن الإيمان اسم شرعي موضوع لأداء كل الواجبات ، وعندنا أن الآية لا تدل على ذلك ، لأن قوله : {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِى صَلاتِهِمْ خَـاشِعُونَ} مثل قد أفلح الناس الأذكياء العدول ، فإن هذا لا يدل على أن الزكاة والعدالة داخلان في مسمى الناس فكذا ههنا.
السؤال السادس : روي أنه عليه الصلاة والسلام قال : "لما خلق الله تعالى جنة عدن قال / لها تكلمي فقالت : قد أفلح المؤمنون" وقال كعب : "خلق الله آدم بيده وكتب التوراة بيده وغرس شجرة طوبى بيده ، ثم قال لها تكلمي فقالت : قد أفلح المؤمنون" ، وروي أنه عليه السلام قال : "إذا أحسن العبد الوضوء وصلى الصلاة لوقتها وحافظ على ركوعها وسجودها ومواقيتها قالت حفظك الله كما حافظت علي ، وشفعت لصاحبها. وإذا أضاعها قالت أضاعك الله كما ضيعتني وتلف كما يلف الثوب الخلق فيضرب بها وجه صاحبها" الجواب : أما كلام الجنة فالمراد به أنها أعدت للمؤمنين فصار ذلك كالقول منها ، وهو كقوله تعالى : {قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآاـاِعِينَ} (فصلت : 11) وأما أنه تعالى خلق الجنة بيده فالمراد تولى خلقها لا أنه وكله إلى غيره ، وأما أن الصلاة تثنى على من قام بحقها فهو في الجواز أبعد من كلام الجنة ، لأن الصلاة حركات وسكنات ولا يصح عليها أن تتصور وتتكلم فالمراد منه ضرب المثل كما يقول القائل للمنعم إن إحسانك إلي ينطق بالشكر.
(1/3235)

السؤال السابع : هل تدل الآية على أن الفردوس مخلوقة ؟
الجواب : قال القاضي دل قوله تعالى : {أُكُلُهَا دَآاـاِمٌ} (الرعد : 35) على أنها غير مخلوقة فوجب تأويل هذه الآية ، كأنه تعالى قال إذا كان يوم القيامة يخلق الله الجنة ميراثاً للمؤمنين أو وإذا خلقها تقول على مثال ما تأولنا عليه قوله تعالى : {وَنَادَى ا أَصْحَـابُ النَّارِ أَصْحَـابَ الْجَنَّةِ} (الأعراف : 50) وهذا ضعيف لأنه ليس إضمار ما ذكره في هذه الآية أولى من أن يضمر في قوله : {أُكُلُهَا دَآاـاِمٌ} (الرعد : 35) ثم إن أكلها دائم ، يوم القيامة ، وإذا تعارض هذان الظاهران فنحن نتمسك في أن الجنة مخلوقة بقوله تعالى : {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} (آل عمران : 133).
جزء : 23 رقم الصفحة : 268
269
اعلم أنه سبحانه لما أمر بالعبادات في الآية المتقدمة ، والاشتغال بعبادة الله لا يصح إلا بعد معرفة الإله الخالق ، لا جرم عقبها بذكر ما يدل على وجوده واتصافه بصفات الجلال والوحدانية فذكر من الدلائل أنواعاً :
/ النوع الأول : الاستدلال يتقلب الإنسان في أدوار الخلقة وأكوان الفطرة وهي تسعة :
المرتبة الأولى : قوله سبحانه تعالى : {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الانسَـانَ مِن سُلَـالَةٍ مِّن طِينٍ} والسلالة الخلاصة لأنها تسل من بين الكدر ، فُعالة وهو بناء يدل على القلة كالقُلامة والقُمامة ، واختلف أهل التفسير في الإنسان فقال ابن عباس وعكرمة وقتادة ومقاتل : المراد منه آدم عليه السلام فآدم سل من الطين وخلقت دريته من ماء مهين ، ثم جعلنا الكناية راجعة إلى الإنسان الذي هو ولد آدم ، والإنسان شامل لآدم عليه السلام ولولده ، وقال آخرون : الإنسان ههنا ولد آدم والطين ههنا اسم آدم عليه السلام ، والسلالة هي الأجزاء الطينية المبثوثة في أعضائه التي لما اجتمعت وحصلت في أوعية المنى صارت منياً ، وهذا التفسير مطابق لقوله تعالى : {وَبَدَأَ خَلْقَ الانسَـانِ مِن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَه مِن سُلَـالَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ} (السجدة : 7 ، 8) وفيه وجه آخر ، وهو أن الإنسان إنما يتولد من النطفة وهي إنما تتولد من فضل الهضم الرابع وذلك إنما يتولد من الأغذية ، وهي إما حيوانية وإما نياتية ، والحيوانية تنتهي إلى النباتية ، والنبات إنما يتولد من صفو الأرض والماء فالإنسان بالحقيقة يكون متولداً من سلالة من طين ، ثم إن تلك السلالة بعد أن تواردت على أطوار الخلقة وأدوار الفطرة صارت منياً ، وهذا التأويل مطابق للفظ ولا يحتاج فيه إلى التكلفات.
جزء : 23 رقم الصفحة : 269
المرتبة الثانية : قوله تعالى : {ثُمَّ جَعَلْنَـاهُ نُطْفَةً فِى قَرَارٍ مَّكِينٍ} ومعنى جعل الإنسان نطفة أنه خلق جوهر الإنسان أولاً طيناً ، ثم جعل جوهره بعد ذلك نطفة في أصلاب الآباء فقذفه الصلب بالجماع إلى رحم المرأة فصار الرحم قراراً مكيناً لهذه النطفة والمراد بالقرار موضع القرار وهو المستقر فسماه بالمصدر ثم وصف الرحم بالمكانة التي هي صفة المستقر فيها كقولك طريق سائر أو لمكانتها في نفسها لأنها تمكنت من حيث هي وأحرزت.
المرتبة الثالثة : قوله تعالى : {ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً} أي حولنا النطفة عن صفاتها إلى صفات العلقة وهي الدم الجامد.
المرتبة الرابعة : قوله تعالى : {فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً} أي جعلنا ذلك الدم الجامد مضغة أي قطعة لحم كأنها مقدار ما يمضغ كالغرفة وهي مقدار ما يغترف ، وسمى التحويل خلقاً لأنه سبحانه يفني بعض أعراضها ويخلق أعراضاً غيرها فسمى خلق الأعراض خلقاً لها وكأنه سبحانه وتعالى يخلق فيها أجزاء زائدة.
المرتبة الخامسة : قوله : {فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَـامًا} أي صيرناها كذلك وقرأ ابن عامر عظماً والمراد منه الجمع كقوله : {وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} .
المرتبة السادسة : قوله تعالى : {فَكَسَوْنَا الْعِظَـامَ لَحْمًا} وذلك لأن اللحم يستر العظم فجعله كالكسوة لها.
(1/3236)

المرتبة السابعة : قوله تعالى : {ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً} أي خلقاً مبايناً للخلق الأول مباينة / ما أبعدها حيث جعله حيواناً وكان جماداً ، وناطقاً وكان أبكم ، وسميعاً وكان أصم ، وبصيراً وكان أكمه ، وأودع باطنه وظاهره بل كل عضو من أعضائه وكل جزء من أجزائه عجائب فطرة وغرائب حكمة لا يحيط بها وصف الواصفين ، ولا شرح الشارحين ، وروى العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : هو تصريف الله إياه بعد الولادة في أطواره في زمن الطفولية وما بعدها إلى استواء الشباب ، وخلق الفهم والعقل وما بعده إلى أن يموت ، ودليل هذا القول إنه عقبه بقوله : {ثُمَّ إِنَّكُم بَعْدَ ذَالِكَ لَمَيِّتُونَ} وهذا المعنى مروي أيضاً عن ابن عباس وابن عمر ، وإنما قال : {أَنشَأْنَـاهُ} لأنه جعل إنشاء الروح فيه ، وإتمام خلقه إنشاء له قالوا في الآية دلالة على بطلان قول النظام في أن الإنسان هو الروح لا البدن فإنه سبحانه بين أن الإنسان هو المركب من هذه الصفات ، وفيها دلالة أيضاً على بطلان قول الفلاسفة الذين يقولون إن الإنسان شيء لا ينقسم ، وإنه ليس بجسم.
جزء : 23 رقم الصفحة : 269
أما قوله : {فَتَبَارَكَ اللَّهُ} أي فتعالى الله فإن البركة يرجع معناها إلى الامتداد والزيادة ، وكل ما زاد على الشيء فقد علاه ، ويجوز أن يكون المعنى ، والبركات والخيرات كلها من الله تعالى ، وقيل أصله من البروك وهو الثبات ، فكأنه قال والبقاء والدوام. والبركات كلها منه فهو المستحق للتعظيم والثناء ، وقوله : {أَحْسَنُ الْخَـالِقِينَ} أي أحسن المقدرين تقديراً فترك ذكر المميز لدلالة الخالقين عليه وههنا مسائل :
المسألة الأولى : قالت المعتزلة لولا أن الله تعالى قد يكون خالقاً لفعله إذا قدره لما جاز القول بأنه أحسن الخالقين ، كما لو لم يكن في عباده من يحكم ويرحم لم يجز أن يقال فيه أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين ، والخلق في اللغة هو كل فعل وجد من فاعله مقدراً لا على سهو وغفلة ، والعباد قد يفعلون ذلك على هذا الوجه ، قال الكعبي هذه الآية ، وإن دلت على أن العبد خالق إلا أن اسم الخالق لا يطلق على العبد إلا مع القيد كما أنه يجوز أن يقال رب الدار ، ولا يجوز أن يقال رب بلا إضافة ، ولا يقول العبد لسيده هو ربي ، ولا يقال إنما قال الله تعالى ذلك لأنه سبحانه وصف عيسى عليه السلام بأنه يخلق من الطين كهيئة الطير لأنا نجيب عنه من وجهين : أحدهما : إن ظاهر الآية يقتضي أنه سبحانه {أَحْسَنُ الْخَـالِقِينَ} الذين هم جمع فحمله على عيسى خاصة لا يصح الثاني : أنه إذا صح وصف عيسى بأنه يخلق صح وصف غيره من المصورين أيضاً بأنه يخلق ؟
وأجاب أصحابنا بأن هذه الآية معارضة بقول الله تعالى : {اللَّهُ خَـالِقُ كُلِّ شَىْءٍ} (الزمر : 62) فوجب حمل هذه الآية على أنه {أَحْسَنُ الْخَـالِقِينَ} في اعتقادكم وظنكم ، كقوله تعالى : {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْه } (الروم : 27) أي هو أهون عليه في اعقتادكم وظنكم والجواب الثاني : هو أن الخالق هو المقدر لأن الخلق هو التقدير والآية تدل على أنه سبحانه أحسن المقدرين ، والتقدير يرجع معناه إلى الطن والحسبان ، وذلك في حق الله سبحانه محال ، فتكون الآية من المتشابهات والجواب الثالث : أن الآية تقتضي / كون العبد خالقاً بمعنى كونه مقدراً ، لكن لم قلت بأنه خالق بمعنى كونه موجداً.
المسألة الثانية : قالت المعتزلة الآية تدل على أن كل ما خلقه حسن وحكمة وصواب وإلا لما جاز وصفه بأنه أحسن الخالقين ، وإذا كان كذلك وجب أن لا يكون خالقاً للكفر والمعصية فوجب أن يكون العبد هو الموجد لهما ؟
والجواب : من الناس من حمل الحسن على الإحكام والاتقان في التركيب والتأليف ، ثم لو حملناه على ما قالوه فعندنا أنه يحسن من الله تعالى كل الأشياء لأنه ليس فوقه أمر ونهي حتى يكون ذلك مانعاً له عن فعل شيء.
جزء : 23 رقم الصفحة : 269
(1/3237)

المسألة الثالثة : روى الكلبي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن عبدالله بن سعد بن أبي سرح كان يكتب هذه الآيات لرسول الله صلى الله عليه وسلّم فلما انتهى إلى قوله تعالى : {خَلْقًا ءَاخَرَ } عجب من ذلك فقال : {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَـالِقِينَ} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : "اكتب فهكذا نزلت" فشك عبدالله وقال إن كان محمد صادقاً فيما يقول فإنه يوحى إلي كما يوحى إليه ، وإن كان كاذباً فلا خير في دينه فهرب إلى مكة فقيل إنه مات على الكفر ، وقيل إنه أسلم يوم الفتح ، وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال لما نزلت هذه الآية قال عمر بن الخطاب : {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَـالِقِينَ} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم هكذا نزلت يا عمر. وكان عمر يقول : وافقني ربي في أربع ، في الصلاة خلف المقام ، وفي ضرب الحجاب على النسوة ، وقولي لهن : لتنتهن أو ليبدلنه الله خيراً منكن ، فنزل قوله تعالى : {عَسَى رَبُّه ا إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَه ا أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ} (التحريم : 5) والرابع قلت : {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَـالِقِينَ} فقال هكذا نزلت. قال العارفون هذه الواقعة كانت سبب السعادة لعمر ، وسبب الشقاوة لعبد الله كما قال تعالى : {يُضِلُّ بِه كَثِيرًا وَيَهْدِي بِه كَثِيرًا } (البقرة : 26) فإن قيل فعلى كل الروايات قد تكلم البشر ابتداء بمثل نظم القرآن ، وذلك يقدح في كونه معجزاً كما ظنه عبدالله والجواب : هذا غير مستبعد إذا كان قدره القدر الذي لا يظهر فيه الإعجاز فسقطت شبهة عبدالله.
المرتبة الثامنة : قوله : {ثُمَّ إِنَّكُم بَعْدَ ذَالِكَ لَمَيِّتُونَ} قرأ ابن أبي عبلة وابن محيصن والفرق بين الميت والمائت ، أن الميت كالحي صفة ثابتة ، وأما المائت فيدل على الحدوث تقول زيد ميت الآن ومائت غداً ، وكقولك يموت ونحوهما ضيق وضائق في قوله : {إِلَيْكَ وَضَآئِقُا بِه صَدْرُكَ} (هود : 12).
المرتبة التاسعة : قوله : {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَـامَةِ تُبْعَثُونَ} فالله سبحانه جعل الإماتة التي هي إعدام الحياة والبعث الذي هو إعادة ما يفنيه ويعدمه دليلين أيضاً على اقتدار عظيم بعد الإنشاء والاختراع وههنا سؤالات :
جزء : 23 رقم الصفحة : 269
السؤال الأول : ما الحكمة في الموت ، وهلا وصل نعيم الآخرة وثوابها بنعيم الدنيا فيكون ذلك في الأنعام أبلغ ؟
والجواب : هذا كالمفسدة في حق المكلفين لأنه متى عجل للمرء الثواب فيما يتحمله من المشقة في الطاعات صار إتيانه بالطاعات لأجل تلك المنافع لا لأجل طاعة الله ، يبين ذلك أنه لو قيل لمن يصلي ويصوم إذا فعلت ذلك أدخلناك الجنة في الحال ، فإنه لا يأتي بذلك الفعل / إلا لطلب الجنة ، فلاجرم أخره الله تعالى وبعده بالإماتة ثم الإعادة ليكون العبد عابداً لربه بطاعته لا لطلب الانتفاع.
السؤال الثاني : هذه الآية تدل على نفي عذاب القبر لأنه قال : {ثُمَّ إِنَّكُم بَعْدَ ذَالِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَـامَةِ تُبْعَثُونَ} ولم يذكر بين الأمرين الإحياء في القبر والإماتة والجواب : من وجهين : الأول : أنه ليس في ذكر الحياتين نفي الثالثة والثاني : أن الغرض من ذكر هذه الأجناس الثلاثة الإنشاء والإماتة والإعادة ، والذي ترك ذكره فهو من جنس الإعادة.
النوع الثاني : من الدلائل الاستدلال بخلقة السموات وهو قوله تعالى : {وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَآاـاِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَـافِلِينَ} (المؤمنون : 17).
فقوله : {سَبْعَ طَرَآاـاِقَ} (المؤمنون : 17) أي سبع سموات وإنما قيل لها طرائق لتطارقها بمعنى كون بعضها فوق بعض يقال طارق الرجل نعليه إذا أطبق نعلاً على نعل وطارق بين ثوبين إذا لبس ثوباً فوق ثوب. هذا قول الخليل والزجاج والفراء قال الزجاج هو كقوله : {سَبْعَ سَمَـاوَاتٍ طِبَاقًا } (نوح : 15) وقال علي بن عيسى سميت بذلك لأنها طرائق للملائكة في العروج والهبوط والطيران ، وقال آخرون لأنها طرائق الكواكب فيها مسيرها والوجه في إنعامه علينا بذلك أنه تعالى جعلها موضعاً لأرزاقنا بإنزال الماء منها ، وجعلها مقراً للملائكة ، ولأنها موضع الثواب ، ولأنها مكان إرسال الأنبياء ونزول الوحي.
(1/3238)

أما قوله : {وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَـافِلِينَ} (المؤمنون : 17) ففيه وجوه : أحدها : ما كنا غافلين بل كنا للخلق حافظين من أن تسقط عليهم الطرائق السبع فتهلكهم وهذا قول سفيان بن عيينة ، وهو كقوله تعالى : {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَـاوَاتِ وَالارْضَ أَن تَزُولا } (فاطر : 41) وثانيها : إنما خلقناها فوقهم لننزل عليهم الأرزاق والبركات منها عن الحسن وثالثها : أنا خلقنا هذه الأشياء فدل خلقنا لها على كمال قدرتنا ثم بين كمال العلم بقوله : {وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَـافِلِينَ} (المؤمنون : 17) يعني عن أعمالهم وأقوالهم وضمائرهم وذلك يفيد نهاية الزجر ورابعها : وما كنا عن خلق السموات غافلين بل نحن لها حافظون لئلا تخرج عن التقدير الذي أردنا كونها عليه كقوله تعالى : {مَّا تَرَى فِى خَلْقِ الرَّحْمَـن ِ مِن تَفَـاوُتٍ } (الملك : 3).
جزء : 23 رقم الصفحة : 269
واعلم أن هذه الآية دالة على كثير من المسائل : إحداها : أنها دالة على وجود الصانع فإن انقلاب هذه الأجسام من صفة إلى صفة أخرى تضاد الأولى مع إمكان بقائها على تلك الصفة يدل على أنه لابد من محول ومغير. وثانيتها : أنها تدل على فساد القول بالطبيعة فإن شيئاً من تلك الصفات لو حصل بالطبيعة لوجب بقاؤها وعدم تغيرها ولو قلت إنما تغيرت تلك الصفات لتغير تلك الطبيعة افتقرت تلك الطبيعة إلى خالق وموجود وثالثتها : تدل على أن المدبر قادر عالم لأن الموجب / والجاهل لا يصدر عنه هذه الأفعال العجيبة ورابعتها : تدل على أنه عالم بكل المعلومات قادر على كل الممكنات وخامستها : تدل على جواز الحشر والنشر نظراً إلى صريح الآية ونظراً إلى أن الفاعل لما كان قادراً على كل الممكنات وعالماً بكل المعلومات وجب أن يكون قادراً على إعادة التركيب إلى تلك الأجزاء كما كانت وسادستها : أن معرفة الله تعالى يجب أن تكون استدلالية لا تقليدية وإلا لكان ذكر هذه الدلائل عبثاً.
النوع الثالث : الاستدلال بنزول الأمطار وكيفية تأثيراتها في النبات.
جزء : 23 رقم الصفحة : 269
270
اعلم أن الماء في نفسه نعمة وأنه مع ذلك سبب لحصول النعم فلا جرم ذكره الله تعالى أولاً ثم ذكر ما يحصل به من النعم ثانياً.
أما قوله تعالى : {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءَا بِقَدَرٍ} فقد اختلفوا في السماء فقال الأكثرون من المفسرين إنه تعالى ينزل الماء في الحقيقة من السماء وهو الظاهر من اللفظ ويؤكده قوله : {وَفِى السَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} (الذاريات : 22) وقال بعضهم المراد السحاب وسماه سماء لعلوه ، والمعنى أن الله تعالى أصعد الأجزاء المائية من قعر الأرض إلى البحار ومن البحار إلى السماء حتى صارت عذبة صافية بسبب ذلك التصعيد ، ثم إن تلك الذرات تأتلف وتتكون ثم ينزله الله تعالى على قدر الحاجة إليه ، ولولا ذلك لم ينتفع بتلك المياه لتفرقها في قعر الأرض ولا بماء البحار لملوحته ولأنه لا حيلة في إجراء مياه البحار على وجه الأرض لأن البحار هي الغاية في العمق ، واعلم أن هذه الوجوه إنما يتمحلها من ينكر الفاعل المختار فأما من أقربه فلا حاجة به إلى شيء منها.
أما قوله تعالى : {بِقَدَرٍ} فمعناه بتقدير يسلمون معه من المضرة ويصلون إلى المنفعة في الزرع والغرس والشرب ، أو بمقدار ما علمناه من حاجاتهم ومصالحهم.
/ أما قوله : {فَأَسْكَنَّـاهُ فِى الارْضِ } قيل معناه جعلناه ثابتاً في الأرض ، قال ابن عباس رضي الله عنهما أنزل الله تعالى من الجنة خمسة أنهار سيحون وجيحون ودجلة والفرات والنيل ، ثم يرفعها عند خروج يأجوج ومأجوج ويرفع أيضاً القرآن.
أماقوله : {وَإِنَّا عَلَى ذَهَابا بِه لَقَـادِرُونَ} أي كما قدرنا على إنزاله فكذلك نقدر على رفعه وإزالته ، قال صاحب "الكشاف" وقوله : {عَلَى ذَهَابا بِه } من أوقع النكرات وأخرها للفصل. والمعنى على وجه من وجوه الذهاب به وطريق من طرقه. وفيه إيذان بكمال اقتدار المذهب وأنه لا يعسر عليه شيء وهو أبلغ في الإيعاد من قوله : {قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكُم بِمَآءٍ مَّعِين } (الملك : 30) ثم إنه سبحانه لما نبه على عظيم نعمته بخلق الماء ذكر بعده النعم الحاصلة من الماء فقال : {فَأَنشَأْنَا لَكُم بِه جَنَّـاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَـابٍ} وإنما ذكر تعالى النخيل والأعناب لكثرة منافعهما فإنهما يقومان مقام الطعام ومقام الأدام ومقام الفواكه رطباً ويابساً وقوله : {لَّكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ} أي في الجنات ، فكما أن فيها النخيل والأعناب ففيها الفواكه الكثيرة وقوله : {وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} قال صاحب "الكشاف" يجوز أن يكون هذا من قولهم فلان يأكل من حرفة يحترفها ومن صنعة يعملها يعنون أنها طعمته وجهته التي منها يحصل رزقه ، كأنه قال وهذه الجنات وجوه أرزاقكم ومعايشكم منها تتعيشون.
(1/3239)

جزء : 23 رقم الصفحة : 270
أما قوله تعالى : {وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ} فهو عطف على جنات وقرئت مرفوعة على الابتداء أي ومما أنشأنا لكم شجرة ، قال صاحب "الكشاف" طور سيناء وطور سينين لا يخلو إما أن يضاف فيه الطور إلى بقعة اسمها سيناء وسينون ، وإما أن يكون اسماً للجبل مركباً من مضاف ومضاف إليه كامرىء القيس وبعلبك فيمن أضاف ، فمن كسر سين سيناء فقد منع الصرف للتعريف والعجمة أو التأنيث لأنها بقعة وفعلاء لا يكون ألفه للتأنيث كعلباء وحرباء/ ومن فتح لم يصرفه لأن ألفه للتأنيث كصحراء ، وقيل هو جبل فلسطين وقيل بين مصر وأيلة ، ومنه نودي موسى عليه السلام وقرأ الأعمش سينا على القصر.
أما قوله تعالى : {تَنابُتُ بِالدُّهْنِ} فهو في موضع الحل أي تنبت وفيها الدهن ، كما يقال ركب الأمير بجنده ، أي ومعه الجند وقرىء تنبت وفيه وجهان : أحدهما : أن أنبت بمعنى نبت قال زهير :
ف رأيت ذوي لحاجات حول بيوتهم
قطيناً لهم حتى إذا أنبت البقل
والثاني : أن مفعوله محذوف ، أي تنبت زيتونها وفيه الزيت ، قال المفسرون : وإنما أضافها الله تعالى إلى هذا الجبل لأن منها تشعبت في البلاد وانتشرت ولأن معظمها هناك. أما قوله : / {وَصِبْغٍ لِّلاكِلِينَ} فعطف على الدهن ، أي إدام للآكلين ، والصبغ والصباغ ما يصطبغ به ، أي يصبغ به الخبز ، وجملة القول أنه سبحانه وتعالى نبه على إحسانه بهذه الشجرة ، لأنها تخرج هذه الثمرة التي يكثر بها الانتفاع وهي طرية ومدخرة ، وبأن تعصر فيظهر الزيت منها ويعظم وجوه الانتفاع به.
النوع الرابع : الاستدلال بأحوال الحيوانات.
جزء : 23 رقم الصفحة : 270
272
اعلم أنه سبحانه وتعالى ذكر أن فيها عبرة مجملاً ثم أردفه بالتفصيل من أربعة أوجه : أحدها : قوله : {نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِى بُطُونِهَا} والمراد منه جميع وجوه الانتفاع بألبانها ، ووجه الاعتبار فيه أنها تجتمع في الضروع وتتخلص من بين الفرث والدم بإذن الله تعالى ، فتستحيل إلى طهارة وإلى لون وطعم موافق للشهوة وتصير غذاء ، فمن استدل بذلك على قدرة الله وحكمته. كان ذلك معدوداً في النعم الدينية ومن انتفع به فهو في نعمة الدنيا ، وأيضاً فهذه الألبان التي تخرج من بطونها إلى ضروعها تجدها شراباً طيباً ، وإذا ذبحتها لم تجد لها أثراً ، وذلك يدل على عظيم قدرة الله تعالى. قال صاحب "الكشاف" وقرىء تسقيكم بتاء مفتوحة ، أي تسقيكم الأنعام وثانيها : قوله : {وَلَكُمْ فِيهَا مَنَـافِعُ كَثِيرَةٌ} وذلك بيعها والانتفاع بأثمانها وما يجري مجرى ذلك وثالثها : قوله : {وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} يعني كما تنتفعون بها وهي حية تنتفعون بها بعد الذبح أيضاً بالأكل ورابعها : قوله : {وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ} لأن وجه الانتفاع بالإبل في المحمولات على البر بمنزلة الانتفاع بالفلك في البحر ، ولذلك جمع بين الوجهين في إنعامه لكي يشكر على ذلك ويستدل به ، واعلم أنه سبحانه وتعالى لما بين دلائل التوحيد أردفها بالقصص كما هو العادة في سائر السور وهي ههنا.
القصة الأولى قصة نوح عليه السلام
جزء : 23 رقم الصفحة : 272
274
قال قوم : إن نوحاً كان اسمه يشكر ، ثم سمي نوحاً لوجوه : أحدها : لكثرة ما ناح على نفسه حين دعا على قومه بالهلاك ، فأهلكهم بالطوفان فندم على ذلك وثانيها : لمراجعة ربه في شأن ابنه وثالثها : أنه مر بكلب مجذوم ، فقال له إخساً يا قبيح ، فعوتب على ذلك ، فقال الله له : أعبتني إذ خلقته ، أم عبت الكلب. وهذه الوجوه مشكلة لما ثبت أن الأعلام لا تفيد صفة في المسمى.
أما قوله : {اعْبُدُوا اللَّهَ} فالمعنى أنه سبحانه أرسله بالدعاء إلى عبادة الله تعالى وحده ، ولا يجوز أن يدعوهم إلى ذلك إلا وقد دعاهم إلى معرفته أولاً ، لأن عبادة من لا يكون معلوماً غير جائزة وإنما يجوز ويجب بعد المعرفة.
أما قوله : {مَا لَكُم مِّنْ إِلَـاهٍ غَيْرُه ا } فالمراد أن عبادة غير الله لا تجوز إذ لا إله سواه. ومن حق العبادة أن تحسن لمن أنعم بالخلق والإحياء وما بعدهما ، فإذا لم يصح ذلك إلا منه تعالى فكيف يعبد ما لا يضر ولا ينفع ؟
وقرىء غيره بالرفع على المحل وبالجر على اللفظ ، ثم إنه لما لم ينفع فيهم هذا الدعاء واستمروا على عبادة غير الله تعالى حذرهم بقوله : {أَفَلا تَتَّقُونَ} لأن ذلك زجر ووعيد باتقاء العقوبة لينصرفوا عما هم عليه. ثم إنه سبحانه حكى عنهم شبههم في إنكار نبوة نوح عليه السلام.
(1/3240)

الشبهة الأولى : قولهم : {مَا هَـاذَآ إِلا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} وهذه الشبهة تحتمل وجهين : أحدهما : أن يقال إنه لما كان مساوياً لسائر الناس في القوة والفهم والعلم والغنى والفقر والصحة والمرض امتنع كونه رسولاً لله ، لأن الرسول لا بد وأن يكون عظيماً عند الله تعالى وحبيباً له ، والحبيب لا بد وأن يختص عن غير الحبيب بمزيد الدرجة والمعزة ، فلما فقدت هذه الأشياء علمنا انتفاء الرسالة والثاني : أن يقال هذا الإنسان مشارك لكم في جميع الأمور ، ولكنه أحب الرياسة والمتبوعية فلم يجد إليهما سبيلاً إلا بادعاء النبوة ، فصار ذلك شبهة لهم في القدح في نبوته ، فهذا الاحتمال متأكد بقوله تعالى خبراً عنهم {يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ} أي يريد أن يطلب الفضل عليكم ويرأسكم كقوله تعالى : {وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَآءُ فِى الارْضِ} .
جزء : 23 رقم الصفحة : 274
الشبهة الثانية : قولهم : {وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لانزَلَ ملائكة } وشرحه أن الله تعالى لو شاء إرشاد البشر لوجب أن يسلك الطريق الذي يكون أشد إفضاء إلى المقصود ، ومعلوم أن بعثة الملائكة أشد / إفضاء إلى هذا المقصود من بعثة البشر ، لأن الملائكة لعلو شأنهم وشدة سطوتهم وكثرة علومهم ، فالخلق ينقادون إليهم ، ولا يشكون في رسالتهم ، فلما لم يفعل ذلك علمنا أنه ما أرسل رسولاً ألبتة.
الشبهة الثالثة : قولهم : {مَا هَـاذَآ إِلا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ} وقوله بهذا إشارة إلى نوح عليه السلام ، أو إلى ما كلمهم به من الحث على عبادة الله تعالى ، أي ما سمعنا بمثل هذا الكلام ، أو بمثل هذا الذي يدعى وهو بشر أنه رسول الله ، وشرح هذه الشبهة أنهم كانوا أقواماً لا يعولون في شيء من مذاهبهم إلا على التقليد والرجوع إلى قول الآباء/ فلما لم يجدوا في نبوة نوح عليه السلام هذه الطريقة حكموا بفسادها. قال القاضي : يحتمل أن يريدوا بذلك كونه رسولاً مبعوثاً ، لأنه لا يمتنع فيما تقدم من زمان آبائهم أنه كان زمان فترة ، ويحتمل أن يريدوا بذلك دعاءهم إلى عبادة الله تعالى وحده ، لأن آباءهم كانوا على عبادة الأوثان.
الشبهة الرابعة : قولهم : {إِنْ هُوَ إِلا رَجُلُا بِه جِنَّةٌ} والجنة : الجنون أو الجن ، فإن جهال العوام يقولون في المجنون زال عقله بعمل الجن ، وهذه الشبهة من باب الترويج على العوام ، فإنه عليه الصلاة والسلام كان يفعل أفعالاً على خلاف عاداتهم ، فأولئك الرؤساء كانوا يقولون للعوام إنه مجنون ، ومن كان مجنوناً فكيف يجوز أن يكون رسولاً.
الشبهة الخامسة : قولهم : {فَتَرَبَّصُوا بِه حَتَّى حِينٍ} وهذا يحتمل أن يكون متعلقاً بما قبله أي أنه مجنون فاصبروا إلى زمان حتى يظهر عاقبة أمره فإن أفاق وإلا قتلتموه ويحتمل أن يكون كلاماً مستأنفاً وهو أن يقولوا لقومهم اصبروا فإنه إن كان نبياً حقاً فالله ينصره ويقوي أمره فنحن حينئذ نتبعه وإن كان كاذباً فالله يخذله ويبطل أمره ، فحينئذ نستريح منه ، فهذه مجموع الشبه التي حكاها الله تعالى عنهم ، واعلم أنه سبحانه ما ذكر الجواب عنها لركاكتها ووضوح فسادها ، وذلك لأن كل عاقل يعلم أن الرسول لا يصير رسولاً إلا لأنه من جنس الملك وإنما يصير كذلك بأن يتميز من غيره بالمعجزات فسواء كان من جنس الملك أو من جنس البشر فعند ظهور المعجز عليه يجب أن يكون رسولاً ، بل جعل الرسول من جملة البشر أولى لما مر بيانه في السور المتقدمة وهو أن الجنسية مظنة الألفة والمؤانسة ، وأما قولهم {يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ} فإن أرادوا به إرادته لإظهار فضله حتى يلزمهم الانقياد لطاعته فهذا واجب على الرسول ، وأن إرادوا به أن يرتفع عليهم على سبيل التجبر والتكبر والانقياد فالأنبياء منزهون عن ذلك ، وأما قولهم ما سمعنا بهذا فهو استدلال بعدم التقليد على عدم وجود الشيء وهو في غاية السقوط لأن وجود التقليد لا يدل على وجود الشيء فعدمه من أين يدل على عدمه ، وأما قولهم به جنة ، فقد كذبوا لأنهم كانوا يعلمون بالضرورة كمال عقله ، وأما قولهم : فتربصوا به ، فضعيف لأنه إن ظهرت الدلالة على نبوته وهي المعجزة وجب عليهم قبول قوله في الحال ، ولا يجوز توقيف ذلك إلى ظهور دولته لأن الدولة لا تدل على الحقية ، وإن لم يظهر المعجز لم يجز قبول / قوله سواء ظهرت الدولة أو لم تظهر ، ولما كانت هذه الأجوبة في نهاية الظهور لا جرم تركها الله سبحانه.
جزء : 23 رقم الصفحة : 274
277
(1/3241)

أما قوله : {رَبِّ انصُرْنِى بِمَا كَذَّبُونِ} ففيه وجوه : أحدها : أن في نصره إهلاكهم فكأنه قال أهلكهم بسبب تكذيبهم إياي وثانيها : انصرني بدل ما كذبوني كما تقول هذا بذاك أي بدل ذلك ومكانه ، والمعنى أبدلني من غم تكذيبهم سلوة النصر عليهم وثالثها : انصرني بإنجاز ما وعدتهم من العذاب وهو ما كذبوه فيه حين قال لهم : {إِنِّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} (الأعراف : 59) ولما أجاب الله دعاءه قال : {فَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا} أي بحفظنا وكلئنا كأن معه من الله حافظاً بكلؤه بعينه لئلا يتعرض له ولا يفسد عليه مفسد عمله ، ومنه قولهم : عليه من الله عين كالئة ، وهذه الآية دالة على فساد قول المشبهة في تمسكهم بقوله عليه السلام : "إن الله خلق آدم على صورته" لأن ثبوت الأعين يمنع من ذلك ، واختلفوا في أنه عليه السلام كيف صنع الفلك فقيل إنه كان نجاراً وكان عالماً بكيفية اتخاذها ، وقيل إن جبريل عليه السلام علمه عمل السفينة ووصف له كيفية اتخاذها ، وهذا هو الأقرب لقوله {بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا} .
/ أما قوله : {فَإِذَا جَآءَ أَمْرُنَا} فاعلم أن لفظ الأمر كما هو حقيقة في طلب الفعل بالقول على سبيل الاستعلاء ، فكذا هو حقيقة في الشأن العظيم ، والدليل عليه أنك إذا قلت هذا أمر بقي الذهن يتردد بين المفهومين وذلك يدل على كونه حقيقة فيهما وتمام تقريره مذكور في كتاب المحصول في الأصول ، ومن الناس من قال : إنما سماه أمراً على سبيل التعظيم والتفخيم ، مثل قوله : {لَهَا وَلِلارْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا} .
جزء : 23 رقم الصفحة : 277
أما قوله : {وَفَارَ التَّنُّورُ } فاختلفوا في التنور ، فالأكثرون على أنه هو التنور المعروف. روي أنه قيل لنوح إذا رأيت الماء يفور من التنور فاركب أنت ومن معك في السفينة ، فلما نبع الماء من التنور أخبرته امرأته فركب ، وقيل كان تنور آدم وكان من حجارة فصار إلى نوح ، واختلف في مكانه ، فعن الشعبي في مسجد الكوفة عن يمين الداخل مما يلي باب كندة ، وكان نوح عليه السلام عمل السفينة في وسط المسجد ، وقيل بالشام بموضع يقال له عين وردة وقيل بالهند القول الثاني : أن التنور وجه الأرض عن ابن عباس رضي الله عنهما الثالث : أنه أشرف موضع في الأرض أي أعلاه عن قتادة والرابع : {وَفَارَ التَّنُّورُ } أي طلع للفجر عن علي عليه السلام ، وقيل إن فوران التنور كان عند طلوع الفجر والخامس : هو مثل قولهم حمى الوطيس والسادس : أنه الموضع المنخفض من السفينة الذي يسيل الماء إليه عن الحسن رحمه الله والقول الأول هو الصواب لأن العدول عن الحقيقة إلى المجاز من غير دليل لا يجوز ، واعلم أن الله تعالى جعل فوران التنور علامة لنوح عليه السلام حتى يركب عنده السفينة طلباً لنجاته ونجاة من آمن به من قومه.
أما قوله : {فَاسْلُكْ فِيهَا} أي أدخل فيها يقال سلك فيه أي دخل فيه وسلك غيره وأسلكه {مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ} أي من كل زوجين من الحيوان الذي يحضره في الوقت اثنين الذكر والأنثى لكي لا ينقطع نسل ذلك الحيوان/ وكل واحد منهما زوج لا كما تقوله العامة من أن الزوج هو الاثنان ، روي أنه لم يحمل إلا ما يلد ويبيض ، وقرىء من كل بالتنوين ، أي من كل أمة زوجين ، واثنين تأكيد وزيادة بيان.
أما قوله : {وَأَهْلَكَ إِلا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ } أي وأدخل أهلك ولفظ على إنما يستعمل في المضار. قال تعالى : {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ } (البقرة : 286) واعلم أن هذه الآية تدل على أمرين أحدهما : أنه سبحانه أمره بإدخال سائر من آمن به وإن لم يكن من أهله ، وقيل المراد بأهله من آمن دون من يتصل به نسباً أو سبباً وهذا ضعيف. وإلا لما جاز استثناء قوله : {إِلا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ} والثاني : أنه قال : {وَلا تُخَـاطِبْنِى فِى الَّذِينَ ظَلَمُوا } يعني كنعان فإنه سبحانه لما أخبر بإهلاكهم وجب أن ينهاه عن أن يسأله في بعضهم لأنه إن أجابه إليه ، فقد صير خبره الصدق كذباً ، وإن لم يجبه إليه كان ذلك تحقيراً لشأن نوح عليه السلام فلذلك قال : {إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ} أي الغرق نازل بهم لا محالة.
/
جزء : 23 رقم الصفحة : 277
أما قوله : {فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ} قال ابن عباس رضي الله عنهما : كان في السفينة ثمانون إنساناً ، نوح وامرأته سوى التي غرقت ، وثلاثة بنين : سام وحام ويافث ، وثلاث نسوة لهم ، واثنان وسبعون إنساناً فكل الخلائق نسل من كان في السفينة.
أما قوله : {فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى نَجَّـاـانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّـالِمِينَ} ففيه مسائل :
(1/3242)

المسألة الأولى : إنما قال : {فَقُلِ} ولم يقل فقولوا لأن نوحاً كان نبياً لهم وإماماً لهم ، فكان قوله قولاً لهم مع ما فيه من الإشعار بفضل النبوة وإظهار كبرياء الربوبية ، وأن رتبة تلك المخاطبة لا يترقى إليها إلا ملك أو نبي.
المسألة الثانية : قال قتادة علمكم الله أن تقولوا عند ركوب السفينة {بِسْمِ اللَّهِ مَجْاراـاهَا وَمُرْسَـاـاهَآ } (هود : 41) وعند ركوب الدابة {سُبْحَـانَ الَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَـاذَا وَمَا كُنَّا لَه مُقْرِنِينَ} (الزخرف : 13) وعند النزول {وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِى مُنزَلا مُّبَارَكًا وَأَنتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ} (المؤمنون : 29) قال الأنصاري : وقال لنبينا {وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِى مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ} (الإسراء : 80) وقال : {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَـانِ} (النحل : 98) كأنه سبحانه أمرهم أن لا يكونوا عن ذكره وعن الاستعاذة به في جميع أحوالهم غافلين.
جزء : 23 رقم الصفحة : 277
المسألة الثالثة : هذه مبالغة عظيمة في تقبيح صورتهم حيث أتبع النهي عن الدعاء لهم الأمر بالحمد على إهلاكهم والنجاة منهم كقوله تعالى : {فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا ا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَـالَمِينَ} (الأنعام : 45) وإنما جعل سبحانه استواءهم على السفينة نجاة من الغرق لأنه سبحانه كان عرفه أنه بذلك ينجيه ومن تبعه ، فيصح أن يقول : {نَجَّـاـانَا} من حيث جعله آمناً بهذا الفعل ووصف قومه بأنهم الظالمون لأن الكفر منهم ظلم لأنفسهم لقوله : {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} (لقمان : 13) ثم إنه سبحانه بعد أن أمره بالحمد على إهلاكهم أمره بأن يدعو لنفسه فقال : {وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِى مُنزَلا مُّبَارَكًا} وقرىء {مُنزَلا} بمعنى إنزالاً أو موضع إنزال كقوله ليدخلنهم مدخلاً يرضونه. واختلفوا في المنزل على قولين : أحدهما : أن المراد هو نفس السفينة فمن ركبها خلصته مما جرى على قومه من الهلاك والثاني : أن المراد أن ينزله الله بعد خروجه من السفينة من الأرض منزلاً مباركاً والأول أقرب لأنه أمر بهذا الدعاء في حال استقراره في السفينة/ فيجب أن يكون المنزل ذلك دون غيره. ثم بين سبحانه بقوله : {وَأَنتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ} أن الإنزال في الأمكنة قد يقع من غير الله كما يقع من الله تعالى وإن كان هو سبحانه خير من أنزل لأنه يحفظ من أنزله في سائر أحواله ويدفع عنه المكاره بحسب ما يقتضيه الحكم والحكمة ، ثم بين سبحانه أن فيما ذكره من قصة نوح وقومه لآيات ودلالات وعبراً في الدعاء إلى الإيمان والزجر عن الكفر فإن إظهار تلك المياه العظيمة ثم الإذهاب بها لا يقدر عليه إلا القادر على كل المقدورات ، وظهور تلك الواقعة على وفق قول نوح عليه السلام يدل على المعجز العظيم وإفناء الكفار وبقاء الأرض لأهل الدين والطاعة من أعظم أنواع العبر.
أما قوله : {وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ} فيمكن أن يكون المراد ، وإن كنا لمبتلين فيما قبل ، ويحتمل أن يكون وإن كنا لمبتلين فيما بعد ، وهذا هو الأقرب لأنه كالحقيقة في الاستقبال ، وإذا حمل على ذلك احتمل وجوهاً : أحدها : أن يكون المراد المكلفين في المستقبل أي فيجب فيمن كلفناه أن يعتبر بهذا الذي ذكرناه وثانيها : أن يكون المراد لمعاقبين لمن سلك في تكذيب الأنبياء مثل طريقة قوم نوح وثالثها : أن يكون المراد كما نعاقب من كذب بالغرق وغيره فقد نمتحن بالغرق من لم يكذب على وجه المصلحة لا على وجه التعذيب ، لكي لا يقدر أن كل الغرق يجري على وجه واحد.
القصة الثانية ـ قصة هود أو صالح عليهما السلام
جزء : 23 رقم الصفحة : 277
278
/ اعلم أن هذه القصة هي قصة هود عليه السلام في قول ابن عباس رضي الله عنهما وأكثر المفسرين واحتجوا عليه بحكاية الله تعالى قول هود عليه السلام : {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِنا بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ} (الأعراف : 69) ومجيء قصة هود عقيب قصة نوح في سورة الأعراف وسورة هود والشعراء. وقال بعضهم المراد بهم صالح وثمود ، لأن قومه الذين كذبوه هم الذين هلكوا بالصيحة ، أما كيفية الدعوى فكما تقدم في قصة نوح عليه السلام وههنا سؤالات :
السؤال الأول : حق {أُرْسِلَ} أن يتعدى بإلى كأخواته التي هي وجه وأنفذ وبعث فلم عدى في القرآن بإلى تارة وبفي أخرى كقوله تعالى : {كَذَالِكَ أَرْسَلْنَـاكَ فِى أُمَّةٍ} {وَمَآ أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ} (الأعراف : 94) {فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولا} (المؤمنون : 32) أي في عاد ، وفي موضع آخر {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا } (هود : 50) ؟
الجواب : لم يعد بفي كما عدي بإلى ولكن الأمة أو القرية جعلت موضعاً للإرسال وعلى هذا المعنى جاء بعث في قوله : {وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِى كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيرًا} (الفرقان : 51).
(1/3243)

جزء : 23 رقم الصفحة : 278
السؤال الثاني : هل يصح ما قاله بعضهم أن قوله : {أَفَلا تَتَّقُونَ} غير موصول بالأول ، وإنما قاله لهم بعد أن كذبوه ، وردوا عليه بعد إقامة الحجة عليهم فعند ذلك قال لهم مخوفاً مما هم عليه {أَفَلا تَتَّقُونَ} هذه الطريقة مخافة العذاب الذي أنذرتكم به ؟
الجواب : يجوز أن يكون موصولاً بالكلام الأول بأن رآهم معرضين عن عبادة الله مشتغلين بعبادة الأوثان ، فدعاهم إلى عبادة الله وحذرهم من العقاب بسبب إقبالهم على عبادة الأوثان. ثم اعلم أن الله تعالى حكى صفات أولئك القوم وحكى كلامهم ، أما الصفات فثلاث هي شر الصفات : أولها : الكفر بالخالق سبحانه وهو المراد من قوله : {كَفَرُوا } وثانيها : الكفر بيوم القيامة وهو المراد من قوله : {وَكَذَّبُوا بِلِقَآءِ الاخِرَةِ} وثالثها : الانغماس في حب الدنيا وشهواتها وهو المراد من قوله : {وَقَالَ الْمَلا مِن قَوْمِهِ} أي نعمناهم فإن قيل ذكر الله مقالة قوم هود في جوابه في سورة الأعراف وسورة هود بغير واو {قَالَ الْمَلا الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِه إِنَّا لَنَرَاـاكَ فِي سَفَاهَةٍ} (الأعراف : 66) ، قالوا {مَا نَرَاـاكَ إِلا بَشَرًا مِّثْلَنَا} (هود : 27) وههنا مع الواو فأي فرق بينهما ؟
قلنا الذي بغير واو على تقدير سؤال سائل قال فما قال قومه ؟
فقيل له كيت وكيت ، وأما الذي مع الواو فعطف لما قالوه على ما قاله ومعناه أنه اجتمع في هذه الواقعة هذا الكلام الحق وهذا الكلام الباطل. وأما شبهات القوم فشيئان : أولهما : قولهم : {مَا هَـاذَآ إِلا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ} ، وقد مر شرح هذه الشبهة في القصة الأولى وقوله : {مِمَّا تَشْرَبُونَ} أي من مشروبكم أو حذف منه لدلالة ما قبله عليه وهو قوله : {وَ لئن أَطَعْتُم بَشَرًا مِّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَـاسِرُونَ} فجعلوا اتباع الرسول خسراناً ، ولم يجعلوا عبادة الأصنام خسراناً ، أي لئن كنتم أعطيتموه الطاعة من غير أن يكون لكم بإزائها منفعة فذلك هو الخسران وثانيهما : أنهم طعنوا في صحة الحشر والنشر ، ثم طعنوا في نبوته بسبب إتيانه بذلك. أما الطعن في صحة الحشر فهو قولهم :
جزء : 23 رقم الصفحة : 278
{أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَابًا وَعِظَـامًا أَنَّكُم مُّخْرَجُونَ} معادون أحياء للمجازاة ، ثم لم يقتصروا على هذا القدر حتى قرنوا به الاستبعاد العظيم وهو قولهم {هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ} ثم أكدوا الشبهة بقولهم : {إِنْ هِىَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا} ولم يريدوا بقولهم نموت ونحيا الشخص الواحد ، بل أرادوا أن البعض يموت والبعض يحيا ، وأنه لا إعادة ولا حشر. فلذلك قالوا : {وَمَا نَحْنُ لَه بِمُؤْمِنِينَ} ولما فرغوا من الطعن في صحة الحشر بنوا عليه الطعن في نبوته ، فقالوا لما أتى بهذا الباطل فقد {افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} ثم لما قرروا الشبهة الطاعنة في نبوته قالوا : {وَمَا نَحْنُ لَه بِمُؤْمِنِينَ} لأن القوم كالتبع لهم ، واعلم أن الله تعالى ما أجاب عن هاتين الشبهتين لظهور فسادهما أما الشبهة الأولى : فقد تقدم بيان ضعفها وأما الثانية : فلأنهم استبعدوا الحشر ، ولا يستبعد الحشر لوجهين : الأول : أنه سبحانه لما كان قادراً على كل الممكنات عالماً بكل المعلومات وجب أن يكون قادراً على الحشر والنشر والثاني : وهو أنه لولا الإعادة لكن تسليط القوى على الضعيف في الدنيا ظلماً. وهو غير لائق بالحكيم على ما قرره سبحانه في قوله : {إِنَّ السَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسا بِمَا تَسْعَى } (طه : 15) وههنا مسائل :
المسألة الأولى : ثنى إنكم للتوكيد وحسن ذلك الفصل ما بين الأول والثاني بالظرف ، ومخرجون خبر عن الأول. وفي قراءة ابن مسعود : {وَكُنتُمْ تُرَابًا وَعِظَـامًا أَنَّكُم مُّخْرَجُونَ} (المؤمنون : 35).
المسألة الثانية : قرىء {هَيْهَاتَ} بالفتح والكسر ، كلها بتنوين وبلا تنوين ، وبالسكون على لفظ الوقف.
المسألة الثالثة : هي في قوله : {إِنْ هِىَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا} ضمير لا يعلم ما يعني به إلا بما يتلوه من بيانه وأصله : إن الحياة إلا حياتنا الدنيا ، ثم وضع هي موضع الحياة ، لأن الخبر يدل عليه ومنه (قول الشاعر) :
هي النفس ما حملتها تتحمل
والمعنى لا حياة إلا هذه الحياة ، ولأن إن النافية دخلت على هي التي في معنى الحياة الدالة على الجنس فنفتها ، فوازنت لا التي نفت ما بعدها نفي الجنس.
جزء : 23 رقم الصفحة : 278
(1/3244)

واعلم أن ذلك الرسول لما يئس من قبول الأكابر والأصاغر فزع إلى ربه وقال : {رَبِّ انصُرْنِى بِمَا كَذَّبُونِ} وقد تقدم تفسيره فأجابه الله تعالى فيما سأل وقال : {عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَـادِمِينَ} (المؤمنون : 40) / والأقرب أن يكون المراد بأن يظهر لهم علامات الهلاك/ فعند ذلك يحصل منهم الحسرة والندامة على ترك القبول ، ويكون الوقت وقت إيمان اليأس فلا ينتفعون بالندامة ، وبين تعالى الهلاك الذي أنزله عليهم بقوله : {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ} وذكروا في الصيحة وجوهاً : أحدها : أن جبريل عليه السلام صاح بهم ، وكانت الصيحة عظيمة فماتوا عندها وثانيها : الصيحة هي الرجفة عن ابن عباس رضي الله عنهما وثالثها : الصيحة هي نفس العذاب والموت كما يقال فيمن يموت : دعي فأجاب عن الحسن ورابعها : أنه العذاب المصطلم ، قال الشاعر :
صاخ الزمان بآل برمك صيحة
خروا لشدتها على الأذقان
والأول أولى لأنه هو الحقيقة.
وأما قوله : {بِالْحَقِّ} فمعناه أنه دمرهم بالعدل من قولك ، فلان يقضي بالحق إذا كان عادلاً في قضاياه. وقال المفضل : بالحق أي بما لا يدفع ، كقوله : {وَجَآءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ } .
أما قوله : {فَجَعَلْنَـاهُمْ غُثَآءً } فالغثاء حميل السيل مما بلي واسود من الورق والعيدان ، ومنه قوله تعالى : {فَجَعَلَه غُثَآءً أَحْوَى } .
وأما قوله تعالى : {فَبُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّـالِمِينَ} ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : قوله : {بُعْدًا} وسحقاً ودمراً ونحوها مصادر موضوعة مواضع أفعالها ، وهي من جملة المصادر التي قال سيبويه نصبت بأفعال لا يستعمل إظهارها ومعنى بعداً بعدوا ، أي هلكوا يقال بعد بعداً وبعداً بفتح العين نحو رشد رشداً ورشداً بفتح الشين والله أعلم.
المسألة الثانية : قوله : {بُعْدًا} بمنزلة اللعن الذي هو التبعيد من الخير ، والله تعالى ذكر ذلك على وجه الاستخفاف والإهانة لهم ، وقد نزل بهم العذاب دالاً بذلك على أن الذي ينزل بهم في الآخرة من البعد من النعيم والثواب أعظم مما حل بهم حالاً ليكون ذلك عبرة لمن يجيء بعدهم.
القصة الثالثة
جزء : 23 رقم الصفحة : 278
279
/ اعلم أنه سبحانه يقص القصص في القرآن تارة على سبيل التفصيل كما تقدم وأخرى على سبيل الإجمال كههنا ، وقيل المراد قصة لوط وشعيب وأيوب ويوسف عليهم السلام.
فأما قوله : {ثُمَّ أَنشَأْنَا مِنا بَعْدِهِمْ قُرُونًا ءَاخَرِينَ} فالمعنى أنه ما أخلى الديار من مكلفين أنشأهم وبلغهم حد التكليف حتى قاموا مقام من كان قبلهم في عمارة الدنيا.
أما قوله : {مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَـاْخِرُونَ} فيحتمل في هذا الأجل أن يكون المراد آجال حياتها وتكليفها ، ويحتمل آجال موتها وهلاكها ، وإن كان الأظهر في الأجل إذا أطلق أن يراد به وقت الموت ، فبين أن كل أمة لها آجال مكتوبة في الحياة والموت ، لا يتقدم ولا يتأخر ، منبهاً بذلك على أنه عالم بالأشياء قبل كونها ، فلا توجد إلا على وفق العلم ، ونظيره قوله تعالى : {إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَآءَ لا يُؤَخَّرُا لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} وههنا مسألتان :
المسألة الأولى : قال أصحابنا : هذه الآية تدل على أن المقتول ميت بأجله إذ لو قتل قبل أجله لكان قد تقدم الأجل أو تأخر ، وذلك ينافيه هذا النص.
المسألة الثانية : قال الكعبي : المراد من قوله : {مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ} أي لا يتقدمون الوقت المؤقت لعذابهم إن لم يؤمنوا ولا يتأخرون عنه ، ولا يستأصلهم إلا إذا علم منهم أنهم لا يزدادون إلا عناداً وأنهم لا يلدون مؤمناً ، وأنه لا نفع في بقائهم لغيرهم ، ولا ضرر على أحد في هلاكهم ، وهو كقول نوح عليه السلام : {إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِرًا كَفَّارًا} (نوح : 27).
أما قوله تعالى : {ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا} فالمعنى أنه كما أنشأنا بعضهم بعد بعض أرسل إليهم الرسل على هذا الحد قرأ ابن كثير تترى منونة والباقون بغير تنوين وهو اختيار أكثر أهل اللغة لأنها فعلى من المواترة وهي المتابعة وفعلى لا ينون كالدعوى والتقوى والتاء بدل من الواو فإنه مأخوذ من الوتر وهو الفرد ، قال الواحدي تترى على القراءتين مصدر أو اسم أقيم مقام الحال لأن المعنى متواترة.
جزء : 23 رقم الصفحة : 279
أما قوله تعالى : {كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوه } (المؤمنون : 44) يعني أنهم سلكوا في تكذيب أنبيائهم مسلك من تقدم ذكره ممن أهلكه الله بالغرق والصيحة فلذلك قال : {فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُم بَعْضًا} أي بالهلاك.
(وقوله) : {وَجَعَلْنَـاهُمْ أَحَادِيثَ } يمكن أن يكون المراد جمع الحديث ومنه أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلّم والمعنى أنه سبحانه بلغ في إهلاكهم مبلغاً صاروا معه أحاديث فلا يرى منهم عين ولا أثر ولم يبق منهم إلا الحديث الذي يذكر ويعتبر به.
(1/3245)

ويمكن أيضاً أن يكون جمع أحدوثة مثل الأضحوكة والأعجوبة ، وهي ما يتحدث به الناس تلهياً وتعجباً.
ثم قال : {فَبُعْدًا لِّقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ} على وجه الدعاء والذم والتوبيخ ، ودل بذلك على أنهم كما أهلكوا عاجلاً فهلاكهم بالتعذيب آجلاً على التأبيد مترقب وذلك وعيد شديد.
القصة الرابعة ـ قصة موسى عليه السلام
جزء : 23 رقم الصفحة : 279
280
اختلفوا في {الايَـاتِ } فقال ابن عباس رضي الله عنهما هي الآيات التسع وهي العصا واليد والجراد والقمل والضفادع والدم وانفلاق البحر والسنون والنقص من الثمرات ، وقال الحسن قوله : {بِـاَايَـاتِنَا} أي بديننا واحتج بأن المراد بالآيات لو كانت هي المعجزات والسلطات المبين أيضاً هو المعجز فحينئذ يلزم عطف الشيء على نفسه والأقرب هو الأول لأن لفظ الآيات إذا ذكر في الرسل فالمراد منها المعجزات ، وأما الذي احتجوا به فالجواب : عنه من وجوه : أحدها : أن المراد بالسلطان المبين يجوز أن يكون أشرف معجزاته وهو العصا لأنه قد تعلقت بها معجزات شتى من انقلابها حية وتلقفها ما أفكته السحرة وانفلاق البحر وانفجار العيون من الحجر بضربها بها وكونها حارساً وشمعة وشجرة مثمرة ودلواً ورشاء ، فلأجل انفراد العصا بهذه الفضائل أفردت بالذكر كقوله جبريل وميكال وثانيها : يجوز أن يكون المراد بالآيات نفس تلك المعجزات وبالسلطان المبين كيفية دلالتها على الصدق ، وذلك لأنها وإن شاركت سائر آيات الأنبياء في كونها آيات فقد فارقتها في قوة دلالتها على قوة موسى عليه السلام وثالثها : أن يكون المراد بالسلطان المبين استيلاء موسى عليه السلام عليهم في الاستدلال على وجود الصانع وإثبات النبوة وأنه ما كان يقيم لهم قدراً ولا وزناً.
واعلم أن الآية تدل على أن معجزات موسى عليه السلام كانت معجزات هرون عليه السلام أيضاً ، وأن النبوة كما أنها مشتركة بينهما فكذلك المعجزات ، ثم إنه سبحانه حكى عن فرعون وقومه صفتهم ثم ذكر شبهتهم أما صفتهم فأمران أحدهما : الاستكبار والأنفة والثاني : أنهم كانوا قوماً عالين أي رفيعي الحال في أمور الدنيا ، ويحتمل الاقتدار بالكثرة والقوة وأما شبهتهم فهي / قولهم : {أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَـابِدُونَ} قال صاحب "الكشاف" لم يقل مثلينا كما قال : {إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ } (النساء : 14) ولم يقل أمثالهم وقال : {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} (آل عمران : 110) ولم يقل أخيار أمة كل ذلك لأن الإيجاز أحب إلى العرب من الإكثار والشبهة مبنية على أمرين : أحدهما : كونهما من البشر وقد تقدم الجواب عنه والثاني : أن قوم موسى وهرون كانوا كالخدم والعبيد لهم قال أبو عبيدة العرب تسمى كل من دان لملك عابداً له ويحتمل أن يقال إنه كان يدعي الإلهية فادعى أن الناس عباده وأن طاعتهم له عبادة على الحقيقة ثم بين سبحانه أنه لما خطرت هذه الشبهة ببالهم صرحوا بالتكذيب وهو المراد من قوله : {فَكَذَّبُوهُمَا} .
جزء : 23 رقم الصفحة : 280
ولما كان ذلك التكذيب كالعلة لكونهم من المهلكين لا جرم رتبه عليه بفاء التعقيب فقال وكانوا ممن حكم الله عليهم بالغرق فإن حصول الغرق لم يكن حاصلاً عقيب التكذيب ، إنما الحاصل عقيب التكذيب حكم الله تعالى بكونهم كذلك في الوقت اللائق به.
أما قوله : {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَـابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} فقال القاضي معناه أنه سبحانه خص موسى عليه السلام بالكتاب الذي هو التوراة لا لذلك التكذيب لكن لكي يهتدوا به فلما أصروا على الكفر مع البيان العظيم استحقوا أن يهلكوا ، واعترض صاحب "الكشاف" عليه فقال لا يجوز أن يرجع الضمير في لعلهم إلى فرعون وملائه لأن التوراة إنما أوتيها بنو إسرائيل بعد إغراق فرعون وملائه بدليل قوله تعالى : {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَـابَ مِنا بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الاولَى } (القصص : 43) بل المعنى الصحيح : ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم يعملون بشرائعها ومواعظها فذكر موسى والمراد آل موسي كما يقال هاشم وثقيف والمراد قولهما.
القصة الخامسة ـ قصة عيسى وقصة مريم عليهما السلام
جزء : 23 رقم الصفحة : 280
282
(1/3246)

اعلم أن ابن مريم هو عيسى عليه السلام جعله الله تعالى آية بأن خلقه من غير ذكر وأنطقه في المهد في الصغر وأجرى على يديه إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى ، وأما مريم فقد جعلها الله تعالى آية لأنها حملته من غير ذكر. وقال الحسن تكلمت مريم في صغرها كما تكلم عيسى عليه السلام وهو قولها : {هُوَ مِنْ عِندِ اللَّه إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} (آل عمران : 37) ولم تلقم ثدياً قط ، قال القاضي إن ثبت ذلك فهو معجزة لزكريا عليه السلام لأنها لم تكن نبية ، قلنا القاضي إنما قال ذلك لأن عنده الإرهاص غير جائز وكرامات الأولياء غير جائزة وعندنا هما جائزان فلا حاجة إلى ما قال ، والأقرب أنه جعلهما آية بنفس الولادة لأنه ولد من غير ذكر وولدته من دون ذكر فاشتركا جميعاً في هذا الأمر العجيب الخارق للعادة والذي يدل على أن هذا التفسير أولى وجهان : أحدهما : أنه تعالى / قال : {وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّه ا ءَايَةً} لأن نفس الإعجاز طهر فيهما لا أنه ظهر على يدهما وهذا أولى من أن يحمل على الآيات التي ظهرت على يده نحو إحياء الموتى وذلك لأن الولادة فيه وفيها آية فيهما وكذلك أن نطقا في المهد وما عدا ذلك من الآيات ظهر على يده لا أنه آية فيه الثاني : أنه تعالى قال آية ولم يقل آيتين ، وحمل هذا اللفظ على الأمر الذي لا يتم إلا بمجموعهما أولى وذلك هو أمر الولادة لا المعجزات التي كان عيسى عليه السلام مستقلاً بها.
أما قوله تعالى : {وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّه ا ءَايَةً} أي جعلنا مأواهما الربوة والربوة والرباوة في راءيهما الحركات الثلاث وهي الأرض المرتفعة ، ثم قال قتادة وأبو العالية هي إيلياء أرض بيت المقدس ، وقال أبو هريرة رضي الله عنه إنها الرملة. وقال الكلبي وابن زيد هي بمصر وقال الأكثرون إنها دمشق وقال مقاتل والضحاك هي غوطة دمشق ، والقرار المستقر من (كل) أرض مستوية مبسوطة ، وعن قتادة ذات ثمار وماء ، يعني أنه لأجل الثمار يستقر فيها ساكنوها والمعين الماء الظاهر الجاري على وجه الأرض. فنبه سبحانه على كمال نعمه عليها بهذا اللفظ على اختصاره. ثم في المعين قولان : أحدهما : أنه مفعول لأنه لظهوره يدرك بالعين من عانه إذا أدركه بعينه وقال الفراء والزجاج إن شئت جعلته فعيلاً من الماعون ويكون أصله من المعن والماعون فاعول منه قال أبو علي والمعين السهل الذي ينقاد ولا يتعاصى والماعون ما سهل على معطيه ، ثم قالوا وسبب الإيواء أنها فرت بإبنها عيسى إلى الربوة وبقيت بها اثنتي عشرة سنة ، وإنما ذهب بهما ابن عمها يوسف ثم رجعت إلى أهلها بعد أن مات ملكهم ، وههنا آخر القصص والله أعلم.
جزء : 23 رقم الصفحة : 282
284
/ اعلم أن ظاهر قوله : {لَّمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ} خطاب مع كل الرسل وذلك غير ممكن لأن الرسل إنما أرسلوا متفرقين في أزمنة متفرقة مختلفة فكيف يمكن توجيه هذا الخطاب إليهم ، فلهذا الإشكال اختلفوا في تأويله على وجوه : أحدها : أن المعنى الإعلام بأن كل رسول فهو في زمانه نودي بهذا المعنى ووصى به ليعتقد السامع أن أمراً نودي له جميع الرسل ووصوا به حقيق بأن يؤخذ به ويعمل عليه وثانيها : أن المراد نبينا عليه الصلاة والسلام لأنه ذكر ذلك بعد انقضاء أخبار الرسل ، وإنما ذكر على صيغة الجمع كما يقال للواحد أيها القوم كفوا عني أذاكم ومثله {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ} (آل عمران : 173) وهو نعيم بن مسعود كأنه سبحانه لما خاطب محمداً صلى الله عليه وسلّم بذلك بين أن الرسل بأسرهم لو كانوا حاضرين مجتمعين لما خوطبوا إلا بذلك ليعلم رسولنا أن هذا التثقيل ليس عليه فقط ، بل لازم على جميع الأنبياء عليهم السلام وثالثها : وهو قول محمد بن جرير أن المراد به عيسى عليه السلام لأنه إنما ذكر ذلك بعدما ذكر مكانه الجامع للطعام والشراب ولأنه روى أن عيسى عليه السلام كان يأكل من غزل أمه ، والقول الأول أقرب لأنه أوفق للفظ الآية ، ولأنه روي عن أم عبد الله أخت شداد بن أوس أنها بعثت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم بقدح من لبن في شدة الحر عند فطره وهو صائم فرده الرسول إليها وقال من أين لك هذا ؟
فقالت من شاة لي ، ثم رده وقال : من أين هذه الشاة ؟
فقالت اشتريتها بمالي فأخذه. ثم إنها جاءته وقالت : يا رسول الله لم رددته ؟
فقال عليه السلام بذلك أمرت الرسل أن لا يأكلوا إلا طيباً ولا يعملوا إلا صالحاً.
(1/3247)

أما قوله تعالى : {مِنَ الطَّيِّبَـاتِ} ففيه وجهان : الأول : أنه الحلال وقيل طيبات الرزق حلال وصاف وقوام فالحلال الذي لا يعصى الله فيه ، والصافي الذي لا ينسى الله فيه والقوام ما يمسك النفس ويحفظ العقل والثاني : أنه المستطاب المستلذ من المأكل والفواكه فبين تعالى أنه وإن ثقل عليهم بالنبوة وبما ألزمهم القيام بحقها ، فقد أباح لهم أكل الطيبات كما أباح لغيرهم. واعلم أنه سبحانه كما قال لمرسلين { يَـا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَـاتِ} فقال للمؤمنين : { يَـا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَـاتِ مَا رَزَقْنَـاكُمْ} ، واعلم أن تقديم قوله : {كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَـاتِ} على قوله : {وَاعْمَلُوا صَـالِحًا } كالدلالة على أن العمل الصالح لا بد وأن يكون مسبوقاً بأكل الحلال ، فأما قوله : {إِنِّى بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} فهو تحذير من مخالفة ما أمرهم به وإذا كان ذلك تحذيراً للرسل مع علو شأنهم فبأن يكون تحذيراً لغيرهم أولى.
جزء : 23 رقم الصفحة : 284
أما قوله : {وَإِنَّ هَـاذِه أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} فقد فسرناه في سورة الأنبياء وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : المعنى أنه كما يجب اتفاقهم على أكل الحلال والأعمال الصالحة فكذلك هم متفقون على التوحيد وعلى الاتقاء من معصية الله تعالى. فإن قيل لما كانت شرائعهم مختلفة فكيف يكون دينهم واحداً ؟
قلنا المراد من الدين ما لا يختلفون فيه من معرفة ذات الله تعالى وصفاته ، وأما الشرائع فإن الاختلاف فيها لا يسمى اختلافاً في الدين ، فكما يقال في الحائض والطاهر / من النساء إن دينهن واحد وإن افترق تكليفهما فكذا ههنا ، ويدل على ذلك قوله : {وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} فكأنه نبه بذلك على أن دين الجميع واحد فيما يتصل بمعرفة الله تعالى واتقاء معاصيه فلا مدخل للشرائع ، وإن اختلفت في ذلك.
المسألة الثانية : قرىء وإن بالكسر على الاستئناف وإن بمعنى ولأن وإن مخففة من الثقيلة وأمتكم مرفوعة معها.
أما قوله تعالى : {فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًا } فالمعنى فإن أمم الأنبياء عليهم السلام تقطعوا أمرهم بينهم وفي قوله : {فَتَقَطَّعُوا } معنى المبالغة في شدة اختلافهم والمراد بأمرهم ما يتصل بالدين.
أما قوله {زُبُرًا } فقرىء زبراً جمع زبور أي كتباً مختلفة يعني جعلوا دينهم أدياناً وزبراً قطعاً استعيرت من زبر الفضة والحديد وزبراً مخففة الباء كرسل في رسل قال الكلبي ومقاتل والضحاك يعني مشركي مكة والمجوس واليهود والنصارى.
أما قوله تعالى : {كُلُّ حِزْبا بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} فمعناه أن كل فريق منهم مغتبط بما اتخذه ديناً لنفسه معجب به يرى المحق أنه الرابح ، وأن غيره المبطل الخاسر ، ولما ذكر الله تعالى تفرق هؤلاء في دينهم أتبعه بالوعيد ، وقال : {فَذَرْهُمْ فِى غَمْرَتِهِمْ} حين حتى الخطاب لنبينا صلى الله عليه وسلّم يقول : "فدع هؤلاء الكفار في جهلهم والغمرة الماء الذي يغمر القامة فكأن ما هم فيه من الجهل والحيرة صار غامراً ساتراً لعقولهم" ، وعن علي عليه السلام : {بَعْدِ مَا رَأَوُا الايَـاتِ لَيَسْجُنُنَّه حَتَّى حِينٍ} وذكروا في الحين وجوهاً : أحدها : إلى حين الموت وثانيها : إلى حين المعاينة وثالثها : إلى حين العذاب ، والعادة في ذلك أن يذكر في الكلام ، والمراد به الحالة التي تقترن بها الحسرة والندامة ، وذلك يحصل إذا عرفهم الله بطلان ما كانوا عليه وعرفهم سوء منقلبهم ، ويحصل أيضاً عند المحاسبة في الآخرة ، ويحصل عند عذاب القبر والمساءلة فيجب أن يحمل على كل ذلك.
جزء : 23 رقم الصفحة : 284
(1/3248)

ولما كان القوم في نعم عظيمة في الدنيا جاز أن يظنوا أن تلك النعم كالثواب المعجل لهم على أديانهم ، فبين سبحانه أن الأمر بخلاف ذلك ، فقال : {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِه مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِى الْخَيْرَاتِ } قرىء يمدهم ويسارع بالياء والفاعل هو الله سبحانه وفي المعنى وجهان : أحدهما : أن هدا الإمداد ليس إلا استدراجاً لهم في المعاصي ، واستجراراً لهم في زيادة الإثم وهم يحسبونه مسارعة في الخيرات وبل للاستدراك لقوله : {أَيَحْسَبُونَ} يعني بل هم أشباه البهائم لا فطنة لهم ولا شعور حتى يتفكروا في ذلك ، أهو استدراج أم مسارعة في الخير ، وهذه الآية كقوله : {وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَـادُهُمْ } (التوبة : 85) روي عن يزيد بن ميسرة : أوحى الله تعالى إلى نبي من الأنبياء "أيفرح عبدي أن أبسط له الدنيا وهو أبعد له مني ، ويجزع أن أقبض عنه الدنيا وهو أقرب له مني" ثم تلا : {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِه مِن مَّالٍ وَبَنِينَ} وعن الحسن : لما أتى عمر بسوار كسرى فأخذه ووضعه في يد سراقة فبلغ منكبه. فقال عمر اللهم إني قد علمت أن نبيك عليه الصلاة / والسلام ، كان يحب أن يصيب مالاً لينفقه في سبيلك ، فزويت ذلك عنه نظراً. ثم إن أبا بكر كان يحب ذلك ، اللهم لا يكن ذلك مكراً منك بعمر. ثم تلا : {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِه مِن مَّالٍ وَبَنِينَ} الوجه الثاني : وهو أنه سبحانه إنما أعطاهم هذه النعم ليكونوا فارغي البال ، متمكنين من الاشتغال بكلف الحق ، فإذا أعرضوا عن الحق والحالة هذه ، كان لزوم الحجة عليهم أقوى ، فلذلك قال : {بَل لا يَشْعُرُونَ} .
جزء : 23 رقم الصفحة : 284
285
اعلم أنه تعالى لما ذم من تقدم ذكره بقوله : {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِه مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِى الْخَيْرَاتِ } ثم قال : {بَل لا يَشْعُرُونَ} بين بعده صفات من يسارع في الخيرات ويشعر بذلك وهي أربعة :
الصفة الأولى : قوله : {إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ} والإشفاق يتضمن الخشية مع زيادة رقة وضعف ، فمنهم من قال : جمع بينهما للتأكيد ، ومنهم من حمل الخشية على العذاب ، والمعنى الذين هم من عذاب ربهم مشفقون ، وهو قول الكلبي ومقاتل ، ومنهم من حمل الإشفاق على أثره وهو الدوام في الطاعة ، والمعنى الذين هم من خشية ربهم دائمون في طاعته ، جادون في طلب مرضاته. والتحقيق أن من بلغ في الخشية إلى حد الإشفاق وهو كمال الخشية ، كان في نهاية الخوف من سخط الله عاجلاً ، ومن عقابة آجلاً ، فكان في نهاية الاحتراز عن المعاصي.
الصفة الثانية : قوله : {وَالَّذِينَ هُم بِـاَايَـاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ} واعلم أن آيات الله تعالى هي المخلوقات الدالة على وجوده ، والإيمان بها هو التصديق بها ، والتصديق بها إن كان بوجودها فذلك معلوم بالضرورة ، وصاحب هذا التصديق لا يستحق المدح ، وإن كان بكونها آيات ودلائل على وجود الصانع فذلك مما لا يتوصل إليه إلا بالنظر والفكر ، وصاحبه لا بد وأن يصير عارفاً / بوجود الصانع وصفاته ، وإذا حصلت المعرفة بالقلب حصل الإقرار باللسان ظاهراً وذلك هو الإيمان.
الصفة الثالثة : قوله : {وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ} وليس المراد منه الإيمان بالتوحيد ونفي الشريك لله تعالى لأن ذلك داخل في قوله : {وَالَّذِينَ هُم بِـاَايَـاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ} بل المراد منه نفي الشرك الخفي ، وهو أن يكون مخلصاً في العبادة لا يقدم عليها إلا لوجه الله تعالى وطلب رضوانه والله أعلم.
جزء : 23 رقم الصفحة : 285
الصفة الرابعة : قوله : {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} معناه يعطون ما أعطوا فدخل فيه كل حق يلزم إيتاؤه سواء كان ذلك من حق الله تعالى : كالزكاة والكفارة وغيرهما ، أو من حقوق الآدميين : كالودائع والديون وأصناف الإنصاف والعدل ، وبين أن ذلك إنما ينفع إذا فعلوه وقلوبهم وجلة ، لأن من يقدم على العبادة وهو وجل من تقصيره وإخلاله بنقصان أو غيره ، فإنه يكون لأجل ذلك الوجل مجتهداً في أن يوفيها حقها في الأداء. وسألت عائشة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقالت : {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} أهو الذي يزني ويشرب الخمر ويسرق وهو على ذلك يخاف الله تعالى ؟
فقال عليه الصلاة والسلام : "لا يا ابنة الصديق ، ولكن هو الرجل يصلي ويصوم ويتصدق وهو على ذلك يخاف الله تعالى".
واعلم أن ترتيب هذه الصفات في نهاية الحسن ، لأن الصفة الأولى دلت على حصول الخوف الشديد الموجب للاحتراز عما لا ينبغي.
والصفة الثانية : دلت على ترك الرياء في الطاعات.
(1/3249)

والصفة الثالثة : دلت على أن المستجمع لتلك الصفات الثلاثة يأتي بالطاعات مع الوجل والخوف من التقصير ، وذلك هو نهاية مقامات الصديقين رزقنا الله سبحانه الوصول إليها/ فإن قيل : أفتقولون إن قوله : {وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} يرجع إلى يؤتون ، أو يرجع إلى كل ما تقدم من الخصال ؟
قلنا بل الأولى أن يرجع إلى الكل لأن العطية ليست بذلك أولى من سائر الأعمال ، إذ المراد أن يؤدي ذلك على وجل من تقصيره ، فيكون مبالغاً في توفيته حقه ، فأما إذا قرىء {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَوا } فالقول فيه أظهر ، إذ المراد بذلك أي شيء أتوه وفعلوه من تحرز عن معصية وإقدام على إيمان وعمل ، فإنهم يقدمون عليه مع الوجل ، ثم إنه سبحانه بين علة ذلك الوجل وهي علمهم بأنهم إلى ربهم راجعون ، أي للمجازاة والمساءلة ونشر الصحف وتتبع الأعمال ، وأن هناك لا تنفع الندامة ، فليس إلا الحكم القاطع من جهة مالك الملك. ثم إنه سبحانه لما ذكر هذه الصفات للمؤمنين المخلصين قال بعده : { أولئك يُسَـارِعُونَ فِى الْخَيْرَاتِ} وفيه وجهان : أحدهما : أن المراد يرغبون في الطاعات أشد الرغبة فيبادرونها لئلا تفوت عن وقتها ولكيلا تفوتهم دون الاحترام. والثاني : أنهم يتعجلون في الدنيا أنواع النفع ووجوه الإكرام ، كما قال : {فَـاَاتَـاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ } (آل عمران : 148). {وَوَهَبْنَا لَه ا إِسْحَـاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِى ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَـابَ} (العنبكوت : 27) لأنهم إذا سورع لهم بها فقد سارعوا في نيلها وتعجلوها ، وهذا الوجه أحسن طباقاً للآية المتقدمة ، لأن فيه إثبات ما نفي عن الكفار للمؤمنين وقرىء يسرعون في الخيرات.
جزء : 23 رقم الصفحة : 285
أما قوله : {وَهُمْ لَهَا سَـابِقُونَ} فالمعنى فاعلون السبق لأجلها أو سابقون الناس لأجلها أو وهم لها سابقون أي ينالونها قبل الآخرة حيث عجلت لهم في الدنيا ، ويجوز أن يكون خبراً بعد خبر. والمعنى وهم لها كما يقال أنت لها وهي لك ، ثم قال سابقون أي وهم سابقون.
جزء : 23 رقم الصفحة : 285
287
اعلم أنه سبحانه لما ذكر كيفية أعمال المؤمنين المخلصين ذكر حكمين من أحكام أعمال العباد فالأول : قوله : {وَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا } وفي الوسع قولان : أحدهما : أنه الطاقة عن المفضل والثاني : أنه دون الطاقة وهو قول المعتزلة ومقاتل والضحاك والكلبي واحتجوا عليه بأن الوسع إنما سمى وسعاً لأنه يتسع عليه فعله ولا يصعب ولا يضيق ، فبين أن أولئك المخلصين لم يكلفوا أكثر مما عملوا. قال مقاتل من لم يستطع أن يصلي قائماً فليصل جالساً ومن لم يستطع جالساً فليوم إيماء لأنا لا نكلف نفساً إلا وسعها ، واستدلت المعتزلة به في نفي تكليف ما لا يطاق وقد تقدم القول فيه الثاني : قوله : {وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ} ونظيره قوله {هَـاذَا كِتَـابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ } (الجاثية : 29) وقوله : {لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَـاهَا } (الكهف : 49).
واعلم أنه تعالى شبه الكتاب بمن يصدر عنه البيان فإن الكتاب لا ينطق لكنه يعرب بما فيه كما يعرب وينطق الناطق إذا كان محقاً ، فإن قيل هؤلاء الذين يعرض عليهم ذلك الكتاب إما أن يكونوا محيلين الكذب على الله تعالى أو مجوزين ذلك عليه ، فإن أحالوه عليه فإنهم يصدقونه في كل ما يقول سواء وجد الكتاب أو لم يوجد ، وإن جوزوه عليه لم يثقوا بذلك الكتاب لتجويزهم أنه / سبحانه كتب فيه خلاف ما حصل. فعلى التقديرين لا فائدة في ذلك الكتاب ؟
قلنا يفعل الله ما يشاء وعلى أنه لا يبعد أن يكون ذلك مصلحة للمكلفين من الملائكة.
وأما قوله : {وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ} فنظيره قوله : {وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} (الكهف : 49) فقالت المعتزلة الظلم إما أن يكون بالزيادة في العقاب أو بالنقصان من الثواب أو بأن يعذب على ما لم يعلم أو بأن يكلفهم ما لا يطيقون فتكون الآية دالة على كون العبد موجداً لفعله وإلا لكان تعذيبه عليه ظلماً ودالة على أنه سبحانه لا يكلف ما لا يطاق الجواب : أنه لما كلف أبا لهب أن يؤمن ، والإيمان يقتضي تصديق الله تعالى في كل ما أخبر عنه ومما أخبر عنه أن أبا لهب لا يؤمن فقد كلفه بأن يؤمن بأنه لا يؤمن فيلزمكم كل ما ذكرتموه.
جزء : 23 رقم الصفحة : 287
(1/3250)

وأما قوله تعالى : {بَلْ قُلُوبُهُمْ فِى غَمْرَةٍ مِّنْ هَـاذَا} ففيه قولان : أحدهما : أنه راجع إلى الكفار وهم الذين يليق بهم قوله : {بَلْ قُلُوبُهُمْ فِى غَمْرَةٍ مِّنْ هَـاذَا} ولا يليق ذلك بالمؤمنين إذ المراد في غمرة من هذا الذي بيناه في القرآن أو من هذا الكتاب الذي ينطق بالحق أو من هذا الذي هو وصف المشفقين ولهم أي لهؤلاء الكفار أعمال من دون ذلك أي أعمال سوى ذلك أي سوى جهلهم وكفرهم ثم قال بعضهم أراد أعمالهم في الحال ، وقال بعضهم بل أراد المستقبل وهذا أقرب لأن قوله : {هُمْ لَهَا عَـامِلُونَ} إلى الاستقبال أقرب وإنما قال : {هُمْ لَهَا عَـامِلُونَ} لأنها مثبتة في علم الله تعالى وفي حكم الله وفي اللوح المحفوظ ، فوجب أن يعملوها ليدخلوا بها النار لما سبق لهم من الله من الشقاوة القول الثاني : وهو اختيار أبي مسلم أن هذه الآيات من صفات المشفقين كأنه سبحانه قال بعد وصفهم : {وَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا } ونهايته ما أتى به هؤلاء المشفقون {وَلَدَيْنَا كِتَابٌ} يحفظ أعمالهم {يَنطِقُ بِالْحَقِّا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ} بل نوفر عليهم ثواب كل أعمالهم {بَلْ قُلُوبُهُمْ فِى غَمْرَةٍ مِّنْ هَـاذَا} هو أيضاً وصف لهم بالحيرة كأنه قال وهم مع ذلك الوجل والخوف كالمتحيرين في جعل أعمالهم مقبولة أو مردودة ولهم أعمال من دون ذلك أي لهم أيضاً من النوافل ووجوه البر سوى ما هم عليه إما أعمالاً قد عملوها في الماضي أو سيعملونها في المستقبل ، ثم إنه سبحانه رجع بقوله : {حَتَّى ا إِذَآ أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِم بِالْعَذَابِ} إلى وصف الكفار.
واعلم أن قول أبي مسلم أولى لأنه إذا أمكن رد الكلام إلى ما يتصل به من ذكر المشفقين كان أولى من رده إلى ما بعد منه خصوصاً ، وقد يرغب المرء في فعل الخير بأن يذكر أن أعماله محفوظة كما قد يحذر بذلك من الشر ، وقد يوصف المرء لشدة فكره في أمر آخرته بأن قلبه في غمرة ويراد أنه قد استولى عليه الفكر في قبول عمله أورده وفي أنه هل أداه كما يجب أو قصر. فإن قيل فما المراد بقوله من هذا ، وهو إشارة إلى ماذا ؟
قلنا هو إشارة إلى إشفاقهم ووجلهم مع أنهما مستوليان على قلوبهم.
جزء : 23 رقم الصفحة : 287
أما قوله تعالى : {حَتَّى ا إِذَآ أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِم بِالْعَذَابِ} فقال صاحب "الكشاف" حتى هذه هي التي / يبتدأ بعدها الكلام والكلام الجملة الشرطية.
واعلم أنه لا شبهة (في) أن الضمير في مترفيهم راجع إلى من تقدم ذكره من الكفار لأن العذاب لا يليق إلا بهم وفي هذا العذاب وجهان : أحدهما : أراد بالعذاب ما نزل بهم يوم بدر والثاني : أنه عذاب الآخرة ثم بين سبحانه أن المنعمين منهم إذا نزل بهم العذاب يجأرون أي يرتفع صوتهم بالاستغاثة والضجيج لشدة ما هم عليه ويقال لهم على وجه التبكيت {لا تَجْـاَرُوا الْيَوْمَا إِنَّكُم مِّنَّا لا تُنصَرُونَ} فلا يدفع عنكم ما يريد إنزاله بكم ، دل بذلك سبحانه على أنهم سينتهون يوم القيامة إلى هذه الدرجة من الحسرة والندامة وهو كالباعث لهم في الدنيا على ترك الكفر والإقدام على الإيمان والطاعة فإنهم الآن ينتفعون بذلك.
جزء : 23 رقم الصفحة : 287
288
اعلم أنه سبحانه لما بين فيما قبل أنه لا ينصر أولئك الكفار أتبعه بعلة ذلك وهي أنه متى تليت آيات الله عليهم أتوا بأمور ثلاثة : أحدها : أنهم كانوا على أعقابهم ينكصون وهذا مثل يضرب فيمن تباعد عن الحق كل التباعد وهو قوله : {فَكُنتُمْ عَلَى ا أَعْقَـابِكُمْ تَنكِصُونَ} أي تنفرون عن تلك الآيات وعمن يتلوها كما يذهب الناكص على عقبيه بالرجوع إلى ورائه وثانيها : قوله : {مُسْتَكْبِرِينَ بِه } والهاء / في به إلى ماذا تعود ؟
فيه وجوه : أولها : إلى البيت العتيق أو الحرم كانوا يقولون لا يظهر علينا أحد لأنا أهل الحرم والذي يسوغ هذا الإضمار شهرتهم بالاستكبار بالبيت وإن لم يكن لهم مفخرة إلا أنهم ولاته والقائمون به وثانيها : المراد مستكبرين بهذا التراجع والتباعد وثالثها : أن تتعلق الباء بسامراً أي يسمرون بذكر القرآن وبالطعن فيه ، وهذا هو الأمر الثالث الذي يأتون به عند تلاوة القرآن عليهم ، وكانوا يجتمعون حول البيت بالليل يسمرون وكانت عامة سمرهم ذكر القرآن وتسميته سحراً وشعراً وسب رسول الله صلى الله عليه وسلّم ويهجرون ، والسامر نحو الحاضر في الإطلاق على الجمع وقرىء سمراً وسامراً يهجرون من أهجر في منطقه إذا أفحش والهجر بالفتح الهذيان والهجر بالضم الفحش أو من هجر الذي هو مبالغة في هجر إذا هدى. ثم إنه سبحانه لما وصف حالهم رد عليهم بأن بين أن إقدامهم على هذه الأمور لا بد وأن يكون لأحد أمور أربعة : أحدها : أن لا يتأملوا في دليل ثبوته وهو المراد من قوله : {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ}
جزء : 23 رقم الصفحة : 288
(1/3251)

فبين أن القول الذي هو القرآن كان معروفاً لهم وقد مكنوا من التأمل فيه من حيث كان مبايناً لكلام العرب في الفصاحة ، ومبرأ عن التناقض في طول عمره ، ومن حيث ينبه على ما يلزمهم من معرفة الصانع ومعرفة الوحدانية فل لا يتدبرون فيه ليتركوا الباطل ويرجعوا إلى الحق وثانيها : أن يعتقدوا أن مجيء الرسل أمر على خلاف العادة وهو المراد من قوله : {مُسْتَكْبِرِينَ بِه سَـامِرًا تَهْجُرُونَ * أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ} وذلك لأنهم عرفوا بالتواتر أن الرسل كانت تتواتر على الأمم وتظهر المعجزات عليها وكانت الأمم بين مصدق ناج ، وبين مكذب هالك بعذاب الاستئصال أفما دعاهم ذلك إلى تصديق الرسول وثالثها : أن لا يكونوا عالمين بديانته وحسن خصاله قبل ادعائه للنبوة وهو المراد من قوله : {أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَه مُنكِرُونَ} نبه سبحانه بذلك على أنهم عرفوا منه قبل ادعائه الرسالة كونه في نهاية الأمانة والصدق وغاية الفرار من الكذب والأخلاق الذميمة فكيف كذبوه بعد أن اتفقت كلمتهم على تسميته بالأمين ورابعها : أن يعتقدوا فيه الجنون فيقولون إنما حمله على ادعائه الرسالة جنونه وهو المراد من قوله : {أَمْ يَقُولُونَ بِه جِنَّة } وهذا أيضاً ظاهر الفساد لأنهم كانوا يعلمون بالضرورة أنه أعفل الناس/ والمجنون كيف يمكنه أن يأتي بمثل ما أتى به من الدلائل القاطعة والشرائع الكاملة ، ولقد كان من المبغضين له عليه السلام من سماه بذلك وفيه وجهان : أحدهما : أنهم نسبوه إلى ذلك من حيث كان يطمع في انقيادهم له وكان ذلك من أبعد الأمور عندهم فنسبوه إلى الجنون لذلك والثاني : أنهم قالوا ذلك إيهاماً لعوامهم لكي لا ينقادوا له فأوردوا ذلك مورد الاستحقار له. ثم إنه سبحانه بعد أن عد هذه الوجوه ، ونبه على فسادها قال : {بَلْ جَآءَهُم بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَـارِهُونَ} من حيث تمسكوا بالتقليد ومن حيث علموا أنهم لو أقروا بمحمد صلى الله عليه وسلّم لزالت مناصبهم ولاختلت رياساتهم فلذلك كرهوه فإن قيل قوله : {وَأَكْثَرُهُمْ} فيه دليل على أن أقلهم لا يكرهون الحق ، قلنا كان فيهم من يترك الإيمان أنفة من توبيخ قومه وأن / يقولوا ترك دين آبائه لا كراهة للحق كما حكى عن أبي طالب ثم بين سبحانه أن الحق لا يتبع الهوى ، بل الواجب على المكلف أن يطرح الهوى ويتبع الحق فبين سبحانه أن اتباع الهوى يؤدي إلى الفساد العظيم فقال : {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَـاوَاتُ وَالارْضُ وَمَن فِيهِنَّ } وفي تفسيره وجوه : الأول : أن القوم كانوا يرون أن الحق في اتخاذ آلهة مع الله تعالى ، لكن لو صح ذلك لوقع الفساد في السموات والأرض على ما قررناه في دليل التمانع في قوله : {لَوْ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا } (الأنبياء : 22) والثاني : أن أهواءهم في عبادة الأوثان وتكذيب محمد صلى الله عليه وسلّم وهما منشأ المفسدة ، والحق هو الإسلام. فلو اتبع الإسلام قولهم لعلم الله حصول المفاسد عند بقاء هذا العالم ، وذلك يقتضي تخريب العالم وإفناءه والثالث : أن آراءهم كانت متناقضة فلو اتبع الحق أهواءهم لوقع التناقض ولاختل نظام العالم عن القفال.
جزء : 23 رقم الصفحة : 288
أما قوله : {بَلْ أَتَيْنَـاهُم بِذِكْرِهِمْ} فقيل إنه القرآن والأدلة وقيل بل شرفهم وفخرهم بالرسول وكلا القولين متقارب لأن في مجيء الرسول بيان الأدلة وفي مجيء الأدلة بيان الرسول فأحدهما مقرون بالآخر ، وقيل الذكر هو الوعظ والتحذير ، وقيل هو الذي كانوا يتمنونه ويقولون : {لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْرًا مِّنَ الاوَّلِينَ * لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ} (الصافات : 168 ، 169) وقرىء بذكراهم. ثم بين سبحانه أنه عليه الصلاة والسلام لا يطمع فيهم حتى يكون ذلك سبباً للنفرة فقال : {أَمْ تَسْـاَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ } وقرىء خراجاً ، قال أبو عمرو بن العلاء الخرج ما تبرعت به والخراج ما لزمك أداؤه والوجه أن الخرج أخص من الخراج كقولك خراج القرية وخرج الكردة زيادة اللفظ لزيادة المعنى ولذلك حسنت قراءة من قرأ {خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ} يعني أم تسألهم على هدايتهم قليلاً من عطاء الخلق فالكثير من عطاء الخلق خير. فنبه سبحانه بذلك على أن هذه التهمة بعيدة عنه ، فلا يجوز أن ينفروا عن قبول قوله لأجلها. فنبه سبحانه بهذه الآيات على أنهم غير معذورين ألبته وأنهم محجوجون من جميع الوجوه ، قال الجبائي دل قوله تعالى : {وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} على أن أحداً من العباد لا يقدر على مثل نعمه ورزقه ولا يساويه في الإفضال على عباده ودل أيضاً على أن العباد قد يرزق بعضهم بعضاً ولولا ذلك لما جاز أن يقول : {وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} .
جزء : 23 رقم الصفحة : 288
289
(1/3252)

/ اعلم أنه سبحانه وتعالى لما زيف طريقة القوم أتبعه ببيان صحة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلّم فقال : {وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} لأن ما دل الدليل على صحته فهو في باب الاستقامة أبلغ من الطريق المستقيم {وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالاخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَـاكِبُونَ} أي لعادلون عن هذا الطريق ، لأن طريق الاستقامة واحدة وما يخالفه فكثير.
أما قوله تعالى : {وَلَوْ رَحِمْنَـاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِم مِّن ضُرٍّ} ففيه وجوه : أحدها : المراد ضرر الجوع وسائر مضار الدنيا وثانيها : المراد ضرر القتل والسبي وثالثها : أنه ضرر الآخرة وعذابها فبين أنهم قد بلغوا في التمرد والعناد المبلغ الذي لا مرجع فيه إلى دار الدنيا ، وأنهم {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ} (الأنعام : 28) لشدة لجاجهم فيما هم عليه من الكفر.
أما قوله تعالى : {لَّلَجُّوا فِى طُغْيَـانِهِمْ يَعْمَهُونَ} فالمعنى لتمادوا في ضلالهم وهم متحيرون.
جزء : 23 رقم الصفحة : 289
289
اختلفوا في قوله : {وَلَقَدْ أَخَذْنَـاهُم بِالْعَذَابِ} على وجوه : أحدها : أنه لما أسلم ثمامة بن أثال الحنفي ولحق باليمامة منغ الميرة عن أهل مكة فأخذهم الله بالسنين حتى أكلوا الجلود والجيف ، فجاء أبو سفيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم وقال : ألست تزعم أنك بعثت رحمة العالمين ، ثم قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع ، فادع الله يكشف عنا هذا القحط. فدعا فكشف عنهم فأنزل الله هذه الآية ، والمعنى أخذناهم بالجوع فما أطاعوا وثانيها : هو الذي نالهم يوم بدر من القتل والأسر ، يعني أن ذلك مع شدته ما دعاهم إلى الإيمان عن الأصم وثالثها : المراد / من عذب من الأمم الخوالي {فَمَا اسْتَكَانُوا } أي مشركي العرب لربهم عن الحسن ورابعها : أن شدة الدنيا أقرب إلى المكلف من شدة الآخرة ، فإذا لم تؤثر فيهم شدة الدنيا فشدة الآخرة كذلك ، وهذا يدل على أنهم {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ} (الأنعام : 28).
أما قوله تعالى : {حَتَّى ا إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ} ففيه وجهان : أحدهما : حتى إذا فتحنا عليهم باب الجوع الذي هو أشد من القتل والأسر والثاني : إذا عذبوا بنار جهنم فحينئذ يبلسون كقوله : {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ * وَلَمْ يَكُن لَّهُم مِّن شُرَكَآاـاِهِمْ شُفَعَـا ؤا وَكَانُوا بِشُرَكَآاـاِهِمْ كَـافِرِينَ} والإبلاس اليأس من كل خير ، وقيل السكون مع التحسير. وههنا سؤالات :
السؤال الأول : ما وزن استكان ؟
الجواب : استفعل من السكون أي انتقل من كون إلى كون ، كما قيل استحال إذا انتقل من حال إلى حال ، ويجوز أن يكون افتعل من السكون أشبعت فتحة عينه.
جزء : 23 رقم الصفحة : 289
السؤال الثاني : لم جاء {اسْتَكَانُوا } بلفظ الماضي و{يَتَضَرَّعُونَ} بلفظ المستقبل ؟
الجواب : لأن المعنى امتحناهم فما وجدنا منهم عقيب المحنة استكانة ، وما من عادة هؤلاء أن يتضرعوا حتى يفتح عليهم باب العذاب الشديد وقرىء فتحنا.
(1/3253)

السؤال الثالث : العطف لا يحسن إلا مع المجانسة فأي مناسبة بين قوله : {وَهُوَ الَّذِى أَنشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالابْصَـارَ} وبين ما قبله ؟
الجواب : كأنه سبحانه لما بين مبالغة أولئك الكفار في الأعراض عن سماع الأدلة ورؤية العبر والتأمل في الحقائق قال للمؤمنين ، وهو الذي أعطاكم هذه الأشياء ووقفكم عليها ، تنبيهاً على أن من لم يستعمل هذه الأعضاء فيما خلقت له فهو بمنزلة عادمها كما قال تعالى : {فَمَآ أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَـارُهُمْ وَلا أَفْـاِدَتُهُم مِّن شَىْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِـاَايَـاتِ اللَّهِ} تنبيهاً على أن حرمان أولئك الكفار ووجدان هؤلاء المؤمنين ليس إلا من الله. واعلم أنه سبحانه بين عظيم نعمه من وجوه : أحدها : بإعطاء السمع والأبصار والأفئدة وخص هذه الثلاثة بالذكر لأن الاستدلال موقوف عليها ، ثم بين أنه يقل منهم الشاكرون ، قال أبو مسلم وليس المراد أن لهم شكراً وإن قل ، لكنه كما يقال للكفور الجاحد للنعمة ما أقل شكر فلان وثانيها : قوله : {وَهُوَ الَّذِى ذَرَأَكُمْ فِى الارْضِ} قيل في التفسير {خَلَقَكُمْ} قال أبو مسلم : ويحتمل بسطكم فيها ذرية بعضكم من بعض حتى كثرتم كقوله تعالى : {ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ } (الإسراء : 3) فنقول : هو الذي جعلكم في الأرض متناسلين ، ويحشركم يوم القيامة إلى دار لا حاكم فيها سواه ، فجعل حشرهم إلى ذلك الموضع حشراً إليه لا بمعنى المكان وثالثها : قوله : {وَهُوَ الَّذِى يُحْىِا وَيُمِيتُ} أي نعمة الحياة وإن كانت من أعظم النعم فهي منقطعة وأنه سبحانه وإن أنعم بها فالمقصود منها الانتقال إلى دار الثواب ورابعها : قوله : {وَلَهُ اخْتِلَـافُ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ } ووجه النعمة بذلك معلوم ، ثم إنه سبحانه حذر من ترك النظر في هذه الأمور فقال : {أَفَلا تَعْقِلُونَ} لأن ذلك دلالة الزجر والتهديد وقرىء {أَفَلا يَعْقِلُونَ} .
جزء : 23 رقم الصفحة : 289
290
/ اعلم أنه سبحانه لما أوضح القول في دلائل التوحيد عقبه بذكر المعاد فقال : {بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الاوَّلُونَ} في إنكار البعث مع وضوح الدلائل ونبه بذلك على أنهم إنما أنكروا ذلك تقليداً للأولين وذلك يدل على فساد القول بالتقليد ، ثم حكى الشبهة عنهم من وجهين : أحدهما : قولهم : {أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَـامًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ} وهو مشهور وثانيهما : قولهم : {لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَءَابَآؤُنَا هَـاذَا مِن قَبْلُ} كأنهم قالوا إن هذا الوعد كما وقع منه عليه الصلاة والسلام فقد وقع قديماً من الأنبياء ، ثم لم يوجد مع طول العهد ، فظنوا أن الإعادة تكون في دار الدنيا ، ثم قالوا لما كان كذلك فهو من أساطير الأولين والأساطير جمع أسطار والأسطار جمع سطر أي ما كتبه الأولون مما لا حقيقة له ، وجمع أسطورة أوفق.
جزء : 23 رقم الصفحة : 290
292
اعلم أنه يمكن أن يكون المقصود من هذه الآيات / الرد على منكري الإعادة وأن يكون المقصود الرد على عبدة الأوثان ، وذلك لأن القوم كانوا مقرين بالله تعالى فقالوا نعبد الأصنام لتقربنا إلى الله زلفى ، ثم إنه سبحانه احتج عليهم بأمور ثلاثة : أحدها : قوله : {قُل لِّمَنِ الارْضُ وَمَن فِيهَآ} ووجه الاستدلال به على الإعادة أنه تعالى لما كان خلقاً للأرض ولمن فيها من الأحياء ، وخالقاً لحياتهم وقدرتهم وغيرها ، فوجب أن يكون قادراً على أن يعيدهم بعد أن أفناهم. ووجه الاستدلال به على نفي عبادة عبادة الأوثان ، من حيث إن عبادة من خلقكم وخلق الأرض وكل ما فيها من النعم هي الواجبة دون عبادة ما لا يضر ولا ينفع ، وقوله : {أَفَلا تَذَكَّرُونَ} معناه الترغيب في التدبر ليعلموا بطلان ما هم عليه وثانيها : قوله : {مَن رَّبُّ السَّمَـاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} ووجه الاستدلال على الأمرين كما تقدم ، وإنما قال : {أَفَلا تَتَّقُونَ} تنبيهاً على أن اتقاء عذاب الله لا يحصل إلا بترك عبادة الأوثان والاعتراف بجواز الإعادة وثالثها : قوله تعالى : {قُلْ مَنا بِيَدِه مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍ} .
اعلم أنه سبحانه لما ذكر الأرض أولاً والسماء ثانياً عمم الحكم ههنا ، فقال من بيده ملكوت كل شيء ، ويدخل في الملكوت الملك والملك على سبيل المبالغة ، وقوله : {وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ} يقال أجرت فلاناً على فلان إذا أغثته منه ومنعته. يعني وهو يغيث من يشاء ممن يشاء ، ولا يغيث أحد منه أحداً.
أما قوله تعالى : {فَأَنَّى تُسْحَرُونَ} فالمعنى أنى تخدعون عن توحيده وطاعته ، والخادع هو الشيطان والهوى. ثم بين تعالى بقوله : {بَلْ أَتَيْنَـاهُم بِالْحَقِّ} أنه قد بالغ في الحجاج عليهم بهذه الآيات وغيرها وهم مع ذلك كاذبون ، وذلك كالتوعد والتهديد ، وقرىء أتيتهم ، وأتيتهم بالضم والفتح وههنا سؤالات :
جزء : 23 رقم الصفحة : 292
(1/3254)

السؤال الأول : قرىء {قُل لِّلَّهِ} في الجواب الأول باللام لا غير ، وقرىء الله في الأخيرين بغير اللام في مصاحف أهل الحرمين والكوفة والشام وباللام في مصاحف أهل البصرة فما الفرق ؟
الجواب : لا فرق في المعنى ، لأن قولك من ربه ، ولمن هو ؟
في معنى واحد.
السؤال الثاني : كيف قال : {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} ثم حكى عنهم سيقولون الله وفيه تناقض ؟
الجواب : لا تناقض لأن قوله : {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} لا ينفي عملهم بذلك. وقد يقال مثل ذلك في الحجاج على وجه التأكيد لعلمهم والبعث على اعترافهم بما يورد من ذلك.
جزء : 23 رقم الصفحة : 292
294
/ اعلم أنه سبحانه ادعى أمرين أحدهما : قوله : {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ} وهو كالتنبيه على أن ذلك من قول هؤلاء الكفار ، فإن جمعاً منهم كانوا يقولون الملائكة بنات الله والثاني : قوله : {وَمَا كَانَ مَعَه مِنْ إِلَـاهٍ } وهو قولهم باتخاذ الأصنام آلهة ، ويحتمل أن يريد به إبطال قول النصارى والثنوية ، ثم إنه سبحانه وتعالى ذكر الدليل المعتمد بقوله : {إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـاها بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ } والمعنى لانفرد على (ذلك) كل واحد من الآلهة بخلقه الذي خلقه واستبد به ، ولرأيتم ملك كل واحد منهم متميزاً عن ملك الآخر ، ولغلب بعضهم على بعض كما ترون حال ملوك الدنيا ممالكهم متميزة وهم متغالبون ، وحيث لم تروا أثر التمايز في الممالك والتغالب ، فاعلموا أنه إله واحد بيده ملكوت كل شيء. فإن قيل : {إِذَآ} لا يدخل إلا على كلام هو جزاء وجواب ، فكيف وقع قوله لذهب جزاء وجواباً ؟
ولم يتقدمه شرط ولا سؤال سائل ، قلنا الشرط محذوف وتقديره ولو كان معه آلهة ، وإنما حذف لدلالة قوله : {وَمَا كَانَ مَعَه مِنْ إِلَـاهٍ } عليه ، ثم إنه سبحانه نزه نفسه عن قولهم بقوله : {سُبْحَـانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} من إثبات الولد والشريك.
أما قوله : {عَـالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَـادَةِ} فقرىء بالجر صفة لله ، وبالرفع خبر مبدتأ محذوف ، والمعنى أنه سبحانه هو المختص بعلم الغيب والشهادة ، فغيره وإن علم الشهادة فلن يعلم معها الغيب ، والشهادة التي يعلمها لا يتكامل بها النفع إلا مع العلم بالغيب وذلك كالوعيد لهم ، فلذلك قال : {فَتَعَـالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} ثم أمره سبحانه بالانقطاع إليه وأن يدعوه بقوله : {قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّى مَا يُوعَدُونَ * رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِى فِى الْقَوْمِ الظَّـالِمِينَ} قال صاحب "الكشاف" : ما والنون مؤكدتان ، أي إن كان ولا بد من أن تريني ما تعدهم من العذاب في الدنيا أو في الآخرة ، فلا تجعلني قريناً لهم ولا تعذبني بعذابهم ، فإن قيل كيف يجوز أن يجعل الله نبيه المعصوم مع الظالمين حتى يطلب أن لا يجعله معهم ؟
قلنا يجوز أن يسأل العبد ربه ما علم أنه يفعله ، وأن يستعيذ به مما علم أنه لا يفعله إظهاراً للعبودية وتواضعاً لربه. وما أحسن قول الحسن في قول الصديق : وليتكم ولست بخيركم ، مع أنه كان يعلم / أنه خيرهم ، ولكن المؤمن يهضم نفسه ، وإنما ذكر رب مرتين مرة قبل الشرط ومرة قبل الجزاء مبالغة في التضرع.
جزء : 23 رقم الصفحة : 294
أما قوله تعالى : {وَإِنَّا عَلَى ا أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَـادِرُونَ} ففيه قولان : أحدهما : أنهم كانوا ينكرون الوعد بالعذاب ويضحكون منه ، فقيل لهم : إن الله قادر على إنجاز ما وعد ويحتمل عذاباً في الدنيا مؤخراً عن أيامه عليه السلام ، فلذلك قال بعضهم : هو في أهل البغى ، وبعضهم في الكفار الذين قوتلوا بعد الرسول صلى الله عليه وسلّم والثاني : أن المراد عذاب الآخرة.
أما قوله : {ادْفَعْ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ} فالمراد منه أن الأولى به عليه السلام أن يعامل به الكفار فأمر باحتمال ما يكون منهم من التكذيب وضروب الأذى/ وأن يدفعه بالكلام الجميل كالسلام وبيان الأدلة على أحسن الوجوه ، وبين له أنه أعلم بحالهم منه عليه السلام وأنه سبحانه لما لم يقطع نعمه عنهم ، فينبغي أن يكون هو عليه السلام مواظباً على هذه الطريقة ، قال صاحب "الكشاف" قوله : {ادْفَعْ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ } (المؤمنون : 96) أبلغ من أن يقال بالحسنة السيئة لما فيه من التفضيل ، والمعنى الصفح عن إساءتهم ومقابلتها بما أمكن من الإحسان ، حتى إذا اجتمع الصفح والإحسان وبذل الطاقة فيه كانت حسنة مضاعفة بإزاء السيئة. وقيل هذه الآية منسوخة بآية السيف ، وقيل محكمة ، لأن المداراة محثوث عليها ما لم تؤد إلى نقصان دين أو مروءة.
جزء : 23 رقم الصفحة : 294
296
(1/3255)

اعلم أنه سبحانه لما أدب رسوله بقوله : {ادْفَعْ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ } (المؤمنون : 96) أتبعه بما به يقوى على ذلك وهو الاستعاذة بالله من أمرين : أحدهما : من همزات الشياطين ، والهمزات جمع الهمزة ، وهو الدفع والتحريك الشديد ، وهو كالهز والأز ، ومنه مهماز الرائض ، وهمزاته هو كيده بالوسوسة ، ويكون ذلك منه في الرسول بوجهين : أحدهما : بالوسوسة والآخر بأن / يبعث أعداءه على إيذائه ، وكذلك القول في المؤمنين ، لأن الشيطان يكيدهم بهذين الوجهين ، ومعلوم أن من ينقطع إلى الله تعالى ويسأله أن يعيذه من الشيطان ، فإنه يجب أن يكون متذكراً متيقظاً فيما يأتي ويذر ، فيكون نفس هذا الانقطاع إلى الله تعالى داعية إلى التمسك بالطاعة وزاجراً عن المعصية ، قال الحسن كان عليه السلام يقول بعد استفتاح الصلاة "لا إله إلا الله ثلاثاً ، الله أكبر ثلاثاً ، اللهم إني أعوذ بك من همزات الشياطين همزه ونفثه ونفخه ، فقيل يا رسول الله وما همزه ؟
قال الموتة التي تأخذ ابن آدم ـ أي الجنون الذي يأخذ ابن آدم ـ قيل فما نفثه ؟
قال الشعر قيل فما نفخه ؟
قال الكبر وثانيها : قوله : {وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ} وفيه وجهان : أحدهما : أن يحضرون عند قراءة القرآن لكي يكون متذكراً فيقل سهوه ، وقال آخرون بل استعاذ بالله من نفس حضورهم لأنه الداعي إلى وسوستهم كما يقول المرء أعوذ بالله من خصومتك بل أعوذ بالله من لقائك ، وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم وقد اشتكى إليه رجل أرقاً يجده فقال : "إذا أردت النوم فقل أعوذ بالله وبكلمات الله التامات من غضبه وعقابه ومن شر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون".
أما قوله : {حَتَّى ا إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ} ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قال صاحب "الكشاف" حتى متعلق بيصفون أي لا يزالون على سوء الذكر إلى هذا الوقت والآية فاصلة بينهما على وجه الاعتراض والتأكيد للإغضاء عنهم مستعيناً بالله على الشيطان أنه يستزله عن الحلم والله أعلم.
جزء : 23 رقم الصفحة : 296
المسألة الثانية : اختلفوا في قوله : {حَتَّى ا إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ} فالأكثرون على أنه راجع إلى الكفار وقال الضحاك كنت جالساً عند ابن عباس ، فقال من لم يترك ولم يحج سأل الرجعة عند الموت ، فقال واحد إنما يسأل ذلك الكفار فقال ابن عباس رضي الله عنهما أنا أقرأ عليك به قرآناً {وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَـاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِى إِلَى ا أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ} (المنافقون : 10) قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : "إذا حضر الإنسان الموت جمع كل شيء كان يمنعه من حقه بين يديه فعنده يقول رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت" والأقرب هو الأول إذا عرف المؤمن منزلته في الجنة فإذا شاهدها لا يتمنى أكثر منها ، ولولا ذلك لكان أدونهم ثواباً يغتم بفقد ما يفقد من منزلة غيره وأما ما ذكره ابن عباس رضي الله عنهما من قوله : {وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَـاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ} فهو إخبار عن حال الحياة في الدنيا لا عن حال الثواب فلا يلزم على ما ذكرنا.
المسألة الثالثة : اختلفوا في وقت مسألة الرجعة فالأكثرون على أنه يسأل في حال المعاينة لأنه عندها يضطر إلى معرفة الله تعالى وإلى أنه كان عاصياً ويصير ملجأ إلى أنه لا يفعل القبيح بأن يعلمه الله تعالى أنه لو رامه لمنع منه ، ومن هذا حاله يصير كالممنوع من القبائح بهذا الإلجاء فعند ذلك يسأل الرجعة ، ويقول : {رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّى أَعْمَلُ صَـالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ } وقال آخرون بل يقول ذلك عند معاينة النار في الآخرة ، ولعل هذا القائل إنما ترك ظاهر هذه الآية لما أخبر الله تعالى في كتابه / عن أهل النار في الآخرة أنهم يسألون الرجعة لكن ذلك مما لا يمنع أن يكونوا سائلين الرجعة في حال المعاينة ، والله تعالى يقول : {حَتَّى ا إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ} فعلق قولهم هذا بحال حضور الموت وهو حال المعاينة فلا وجه لترك هذا الظاهر.
المسألة الرابعة : اختلفوا في قوله سبحانه وتعالى : {ارْجِعُونِ} من المراد به ؟
فقال بعضهم : الملائكة الذين يقبضون الأرواح وهم جماعة فلذلك ذكره بلفظ الجمع ، وقال آخرون بل المراد هو الله تعالى لأن قوله رب بمنزلة أن يقول يا رب وإنما ذكر بلفظ الجمع للتعظيم كما يخاطب العظيم بلفظه فيقول فعلنا وصنعنا وقال الشاعر :
جزء : 23 رقم الصفحة : 296
فإن شئت حرمت النساء سواكم
ومن يقول بالأول يجعل ذكر الرب للقسم ، فكأنه عند المعاينة قال بحق الرب ارجعون ، وههنا سؤالات :
(1/3256)

السؤال الأول : كيف يسألون الرجعة وقد علموا صحة الدين بالضرورة ، ومن الدين أن لا رجعة ؟
الجواب : أنه وإن كان كذلك فلا يمتنع أن يسألوه لأن الاستعانة بهذا الجنس من المسألة تحسن وإن علم أنه لا يقع فأما إرادته للرجعة فلا يمتنع أيضاً على سبيل ما يفعله المتمني.
السؤال الثاني : ما معنى قوله : {لَعَلِّى أَعْمَلُ صَـالِحًا} أفيجوز أن يسأل الرجعة مع الشك ؟
الجواب : ليس المراد بلعل الشك فإنه في هذا الوقت باذل للجهد في العزم على الطاعة إن أعطى ما سأل ، بل هو مثل من قصر في حق نفسه وعرف سوء عاقبة ذلك التقصير فيقول مكنوني من التدارك لعلي أتدارك فيقول هذه الكلمة مع كونه جازماً بأنه سيتدارك ، ويحتمل أيضاً أن الأمر المستقبل إذا لم يعرفوه أوردوا الكلام الموضوع للترجي والظن دون اليقين ، فقد قال تعالى : {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ} (الأنعام : 28).
السؤال الثالث : ما المراد بقوله فيما تركت ؟
الجواب : قال بعضهم فيما خلفت من المال ليصير عند الرجعة مؤدياً لحق الله تعالى منه ، والمعقول من قوله : {تَرَكْتُ } التركة وقال آخرون بل المراد أعمل صالحاً فيما قصرت فيدخل فيه العبادات البدنية والمالية والحقوق ، وهذا أقرب كأنهم تمنوا الرجعة ليصلحوا ما أفسدوه ويطيعوا في كل ما عصوا.
السؤال الرابع : ما المراد بقوله كلا ؟
الجواب : فيه قولان : أحدهما : أنه كالجواب لهم في المنع مما طلبوا ، كما يقال لطالب الأمر المستبعد هيهات ، روي أنه عليه السلام قال لعائشة رضي الله عنها : "إذا عاين المؤمن الملائكة قالوا نرجعك إلى دار الدنيا فيقول إلى دار الهموم والأحزان لا بل قدوماً على الله ، وأما الكافر فيقال له نرجعك فيقول ارجعون فيقال له إلى أي شيء ترغب إلى جمع المال أو غرس الغراس أو بناء البنيان أو شق الأنهار ؟
فيقول لعلي أعمل صالحاً فيما تركت فيقول فيقول الجبار كلا" الثاني : يحتمل أن يكون على وجه الإخبار بأنهم يقولون ذلك وأن هذا الخبر حق فكأنه قال : حقاً إنها كلمة هو قائلها ، والأقرب الأول.
/ أما قوله : {إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ} ففيه وجهان : الأول : أنه لا يخليها ولا يسكت عنها لاستيلاء الحسرة عليه الثاني : أنه قائلها وحده ولا يجاب إليها ولا يسمع منه.
جزء : 23 رقم الصفحة : 296
أما قوله تعالى : {قَآاـاِلُهَا وَمِن وَرَآاـاِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} فالبرزخ هو الحاجز والمانع كقوله في البحرين {بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ} (الرحمن : 20) أي فهؤلاء صائرون إلى حالة مانعة من التلافي حاجزة عن الاجتماع وذلك هو الموت ، وليس المعنى أنهم يرجعون يوم البعث ، إنما هو إقناط كلي لما علم أنه لا رجعة يوم البعث إلا إلى الآخرة.
جزء : 23 رقم الصفحة : 296
298
اعلم أنه سبحانه لما قال : {وَمِن وَرَآاـاِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} (المؤمنون : 100) ذكر أحوال ذلك اليوم فقال {فَإِذَا نُفِخَ فِى الصُّورِ} وفيه ثلاثة أقوال : أحدها : أن الصور آلة إذا نفخ فيها يظهر صوت عظيم ، جعله الله تعالى علامة لخراب الدنيا ولإعادة الأموات ، روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أنه قرن ينفخ فيه وثانيها : أن المراد من الصور مجموع الصور ، والمعنى فإذا نفخ في الصور أرواحها وهو قول الحسن فكان يقرأ بفتح الواو والفتح والكسر عن أبي رزين وهو حجة لمن فسر الصور بجمع صورة وثالثها : أن النفخ في الصور استعارة والمراد منه البعث والحشر ، والأول أولى للخبر وفي قوله : {ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى } (الزمر : 68) دلالة على أنه ليس المراد نفع الروح والإحياء لأن ذلك لا يتكرر.
جزء : 23 رقم الصفحة : 298
(1/3257)

أما قوله : {فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَـاـاِذٍ وَلا يَتَسَآءَلُونَ} فمن المعلوم أنه سبحانه إذا أعادهم فالأنساب ثابتة لأن المعاد هو الولد والوالد ، فلا يجوز أن يكون المراد نفي النسب في الحقيقة بل المراد نفي حكمه. وذلك من وجوه : أحدها : أن من حق النسب أن يقع به التعاطف والتراحم كما يقال في الدنيا : أسألك بالله والرحم أن تفعل كذا. فنفى سبحانه ذلك من حيث إن كل أحد من أهل النار / يكون مشغولاً بنفسه وذلك يمنعه من الالتفات إلى النسب ، وهكذا الحال في الدنيا لأن الرجل متى وقع في الأمر العظيم من الآلام ينسى ولده ووالده وثانيها : أن من حق النسب أن يحصل به التفاخر في الدنيا ، وأن يسأل بعضهم عن كيفية نسب البعض ، وفي الآخرة لا يتفرغون لذلك وثالثها : أن يجعل ذلك استعارة عن الخوف الشديد فكل امرىء مشغول بنفسه عن بنيه وأخيه وفصيلته التي تؤويه فكيف بسائر الأمور ، قال ابن مسعود رضي الله عنه يؤخذ العبد والأمة يوم القيامة على رؤوس الأشهاد وينادي مناد ألا إن هذا فلان فمن له عليه حق فليأت إلى حقه فتفرح المرأة حينئذ أن يثبت لها حق على أمها أو أختها أو أبيها أو أخيها أو ابنها أو زوجها {فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَـاـاِذٍ وَلا يَتَسَآءَلُونَ} وعن قتادة لا شيء أبغض إلى الإنسان يوم القيامة من أن يرى من يعرفه مخافة أن يثبت له عليه شيء ثم تلا {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّه وَأَبِيهِ} (عبس : 34) وعن الشعبي قال : قالت عائشة رضي الله عنها يا رسول الله ، أما نتعارف يوم القيامة ، أسمع الله تعالى يقول : {فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَـاـاِذٍ وَلا يَتَسَآءَلُونَ} فقال عليه الصلاة والسلام "ثلاث مواطن تذهل فيها كل نفس ؛ حين يرمي إلى كل إنسان كتابه ، وعند الموازين ، وعلى جسر جهنم" وطعن بعض الملحدة فقال قوله : {وَلا يَتَسَآءَلُونَ} وقوله : {وَلا يَسْـاَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا} (المعارج : 10) يناقض قوله : {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ} (الصافات : 27) وقوله : {يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ } (يونس : 45) الجواب : عنه من وجوه : أحدها : أن يوم القيامة مقداره خمسون ألف سنة ففيه أزمنة وأحوال مختلفة فيتعارفون ويتساءلون في بعضها/ ويتحيرون في بعضها لشدة الفزع وثانيها : أنه إذا نفخ في الصور نفخة واحدة شغلوا بأنفسهم عن التساؤل ، فإذا نفخ فيه أخرى أقبل بعضهم على بعض وقالوا : {قَالُوا يَـاوَيْلَنَا مَنا بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَـاذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَـانُ} (يس : 52) وثالثها : المراد لا يتساءلون بحقوق النسب ورابعها : أن قوله : {لا يَتَسَآءَلُونَ} صفة للكفار وذلك لشدة خوفهم.
جزء : 23 رقم الصفحة : 298
(1/3258)

أما قوله : {فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ} فهو صفة أهل الجنة إذا دخلوها ، واعلم أنه سبحانه قد بين أن بعد النفخ في الصور تكون المحاسبة ، وشرح أحوال السعداء والأشقياء ، وقيل لما بين سبحانه أنه ليس في الآخرة إلا ثقل الموازين وخفتها ، وجب أن يكون كل مكلف لا بد وأن يكون من أهل الجنة وأهل الفلاح أو من أهل النار فيبطل بذلك القول بأن فيهم من لا يستحق الثواب والعقاب أو من يتساوى له الثواب والعقاب ، ثم إنه سبحانه شرح حال السعداء بقوله : {فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُه فَ أولئك هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (المؤمنون : 102) وفي الموازين أقوال : أحدها : أنه استعارة من العدل وثانيها : أن الموازين هي الأعمال الحسنة فمن أتي بما له قدر وخطر فهو الفائز الظافر ، ومن أتى بما لا وزن له كقوله تعالى : {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَـالُهُمْ كَسَرَابا بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْـاَانُ مَآءً حَتَّى ا إِذَا جَآءَه لَمْ يَجِدْهُ شَيْـاًا} (النور : 39) فهو خالد في جهنم. قال ابن عباس رضي الله عنهما الموازين جمع موزون وهي الموزونات من الأعمال أي الصالحات التي لها وزن وقدر عند الله تعالى من قوله : {فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَـامَةِ وَزْنًا} (الكهف : 105) أي قدراً وثالثها : أنه ميزان له لسان وكفتان يوزن فيه الحسنات في أحسن صورة ، والسيئات في أقبح صورة فمن ثقلت حسناته سيق إلى الجنة ومن ثقلت سيئاته فإلى النار ، وتمام الكلام في هذا الباب قد تقدم في سورة الأنبياء عليهم السلام. وأما الأشقياء فقد وصفهم الله تعالى بأمور أربعة : أحدها : أنهم خسروا أنفسهم ، قال ابن عباس رضي الله عنهما غبنوها بأن صارت منازلهم للمؤمنين ، وقيل امتنع انتفاعهم بأنفسهم لكونهم في العذاب وثانيها : قوله : {فِى جَهَنَّمَ خَـالِدُونَ} ودلالته على خلود الكفار في النار بينة. قال صاحب "الكشاف" : {فِى جَهَنَّمَ خَـالِدُونَ} بدل من خسروا أنفسهم أو خبر بعد خبر لأولئك أو خبر مبتدأ محذوف وثالثها : قوله : {تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ} قال ابن عباس رضي الله عنهما أي تضرب وتأكل لحومهم وجلودهم ، قال الزجاج : اللفح والنفخ واحد إلا أن اللفح أشد تأثيراً ورابعها : قوله : {وَهُمْ فِيهَا كَـالِحُونَ} والكلوح أن تتقلص الشفتان ويتباعدا عن الأسنان ، كما ترى الرؤوس المشوية ، وعن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال : "تشويه النار فتتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه وتسترخي شفته السفلى حتى تبلغ سرته" ، وقرىء (كلحون) ، ثم إنه سبحانه لما شرح عذابهم ، حكى ما يقال لهم عند ذلك تقريعاً وتوبيخاً ، وهو قوله تعالى : {أَلَمْ تَكُنْ ءَايَـاتِى تُتْلَى عَلَيْكُمْ} ثم إنكم كنتم تكذبون بها مع وضوحها ، فلا جرم صرتم مستحقين لما أنتم فيه من العذاب الأليم. قالت المعتزلة : الآية تدل على أنهم إنما وقعوا في ذلك العذاب لسوء أفعالهم ، ولو كان فعل العباد بخلق الله تعالى لما صح ذلك والجواب : أن القادر على الطاعة والمعصية إن صدرت المعصية عنه لا لمرجح ألبتة كان صدورها عنه اتفاقياً لا اختيارياً ، فوجب أن لا يستحق العقاب ، وإن كان لمرجح ، فذاك المرجح ليس من فعله وإلا لزم التسلسل ، فحينئذ يكون صدور تلك الطاعة عند اضطرارياً لا اختيارياً ، فوجب أن لا يستحق الثواب.
جزء : 23 رقم الصفحة : 298
300
/ اعلم أنه سبحانه لما قال : {أَلَمْ تَكُنْ ءَايَـاتِى تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ} (المؤمنون : 105) ذكروا ما يجري مجرى الجواب عنه وهو من وجهين : الأول : قولهم : {رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا} وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : قال صاحب "الكشاف" : غلبت علينا ملكتنا من قولك غلبني فلان على كذا إذا أخذه منك ، والشقاوة سوء العاقبة ، قرىء : (شقوتنا) و(شقاوتنا) بفتح الشين وكسرها فيهما ، قال أبو مسلم : الشقوة من الشقاء كجرية الماء ، والمصدر الجري ، وقد يجيء لفظ فعله ، والمراد به الهيئة والحال ، فيقول جلسة حسنة وركبة وقعدة وذلك من الهيئة ، وتقول عاش فلان عيشة طيبة ومات ميتة كريمة ، وهذا هو الحال والهيئة ، فعلى هذا المراد من الشقوة حال الشقاء.
جزء : 23 رقم الصفحة : 300
(1/3259)

المسألة الثانية : قال الجبائي : المراد أن طلبنا اللذات المحرمة وحرصنا على العمل القبيح ساقنا إلى هذه الشقاوة ، فأطلق اسم المسبب على السبب. وليس هذا باعتذار منهم لعلمهم بأن لا عذر لهم فيه ، ولكنه اعتراف بقيام حجة الله تعالى عليهم في سوء صنيعهم ، قلنا إنك حملت الشقاوة على طلب تلك اللذات المحرمة ، وطلب تلك اللذات حصل باختيارهم أو لا باختيارهم فإن حصل باختيارهم فذلك الاختيار محدث ، فإن استغنى عن المؤثر فلم لا يجوز في كل الحوادث ذلك ، وحينئذ ينسد عليك باب إثبات الصانع ، وإن افتقر إلى محدث فمحدثه إما العبد أو الله تعالى ؟
فإن كان هو العبد فذلك باطل لوجوه : أحدها : أن قدرة العبد صالحة للفعل والترك ، فإن توقف صدور تلك الإرادة عنها إلى مرجح آخر ، عاد الكلام فيه ولزم التسلسل ، وإن لم يتوقف على المرجح فقد جوزت رجحان أحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح ، وذلك يسد باب إثبات الصانع وثانيها : أن العبد لا يعلم كمية تلك الأفعال ولا كيفيتها ، والجاهل بالشيء لا يكون محدثاً له ، وإلا لبطلت دلالة الإحكام والإتقان على العلم والثاني : أن أحداً في الدنيا لا يرضى بأن يختار الجهل ، بل لا يقصد إلا تحصيل العلم ، فالكافر ما قصد إلا تحصيل العلم ، فإن كان الموجد لفعله هو فوجب أن لا يحصل إلا ما قصد إيقاعه ، لكنه لم يقصد إلا العلم فكيف حصل الجهل ؟
فثبت أن الموجد للدواعي والبواعث هو الله تعالى ، ثم إن الداعية إن كانت سائقة إلى الخير كانت سعادة ، وإن كانت سائقة إلى الشر كانت شقاوة الوجه الثاني : لهم في الجواب قولهم : {وَكُنَّا قَوْمًا ضَآلِّينَ} وهذا الضلال الذي جعلوه كالعلة في إقدامهم على التكذيب إن كان هو نفس ذلك التكذيب لزم تعليل الشيء بنفسه ، ولما بطل ذلك لم يبق إلا أن يكون ذلك الضلال عبارة عن شيء آخر ترتب عليه فعلهم وما ذاك إلا خلق الداعي إلى الضلال ، ثم إن القوم لما أوردوا هذين / العذرين ، قال لهم سبحانه : {اخْسَـاُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ} وهذا هو صريح قولنا في أن المناظرة مع الله تعالى غير جائزة ، بل لا يسأل عما يفعل. قال القاضي في قوله : {رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا} دلالة على أنه لا عذر لهم إلا الاعتراف/ فلو كان كفرهم من خلقه تعالى وبإرادته وعلموا ذلك لكانوا بأن يذكروا ذلك أجدر وإلى العذر أقرب ، فنقول قد بينا أن الذي ذكروه ليس إلا ذلك ولكنهم مقرون أن لا عذر لهم فلا جرم ، قال لهم : {اخْسَـاُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ} .
جزء : 23 رقم الصفحة : 300
أما قوله : {رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَـالِمُونَ} فالمعنى : أخرجنا من هذه الدار إلى دار الدنيا ، فإن عدنا إلى الأعمال السيئة فإنا ظالمون ، فإن قيل كيف يجوز أن يطلبوا ذلك وقد علموا أن عقابهم دائم ؟
قلنا يجوز أن يلحقهم السهو عن ذلك في أحوال شدة العذاب فيسألون الرجعة. ويحتمل أن يكون مع علمهم بذلك يسألون ذلك على وجه الغوث والاسترواح.
أما قوله : {وَأَنزَلْنَا فِيهَآ} فالمعنى ذلوا فيها وانزجروا كما يزجر الكلاب إذا زجرت ، يقال : خسأ الكلب وخسأ بنفسه.
أما قوله : {وَلا تُكَلِّمُونِ} فليس هذا نهياً لأنه لا تكليف في الآخرة ، بل المراد لا تكلمون في رفع العذاب فإنه لا يرفع ولا يخفف ، قيل هو آخر كلام يتكلمون به ثم لا كلام بعد ذلك إلا الشهيق والزفير ، والعواء كعواء الكلاب ، لا يفهمون ولا يفهمون. وعن ابن عباس رضي الله عنهما : أن لهم ست دعوات ، إذا دخلوا النار قالوا ألف سنة {رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا} (السجدة : 12) فيجابون {حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّى} (السجدة : 13) فينادون ألف سنة ثانية {رَبَّنَآ أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ} فيجابون {ذَالِكُم بِأَنَّه ا إِذَا دُعِىَ اللَّهُ وَحْدَه كَفَرْتُمْ } (غافر : 12) فينادون ألف ثالثة {وَنَادَوْا يَـامَـالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ } (الزخرف : 77) فيجابون {إِنَّكُم مَّـاكِثُونَ} (الزخرف : 77) فينادون ألفاً رابعة {رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا} فيجابون {أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ} (إبراهيم : 44) فينادون ألفاً خامسة {أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَـالِحًا} (فاطر : 37) فيجابون {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم} (فاطر : 37) فينادون ألفاً سادسة {رَبِّ ارْجِعُونِ} (المؤمنون : 99) فيجابون {وَأَنزَلْنَا فِيهَآ} ثم بين سبحانه وتعالى ، أن فزعهم بأمر يتصل بالمؤمنين ، وهو قوله : {إِنَّه كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِى يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا}
جزء : 23 رقم الصفحة : 300
(1/3260)

فوصف تعالى أحد ما لأجه عذبوا وبعدوا من الخير ، وهو ما عاملوا به المؤمنين. وفي حرف أبي {إِنَّه كَانَ فَرِيقٌ} بالفتح بمعنى لأنه. وقرأ نافع وأهل المدينة وأهل الكوفة عن عاصم بضم السين في جميع القرآن ، وقرأ الباقون بالكسر ههنا وفي ص قال الخليل وسيبويه هما لغتان كدرى ودرى. وقال الكسائي والفراء الكسر بمعنى الاستهزاء بالقول ، والضم بمعنى السخرية. قال مقاتل : إن رؤساء قريش مثل أبي جهل وعتبة وأبي بن خلف كانوا يستهزئون بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم ويضحكون بالفقراء منهم مثل بلال وخباب وعمار وصهيب ، والمعنى اتخذتموهم هزواً حتى أنسوكم بتشاغلكم بهم على تلك الصفة ذكرى وأكد ذلك بقوله : {وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ} ثم بين سبحانه ما يقتضي فيهم الأسف والحسرة بأن وصف ما جازى به أولئك المؤمنين فقال : {إِنِّى جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَآاـاِزُونَ} / قرأ حمزة والكسائي أنهم بالكسر والباقون بالفتح فالكسر استئناف أي قد فازوا حيث صبروا فجوزوا بصبرهم أحسن الجزاء ، والفتح على أنه في موضع المفعول الثاني من جزيت ، ويجوز أن يكون نصباً بإضمار الخافض أي جزيتهم الجزاء الوافر لأنهم هم الفائزون.
جزء : 23 رقم الصفحة : 300
301
اعلم أن في هذه الآية مسائل :
المسألة الأولى : قال صاحب "الكشاف" في مصاحف أهل الكوفة {قَالَ} وهو ضمير الله أو المأمور بسؤالهم من الملائكة ، و{قُلْ} في مصاحف أهل الحرمين والبصرة والشام وهو ضمير الملك أو بعض رؤساء أهل النار.
المسألة الثانية : الغرض من هذا السؤال التبكيت والتوبيخ ، فقد كانوا ينكرون اللبث في الآخرة أصلاً ولا يعدون اللبث إلا في دار الدنيا ويظنون أن بعد الموت يدوم الفناء ولا إعادة فلما حصلوا في النار وأيقنوا أنها دائمة وهم فيها مخلدون سألهم {كَمْ لَبِثْتُمْ فِى الارْضِ} تنبيهاً لهم على أن ما ظنوه دائماً طويلاً فهو يسير بالإضافة إلى ما أنكروه ، فحينئذ تحصل لهم الحسرة على ما كانوا يعتقدونه في الدنيا من حيث أيقنوا خلافه ، فليس الغرض السؤال بل الغرض ما ذكرنا. فإن قيل فكيف يصح في جوابهم أن يقولوا : {لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} ولا يقع من أهل النار الكذب قلنا لعلهم نسوا ذلك لكثرة ما هم فيه من الأهوال وقد اعترفوا بهذا النسيان حيث قالوا : {قَالُوا لَبِثْنَا} قال ابن عباس رضي الله عنهما أنساهم ما كانوا فيه من العذاب بين النفختين وقيل مرادهم بقولهم : {لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} تصغير لبثهم وتحقيره بالإضافة إلى ما وقعوا فيه وعرفوه من أليم العذاب والله أعلم.
المسألة الثالثة : اختلفوا في أن السؤال عن أي لبث وقع ، فقال بعضهم لبثهم إحياؤهم في / الدنيا ويكون المراد أنهم أمهلوا حتى تمكنوا من العلم والعمل فأجابوا بأن قدر لبثهم كان يسيراً بناء على أن الله تعالى أعلمهم أن الدنيا متاع قليل وأن الآخرة هي دار القرار ، وهذا القائل احتج على قوله بأنهم كانوا يزعمون أن لا حياة سواها ، فلما أحياهم الله تعالى في النار وعذبوا سألوا عن ذلك توبيخاً لأنه إلى التوبيخ أقرب ، وقال آخرون بل المراد اللبث في حال الموت ، واحتجوا على قولهم بأمرين : الأول : أن قوله في الأرض يفيد الكون في القبر ومن كان حياً فالأقرب أن يقال إنه على الأرض وهذا ضعيف لقوله : {وَلا تُفْسِدُوا فِى الارْضِ} (الأعراف : 56) ، الثاني : قوله تعالى : {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ } (الروم : 55) ثم بين سبحانه أنهم كذبوا في ذلك وأخبر عن المؤمنين قولهم : {لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِى كِتَـابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ } (الروم : 56).
جزء : 23 رقم الصفحة : 301
المسألة الرابعة : احتج من أنكر عذاب القبر بهذه الآية فقال قوله : {كَمْ لَبِثْتُمْ فِى الارْضِ} يتناول زمان كونهم أحياء فوق الأرض وزمان كونهم أمواتاً في بطن الأرض فلو كانوا معذبين في القبر لعلموا أن مدة مكثهم في الأرض طويلة فما كانوا يقولون : {لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} والجواب : من وجهين : أحدهما : أن الجواب لا بد وأن يكون بحسب السؤال ، وإنما سألوا عن موت لا حياة بعده إلا في الآخرة ، وذلك لا يكون إلا بعد عذاب القبر والثاني : يحتمل أن يكونوا سألوا عن قدر اللبث الذي اجتمعوا فيه ، فلا يدخل في ذلك تقدم موت بعضهم على البعض ، فيصح أن يكون جوابهم {لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} عند أنفسنا.
(1/3261)

أما قوله : {قَالُوا لَبِثْنَا} ففيه وجوه : أحدها : المراد بهم الحفظة وأنهم كانوا يحصون الأعمال وأوقات الحياة ويحسبون أوقات موتهم وتقدم من تقدم وتأخر من تأخر ، وهو معنى قول عكرمة فاسأل العادين أي الذين يحسبون وثانيها : فاسأل الملائكة الذين يعدون أيام الدنيا وساعاتها وثالثها : أن يكون المعنى سل من يعرف عدد ذلك فإنا قد نسيناه ورابعها : قرىء العادين بالتخفيف أي الظلمة فإنهم يقولون مثل ما قلنا وخامسها : قرىء العاديين أي القدماء المعمرين ، فإنهم يستقصرونها فكيف بمن دونهم ؟
أما قوله : {لَّبِثْتُمْ إِلا قَلِيلا } فالمعنى أنهم قالوا : {لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} على معنى أنا لبثنا في الدنيا قليلاً ، فكأنه قيل لهم صدقتم ما لبثتم فيها إلا قليلاً إلا أنها انقضت ومضت ، فظهر أن الغرض من هذا السؤال تعريف قلة أيام الدنيا في مقابلة أيام الآخرة.
فأما قوله تعالى : {لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} فبين في هذا الوجه أنه أراد أنه قليل لو علمتم البعث والحشر ، لكنكم لما أنكرتم ذلك كنتم تعدونه طويلاً.
ثم بين تعالى ما هو في التوبيخ أعظم بقوله : {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ} وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : قال صاحب "الكشاف" {عَبَثًا} حال أي عابثين كقوله : {لَاعِبِينَ} أو مفعول به أي ما خلقناكم للعبث.
جزء : 23 رقم الصفحة : 301
المسألة الثانية : أنه سبحانه لما شرح صفات القيامة ختم الكلام فيها بإقامة الدلالة على وجودها وهي أنه لولا القيامة لما تميز المطيع من العاصي والصديق من الزنديق ، وحينئذ يكون خلق هذا العالم عبثاً ، وأما الرجوع إلى الله تعالى فالمراد إلى حيث لا مالك ولا حاكم سواه لا أنه رجوع من مكان إلى مكان لاستحالة ذلك على الله تعالى ثم إنه تعالى نزه نفسه عن العبث بقوله : {فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ } والملك هو المالك للأشياء الذي لا يبيد ولا يزول ملكه وقدرته ، وأما الحق فهو الذي يحق له الملك لأن كل شيء منه وإليه ، وهو الثابت الذي لا يزول ولا يزول ملكه ، وبين أنه لا إله سواه وأن ما عداه فمصيره إلى الفناء وما يفنى لا يكون إلهاً وبين أنه تعالى : {رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ} . قال أبو مسلم والعرش ههنا السموات بما فيها من العرش الذي تطوف به الملائكة ويجوز أن يعني به الملك العظيم ، وقال الأكثرون المراد هو العرش حقيقة وإنما وصفه بالكريم لأن الرحمة تنزل منه والخير والبركة ولنسبته إلى أكرم الأكرمين كما يقال بيت كريم إذا كان ساكنوه كراماً وقرىء الكريم بالرفع ونحوه ذو العرش المجيد.
جزء : 23 رقم الصفحة : 301
301
اعلم أنه سبحانه لما بين أنه هو الملك الحق لا إله إلا هو أتبعه بأن من ادعى إلهاً آخر فقد ادعى باطلاً من حيث لا برهان لهم فيه ، ونبه بذلك على أن كل ما لا برهان فيه لا يجوز إثباته ، وذلك يوجب صحة النظر وفساد التقليد ثم ذكر أن من قال بذلك فجزاؤه العقاب العظيم بقوله : {فَإِنَّمَا حِسَابُه عِندَ رَبِّه } كأنه قال إن عقابه بلغ إلى حيث لا يقدر أحد على حسابه إلا الله تعالى وقرىء أنه لا يفلح بفتح الهمزة ومعناه حسابه عدم الفلاح جعل فاتحة السورة {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} (المؤمنون : 1) وخاتمتها {إِنَّه لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} فشتان ما بين الفاتحة والخاتمة. ثم أمر الرسول صلى الله عليه وسلّم بأن يقول رب اغفر وارحم ويثني عليه بأنه خير الراحمين ، وقد تقدم بيان أنه سبحانه خير الراحمين فإن قيل كيف تتصل هذه الخاتمة بما قبلها ؟
قلنا لأنه سبحانه لما شرح أحوال الكفار في جهلهم في الدنيا وعذابهم في الآخرة أمر بالانقطاع إلى الله تعالى والالتجاء إلى دلائل غفرانه ورحمته ، فإنهما هما العاصمان عن كل الآفات والمخافات ، وروي أن أول سورة {قَدْ أَفْلَحَ} وآخرها من كنوز العرش من عمل بثلاث آيات من أولها ، واتعظ بأربع من آخرها فقد نجا وأفلح. والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب والحمد لله وحده وصلاته على خير خلقه سيدنا محمد وآله وأصحابه وأزواجه وعترته وأهل بيته.
جزء : 23 رقم الصفحة : 301
302
(1/3262)

سورة النور
مدنية كلها وهي اثنتان وقيل أربع وستون آية
جزء : 23 رقم الصفحة : 302
318
/ قرأ العامة سورة بالرفع ، وقرأ طلحة بن مصرف بالنصب ، أما الذين قرأوا بالرفع فالجمهور قالوا الابتداء بالنكرة لا يجوز ، والتقدير هذه سورة أنزلناها ، أو نقول سورة أنزلناها مبتدأ موصوف ، والخبر محذوف أي فيما أوحينا إليك سورة أنزلناها ، وقال الأخفش لا يبعد الابتداء بالنكرة فسورة مبتدأ وأنزلنا خبره ، ومن نصب فعلى معنى الفعل ، يعني اتبعوا سورة أو أتل سورة أو أنزلنا سورة ، وأما معنى السورة ومعنى الإنزال فقد تقدم ، فإن قيل الإنزال إنما يكون من صعود إلى نزول ، فهذا يدل على أنه تعالى في جهة ، قلنا : الجواب من وجوه : أحدها : أن جبريل عليه السلام كان يحفظها من اللوح المحفوظ ثم ينزلها عليه صلى الله عليه وسلّم ، فلهذا جاز أن يقال أنزلناها توسعاً وثانيها : أن الله تعالى أنزلها من أم الكتاب في السماء الدنيا دفعة واحدة ثم أنزلها بعد ذلك نجوماً على لسان جبريل عليه السلام وثالثها : معنى {أَنزَلْنَاهَا} أي أعطيناها الرسول ، كما يقول العبد إذا كلم سيده رفعت إليه حاجتي ، كذلك يكون من السيد إلى العبد الإنزال قال الله تعالى : {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُه } (فاطر : 10).
أما قوله : {وَفَرَضْنَاهَا} فالمشهور قراءة التخفيف ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالتشديد.
جزء : 23 رقم الصفحة : 318
أما قراءة التخفيف فالفرض هو القطع والتقدير قال الله تعالى : {فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} (البقرة : 237) أي قدرتم {إِنَّ الَّذِى فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ} (القصص : 85) أي قدر ، ثم إن السورة لا يمكن فرضها لأنها قد دخلت في الوجود وتحصيل الحاصل محال ، فوجب أن يكون المراد وفرضنا ما بين فيها ، وإنما قال ذلك لأن أكثر ما في هذه السورة من باب الأحكام والحدود فلذلك عقبها بهذا الكلام ، وأما قراءة التشديد فقال الفراء : التشديد للمبالغة والتكثير ، أما المبالغة فمن حيث إنها حدود وأحكام فلا بد من المبالغة في إيجابها ليحصل الانقياد لقبولها ، وأما التكثير فلوجهين : أحدهما : أن الله تعالى بين فيها أحكاماً مختلفة والثاني : أنه سبحانه وتعالى أوجبها على كل المكلفين إلى آخر / الدهر ، أما قوله : {سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا} ففيه وجوه : أحدها : أنه سبحانه ذكر في أول السورة أنواعاً من الأحكام والحدود وفي آخرها دلائل التوحيد فقوله : {وَفَرَضْنَاهَا} إشارة إلى الأحكام التي بينها أولاً ثم قوله : {سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا} إشارة إلى ما بين من دلائل التوحيد ، والذي يؤكد هذا التأويل قوله : {لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} فإن الأحكام والشرائع ما كانت معلومة لهم ليؤمروا بتذكيرها. أما دلائل التوحيد فقد كانت كالمعلومة لهم لظهورها فأمروا بتذكيرها. وثانيها : قال أبو مسلم يجوز أن تكون الآيات البينات ما ذكر فيها من الحدود والشرائع كقوله : {رَبِّ اجْعَل لِّى ءَايَةًا قَالَ ءَايَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا} (آل عمران : 41) سأل ربه أن يفرض عليه عملاً وثالثها : قال القاضي إن السورة كما اشتملت على عمل الواجبات فقد اشتملت على كثير من المباحثات بأن بينها الله تعالى ، ولما كان بيانه سبحانه لها مفصلاً وصف الآيات بأنها بينات.
أما قوله تعالى : {لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} فقرىء بتشديد الذال وتخفيفها ، ومعنى لعل قد تقدم في سورة البقرة ، قال القاضي لعل بمعنى كي ، وهذا يدل على أنه سبحانه أراد من جميعهم أن يتذكروا والجواب : أنه سبحانه لو أراد ذلك من الكل لما قوى دواعيهم إلى جانب المعصية ، ولو لم توجد تلك التقوية لزم وقوع الفعل لا لمرجح ، ولو جاز ذلك لما جاز الاستدلال بالإمكان والحدوث على وجود المرجح ويلزم نفي الصانع ، وإذا كان كذلك وجب حمل لعل على سائر الوجوه المذكورة في سورة البقرة واعلم أنه سبحانه ذكر في هذه السورة أحكاماً كثيرة :
الحكم الأول
جزء : 23 رقم الصفحة : 318
(1/3263)

أما قراءة التخفيف فالفرض هو القطع والتقدير قال الله تعالى : {فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} (البقرة : 237) أي قدرتم {إِنَّ الَّذِى فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ} (القصص : 85) أي قدر ، ثم إن السورة لا يمكن فرضها لأنها قد دخلت في الوجود وتحصيل الحاصل محال ، فوجب أن يكون المراد وفرضنا ما بين فيها ، وإنما قال ذلك لأن أكثر ما في هذه السورة من باب الأحكام والحدود فلذلك عقبها بهذا الكلام ، وأما قراءة التشديد فقال الفراء : التشديد للمبالغة والتكثير ، أما المبالغة فمن حيث إنها حدود وأحكام فلا بد من المبالغة في إيجابها ليحصل الانقياد لقبولها ، وأما التكثير فلوجهين : أحدهما : أن الله تعالى بين فيها أحكاماً مختلفة والثاني : أنه سبحانه وتعالى أوجبها على كل المكلفين إلى آخر / الدهر ، أما قوله : {سُورَةٌ أَنزَلْنَـاهَا وَفَرَضْنَـاهَا وَأَنزَلْنَا} ففيه وجوه : أحدها : أنه سبحانه ذكر في أول السورة أنواعاً من الأحكام والحدود وفي آخرها دلائل التوحيد فقوله : {وَفَرَضْنَـاهَا} إشارة إلى الأحكام التي بينها أولاً ثم قوله : {سُورَةٌ أَنزَلْنَـاهَا وَفَرَضْنَـاهَا وَأَنزَلْنَا} إشارة إلى ما بين من دلائل التوحيد ، والذي يؤكد هذا التأويل قوله : {لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} فإن الأحكام والشرائع ما كانت معلومة لهم ليؤمروا بتذكيرها. أما دلائل التوحيد فقد كانت كالمعلومة لهم لظهورها فأمروا بتذكيرها. وثانيها : قال أبو مسلم يجوز أن تكون الآيات البينات ما ذكر فيها من الحدود والشرائع كقوله : {رَبِّ اجْعَل لِّى ءَايَةًا قَالَ ءَايَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَـاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا} (آل عمران : 41) سأل ربه أن يفرض عليه عملاً وثالثها : قال القاضي إن السورة كما اشتملت على عمل الواجبات فقد اشتملت على كثير من المباحثات بأن بينها الله تعالى ، ولما كان بيانه سبحانه لها مفصلاً وصف الآيات بأنها بينات.
أما قوله تعالى : {لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} فقرىء بتشديد الذال وتخفيفها ، ومعنى لعل قد تقدم في سورة البقرة ، قال القاضي لعل بمعنى كي ، وهذا يدل على أنه سبحانه أراد من جميعهم أن يتذكروا والجواب : أنه سبحانه لو أراد ذلك من الكل لما قوى دواعيهم إلى جانب المعصية ، ولو لم توجد تلك التقوية لزم وقوع الفعل لا لمرجح ، ولو جاز ذلك لما جاز الاستدلال بالإمكان والحدوث على وجود المرجح ويلزم نفي الصانع ، وإذا كان كذلك وجب حمل لعل على سائر الوجوه المذكورة في سورة البقرة واعلم أنه سبحانه ذكر في هذه السورة أحكاماً كثيرة :
الحكم الأول
جزء : 23 رقم الصفحة : 318
320
اعلم أن قوله تعالى : {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِى} رفعهما على الابتداء والخبر محذوف عند الخليل وسيبويه على معنى : فيما فرض الله عليكم الزانية والزاني أي فاجلدوهما ، ويجوز أن يكون الخبر فاجلدوا وإنما دخلت الفاء لكون الألف واللام بمعنى الذي وتضمنه معنى الشرط تقديره التي زنت والذي زنى فاجلدوهما كما تقول من زنا فاجلدوه ، وقرىء بالنصب على إضمار فعل يفسره الظاهر ، وقرىء والزان بلا ياء ، واعلم أن الكلام في هذه الآية على نوعين : أحدهما : ما يتعلق / بالشرعيات والثاني : ما يتعلق بالعقليات ونحن نأتي على البابين بقدر الطاقة إن شاء الله تعالى.
(1/3264)

النوع الأول : الشرعيات ، واعلم أن الزنا حرام وهو من الكبائر ويدل عليه أمور : أحدها : أن الله تعالى قرنه بالشرك وقتل النفس في قوله تعالى : {وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَـاهًا ءَاخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَا وَمَن يَفْعَلْ} (الفرقان : 68) وقال : {وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى ا إِنَّه كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلا} (الإسراء : 32) ، وثانيها : أنه تعالى أوجب المائة فيها بكمالها بخلاف حد القذف وشرب الخمر ، وشرع فيه الرجم ، ونهى المؤمنين عن الرأفة وأمر بشهود الطائفة للتشهير وأوجب كون تلك الطائفة من المؤمنين ، لأن الفاسق من صلحاء قومه أخجل وثالثها : ما روى حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال : "يا معشر الناس اتقوا الزنا فإن فيه ست خصال ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة ، أما التي في الدنيا فيذهب البهاء ويورث الفقر وينقص العمر ، وأما التي في الآخرة فسخط الله سبحانه وتعالى وسوء الحساب وعذاب النار" وعن عبد الله قال قلت يا رسول الله : أي الذنب أعظم عند الله ؟
قال : "أن تجعل لله نداً وهو خلقك ، قلت ثم أي ؟
قال ، وأن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك قلت : ثم أي ؟
قال : وأن تزني بحليلة جارك" فأنزل الله تعالى تصديقها : {وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَـاهًا ءَاخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ } (الفرقان : 68) واعلم أنه يجب البحث في هذه الآية عن أمور : أحدها : عن ماهية الزنا وثانيها : عن أحكام الزنا وثالثها : عن الشرائط المعتبرة في كون الزنا موجباً لتلك الأحكام ورابعها : عن الطريق الذي به يعرف حصول الزنا وخامسها : أن المخاطبين بقوله : {فَاجْلِدُوهُمْ} (النور : 4) من هم ؟
وسادسها : أن الرجم والجلد المأمور بهما في الزنا كيف يكون حالهما ؟
.
جزء : 23 رقم الصفحة : 320
البحث الأول : عن ماهية الزنا قال بعض أصحابنا إنه عبارة عن إيلاج فرج في فرج مشتهى طبعاً محرم قطعاً وفيه مسائل :
المسألة الأولى : اختلفوا في أن اللواطة هل ينطلق عليها اسم الزنا أم لا ؟
فقال قائلون نعم. واحتج عليه بالنص والمعنى ، أما النص فما روى أبو موسى الأشعري رضى الله عنه أنه عليه الصلاة والسلام قال : "إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان" وأما المعنى فهو أن اللواط مثل الزنا صورة ومعنى. أما الصورة فلأن الزنا عبارة عن إيلاج فرج في فرج مشتهى طبعاً محرم قطعاً ، والدبر أيضاً فرج لأن القبل إنما سمى فرجاً لما فيه من الانفراج ، وهذا المعنى حاصل في الدبر أكثر ما في الباب أن في العرف لا تسمى اللواطة زنا ولكن هذا لا يقدح في أصل اللغة/ كما يقال هذا طبيب وليس بعالم مع أن الطب علم ، وأما المعنى فلأن الزنا قضاء للشهوة من محل مشتهى طبعاً على جهة الحرام المحض ، وهذا موجود في اللواط لأن القبل والدبر يشتهيان لأنهما يشتركان في المعاني التي هي متعلق الشهوة من الحرارة واللين وضيق المدخل ، ولذلك فإن من يقول بالطبائع لا يفرق / بين المحلين ، وإنما المفرق هو الشرع في التحريم والتحليل ، فهذا حجة من قال اللواط داخل تحت اسم الزنا ، وأما الأكثرون من أصحابنا فقد سلموا أن اللواط غير داخل تحت اسم الزنا واحتجوا عليه بوجوه : أحدها : العرف المشهور من أن هذا لواط وليس بزنا وبالعكس والأصل عدم التغيير وثانيها : لو حلف لا يزني فلاط لا يحنث وثالثها : أن الصحابة اختلفوا في حكم اللواط وكانوا عالمين باللغة فلو سمي اللواط زناً لأغناهم نص الكتاب في حد الزنا عن الاختلاف والاجتهاد ، وأما الحديث فهو محمول على الإثم بدليل قوله عليه الصلاة والسلام : "إذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان" وقال عليه الصلاة والسلام : "اليدان تزنيان والعينان تزنيان" وأما القياس فبعيد لأن الفرج وإن كان سمى فرجاً لما فيه من الانفراج فلا يجب أن يسمى كل ما فيه انفراج بالفرج وإلا لكان الفم والعين فرجاً ، وأيضاً فهم سموا النجم نجماً لظهوره ، ثم ما سموا كل ظاهر نجماً. وسموا الجنين جنيناً لاستناره ، وما سموا كل مستتر جنيناً ، واعلم أن للشافعي رحمه الله في فعل اللواط قولان أصحهما عليه حد الزنا إن كان محصناً يرجم ، وإن لم يكن محصناً يجلد مائة ويغرب عاماً وثانيهما : يقتل الفاعل والمفعول به سواء كان محصناً أو لم يكن محصناً ، لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أنه عليه الصلاة والسلام قال : "من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به" ثم في كيفية قتله أوجه : أحدها : تحز رقبته كالمرتد وثانيها : يرجم بالحجارة وهو قول مالك وأحمد وإسحق وثالثها : يهدم عليه جدار ، يروى ذلك عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه ورابعها : يرمى من شاهق جبل حتى يموت ، يروى ذلك عن علي عليه السلام وإنما ذكروا هذه الوجوه : لأن الله تعالى عذب قوم لوط بكل ذلك فقال تعالى :
جزء : 23 رقم الصفحة : 320
(1/3265)

{فَجَعَلْنَا عَـالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ} (هود : 82) وعند أبي حنيفة رحمه الله لا يحد اللوطي بل يعذر ، أما المفعول به فإن كان عاقلاً بالغاً طائعاً فإن قلنا على الفاعل القتل فيقتل المفعول به على صفة قتل الفاعل للخبر ، وإن قلنا على الفاعل حد الزنا فعلى المفعول به مائة جلدة وتغريب عام محصناً كان أو غير محصن ، وقيل إن كانت امرأة محصنة فعليها الرجم ، وليس بصحيح لأنها لا تصير محصنة بالتمكين في الدبر فلا يلزمها حد المحصنات كما لو كان المفعول به ، ذكر حجة الشافعي رحمه الله على وجوب الحد من وجوه : الأول : أن اللواط ، إما أن يساوي الزنا في الماهية أو يساويه في لوازم هذه الماهية وإذا كان كذلك وجب الحد بيان الأول : قوله عليه الصلاة والسلام : "إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان" فاللفظ دل على كون اللائط زانياً ، واللفظ الدال بالمطابقة على ماهية دال بالالتزام على حصول جميع لوازمها ، ودلالة المطابقة والالتزام مشتركان في أصل الدلالة ، فاللفظ الدال على حصول الزنا دال على حصول جميع اللوازم ، ثم بعد هذا إن تحقق مسمى الزنا في اللواط دخل تحت قوله : {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِى فَاجْلِدُوا } وإن لم يتحقق مسمى الزنا وجب أن يتحقق لوازم مسمى الزنا لما ثبت أن اللفظ الدال على تحقق ماهية دال على تحقق جميع تلك اللوازم ترك العمل به في حق الماهية / فوجب أن يبقى معمولاً به في الدلالة على جميع تلك اللوازم ، لكن من لوازم الزنا وجوب الحد فوجب أن يتحقق ذلك في اللواط. أكثر ما في الباب أنه ترك العمل بذلك في قوله عليه الصلاة والسلام : "إذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان" لكن لا يلزم من ترك العمل هناك تركه ههنا الثاني : أن اللائط يجب قتله فوجب أن يقتل رجماً بيان الأول : قوله عليه السلام : "من عمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل منهما والمفعول به" وبيان الثاني : أنه لما وجب قتله وجب أن يكون زانياً وإلا لما جاز قتله لقوله عليه السلام : "لا يحل دم امرىء مسلم إلا لإحدى ثلاث" وههنا لم يوجد كفر بعد إيمان ولا قتل نفس بغير حق فلو لم يوجد الزنا بعد الإحصان لوجب أن لا يقتل ، وإذا ثبت أنه وجد الزنا بعد الإحصان وجب الرجم لهذا الحديث الثالث : نقيس اللواط على الزنا ، والجامع أن الطبع داع إليه لما فيه من الالتذاذ وهو قبيح فيناسب الزجر ، والحد يصلح زاجراً عنه. قالوا : والفرق من وجهين : أحدهما : أنه وجد في الزنا داعيات ، فكان وقوعه أكثر فساداً فكانت الحاجة إلى الزاجر أتم الثاني : أن الزنا يقتضي فساد الأنساب والجواب : إلغاؤهما بوطء العجوز الشوهاء واحتج أبو حنيفة رحمه الله بوجوه : أحدها : اللواط ليس بزنا على ما تقدم فوجب أن لا يقتل لقوله عليه الصلاة والسلام : "لا يحل دم امرىء مسلم إلا لإحدى ثلاث" وثانيها : أن اللواط لا يساوي الزنا في الحاجة إلى شرع الزاجر ، ولا في الجناية فلا يساويه في الحد بيان عدم المساواة في الحاجة. أن اللواطة وإن كانت يرغب فيها الفاعل لكن لا يرغب فيها المفعول طبعاً بخلاف الزنا ، فإن الداعي حاصل من الجانبين ، وأما عدم المساواة في الجناية فلأن في الزنا إضاعة النسب ولا كذلك اللواط ، إذا ثبت هذا فوجب أن لا يساويه في العقوبة ، لأن الدليل ينفي شرع الحد لكونه ضرراً ترك العمل به في الزنا ، فوجب أن يبقى في اللواط على الأصل وثالثها : أن الحد كالبدل عن المهر فلما لم يتعلق باللواط المهر فكذا الحد والجواب : عن الأول أن اللواط وإن لم يكن مساوياً للزنا في ماهيته لكنه يساويه في الأحكام وعن الثاني : أن اللواط وإن كان لا يرغب فيه المفعول لكن ذلك بسبب اشتداد رغبة الفاعل ، لأن الإنسان حريص على ما منع وعن الثالث : أنه لا بد من الجامع والله أعلم.
جزء : 23 رقم الصفحة : 320
المسألة الثانية : أجمعت الأمة على حرمة إتيان البهائم. وللشافعي رحمه الله في عقوبته أقوال : أحدها : يجب به حد الزنا فيرجم المحصن ويجلد غير المحصن ويغرب والثاني : أنه يقتل محصناً كان أو غير محصن. لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : "من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه" فقيل لابن عباس : ما شأن البهيمة ؟
فقال : ما أراه قال ذلك إلا أنه كره أن يؤكل لحمها ، وقد عمل بها ذلك العمل والقول الثالث : وهو الأصح وهو قول أبي حنيفة ومالك والثوري وأحمد رحمهم الله : أن عليه التعزيز لأن الحد شرح للزجر عما تميل النفس إليه ، وهذا الفعل لا تميل النفس إليه ، وضعفوا حديث ابن عباس رضي الله عنهما لضعف إسناده وإن ثبت فهو معارض بما روي أنه عليه السلام نهى عن ذبح الحيوان إلا لأكله.
/ المسألة الثالثة : السحق من النسوان وإتيان الميتة والاستمناء باليد لا يشرع فيها إلا التعزيز.
(1/3266)

البحث الثاني : عن أحكام الزنا. واعلم أنه كان في أول الإسلام عقوبة الزاني الحبس إلى الممات في حق الثيب ، والأذى بالكلام في حق البكر. قال الله تعالى : {وَالَّـاتِى يَأْتِينَ الْفَـاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُم فَإِن شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِى الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا * وَالَّذَانِ يَأْتِيَـانِهَا مِنكُمْ فَـاَاذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَآ } (النساء : 15 ، 16) ثم نسخ ذلك فجعل حد الزنا على الثيب الرجم وحد البكر الجلد والتغريب ، ولنذكر هاتين المسألتين :
جزء : 23 رقم الصفحة : 320
المسألة الأولى : الخوارج أنكروا الرجم واحتجوا فيه بوجوه : أحدها : قوله تعالى : {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَـاتِ} (النساء : 25) فلو وجب الرجم على المحصن لوجب نصف الرجم على الرقيق لكن الرجم لا نصف لها وثانيها : أن الله سبحانه ذكر في القرآن أنواع المعاصي من الكفر والقتل والسرقة ، ولم يستقص في أحكامها كما استقصى في بيان أحكام الزنا ، ألا ترى أنه تعالى نهى عن الزنا بقوله : {وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى ا } (الإسراء : 32) ثم توعد عليه ثانياً بالنار كما في كل المعاصي ، ثم ذكر الجلد ثالثاً ثم خص الجلد بوجوب إحضار المؤمنين رابعاً ، ثم خصه بالنهي عن الرأفة عليه بقوله : {وَلا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِى دِينِ اللَّهِ} خامساً ، ثم أوجب على من رمى مسلماً بالزنا ثمانين جلدة ، وسادساً ، لم يجعل ذلك على من رماه بالقتل والكفر وهما أعظم منه ، ثم قال سابعاً : {وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَـادَةً أَبَدًا } ثم ذكر ثامناً من رمى زوجته بما يوجب التلاعن واستحقاق غضب الله تعالى ثم ذكر تاسعاً أن {وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَآ إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ } (النور : 3) ، ثم ذكر عاشراً أن ثبوت الزنا مخصوص بالشهود الأربعة فمع المبالغة في استقصاء أحكام الزنا قليلاً وكثيراً لا يجوز إهمال ما هو أجل أحكامها وأعظم آثارها ، ومعلوم أن الرجم لو كان مشروعاً لكان أعظم الآثار فحيث لم يذكره الله تعالى في كتابه دل على أنه غير واجب وثالثها : قوله تعالى : {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِى فَاجْلِدُوا } يقتضي وجوب الجلد على كل الزناة ، وإيجاب الرجم على البعض بخبر الواحد يقتضي تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد ، وهو غير جائز. لأن الكتاب قاطع في متنه ، وخبر الواحد غير قاطع في متنه ، والمقطوع راجح على المظنون ، واحتج الجمهور من المجتهدين على وجوب رجم المحصن لما ثبت بالتواتر أنه عليه الصلاة والسلام فعل ذلك ، قال أبو بكر الرازي روى الرجم أبو بكر وعمر وعلي وجابر بن عبدالله وأبو سعيد الخدري وأبو هريرة وبريدة الأسلمي وزيد بن خالد في آخرين من الصحابة وبعض هؤلاء الرواة روى خبر رجم ماعز وبعضهم خبر اللخمية والغامدية وقال عمر رضي الله عنه : لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لأثبته في المصحف. والجواب : عما احتجوا به أولاً أنه مخصوص بالجلد. فإن قيل فيلزم تخصيص القرآن بخبر الواحد قلنا بل بالخبر المتواتر لما بينا أن الرجم منقول بالتواتر ، وأيضاً فقد بينا في أصول الفقه أن تخصيص القرآن بخبر الواحد جائز والجواب : عن الثاني أنه لا يستبعد تجدد الأحكام الشرعية بحسب تجدد المصالح / فلعل المصلحة التي تقضي وجوب الرجم حدثت بعد نزول تلك الآيات والجواب : عن الثالث أنه نقل عن علي عليه السلام أنه كان يجمع بين الجلد والرجم وهو اختيار أحمد وإسحق وداود واحتجوا عليه بوجوه : أحدها : أن عموم هذه الآية يقتضي وجوب الجلد والخبر المتواتر يقتضي وجوب الرجم ولا منافاة فوجب الجمع وثانيها : قوله عليه السلام : "البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة" وثالثها : روى أبو بكر الرازي في أحكام القرآن عن ابن جريج عن ابن الزبير عن جابر "أن رجلاً زنى بامرأة فأمر النبي صلى الله عليه وسلّم فجلد ثم أخبر النبي صلى الله عليه وسلّم أنه كان محصناً فأمر به فرجم" ورابعها : روي أن علياً عليه السلام جلد شراحة الهمدانية ثم رجمها وقال جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلّم.
جزء : 23 رقم الصفحة : 320
(1/3267)

واعلم أن أكثر المجتهدين متفقون على أن المحصن يرجم ولا يجلد/ واحتجوا عليه بأمور : أحدها : قصة العسيف فإنه عليه السلام قال : "يا أنيس اغد إلى امرأة هذا ، فإن اعترفت فارجمها" ولم يذكر الجلد ولو وجب الجلد مع الرجم لذكره وثانيها : أن قصة ماعز رويت من جهات مختلفة ولم يذكر في شيء منها مع الرجم جلد ، ولو كان الجلد معتبراً مع الرجم لجلده النبي عليه السلام ولو جلده لنقل كما نقل الرجم إذ ليس أحدهما بالنقل أولى من الآخر ، وكذا في قصة الغامدية حين أقرت بالزنا فرجمها رسول الله صلى الله عليه وسلّم بعد أن وضعت ولو جلدها لنقل ذلك وثالثها : ما روى الزهري عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة عن ابن عباس رضي الله عنهم قال قال عمر رضي الله عنه قد خشيت أن يطول بالناس زمان حتى يقول قائل لا نجد الرجم في كتاب الله تعالى فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله تعالى ، وقد قرأنا : الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموها ألبتة ، رجم رسول الله صلى الله عليه وسلّم فرجمنا بعده ، فأخبر أن الذي فرضه الله تعالى هو الرجم ولو كان الجلد واجباً مع الرجم لذكره أما الجواب : عن التمسك بالآية فهو أنها مخصوصة في حق المحصن وتخصيص عموم القرآن بالخبر المتواتر غير ممتنع ، وأما قوله عليه السلام : "الثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة" فلعل ذلك كان قبل قوله : "يا أنيس اغد إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها" وأما أنه عليه السلام جلد امرأة ثم رجمها ، فلعله عليه السلام ما علم إحصانها فجلدها ، ثم لما علم إحصانها رجمها ، وهو الجواب عن فعل علي عليه السلام ، فهذا ما يمكن من التكلف في هذه الأجوبة والله أعلم.
جزء : 23 رقم الصفحة : 320
المسألة الثانية : قال الشافعي رحمه الله يجمع بين الجلد والتغريب في حد البكر ، وقال أبو حنيفة رحمه الله يجلد ، وأما التغريب فمفوض إلى رأي الإمام ، وقال مالك يجلد الرجل ويغرب وتجلد المرأة ولا تغرب ، حجة الشافعي رحمه الله حديث عبادة أنه عليه السلام قال : "خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلاً البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة" ويدل أيضاً عليه ما روى أبو هريرة رضي الله عنه وزيد بن خالد : "أن رجلاً جاء إلى / النبي صلى الله عليه وسلّم فقال يا رسول الله إن ابني كان عسيفاً على هذا وزني بامرأته فافتديت منه بوليدة ومائة شاة ، ثم أخبرني أهل العلم أن على ابني جلد مائة وتغريب عام وأن على امرأة هذا الرجم فاقض بيننا ، فقال عليه الصلاة والسلام والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله أما الغنم والوليدة فرد عليك ، وأما ابنك فإن عليه جلد مائة وتغريب عام ، ثم قال لرجل من أسلم أغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها" واحتج أبو حنيفة رحمه الله على نفي التغريب بوجوه : أحدها : أن إيجاب التغريب يقتضي نسخ الآية ونسخ القرآن بخبر الواحد لا يجوز وقرروا النسخ من ثلاثة أوجه : الأول : أنه سبحانه رتب الجلد على فعل الزنا بالفاء وحرف الفاء للجزاء إلا أن أئمة اللغة قالوا اليمين بغير لله ذكر شرط وجزاء وفسروا الشرط بالذي دخل عليه كلمة إن والجزاء بالذي دخل عليه حرف الفاء والجزاء اسم له يقع به الكفاية مأخوذ من قولهم جازيناه أي كافأناه ، وقال عليه السلام : "تجزيك ولا تجزي أحداً بعدك" أي تكفيك ، ومنه قول القائل : اجتزت الإبل بالعشب بالماء وإنما تقع الكفاية بالجلد إذا لم يجب معه شيء آخر فإيجاب شيء آخر يقتضي نسخ كونه كافياً الثاني : أن المذكور في الآية لما كان هو الجلد فقط كان ذلك كمال الحد فلو جعلنا النفي معتبراً مع الجلد لكان الجلد بعض الحد لا كل الحد فيفضي إلى نسخ كونه كل الحد الثالث : إن بتقدير كون الجلد كمال الحد فإنه يتعلق بذلك رد الشهادة ولو جعلناه بعض الحد لزال ذلك الحكم ، فثبت أن إيجاب التغريب يقتضي نسخ الآية ثانيها : قال أبو بكر الرازي لو كان النفي مشروعاً مع الجلد لوجب على النبي صلى الله عليه وسلّم عند تلاوة الآية توقيف الصحابة عليه لئلا يعتقدوا عند سماع الآية أن الجلد هو كمال الحد ولو كان كذلك لكان اشتهاره مثل اشتهار الآية ، فلما لم يكن خبر النفي بهذه المنزلة بل كان وروده من طريق الآحاد علم أنه غير معتبر وثالثها : ما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال في الأمة : "إذا زنت فاجلدوها ، فإن زنت فاجلدوها ، فإن زنت فاجلدوها ثم بيعوها ولو بطفير" وفي رواية أخرى : "فليجلدها الحد ولا تثريب عليه" ووجه الاستدلال به أنه لو كان النفي ثابتاً لذكره مع الجلد ورابعها : أنه إما أن يشرع التغريب في حق الأمة أو لا يشرع ، ولا جائز أن يكون مشروعاً لأنه يلزم منه الإضرار بالسيد من غير جناية صدرت منه وهو غير جائز ، ولأنه قال صلى الله عليه وسلّم : "بيعوها ولو بطفير" ولو وجب نفيها لما جاز بيعها لأن المكنة من تسليمها إلى المشتري لا تبقى بالنفي ولا جائز أن لا يكون مشروعاً لقوله تعالى :
(1/3268)

جزء : 23 رقم الصفحة : 320
{فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَـاتِ مِنَ الْعَذَابِ } (النساء : 25) وخامسها : أن التغريب لو كان مشروعاً في حق الرجل لكان إما أن يكون مشروعاً في حق المرأة أو لا يكون ، والثاني باطل لأن التساوي في الجناية قد وجد في حقهما ، وإن كان مشروعاً في حق المرأة فإما أن يكون مشروعاً في حقها وحدها أو مع ذي محرم والأول غير جائز للنص والمعقول ، أما النص فقوله عليه السلام : "لا يحل لامرأة أن تسافر من غير ذي محرم" وأما المعقول فهو أن / الشهوة غالبة في النساء ، والانزجار بالدين إنما يكون في الخواص من الناس ، فإن الغالب لعدم الزنا من النساء بوجود الحفاظ من الرجال ، وحيائهن من الأقارب. وبالتغريب تخرج المرأة من أيدي القرباء والحفاظ ، ثم يقل حياؤها لبعدها عن معارفها فينفتح عليها باب الزنا ، فربما كانت فقيرة فيشتد فقرها في السفر ، فيصير مجموع ذلك سبباً لفتح باب هذه الفاحشة العظيمة عليها. ولا جائز أن يقال إنا نغربها مع الزوج أو المحرم ، لأن عقوبة غير الجاني لا تجوز لقوله تعالى : {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } (الأنعام : 164) وسادسها : ما روي عن عمر أنه غرب ربيعة بن أمية بن خلف في الخمر إلى خيبر فلحق بهرقل ، فقال عمر لا أغرب بعدها أحداً ولم يستثن الزنا. وروي عن علي عليه السلام أنه قال في البكرين إذا زنيا يجلدان ولا ينفيان وإن نفيهما من الفتنة ، وعن ابن عمر أن أمة له زنت فجلدها ولم ينفها ، ولو كان النفي معتبراً في حد الزنا لما خفي ذلك على أكابر الصحابة وسابعها : ما روي "أن شيخاً وجد على بطن جارية يحنث بها في خربة فأتى به إلى النبي صلى الله عليه وسلّم فقال اجلدوه مائة ، فقيل إنه ضعيف من ذلك فقال خذوا عثكالاً فيه مائة شمراخ فاضربوه بها وخلوا سبيله". ولو كان النفي واجباً لنفاه ، فإن قيل إنما لم ينفه لأنه كان ضعيفاً عاجزاً عن الحركة ، قلنا كان ينبغي أن يكتري له دابة من بيت المال ينفى عليها. فإن قيل كان عسى يضعف عن الركوب ، قلنا من قدر على الزنا كيف لا يقدر على الاستمساك وثامنها : أن التغريب نظير القتل لقوله تعالى : {أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَـارِكُم} فنزلهما منزلة واحدة ، فإذا لم يشرع القتل في زنا البكر وجب أن لا يشرع أيضاً نظيره وهو التغريب. والجواب : عن الأول أنه ليس في كلام الله تعالى إلا إدخال حرف الفاء على الأمر بالجلد ، فأما أن الذي دخل عليه هذا الحرف فإنه يسمى جزاء ، فليس هذا من كلام الله ولا من كلام رسوله ، بل هو قول بعض الأدباء فلا يكون حجة.
جزء : 23 رقم الصفحة : 320
أما قوله ثانياً : لو كان النفي مشروعاً لما كان الجلد كل الحد/ فنقول لا نزاع في أنه زال أمره لأن إثبات كل شيء لا أقل من أن يقتضي زوال عدمه الذي كان ، إلا أن الزائل ههنا ليس حكماً شرعياً ، بل الزائل محض البراءة الأصلية ، ومثل هذه الإزالة لا يمتنع إثباتها بخبر الواحد ، وإنما قلنا إن الزائل محض العدم الأصلي ، وذلك لأن إيجاب الجلد مفهوم مشترك بين إيجاب التغريب وبين إيجابه مع نفي التغريب. والقدر المشترك بين القسمين لا إشعار له بواحد من القسمين.
(1/3269)

فإذن إيجاب الجلد لا إشعار فيه ألبتة لا بإيجاب التغريب ولا بعدم إيجابه ، إلا أن نفي التغريب كان معلوماً بالعقل نظراً إلى البراءة الأصلية ، فإذا جاء خبر الواحد ودل على وجوب التغريب ، فما أزال ألبتة شيئاً من مدلولات اللفظ الدال على وجوب الجلد بل أزال البراءة الأصلية ، فأما كون الجلد وحده مجزياً ، وكونه وحده كمال الحد. وتعلق رد الشهادة عليه ، فكل ذلك تابع لنفي وجوب الزيادة. فلما كان ذلك النفي معلوماً بالعقل جاز قبول خبر الواحد فيه ، كما أن الفروض لو كانت خمساً لتوقف على أدائها الخروج عن عهدة التكليف ، وقبول الشهادة / ولو زيد فيها شيء آخر لتوقف الخروج عن العهدة وقبول الشهادة على أداء تلك الزيادة ، مع أنه يجوز إثباته بخبر الواحد والقياس فكذا ههنا. أما لو قال الله تعالى الجلد كمال الحد وعلمنا أنها وحدها متعلق رد الشهادة ، فلا يقبل ههنا في إثبات الزيادة خبر الواحد لأن نفي وجوب الزيادة ثبت بدليل شرعي متواتر والجواب : عن الثاني أنه لو صح ما ذكره لوجب في كل ما خصص آية عامة أن يبلغ في الاشتهار مبلغ تلك الآية ، ومعلوم أنه ليس كذلك والجواب : عن الثالث أن قوله : "ثم بيعوها" لا يفيد التعقيب فلعلها تنفى ثم بعد النفي تباع والجواب : عن الرابع أنه معارض بما روى الترمذي في جامعه أنه عليه السلام جلد وغرب ، وأن أبا بكر جلد وغرب والجواب : عن الخامس أن للشافعي رحمه الله في تغريب العبد قولين : أحدهما : لا يغرب لأنه عليه السلام قال : "إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد" ولم يأمر بالتغريب ، ولأن التغريب للمعرة ولا معرة على العبد فيه ، لأنه ينقل من يد إلى يد ، ولأن منافعه للسيد ففي نفيه إضرار بالسيد والثاني : وهو الأصح أنه يغرب لقوله تعالى : {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَـاتِ مِنَ الْعَذَابِ } (النساء : 25) ولا ينظر إلى ضرر المولى كما يقتل العبد بسبب الردة ويجلد العبد في الزنا والقذف ، وإن تضرر به المولى فعلى هذا كم يغرب فيه قولان : أحدهما : يغرب نصف سنة لأنه يقبل التنصيف كما يجلد نصف حد الأحرار والثاني : يغرب سنة لأن التغريب المقصود منه الإيحاش وذلك معنى يرجع إلى الطبع فيستوي فيه الحر والعبد كمدة الإيلاء أو العنة والجواب : عن السادس أن المرأة لا تغرب وحدها بل مع محرم ، فإن لم يتبرع المحرم بالخروج معها أعطى أجرته من بيت المال ، وإن لم يكن لها محرم تغرب مع النساء الثقات ، كما يجب عليها الخروج إلى الحج معهن. قوله التغريب يفتح عليها باب الزنا ، قلنا لا نسلم فإن أكثر الزنا بالإلف والمؤانسة وفراغ القلب ، وأكثر هذه الأشياء تبطل بالغربة ، فإن الإنسان يقع في الوحشة والتعب والنصب فلا يتفرغ للزنا والجواب : عن السابع ، أي استبعاد في أن يكون الإنسان الذي يعجز عن ركوب الدابة يقدر على الزنا ؟
والجواب : عن الثامن أنه ينتقض بالتغريب إذا وقع على سبيل التعزير والله أعلم.
جزء : 23 رقم الصفحة : 320
(1/3270)

المسألة الثالثة : اتفقت الأمة على أن قوله سبحانه وتعالى : {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِى} يفيد الحكم في كل الزناة ، لكنهم اختلفوا في كيفية تلك الدلالة فقال قائلون لفظ الزاني يفيد العموم ، والمختار أنه ليس كذلك ويدل عليه أمور : أحدها : أن الرجل إذا قال لبست الثوب أو شربت الماء لا يفيد العموم وثانيها : أنه لا يجوز توكيده بما يؤكد به الجمع ، فلا يقال جاءني الرجل أجمعون وثالثها : لا ينعت بنعوت الجمع فلا يقال جاءني الرجل الفقراء ، وتكلم الفقيه الفضلاء ، فأما قولهم أهلك الناس الدرهم البيض والدينار الصفر ، فمجاز بدليل أنه لا يطرد ، وأيضاً فإن كان الدينار الصفر حقيقة وجب أن يكون الدينار الأصفر مجازاً ، كما أن الدنانير الصفر لما كانت / حقيقة كان الدنانير الأصفر مجازاً ورابعها : أن الزاني جزئي من هذا الزاني ، فإيجاب جلد هذا الزاني إيجاب جلد الزاني ، فلو كان إيجاب جلد الزاني إيجاباً لجلد كل زان لزم أن يكون إيجاب جلد هذا الزاني إيجاب جلد كل زان ، ولما لم يكن كذلك بطل ما قالوه. فإن قيل لم لا يجوز أن يقال اللفظ المطلق إنما يفيد العموم بشرط العراء عن لفظ التعيين ، أو يقال اللفظ المطلق وإن اقتضى العموم إلا أن لفظ التعيين يقتضي الخصوص ، قلنا أما الأول فباطل لأن العدم لا دخل له في التأثير ، أما الثاني فلأنه يقتضي التعارض وهو خلاف الأصل وخامسها : أن يقال الإنسان هو الضحاك فلو كان المفهوم من قولنا الإنسان هو كل الإنسان لنزل ذلك منزلة ما يقال كل إنسان هو الضحاك ، وذلك متناقض لأنه يقتضي حصر الإنسانية في كل واحد من الناس ومعنى الحصر هو أن يثبت فيه لا في غيره فيلزم أن يصدق على كل واحد من أشخاص الناس أنه هو الضحاك لا غير واحتج المخالف بوجهين : الأول : أنه يجوز الاستثناء منه لقوله تعالى : {وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَآ إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ } والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل تحته الثاني : أن الألف واللام للتعريف ، وليس ذلك لتعريف الماهية ، فإن ذلك قد حصل بأصل الإسم ، ولا لتعريف واحد بعينه ، فإنه ليس في اللفظ دلالة عليه ، ولا لتعريف بعض مراتب الخصوص فإنه ليس بعض المراتب أولى من بعض ، فوجب حمله على تعريف الكل والجواب : عن الأول أن ذلك الاستثناء مجاز بدليل أنه لا يصح أن يقال رأيت الإنسان إلا المؤمنين ، وعن الثاني أنه يشكل بدخول الألف واللام على صيغة الجمع ، فإن جعلتها هناك للتأكيد فكدا ههنا ، ومن الناس من قال إن قوله تعالى : {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِى} وإن كان لا يفيد العموم بحسب اللفظ ، لكنه يفيده بحسب القرينة وذلك من وجهين : الأول : أن ترتيب الحكم على الوصف المشتق يفيد كون ذلك الوصف علة لذلك الحكم ، لا سيما إذا كان الوصف مناسباً وههنا كذلك ، فيدل ذلك على أن الزنا علة لوجوب الجد ، فيلزم أن يقال أينما تحقق الزنا يتحقق وجوب الجلد ضرورة أن العلة لا تنفك عن المعلول الثاني : أن المراد من قوله : {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِى} إما أن يكون كل الزناة أو البعض ، فإن كان الثاني صارت الآية مجملة وذلك يمنع من إمكان العمل به ، لكن العمل به مأمور وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، فوجب حمله على العموم حتى يمكن العمل به والله أعلم.
جزء : 23 رقم الصفحة : 320
البحث الثالث : في الشرائط المعتبرة في كون الزنا موجباً للرجم تارة والجلد أخرى ، فنقول : أجمعوا على أن كون الزنا موجباً لهذين الحكمين مشروط بالعقل وبالبلوغ فلا يجب الرجم والحد على الصبي والمجنون وهذان الشرطان ليسا من خواص هذين الحكمين بل هما معتبران في كل العقوبات ، أما كونهما موجبين للرجم فلا بد مع العقل والبلوغ من أمور أخر : الشرط الأول : الحرية وأجمعوا على أن الرقيق لا يجب عليه الرجم ألبتة الشرط الثاني : التزوج بنكاح صحيح ، فلا يحصل الإحصان بالإصابة بملك اليمين ولا بوطء الشبهة ولا بالنكاح الفاسد الشرط /الثالث : الدخول ولا بد منه لقوله عليه السلام : "الثيب بالثيب" وإنما تصير ثيباً بالوطء وههنا مسألتان :
المسألة الأولى : هل يشترط أن تكون الإصابة بالنكاح بعد البلوغ والحرية والعقل/ فيه وجهان : أحدهما : لا يشترط حتى لو أصاب عبد أمة بنكاح صحيح أو في حال الجنون والصغر ثم كمل حاله فزنى يجب عليه الرجم ، لأنه وطء يحصل به التحليل للزوج الأول فيحصل به الإحصان كالوطء في حال الكمال ، ولأن عقد النكاح يجوز أن يكون قبل الكمال فكذلك الوطء والثاني : وهو الأصح وهو ظاهر النص ، وقول أبي حنيفة رحمه الله يشترط أن تكون الإصابة بالنكاح بعد البلوغ والحرية والعقل ، لأنه لما شرط أكمل الإصابات وهو أن يكون بنكاح صحيح شرط أن يكون تلك الإصابة في حال الكمال.
(1/3271)

المسألة الثانية : هل يعتبر الكمال في الطرفين أو يعتبر في كل واحد منهما كماله بنفسه دون صاحبه فيه قولان : أحدهما : معتبر في الطرفين حتى لو وطىء الصبي بالغة حرة عاقلة فإنه لا يحصنها وهو قول أبي حنيفة ومحمد والثاني : يعتبر في كل واحد منهما كماله بنفسه وهو قول أبي يوسف رحمه الله.
حجة القول الأول : أنه وطء لا يفيد الإحصان لأحد الوطئين فلا يفيد في الآخر كوطء الأمة.
جزء : 23 رقم الصفحة : 320
حجة القول الثاني : أنه لا يشترط كونهما على صفة الإحصان وقت النكاح وكذا عند الدخول الشرط الرابع : الإسلام ليس شرطاً في كون الزنا موجباً للرجم عند الشافعي رحمه الله وأبي يوسف ، وقال أبو حنيفة رحمه الله شرط ، احتج الشافعي بأمور : أحدها : قوله عليه السلام : "فإذا قبلوا الجزية فانبئوهم أن لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين" ومن جملة ما على المسلم كونه بحيث يجب عليه الرجم عند الإقدام على الزنا ، فوجب أن يكون الذمي كذلك لتحصل التسوية وثانيها : حديث مالك عن نافع عن ابن عمر أنه عليه السلام رجم يهودياً ويهودية زنياً فإما أن يقال إنه عليه السلام حكم بذلك بشريعته أو بشريعة من قبله ، فإن كان الأول فالاستدلال به بين ، وإن كان الثاني فكذلك لأنه صار شرعاً له وثالثها : أن زنا الكافر مثل زنا المسلم فيجب عليه مثل ما يجب على المسلم وذلك لأن الزنا محرم قبيح فيناسب الزجر وإيجاب الرجم يصلح زاجراً له ولا يبقى إلا التفاوت بالكفر والإيمان ، والكفر وإن كان لا يوجب تغليظ الجناية فلا يوجب تخفيفها واحتج أبو حنيفة رحمه الله بوجوه : أحدها : التمسك بعموم قوله : {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِى} وجب العمل به في حق المسلم ولا يجب في الذمي لمعنى مفقود في الذمي ، ووجه الفرق أن القتل بالأحجار عقوبة عظيمة فلا يجب إلا بجناية عظيمة ، والجناية تعظم بكفران النعم في حق الجاني عقلاً وشرعاً ، أما العقل فلأن المعصية كفران النعمة وكلما كانت النعم أكثر وأعظم كان كفرانها أعظم وأقبح ، وأما الشرح فلأن الله تعالى قال في حق نساء النبي صلى الله عليه وسلّم : {يَـانِسَآءَ النَّبِىِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَـاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَـاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ } (الأحزاب : 30) فلما كانت نعم الله تعالى في حقهن أكثر كان العذاب في حقهن أكثر ، وقال في حق الرسول : {لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْـاًا قَلِيلا * إِذًا لاذَقْنَـاكَ ضِعْفَ الْحَيَواةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ} (الإسراء : 74 ، 75) وإنما عظمت معصيته لأن النعمة في حقه أعظم وهي نعمة النبوة ، ومن المعلوم أن نعم الله تعالى في حق المسلم المحصن أكثر منها في حق الذمي ، فكانت معصية المسلم أعظم فوجب أن تكون عقوبته أشد وثانيها : أن الذمي لم يزن بعد الإحصان فلا يجب عليه القتل بيان الأول : قوله عليه السلام : "من أشرك بالله طرفة عين فليس بمحصن" بيان الثاني : أن المسلم الذي لا يكون محصناً لا يجب عليه القتل لقوله عليه السلام : "لا يحل دم امرىء مسلم إلا لإحدى ثلاث" وإذا كان المسلم كذلك وجب أن يكون الذمي كذلك لقوله عليه السلام : "إذا قبلوا عقد الجزية فأعلمهم أن لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين" وثالثها : أجمعنا على أن إحصان القذف يعتبر فيه الإسلام ، فكان إحصان الرجم والجامع ما ذكرنا من كمال النعمة والجواب : عن الأول أنه خص عنه الثيب المسلم فكذا الثيب الذمي ، وما ذكروه من حديث زيادة النعمة على المؤمنين فنقول نعمة الإسلام حصلت بكسب العبد فيصير ذلك كالخدمة الزائدة ، وزيادة الخدمة إن لم تكن سبباً للعذر فلا أقل من أن لا تكون سبباً لزيادة العقوبة ، وعن الثاني لا نسلم أن الذمي مشرك سلمناه ، لكن الإحصان قد يراد به التزوج لقوله تعالى :
جزء : 23 رقم الصفحة : 320
{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَـاتِ} (النور : 40) وفي التفسير : {فَإِذَآ أُحْصِنَّ} (النساء : 25) يعني فإذا تزوجن إذا ثبت هذا فنقول الذمي الثيب محصن بهذا التفسير فوجب رجمه لقوله صلى الله عليه وسلّم أو زنا بعد إحصان رتب الحكم في حق المسلم على هذا الوصف فدل على كون الوصف علة والوصف قائم في حق الذمي فوجب كونه مستلزماً للحكم بالرجم وعن الثالث أن حد القذف لدفع العار كرامة للمقذوف ، والكافر لا يكون محلاً للكرامة وصيانة العرض بخلاف ما ههنا والله أعلم ، أما ما يتعلق بالجلد ففيه مسائل :
(1/3272)

المسألة الأولى : اتفقوا على أن الرقيق لا يرجم واتفقوا على أنه يجلد ، وثبت بنص الكتاب أن على الإماء نصف ما على المحصنات من العذاب ، فلا جرم اتفقوا على أن الأمة تجلد خمسين جلدة ، أما العبد فقد اتفق الجمهور على أنه يجلد أيضاً خمسين إلا أهل الظاهر فإنهم قالوا عموم قوله : {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِى} يقتضي وجوب المائة على العبد والأمة إلا أنه ورد النص بالتنصيف في حق الأمة ، فلو قسنا العبد عليها كان ذلك تخصيصاً لعموم الكتاب بالقياس وأنه غير جائز ، ومنهم من قال الأمة إذا تزوجت فعليها خمسون جلدة وإذا لم تتزوج فعليها المائة ، لظاهر قوله تعالى : {فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِا ئَةَ جَلْدَةٍ } وذكروا أن قوله : {فَإِذَآ أُحْصِنَّ} أي تزوجن {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَـاتِ مِنَ الْعَذَابِ } (النساء : 25).
المسألة الثانية : قال الشافعي وأبو حنيفة رحمهما الله ، الذمي يجلد ، وقال مالك رحمه الله لا يجلد لنا وجوه : أحدها : عموم قوله : {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِى} وثانيها : قوله عليه السلام : "إذا زنت / أمة أحدكم فليجلدها" وقوله : "أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم" ولم يفرق بين الذمي والمسلم وثالثها : أنه عليه السلام رجم اليهوديين ، فذاك الرجم إن من كان من شرع محمد صلى الله عليه وسلّم فقد حصل المقصود ، وإن كان من شرعهم فلما فعله الرسول صلى الله عليه وسلّم صار ذلك من شرعه ، وحقيقة هذه المسألة ترجع إلى أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع.
البحث الرابع : فيما يدل على صدور الزنا منه ، اعلم أن ذلك لا يحصل إلا من أحد ثلاثة أوجه ، إما بأن يراه الإمام بنفسه أو بأن يقر أو بأن يشهد عليه الشهود ، أما الوجه الأول : وهو ما إذا رآه الإمام قال الإمام محيي السنة في كتاب التهذيب لا خلاف أن على القاضي أن يمتنع عن القضاء بعلم نفسه مثل ما إذا ادعى رجل على آخر حقاً وأقام عليه بينة ، والقاضي يعلم أنه قد أبرأه ، أو ادعى أنه قتل أباه وقت كذا ، وقد رآه القاضي حياً بعد ذلك ، أو ادعى نكاح امرأة وقد سمعه القاضي طلقها ، لا يجوز أن يقضي به وإن أقام عليه شهوداً ، وهل يجوز للقاضي أن يقضي بعلم نفسه مثل أن ادعى عليه ألفاً وقد رآه القاضي أقرضه أو سمع المدعي عليه أقربه فيه قولان أصحهما وبه قال أبو يوسف ومحمد والمزني رحمهم الله ، أنه يجوز له أن يقضي بعلمه لأنه لما جاز له أن يحكم بشهادة الشهود وهو من قولهم على ظن فلأن يجوز بما رآه وسمعه وهو منه على علم أولى ، قال الشافعي رحمه الله في كتاب الرسالة أقضي بعلمي وهو أقوى من شاهدين أو بشاهدين وشاهد وامرأتين وهو أقوى من شاهد ويمين أو بشاهد ويمين وهو أقوى من النكول ورد اليمين.
جزء : 23 رقم الصفحة : 320
والقول الثاني : لا يقضي بعلمه وهو قول ابن أبي ليلى ، لأن انتفاء التهمة شرط في القضاء ولم يوجد هذا في المال ، أما في العقوبات فينظر إن كان ذلك من حقوق العباد كالقصاص وحد القذف هل يحكم فيه بعلم نفسه يرتب على المال إن قلنا هناك لا يقضي فههنا أولى وإلا فقولان ، والفرق أن مبنى حقوق الله تعالى على المساهلة والمسامحة ، ولا فرق على القولين أن يحصل العلم للقاضي في بلد ولايته وزمان ولايته أو في غيره ، وقال أبو حنيفة رحمه الله إن حصل له العلم في بلد ولايته أو في زمان ولايته له أن يقضي بعلمه وإلا فلا ، فنقول العلم لا يختلف باختلاف هذه الأحوال ، فوجب أن لا يختلف الحكم باختلافها والله أعلم.
(1/3273)

الطريق الثاني : الإقرار قال الشافعي رحمه الله الإقرار بالزنا مرة واحدة يوجب الحد ، وقال أبو حنيفة رحمه الله بل لا بد من الإقرار أربع مرات في أربع مجالس ، وقال أحمد لا بد من الإقرار أربع مرات لكن لا فرق بين أن يكون في أربع مجالس أو في مجلس واحد ، حجة الشافعي رحمه الله أمران : الأول : قصة العسيف فإنه قال عليه السلام فإن اعترفت فارجمها ، وذلك دليل عل أن الاعتراف مرة واحدة كاف والثاني : أنه لما أقر بالزنا وجب الحد عليه لقوله عليه السلام اقض بالظاهر ، والإقرار مرة واحدة يوجب الظهور لا سيما ههنا ، وذلك لأن الصارف عن الإقرار بالزنا قوي ، لما أنه سبب العار في الحال والألم الشديد في المآل ، والصارف عن الكذب أيضاً / قائم وعند اجتماع الصارفين يقوى الانصراف ، فثبت أنه إنما أقدم على هذا الإقرار لكونه صادقاً. وإذا ظهر اندرج تحت الحديث وتحت الآية ، أو نقيسه على الإقرار بالقتل والردة ، واحتج أبو حنيفة رحمه الله بوجوه : أحدها : قصة ماعز والاستدلال بها من وجوه : الأول : أنه عليه السلام أعرض عنه في المرة الأولى ، ولو وجب عليه الحد لم يعرض عنه ، لأن الإعراض عن إقامة حد الله تعالى بعد كمال الحجة لا يجوز الثاني : أنه عليه السلام قال : "إنك شهدت على نفسك أربع مرات" ولو كان الواحد مثل الأربع في إيجاب الحد كان هذا القول لغواً والثالث : روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال لماعز بعدما أقر ثلاث مرات : "لو أقررت الرابعة لرجمك رسول الله" والرابع : عن بريدة الأسلمي قال : "كنا معشر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم نقول لو لم يقر ماعز أربع مرات ما رجمه رسول الله صلى الله عليه وسلّم" وثانيها : أنهم قاسوا الإقرار على الشهادة فكما أنه لا يقبل في الزنا إلا أربع شهادات فكذا في الإقرار به والجامع السعي في كتمان هذه الفاحشة وثالثها : أن الزنا لا ينتفي إلا بأربع شهادات أو بأربع أيمان في اللعان فجاز أيضاً أن لا يثبت إلا بالإقرار أربع مرات ، وبه يفارق سائر الحقوق فإنها تنتفي بيمين واحد ، فجاز أيضاً أن يثبت بإقرار واحد والجواب : عن الأول أنه ليس في الحديث إلا أنه عليه السلام حكم بالشهادات الأربع وذلك لا ينافي جواز الحكم بالشهادة الواحدة وعن الثاني : أن الفرق بينهما أن المقذوف لو أقر بالزنا مرة لسقط الحد عن القاذف ، ولولا أن الزنا ثبت لما سقط كما لو شهد اثنان بالزنا لا يسقط الحد عن القاذف حيث لم يثبت به الزنا والله أعلم.
جزء : 23 رقم الصفحة : 320
والطريق الثالث : الشهادة وقد أجمعوا على أنه لا بد من أربع شهادات ، ويدل عليه قوله تعالى : {فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ } (النساء : 15) والكلام فيه سيأتي إن شاء الله تعالى في قوله : {ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ} .
البحث الخامس : في أن المخاطب بقوله تعالى : {فَاجْلِدُوا } من هو ؟
أجمعت الأمة على أن المخاطب بذلك هو الإمام ، ثم احتجوا بهذا على وجوب نصب الإمام ، قالوا لأنه سبحانه أمر بإقامة الحد/ وأجمعوا على أنه لا يتولى إقامته إلا الإمام وما لا يتم الواجب المطلق إلا به ، وكان مقدوراً للمكلف فهو واجب فكان نصب الإمام واجباً ، وقد مر بيان هذه الدلالة في قوله : {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} (المائدة : 38) بقي ههنا ثلاث مسائل :
(1/3274)

المسألة الأولى : قال الشافعي رحمه الله السيد يملك إقامة الحد على مملوكه. وهو قول ابن مسعود وابن عمر وفاطمة وعائشة. وعند أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وزفر رحمهم الله لا يملك ، وقال مالك يحده المولى من الزنا وشرب الخمر والقذف ولا يقطعه في السرقة وإنما يقطعه الإمام وهو قول الليث ، واحتج الشافعي رحمه الله بوجوه : أحدها : قوله عليه السلام : "أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم" وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال عليه السلام : "إذا زنت أمة أحدكم / فليجلدها" وفي رواية أخرى "فليجلدها الحد" قال أبو بكر الرازي لا دلالة في هذه الأخبار ، لأن قوله : "أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم" هو كقوله : {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِى فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِا ئَةَ جَلْدَةٍ } ومعلوم أن المراد منه رفعه إلى الإمام لإقامة الحد والمخاطبون بإقامة الحد هم الأئمة ، وسائر الناس مخاطبون برفع الأمر إليهم حتى يقيموا عليهم الحدود فكذلك قوله : "أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم" على هذا المعنى ، وأما قوله : "إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها" فإنه ليس كل جلد حداً ، لأن الجلد قد يكون على وجه التعزير ، فإذا عزرنا فقد وفينا بمقتضى الحديث. والجواب : أن قوله : "أقيموا الحدود" أمر بإقامة الحد فحمل هذا اللفظ على رفع الواقعة إلى الإمام عدول عن الظاهر ، أقصى ما في الباب أنه ترك الظاهر في قوله فاجلدوا ، لكن لا يلزم من ترك الظاهر هناك تركه ههنا ، أما قوله : "فليجلدها" المراد هو التعزير فباطل لأن الجلد المذكور عقيب الزنا لا يفهم منه إلا الحد وثانيها : أن السلطان لما ملك إقامة الحد عليه فسيده به أولى لأن تعلق السيد بالعبد أقوى من تعلق السلطان به ، لأن الملك أقوى من عقد البيعة ، وولاية السادة على العبيد فوق ولاية السلطان على الرعية ، حتى إذا كان للأمة سيد وأب فإن ولاية النكاح للسيد دون الأب ، ثم إن الأب مقدم على السلطان في ولاية النكاح فيكون السيد مقدماً على السلطان بدرجات فكان أولى ، ولأن السيد يملك من التصرفات في هذا المحل ما لا يملكه الإمام فثبت أن المولى أولى وثالثها : أجمعنا على أن السيد يملك التعزير فكذا الحد ، لأن كل واحد نظير الآخر وإن كان أحدهما مقدراً والآخر غير مقدر ، واحتج أبو بكر الرازي على مذهب أبي حنيفة بوجوه : أحدها : قال قوله تعالى :
جزء : 23 رقم الصفحة : 320
{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِى فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِا ئَةَ جَلْدَةٍ } لا شك أنه خطاب مع الأئمة دون عامة الناس ، فالتقدير فاجلدوا أيها الأئمة والحكام كل واحد منهما مائة جلدة ، ولم يفرق في هذه الآية بن المحدودين من الأحرار والعبيد ، فوجب أن تكون الأئمة هم المخاطبون بإقامة الحدود على الأحرار والعبيد دون الموالي وثانيها : أنه لو جاز للمولى أن يسمع شهادة الشهود على عبده بالسرقة فيقطعه ، فلو رجعوا عن شهادتهم لوجب أن يتمكن من تضمين الشهود ، لأن تضمين الشهود يتعلق بحكم الحاكم بالشهادة ، لأنه لو لم يكن يحكم بشهادتهم لم يضمنوا شيئاً فكان يصير حاكماً لنفسه بإيجاب الضمان عليهم وذلك باطل لأنه ليس لأحد من الناس أن يحكم لنفسه. فعلمنا أن المولى لا يملك استماع البينة على عبده بذلك ولا قطعه وثالثها : أن المالك ربما لا يستوفي الحد بكماله لشفقته على ملكه ، وإذا كان متهماً وجب أن لا يفوض إليه والجواب : عن الأول أن قوله {فَاجْلِدُوا } ليس بصريحه خطاباً مع الإمام/ لكن بواسطة أنه لما انعقد الإجماع على أن غير الإمام لا يتولاه حملنا ذلك الخطاب على الإمام ، وههنا لم ينعقد الإجماع على أن الإمام لا يتولاه لأنه عين النزاع والجواب : عن الثاني قال محيي السنة في كتاب "التهذيب" هل يجوز للمولى قطع يد عبده بسبب السرقة أو قطع الطريق ؟
فيه وجهان أصحهما أنه يجوز ، نص عليه في رواية البويطي لما روي / عن ابن عمر أنه قطع عبداً له سرق وكما يجلده في الزنا وشرب الخمر والثاني : لا بل القطع إلى الإمام بخلاف الجلد لأن المولى يملك جنس الجلد وهو التعزير ولا يملك جنس القطع ، ثم قال وكل حد يقيمه المولى على عبده إنما يقيمه إذا ثبت باعتراف العبد ، فإن كانت عليه بينة فهل يسمع المولى الشهادة ، فيه وجهان : أحدهما : يسمع لأنه ملك الإقامة بالاعتراف فيملك بالبينة كالإمام والثاني : لا يسمع بل ذاك إلى الحكام والجواب : عن الثالث أنه منقوض بالتعزير.
المسألة الثانية : إذا فقد الإمام فليس لآحاد الناس إقامة هذه الحدود ، بل الأولى أن يعينوا واحداً من الصالحين ليقوم به.
المسألة الثالثة : الخارجي المتغلب هل له إقامة الحدود ؟
قال بعضهم له ذلك وقال آخرون : ليس له ذلك ، لأن إقامة الحد من جهة من لم يلزمنا أن نزيل ولايته أبعد من أن نفوض ذلك إلى رجل من الصالحين.
(1/3275)

البحث السادس : في كيفية إقامة الحد ، أما الجلد ، فاعلم أن المذكور في الآية هو الجلد ، وهذا مشترك بين الجلد الشديد ، والجلد الخفيف ، والجلد على كل الأعضاء أو على بعض الأعضاء ، فحينئذ لا يكون في الآية إشعار بشيء من هذه القيود ، بل مقتضى الآية أن يكون الآتي بالجلد كيف كان خارجاً عن العهدة ، لأنه أتى بما أمر به فوجب أن يخرج من العهدة ، قال صاحب "الكشاف" وفي لفظ الجلد إشارة إلى أنه لا ينبغي أن يتجاوز الألم إلى اللحم ، ولأن الجلد ضرب الجلد ، يقال جلده كقولك ظهره بفتح الهاء وبطنه ورأسه ، إلا أنا لما عرفنا أن المقصود منه الزجر والزجر لا يحصل إلا بالجلد الخفيف لا جرم تكلم العلماء في صفة الجلد على سبيل القياس ثم هنا مسائل :
جزء : 23 رقم الصفحة : 320
المسألة الأولى : المحصن يجلد مع ثيابه ولا يجرد ، ولكن ينبغي أن يكون بحيث يصل الألم إليه ، وينزع من ثيابه الحشو والفرو. روي أن أبا عبيدة بن الجراح أتى برجل في حد فذهب الرجل ينزع قميصه ، وقال ما ينبغي لجسدي هذا المذنب أن يضرب وعليه قميص ، فقال أبو عبيدة : لا تدعوه ينزع قميصه فضربه عليه. أما المرأة فلا خلاف في أنه لا يجوز تجريدها ، بل يربط عليها ثيابها حتى لا تنكشف ، ويلي ذلك منها امرأة.
المسألة الثانية : لا يمد ولا يربط بل يترك حتى يتقي بيديه ، ويضرب الرجل قائماً والمرأة جالسة. قال أبو يوسف رحمه الله : ضرب ابن أبي ليلى المرأة القاذفة قائمة فخطأه أبو حنيفة.
المسألة الثالثة : يضرب بسوط وسط لا جديد يجرح ولا خلق لم يؤلم ، ويضرب ضرباً بين ضربين لا شديد ولا واه. روى أبو عثمان النهدي قال أتى عمر برجل في حد ثم جيء بسوط فيه شدة ، فقال أريد ألين من هذا ، فأتى بسوط فيه لين ، فقال أريد أشد من هذا ، فأتى بسوط بين السوطين فرضي به.
المسألة الرابعة : تفرق السياط على أعضائه ولا يجمعها في موضع واحد ، واتفقوا على / أنه يتقي المهالك كالوجه والبطن والفرج ، ويضرب على الرأس عند الشافعي رحمه الله. وقال أبو حنيفة رحمه الله : لا يضرب على الرأس ، وهو قول على حجة الشافعي رحمه الله. قال أبو بكر أضرب على الرأس فإن الشيطان فيه. وعن عمر أنه ضرب صبيغ بن عسيل على رأسه حين سأل عن الذاريات على وجه التعنت ، حجة أبي حنيفة رحمه الله ، أجمعنا على أنه لا يضرب على الوجه فكذا الرأس والجامع الحكم والمعنى. أما الحكم فلأن الشين الذي يلحق الرأس بتأثير الضرب كالذي يلحق الوجه/ بدليل أن الموضحة وسائر الشجاج حكمها في الرأس والوجه واحد ، وفارقا سائر البدن ، لأن الموضحة فيما سوى الرأس والوجه إنما يجب فيها حكومة ولا يجب فيها أرش الموضحة والواقعة في الرأس والوجه ، فوجب استواء الرأس والوجه في وجوب صونهما عن الضرب. وأما المعنى فهو إنما منع من ضرب الوجه لما كان فيه من الجناية على البصر ، وذلك موجود في الرأس ، لأن ضرب الرأس يظلم منه البصر ، وربما حدث منه الماء في العين ، وربما حدث منه اختلاط العقل. أجاب أصحابنا عنه بأن الفرق بين الوجه والرأس ثابت ، لأن الضربة إذا وقعت على الوجه ، فعظم الجبهة رقيق فربما انكسر بخلاف عظم القفا ، فإنه في نهاية الصلابة ، وأيضاً فالعين في نهاية اللطافة ، فالضرب عليها يورث العمى ، وأيضاً فالضرب على الوجه يكسر الأنف لأنه من غضروف لطيف ، ويكسر الأسنان لأنها عظام لطيفة ، ويقع على الخدين وهما لحمان قريبان من الدماغ ، والضربة عليهما في نهاية الخطر لسرعة وصول ذلك الأثر إلى جرم الدماغ ، وكل ذلك لم يوجد في الضرب على الرأس.
جزء : 23 رقم الصفحة : 320
المسألة الخامسة : لو فرق سياط الحد تفريقاً لا يحصل به التنكيل ، مثل أن يضرب كل يوم سوطاً أو سوطين لا يحسب ، وإن ضرب كل يوم عشرين أو أكثر يحسب ، والأولى أن لا يفرق.
المسألة السادسة : إن وجب الحد على الحبلى لا يقام حتى تضع ، روى عمران بن الحصين : أن امرأة من جهينة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلّم وهي حبلى من الزنا ، فقالت يا نبي الله أصبت حداً فأقمه علي ، فدعا نبي الله وليها فقال أحسن إليها ، فإذا وضعت فاتني بها ففعل ، فأمر بها نبي الله صلى الله عليه وسلّم فشدت عليها ثيابها ، ثم أمر بها فرجمت ثم صلى عليها ، ولأن المقصود التأديب دون الإتلاف.
(1/3276)

المسألة السابعة : إن وجب الجلد على المريض نظر ، فإن كان به مرض يرجى زواله من صداع أو ضعف أو ولادة يؤخر حتى يبرأ ، كما لو أقيم عليه حد أو قطع لا يقام عليه حد آخر حتى يبرأ من الأول ، وإن كان به مرض لا يرجى زواله ، كالسل والزمانة فلا يؤخر ولا يضرب بالسياط فإنه يموت وليس المقصود موته ، وذلك لا يختلف سواء كان زناه في حال الصحة ثم مرض أو في حال المرض ، بل يضرب بعثكال عليه مائة شمراخ فيقول ذلك مقام مائة جلدة. كما قال تعالى في قصة أيوب عليه السلام : {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّه وَلا تَحْنَثْ } (ص : 44) وعند / أبي حنيفة رحمه الله : يضرب بالسياط ، دليلنا ما روي أن رجلاً مقعداً أصاب امرأة فأمر النبي صلى الله عليه وسلّم فأخذوا مائة شمراخ فضربوه بها ضربة واحدة ، ولأن الصلاة إذا كانت تختلف باختلاف حاله فالحد أولى بذلك.
المسألة الثامنة : يقام الحد في وقت اعتدال الهواء ، فإن كان في حال شدة حر أو برد نظر إن كان الحد رجماً يقام عليه كما يقام في المرض لأن المقصود قتله ، وقيل إن كان الرجم ثبت عليه بإقراره فيؤخر إلى اعتدال الهواء وزوال المرض الذي يرجى زواله ، لأنه ربما رجع عن إقراره في خلال الرجم وقد أثر الرجم في جسمه فتعين شدة الحر والبرد والمرض على أهلاكه بخلاف ما لو ثبت بالبينة لأنه لا يسقط ، وإن كان الحد جلداً لم يجز إقامته في شدة الحر والبرد كما لا يقام في المرض. أما الرجم ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قال الشافعي رحمه الله ، ومالك رحمه الله : يجوز للإمام أن يحضر رجمه وأن لا يحضر ، وكذا الشهود لا يلزمهم الحضور. وقال أبو حنيفة رحمه الله : إن ثبت الزنا بالبينة وجب على الشهود أن يبدأوا بالرجم ثم الإمام ثم الناس ، وإن ثبت بإقرار بدأ الإمام ثم الناس. حجة الشافعي رحمه الله : أن النبي صلى الله عليه وسلّم أمر برجم ماعز والغامدية ولم يحضر رجمهما.
جزء : 23 رقم الصفحة : 320
المسألة الثانية : إن ثبت الزنا بإقراره فمتى رجع ترك/ وقع به بعض الحد أو لم يقع. وبه قال أبو حنيفة رحمه الله والثوري وأحمد وإسحق ، وقال الحسن وابن أبي ليلى وداود لا يقبل رجوعه ، وعن مالك رحمه الله روايتان.
حجة القول الأول : أن ماعزاً لما مسته الحجارة وهرب ، فقال عليه السلام : "هلا تركتموه".
المسألة الثالثة : يحفر للمرأة إلى صدرها حتى لا تنكشف ويرمى إليها ، ولا يحفر للرجل ، لما روى أبو سعيد الخدري "أن ماعزاً أتى رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، فقال يا رسول الله إني أصبت فاحشة فأقم على الحد ، فرده النبي عليه السلام مراراً ، ثم سأل قومه ، فقالوا : لا نعلم به بأساً فأمرنا أن نرجمه ، فانطلقنا به إلى بقيع الغرقد فما أوثقناه ولا حفرنا له ، قال فرميناه بالعظام والمدر والخزف ، قال فاشتد واشتددنا خلفه حتى أتى عرض الحرة وانتصب لنا فرميناه بجلاميد الحرة حتى سكن" وجه الاستدلال أنه قال : "فما أوثقناه ولا حفرنا له" ولأنه هرب ، ولو كان في حفرة لما أمكنه ذلك.
المسألة الرابعة : إذا مات في الحد يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين ، فهذا ما أردنا ذكره من بيان الأحكام الشرعية المتعلقة بهذه الآية.
أما المباحث العقلية : فاعلم أن من الناس من قال : لا شك أن البدن مركب من أجزاء كثيرة ، فإما أن يقوم بكل جزء حياة وعلم وقدرة على حدة أو يقوم بكل الأجزاء حياة واحدة وعلم واحد وقدرة واحدة ، والثاني محال لاستحالة قيام العرض الواحد بالمحال الكثيرة فتعين / الأول ، وإذا كان كذلك كان كل جزء من أجزاء البدن حياً على حدة وعالماً على حدة وقادراً على حدة ، وإذا ثبت هذا فنقول الزاني هو الفرج لا الظهر ، فكيف يحسن من الحكيم أن يأمر بجلد الظهر ، ولأنه ربما كان الإنسان حال إقدامه على الزنا عجيفاً نحيفاً ثم يسمن بعد ذلك فكيف يجوز إيلام تلك الأجزاء الزائدة مع أنها كانت بريئة عن فعل الزنا ، فإن قال قائل هذا مدفوع من وجهين : الأول : وهو أنه ليس كل واحد من أجزاء البدن فاعلاً على حدة وحياً على حدة وذلك محال ، بل الحياة والعلم والقدرة تقوم بالجزء الواحد ثم توجب حكم الحيية والعالمية والقادرية لمجموع الأجزاء ، فيكون المجموع حياً واحداً عالماً واحداً قادراً واحداً ، وعلى هذا التقدير يزول السؤال الثاني : أن يقال الذي هو الفاعل والمحرك والمدرك شيء ليس بجسم ولا جسماني. وإنما هو مدبر لهذا البدن ، وعلى هذا التقدير أيضاً يزول السؤال والجواب : أما الأول فضعيف ، وذلك لأن العلم إذا قام بجزء واحد ، فإما أن يحصل بمجموع الأجزاء عالمية واحدة فيلزم قيام الصفة الواحدة بالمحال الكثيرة وهو محال ، أو يقوم بكل جزء عالمية على حدة فيعود المحذور المذكور ، وأما الثاني ففي نهاية البعد لأنه إذا كان الفاعل للقبيح هو ذلك المباين فلم يضرب هذا الجسد ؟
واعلم أن المقصود من أحكام الشرع رعاية المصالح ، ونحن نعلم أن شرع الحد يفيد الزجر ، فكان المقصود حاصلاً والله أعلم.
(1/3277)

جزء : 23 رقم الصفحة : 320
أما قوله تعالى : {وَلا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِى دِينِ اللَّهِ} ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : الرأفة الرقة والرحمة وقراءة العامة بسكون الهمزة وقرىء رأفة بفتح الهمزة ورآفة على فعالة.
المسألة الثانية : يحتمل أن يكون المراد أن لا تأخذكم رأفة بأن يعطل الحد أو ينقص منه ، والمعنى لا تعطلوا حدود الله ولا تتركوا إقامتها للشفقة والرحمة ، وهذا قول مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير واختيار الفراء والزجاج ، ويحتمل أن لا تأخذكم رأفة بأن يخفف الجلد وهو قول سعيد بن المسيب والحسن وقتادة ، ويحتمل كلا الأمرين والأول أولى لأن الذي تقدم ذكره الأمر بنفس الجلد ، ولم يذكر صفته ، فما يعقبه يجب أن يكون راجعاً إليه وكفى برسول الله أسوة في ذلك حيث قال : "لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها" ونبه بقوله في دين الله على أن الدين إذا أوجب أمراً لم يصح استعمال الرأفة في خلافه.
أما قوله تعالى : {إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الاخِرِ } فهو من باب التهييج والنهاب الغضب لله تعالى ولدينه. قال الجبائي تقدير الآية : إن كنتم مؤمنين فلا تتركوا إقامة الحدود ، وهذا يدل على أن الاشتغال بأداء الواجبات من الإيمان بخلاف ما تقوله المرجئة والجواب : أن الرأفة لا تحصل إلا إذا حكم الإنسان بطبعه أن الأولى أن لا تقام تلك الحدود ، وحينئذ يكون منكراً للدين فيخرج عن الإيمان في الحديث "يؤتى بوال نقص من الحد سوطاً ، فيقال له لم فعلت ذاك ؟
/ فيقول رحمة لعبادك ، فيقال له أنت أرحم بهم مني فيؤمر به إلى النار ، ويؤتى بمن زاد سوطاً فيقال له لم فعلت ذلك ؟
فيقول لينتهوا عن معاصيك ، فيقول أنت أحكم به مني فيؤمر به إلى النار".
أما قوله تعالى : {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآاـاِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ} ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قوله تعالى : {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآاـاِفَةٌ} أمر وظاهره للوجوب ، لكن الفقهاء قالوا يستحب حضور الجمع والمقصود إعلان إقامة الحد ، لما فيه من مزيد الردع ، ولما فيه من رفع التهمة عمن يجلد ، وقيل أراد بالطائفة الشهود لأنه يجب حضورهم ليعلم بقاؤهم على الشهادة.
المسألة الثانية : اختلفوا في أقل الطائفة على أقوال : أحدها : أنه رجل واحد وهو قول النخعي ومجاهد. واحتجا بقوله تعالى : {وَإِن طَآاـاِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا } (الحجرات : 9) وثانيها : أنه اثنان وهو قول عكرمة وعطاء واحتجا بقوله تعالى : {فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِى الدِّينِ} (التوبة : 122) وكل ثلاثة فرقة والخارج من الثلاثة واحد أو اثنان ، والاحتياط يوجب الأخذ بالأكثر وثالثها : أنه ثلاثة وهو قول الزهري وقتادة ، قالوا الطائفة هي الفرقة التي يمكن أن تكون حلقة ، كأنها الجماعة الحافة حول الشيء ، وهذه الصورة أقل ما لا بد في حصولها هو الثلاثة ورابعها : أنه أربعة بعدد شهود الزنا ، وهو قول ابن عباس والشافعي رضي الله عنهم وخامسها : أنه عشرة وهو قول الحسن البصري ، لأن العشرة هي العدد الكامل.
جزء : 23 رقم الصفحة : 320
المسألة الثالثة : تسميته عذاباً يدل على أنه عقوبة ، ويجوز أن يسمى عذاباً لأنه يمنع المعاودة كما سمي نكالاً لذلك ، ونبه تعالى بقوله : {مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ} على أن الذين يشهدون يجب أن يكونوا بهذا الوصف ، لأنهم إذا كانوا كذلك عظم موقع حضورهم في الزجر وعظم موقع إخبارهم عما شاهدوا فيخاف المجلود من حضورهم الشهرة ، فيكون ذلك أقوى في الانزجار. والله أعلم.
الحكم الثاني
جزء : 23 رقم الصفحة : 320
330
قرىء {لا يَنكِحُ} بالجزم عن النهي ، وقرىء {وَحُرِّمَ} بفتح الحاء ثم إن في الآية سؤالات :
السؤال الأول : قوله : {الزَّانِى لا يَنكِحُ إِلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً} ظاهره خبر ، ثم إنه ليس الأمر كما يشعر به هذا الظاهر ، لأنا نرى أن الزاني قد ينكح المؤمنة العفيفة والزانية قد ينكحها المؤمن العفيف.
السؤال الثاني : أنه قال : {وَحُرِّمَ ذَالِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} وليس كذلك ، فإن المؤمن يحل له / التزوج بالمرأة الزانية والجواب : اعلم أن المفسرين لأجل هذين السؤالين ذكروا وجوهاً : أحدها : وهو أحسنها ، ما قاله القفال : وهو أن اللفظ وإن كان عاماً لكن المراد منه الأعم الأغلب ، وذلك لأن الفاسق الخبيث الذي من شأنه الزنا والفسق لا يرغب في نكاح الصوالح من النساء ، وإنما يرغب في فاسقة خبيثة مثله أو في مشركة ، والفاسقة الخبيثة لا يرغب في نكاحها الصلحاء من الرجال وينفرون عنها ، وإنما يرغب فيها من هو من جنسها من الفسقة والمشركين ، فهذا على الأعم الأغلب كما يقال لا يفعل الخير إلا الرجل التقي ، وقد يفعل بعض الخير من ليس بتقي فكذا ههنا.
جزء : 23 رقم الصفحة : 330
(1/3278)

وأما قوله : {وَحُرِّمَ ذَالِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} فالجواب من وجهين : أحدهما : أن نكاح المؤمن الممدوح عند الله الزانية ورغبته فيها ، وانخراطه بذلك في سلك الفسقة المتسمين بالزنا محرم عليه ، لما فيه من التشبه بالفساق وحضور مواضع التهمة ، والتسبب لسوء المقالة فيه والغيبة. ومجالسة الخاطئين كم فيها من التعرض لاقتراف الآثام ، فكيف بمزاوجة الزواني والفجار الثاني : وهو أن صرف الرغبة بالكلية إلى الزواني وترك الرغبة في الصالحات محرم على المؤمنين ، لأن قوله : {الزَّانِى لا يَنكِحُ إِلا زَانِيَةً} معناه أن الزاني لا يرغب إلا في الزانية فهذا الحصر محرم على المؤمنين ، ولا يلزم من حرمة هذا الحصر حرمة التزوج بالزانية ، فهذا هو المعتمد في تفسير الآية : الوجه الثاني : أن الألف واللام في قوله : {الزَّانِى} وفي قوله : {وَحُرِّمَ ذَالِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} وإن كان للعموم ظاهراً لكنه ههنا مخصوص بالأقوام الذين نزلت هذه الآية فيهم ، قال مجاهد وعطاء بن أبي رباح وقتادة ، قدم المهاجرون المدينة وفيهم فقراء ليس لهم أموال ولا عشائر ، وبالمدينة نساء بغايا يكرين أنفسهن وهن يومئذ أخصب أهل المدينة ، ولكل واحدة منهن علامة على بابها كعلامة البيطار ، ليعرف أنها زانية ، وكان لا يدخل عليها إلا زان أو مشرك فرغب في كسبهن ناس من فقراء المسلمين ، وقالوا نتزوج بهن إلى أن يغنينا الله عنهن ، فاستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلّم فنزلت هذه الآية فتقدير الآية أولئك الزواني لا ينكحون إلا تلك الزانيات ، وتلك الزانيات لا ينكحهن إلا أولئك الزواني وحرم نكاحهن على المؤمنين الوجه الثالث : في الجواب أن قوله : {الزَّانِى لا يَنكِحُ إِلا زَانِيَةً} وإن كان خبراً في الظاهر ، لكن المراد النهي ، والمعنى أن كل من كان زانياً فلا ينبغي أن ينكح إلا زانية وحرم ذلك على المؤمنين. وهكذا كان الحكم في ابتداء الإسلام ، وعلى هذا الوجه ذكروا قولين : أحدهما : أن ذلك الحكم باق إلى الآن حتى يحرم على الزاني والزانية التزوج بالعفيفة والعفيف وبالعكس ويقال هذا مذهب أبي بكر وعمر وعلي وابن مسعود وعائشة ، ثم في هؤلاء من يسوي بين الابتداء والدوام. فيقول كما لا يحل للمؤمن أن يتزوج بالزانية فكذلك لا يحل له إذا زنت تحته أن يقيم عليها/ ومنهم من يفصل لأن في جملة ما يمنع من التزويج ما لا يمنع من دوام النكاح كالإحرام والعدة.
/
جزء : 23 رقم الصفحة : 330
والقول الثاني : أن هذا الحكم صار منسوخاً واختلفوا في ناسخه ، فعن الجبائي أن ناسخه هو الإجماع وعن سعيد بن المسيب أنه منسوخ بعموم قوله تعالى : {فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَآءِ} (النساء : 3) {وَأَنكِحُوا الايَـامَى } (النور : 32) قال المحققون هذان الوجهان ضعيفان أما الأول : فلأنه ثبت في أصول الفقه أن الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ به ، وأيضاً فالإجماع الحاصل عقيب الخلاف لا يكون حجة ، والإجماع في هذه المسألة مسبوق بمخالفة أبي بكر وعمر وعلي فكيف يصح ؟
وأما قوله تعالى : {فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم} فهو لا يصح أن يكون ناسخاً ، لأنه لا بد من أن يشترط فيه أن لا يكون هناك مانع من النكاح من سبب أو نسب أو غيرهما ، ولقائل أن يقول لا يدخل فيه تزويج الزانية من المؤمن ، كما لا يدخل فيه تزويجها من الأخ وابن الأخ ، ونقول إن للزنا تأثيراً في الفرقة ما ليس لغيره ، ألا ترى أنه إذا قذفها بالزنا يتبعها بالفرقة على بعض الوجوه ، ولا يجب مثل ذلك في سائر ما يوجب الحد ، ولأن من حق الزنا أن يورث العار ويؤثر في الفراش ففارق غيره. ثم احتج هؤلاء الذين يدعون هذا النسخ ، بأنه سئل ابن عباس رضي الله عنهما عن رجل زنى بامرأة فهل له أن يتزوجها ؟
فأجازه ابن عباس وشبهه بمن سرق ثمر شجرة ثم اشتراه ، وعن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه سئل عن ذلك فقال : "أوله سفاح وآخره نكاح" والحرام لا يحرم الحلال. الوجه الرابع : أن يحمل النكاح على الوطء والمعنى أن الزاني لا يطأ حين يزني إلا زانية أو مشركة وكذا الزانية {وَحُرِّمَ ذَالِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} أي وحرم الزنا على المؤمنين وعلى هذا تأويل أبي مسلم ، قال الزجاج هذا التأويل فاسد من وجهين : الأول : أنه ما ورد النكاح في كتاب الله تعالى إلا بمعنى التزويج ، ولم يرد ألبتة بمعنى الوطء الثاني : أن ذلك يخرج الكلام عن الفائدة ، لأنا لو قلنا المراد أن الزاني لا يطأ إلا الزانية فالإشكال عائد ، لأنا نرى أن الزاني قد يطأ العفيفة حين يتزوج بها ولو قلنا المراد أن الزاني لا يطأ إلا الزانية حين يكون وطؤه زنا فهذا الكلام لا فائدة فيه ، وهذا آخر الكلام في هذا المقام.
(1/3279)

السؤال الثالث : أي فرق بين قوله : {الزَّانِى لا يَنكِحُ إِلا زَانِيَةً} وبين قوله : {وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَآ إِلا زَانٍ} ؟
والجواب : الكلام الأول يدل على أن الزاني لا يرغب إلا في نكاح الزانية وهذا لا يمنع من أن يرغب في نكاح الزانية غير الزاني فلا جرم بين ذلك بالكلام الثاني.
جزء : 23 رقم الصفحة : 330
السؤال الرابع : لم قدمت الزانية على الزاني في الآية المتقدمة وههنا بالعكس الجواب : سبقت تلك الآية لعقوبتها على جنايتها ، والمرأة هي المادة في الزنا ، وأما الثانية فمسوقة لذكر النكاح والرجل أصل فيه لأنه هو الراغب والطالب.
الحكم الثالث
القذف
جزء : 23 رقم الصفحة : 330
337
/ اعلم أن ظاهر الآية لا يدل على الشيء الذي به رموا المحصنات وذكر الرمي لا يدل على الزنا ، إذ قد يرميها بسرقة وشرب خمر وكفر ، بل لا بد من قرينة دالة على التعيين ، وقد أجمع العلماء على أن المراد الرمي بالزنا وفي الآية أقوال تدل عليه أحدها : تقدم ذكر الزنا وثانيها : أنه تعالى ذكر المحصنات وهن العفائف ، فدل ذلك على أن المراد بالرمي رميهن بضد العفاف وثالثها : قوله : {ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ} يعني على صحة ما رموهن به ، ومعلوم أن هذا العدد من الشهود غير مشروط إلا في الزنا ورابعها : انعقاد الإجماع على أنه لا يجب الجلد بالرمي بغير الزنا فوجب أن يكون المراد هو الرمي بالزنا ، إذا عرفت هذا فالكلام في هذه الآية يتعلق بالرمي والرامي والمرمي.
البحث الأول : في الرمي وفيه مسائل :
المسألة الأولى : ألفاظ القذف تنقسم إلى صريح وكناية وتعريض ، فالصريح أن يقول يا زانية أو زنيت أو زنى قبلك أو دبرك ، ولو قال زنى بدنك فيه وجهان : أحدها : أنه كناية كقوله : زنى يدك ، لأن حقيقة الزنا من الفرج فلا يكون من سائر البدن إلا المعونة والثاني : وهو الأصح أنه صريح ، لأن الفعل إنما يصدر من جملة البدن. والفرج آلة في الفعل. أما الكنايات فمثل أن يقول يا فاسقة ، يا فاجرة ، يا خبيثة ، يا مؤاجرة ، يا ابنة الحرام ، أو امرأتي لا ترد يد لامس ، وبالعكس فهذا لا يكون قذفاً إلا أن يريده ، وكذلك لو قال لعربي يا نبطي ، فهذا لا يكون قذفاً إلا أن يريده ، فإن أراد به القذف فهو قذف لأم المقول له وإلا فلا ، فإن قال عنيت به نبطي الدار واللسان ، وادعت أم المقول له أنه أراد القذف ، فالقول قوله مع يمينه. أما التعريض فليس بقذف وإن أراده ، وذلك مثل قوله : يا ابن الحلال ، أما أنا فما زنيت وليست أمي زانية ، وهذا قول الشافعي وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وزفر وابن شبرمة والثوري والحسن بن صالح رحمهم الله. وقال مالك رحمه الله : يجب الحد فيه ، وقال أحمد وإسحق : هو قذف في حال الغضب دون حال الرضا ، لنا ، أن التعريض بالقذف محتمل للقذف ولغيره ، فوجب أن لا يجب الحد ، لأن الأصل براءة الذمة فلا يرجع عنه بالشك ، وأيضاً فلقوله عليه السلام : "أدرأوا الحدود بالشبهات" ولأن الحدود شرعت على خلاق النص النافي للضرر. والإيذاء الحاصل بالتصريح فوق الحاصل بالتعريض ، واحتج المخالف بما روى الأوزاعي عن الزهري عن سالم عن ابن عمر قال : كان عمر / يضرب الحد في التعريض. وروي أيضاً أن رجلين استبا في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال أحدهما للآخر : والله ما أنا بزان ولا أمي بزانية ، فاستشار عمر الناس في ذلك ، فقال قائل : مدح أباه وأمه ، وقال آخرون : قد كان لأبيه وأمه مدح غير هذا ، فجلده عمر ثمانين جلدة والجواب : أن في مشاورة عمر الصخابة في حكم التعريض دلالة على أنه لم يكن عندهم فيه توقيف ، وأنهم قالوا رأياً واجتهاداً.
جزء : 23 رقم الصفحة : 337
المسألة الثانية : في تعدد القذف اعلم أنه إما أن يقذف شخصاً واحداً مراراً أو يقذف جماعة ، فإن قذف واحداً مراراً نظر إن كان أراد بالكل زانية واحدة بأن قال : زنيت بعمرو قاله مراراً لا يجب إلا حد واحد ، ولو أنشأ الثاني بعدما حد للأول عزر للثاني ، وإن قذفها بزنيات مختلفة بأن قال زنيت بزيد ، ثم قال زنيت بعمرو/ فهل يتعدد الحد أم لا ؟
فيه قولان : أحدهما : يتعدد اعتباراً باللفظ ولأنه من حقوق العباد فلا يقع فيه التداخل كالديون والثاني : وهو الأصح يتداخل فلا يجب فيه إلا حد واحد لأنهما حدان من جنس واحد لمستحق واحد فوجب أن يتداخل كحدود الزنا ، ولو قذف زوجته مراراً ، فالأصح أنه يكتفي بلعان واحد سواء قلنا يتعدد الحد أو لا يتعدد. أما إذا قذف جماعة معدودين نظر ، إن قذف كل واحد بكلمة يجب عليه لكل واحد حد كامل ، وعند أبي حنيفة رحمه الله : لا يجب عليه إلا حد واحد. واحتج أبو بكر الرازي على قول أبي حنيفة بالقرآن والسنة والقياس.
(1/3280)

أما القرآن فهو قوله تعالى : {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَـاتِ} والمعنى أن كل أحد يرمي المحصنات وجب عليه الجلد ، وذلك يقتضي أن قاذف جماعة من المحصنات لا يجلد أكثر من ثمانين فمن أوجب على قاذف جماعة المحصنات أكثر من حد واحد فقد خالف الآية.
وأما السنة : فما روى عكرمة عن ابن عباس أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه وسلّم بشريك بن سحماء ، فقال النبي عليه السلام : "لا ، البينة أو حد في ظهرك" فلم يوجب النبي صلى الله عليه وسلّم على هلال إلا حداً واحداً مع قذفه لإمرأته ولشريك بن سحماء ، إلى أن نزلت آية اللعان فأقيم اللعان في الزوجات مقام الحد في الأجنبيات.
وأما القياس : فهو أن سائر ما يوجب الحد إذا وجد منه مراراً لم يجب إلا حد واحد كمن زنى مراراً أو شرب مراراً أو سرق مراراً فكذا ههنا ، والمعنى الجامع دفع مزيد الضرر والجواب : عن الأول أن قوله : {وَالَّذِينَ} صيغة جمع ، وقوله : {الْمُحْصَنَـاتِ} صيغة جمع ، والجمع إذا قوبل بالجمع يقابل الفرد بالفرد فيصير المعنى كل من رمى محصناً واحداً وجب عليه الجد ، وعند ذلك يظهر وجه تمسك الشافعي رحمه الله بالآية ، ولأن قوله : {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَـاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَاجْلِدُوهُمْ} يدل على ترتيب الجلد على رمي المحصنات وترتيب الحكم على الوصف ، لا سيما إذا كان مناسباً فإنه مشعر بالعلية ، فدلت الآية على أن رمي المحصن من حيث إنه هذا المسمى يوجب الجلد إذا ثبت / هذا فنقول : إذا قذف واحداً صار ذلك القذف موجباً للحد ، فإذا قذف الثاني وجب أن يكون القذف الثاني موجباً للحد أيضاً ، ثم موجب القذف الثاني لا يجوز أن يكون هو الحد الأول لأن ذلك قد وجب بالقذف الأول وإيجاب الواجب محال ، فوجب أن يحد بالقذف الثاني حداً ثانياً ، أقصى ما في الباب أن يورد على هذه الدلالة حدود الزنا. لكنا نقول ترك العمل هناك بهذا الدليل لأن حد الزنا أغلظ من حد القذف ، وعند ظهور الفارق يتعذر الجمع.
جزء : 23 رقم الصفحة : 337
وأما السنة فلا دلالة فيها على هذه المسألة لأن قذفهما بلفظ واحد ، ولنا في هذه المسألة تفصيل سيأتي إن شاء.
وأما القياس ففاسد لأن حد القذف حق الآدمي. بدليل أنه لا يحد إلا بمطالبة المقذوف وحقوق الآدمي لا تتداخل بخلاف حد الزنا ، فإنه حق الله تعالى. هذا كله إذا قذف جماعة كل واحد منهم بكلمة على حدة. أما إذا قذفهم بكلمة واحدة فقال أنتم زناة أو زنيتم ، ففيه قولان أصحهما وهو قوله في "الجديد" : يجب لكل واحد حد كامل لأنه من حقوق العباد فلا يتداخل ، ولأنه أدخل على كل واحد منهم معرة فصار كما لو قذفهم بكلمات. وفي "القديم" لا يجب للكل إلا حد واحد اعتباراً باللفظ ، فإن اللفظ واحد والأول أصح لأنه أوفق لمفهوم الآية. فعلى هذا لو قال لرجل يا ابن الزانيين يكون قذفاً لأبويه بكلمة واحدة فعليه حدان.
المسألة الثالثة : فيما يبيح القذف : القذف ينقسم إلى محظور ومباح وواجب ، وجملة الكلام أنه إذا لم يكن ثم ولد يريد نفيه فلا يجب ، وهل يباح أم لا ينظر إن رآها بعينه تزني أو أقرت هي على نفسها ووقع في قلبه صدقها أو سمع ممن يثق بقوله أو لم يسمع/ لكنه استفاض فيما بين الناس أن فلاناً يزني بفلانة ، وقد رآه الزوج يخرج من بيتها أو رآه معها في بيت ، فإنه يباح له القذف لتأكد التهمة ، ويجوز أن يمسكها ويستر عليها.
(1/3281)

لما روي "أن رجلاً قال يا رسول الله إن لي امرأة لا ترد يد لامس ، قال طلقها. قال إني أحبها ، قال فأمسكها" أما إذا سمعه ممن لا يوثق بقوله أو استفاض من بين الناس ولكن الزوج لم يره معها أو بالعكس لم يحل له قذفها ، لأنه قد يذكره من لا يكون ثقة فينتشر ويدخل بيتها خوفاً من قاصد أو لسرقة أو لطلب فجور فتأبى المرأة قال الله تعالى : {إِنَّ الَّذِينَ جَآءُو بِالافْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ } (النور : 11) أما إذا كان ثم ولد يريد نفيه ، نظر فإن تيقن أنه ليس منه بأن لم يكن وطئها الزوج أو وطئها لكنها أتت به لأقل من ستة أشهر من وقت الوطء أو لأكثر من أربع سنين يجب عليه نفيه باللعان لأنه ممنوع من استلحاق نسب الغير كما هو ممنوع من نفي نسبه ، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال : "أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم فليست من الله في شيء ولم يدخلها الله جنته" فلما حرم على المرأة أن تدخل على قوم من ليس منهم كان الرجل أيضاً كذلك ، أما إن احتمل أن يكون منه بأن أتت به لأكثر من ستة أشهر من وقت الوطء ولدون أربع سنين ، نظر إن لم / يكن قد استبرأها بحيضة ، أو استبرأها وأتت به لدون ستة أشهر من وقت الاستبراء ، لا يحل له القذف والنفي وإن اتهمها بالزنا ، قال النبي صلى الله عليه وسلّم : "أيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله منه يوم القيامة وفضحه على رؤوس الأولين والآخرين" فإن استبرأها وأتت به لأكثر من ستة أشهر من وقت الاستبراء يباح له القذف والنفي. والأولى أن لا يفعل لأنها قد ترى الدم على الحبل وإن أتت امرأته بولد لا يشبهه بأن كانا أبيضين فأتت به أسود ، نظر إن لم يكن يتهمها بالزنا فليس له نفيه ، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه : "أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلّم إن امرأتي ولدت غلاماً أسود ، فقال هل لك من إبل ؟
قال نعم ، قال ما ألوانها ؟
قال حمر ، قال فهل فيها أورق ؟
قال نعم ، قال فكيف ذاك ؟
قال نزعه عرق قال فلعل هذا نزعه عرق" وإن كان يتهمها بزنا أو يتهمها برجل فأتت بولد يشبهه هل يباح له نفيه فيه وجهان : أحدهما : لا لأن العرق ينزع والثاني : له ذلك لأن التهمة قد تأكدت بالشبهة.
جزء : 23 رقم الصفحة : 337
البحث الثاني : في الرامي وفيه مسائل :
المسألة الأولى : إذا قذف الصبي أو المجنون امرأته أو أجنبياً فلا حد عليهما ولا لعان ، لا في الحال ولا بعد البلوغ ، لقوله عليه الصلاة والسلام : "رفع القلم عن ثلاث" ولكن يعزران للتأديب إن كان لهما تمييز ، فلو لم تتفق إقامة التعزير على الصبي حتى بلغ ، قال القفال يسقط التعزير لأنه كان للزجر عن إساءة الأدب وقد حدث زاجر أقوى وهو البلوغ.
المسألة الثانية : الأخرس إذا كانت له إشارة مفهومة أو كتابة معلومة وقذف بالإشارة أو بالكناية لزمه الحد ، وكذلك يصح لعانه بالإشارة والكناية ، وعند أبي حنيفة رحمه الله لا يصح قذف الأخرس ولا لعانه ، وقول الشافعي رحمه الله أقرب إلى ظاهر الآية لأن من كتب أو أشار إلى القذف فقد رمى المحصنة وألحق العار بها فوجب اندراجه تحت الظاهر ، ولأنا نقيس قذفه ولعانه على سائر الأحكام.
المسألة الثالثة : اختلفوا فيما إذا قذف العبد حراً فقال الشافعي وأبو حنيفة ومالك وأبو يوسف ومحمد وزفر وعثمان القن عليه أربعون جلدة ، روى الثوري عن جعفر بن محمد عن أبيه أن علياً عليه السلام قال : "يجلد العبد في القذف أربعين" وعن عبدالله بن عمر أنه قال : "أدركت أبا بكر وعمر وعثمان ومن بعدهم من الخلفاء وكلهم يضربون المملوك في القذف أربعين" وقال الأوزاعي يجلد ثمانين وهو مروي عن ابن مسعود/ وروي أنه جلد عمر بن عبد العزيز العبد في الفرية ثمانين. ومدار المسألة على حرف واحد وهو أن هذه الآية صريحة في إيجاب الثمانين فمن رد هذا الحد إلى أربعين فطريقه أن الله تعالى قال : {فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَـاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَـاتِ مِنَ الْعَذَابِ } (النساء : 25) فنص على أن حد الأمة في الزنا نصف حد الحرة ، ثم قاسوا العبد على الأمة في تنصيف حد الزنا ، ثم قاسوا تنصيف حد قذف العبد على تنصيف حد الزنا في حقه ، فرجع حاصل الأمر إلى تخصيص عموم الكتاب بهذا القياس.
/ المسألة الرابعة : اتفقوا على دخول الكافر تحت عموم قوله : {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَـاتِ} لأن الاسم يتناوله ولا مانع ، فاليهودي إذا قذف المسلم يجلد ثمانين والله أعلم.
البحث الثالث : في المرمى وهي المحصنة ، قال أبو مسلم : اسم الإحصان يقع على المتزوجة وعلى العفيفة وإن لم تتزوج ، لقوله تعالى في مريم : {وَالَّتِى أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا} (الأنبياء : 91) وهو مأخوذ من منع الفرج فإذا تزوجت منعته إلا من زوجها ، وغير المتزوجة تمنعه كل أحد ، ويتفرع عليه مسائل :
جزء : 23 رقم الصفحة : 337
(1/3282)

المسألة الأولى : ظاهر الآية يتناول جميع العفائف سواء كانت مسلمة أو كافرة وسواء كانت حرة أو رقيقة ، إلا أن الفقهاء قالوا : شرائط الإحصان خمسة الإسلام والعقل والبلوغ والحرية والعفة من الزنا ، وإنما اعتبرنا الإسلام لقوله عليه السلام : "من أشرك بالله فليس بمحصن" وإنما اعتبرنا العقل والبلوغ لقوله عليه السلام : "رفع القلم عن ثلاث" وإنما اعتبرنا الحرية لأن العبد ناقص الدرجة فلا يعظم عليه التعيير بالزنا ، وإنما اعتبرنا العفة عن الزنا لأن الحد مشروع لتكذيب القاذف ، فإذا كان المقذوف زانياً فالقاذف صادق في القذف. وكذلك إذا كان المقذوف وطىء امرأة بشبهة أو نكاح فاسد لأن فيه شبهة الزنا كما فيه شبهة الحل ، فكما أن إحدى الشبهتين أسقطت الحد عن الواطىء فكذا الأخرى تسقطه عن قاذفه أيضاً ، ثم نقول من قذف كافراً أو مجنوناً أو صبياً أو مملوكاً ، أو من قد رمى امرأة ، فلا حد عليه ، بل يعزر للأذى ، حتى لو زنى في عنفوان شبابه مرة ثم تاب وحسن حاله وشاخ في الصلاح لا يحد قاذفه ، وكذلك لو زنى كافر أو رقيق ثم أسلم وعتق وصلح حاله فقذفه قاذف لا حد عليه ، بخلاف ما لو زنى في حال صغره أو جنونه ثم بلغ أو أفاق فقذفه قاذف يحد ، لأن فعل الصبي والمجنون لا يكون زناً ، ولو قذف محصناً فقبل أن يحد القاذف زنا المقذوف سقط الحد عن قاذفه لأن صدور الزنا يورث ريبة في حالة فيما مضى لأن الله تعالى كريم لا يهتك ستر عبده في أول ما يرتكب المعصية ، فبظهوره يعلم أنه كان متصفاً به من قبل ، روي أن رجلاً زنى في عهد عمر ، فقال والله ما زنيت إلا هذه ، فقال عمر كذبت إن الله لا يفضح عبده في أول مرة ، وقال المزني وأبو ثور : الزنا الطارىء لا يسقط الحد عن القاذف.
المسألة الثانية : قال الحسن البصري قوله : {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَـاتِ} يقع على الرجال والنساء ، وسائر العلماء أنكروا ذلك لأن لفظ المحصنات جمع لمؤنث فلا يتناول الرجال ، بل الإجماع دل على أنه لا فرق في هذا الباب بين المحصنين والمحصنات.
المسألة الثالثة : رمي غير المحصنات لا يوجب الحد بل يوجب التعزير إلا أن يكون المقذوف معروفاً بما قذف به فلا حد هناك ولا تعزير ، فهذا مجموع الكلام في تفسير قوله سبحانه : {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَـاتِ} .
أما قوله سبحانه : {ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ} ففيه بحثان :
جزء : 23 رقم الصفحة : 337
(1/3283)

البحث الأول : اعلم أن الله تعالى حكم في القاذف إذا لم يأت بأربعة شهداء بثلاثة أحكام / أحدها : جلد ثمانين وثانيها : بطلان الشهادة وثالثها : الحكم بفسقه إلى أن يتوب ، واختلف أهل العلم في كيفية ثبوت هذه الأحكام ، بعد اتفاقهم على وجوب الحد عليه بنفس القذف عند عجزه عن إقامة البينة على الزنا ، فقال قائلون قد بطلت شهادته ولزمه سمة الفسق قبل إقامة الحد عليه وهو قول الشافعي والليث بن سعد. وقال أبو حنيفة ومالك وأبو يوسف ومحمد وزفر شهادته مقبولة ما لم يحد. قال أبو بكر الرازي وهذا مقتضى قولهم إنه غير موسوم بسمة الفسق ما لم يقع به الحد. لأنه لو لزمته سمة الفسق لما جازت شهادته إذ كانت سمة الفسق مبطلة لشهادة من وسم بها ، ثم احتج أبو بكر على صحة قول أبي حنيفة رحمه الله بأمور : أحدها : قوله سبحانه : {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَـاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَـانِينَ جَلْدَةً} ظاهر الآية يقتضي ترتب وجوب الحد على مجموع القذف والعجز عن إقامة الشهادة ، فلو علقنا هذا الحكم على القذف وحده قدح ذلك في كونه معلقاً على الأمرين وذلك بخلاف الآية ، وأيضاً فوجوب الجلد حكم مرتب على مجموع أمرين فوجب أن لا يحصل بمجرد حصول أحدهما ، كما لو قال لامرأته إن دخلت الدار وكلمت فلاناً فأنت طالق ، فأتت بأحد الأمرين دون الآخر لم يوجد الجزاء فكذا ههنا وثانيها : أن القاذف لا يحكم عليه بالكذب بمجرد قذفه وإذا كان كذلك وجب أن لا ترد شهادته بمجرد القذف. بيان الأول من ثلاثة أوجه : الأول : أن مجرد قذفه لو أوجب كونه كاذباً لوجب أن لا تقبل بعد ذلك بينته على الزنا إذ قد وقع الحكم بكذبه ، والحكم بكذبه في قذفه حكم ببطلان شهادة من شهد بصدقه في كون المقذوف زانياً ، ولما أجمعوا على قبول بينته ثبت أنه لم يحكم عليه بالكذب بمجرد قذفه الثاني : أن قاذف امرأته بالزنا لا يحكم بكذبه بنفس قذفه ، وإلا لما جاز إيجاب اللعان بينه وبين امرأته ، ولما أمر بأن يشهد بالله أنه لصادق فيما رماها به من الزنا مع الحكم بكذبه. ولما قال النبي صلى الله عليه وسلّم بعدما لاعن بين الزوجين "الله يعلم أن أحدكما كاذب ، فهل منكما تائب" فأخبر أن أحدهما بغير تعيين هو الكاذب ولم يحكم بكذب القاذف ، وفي ذلك دليل على أن نفس القذف لا يوجب كونه كاذباً الثالث : قوله تعالى : {لَّوْلا جَآءُو عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَا فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَآءِ فَ أولئك عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَـاذِبُونَ} (
جزء : 23 رقم الصفحة : 337
النور : 13) فلم يحكم بكذبهم بنفس القذف فقط ، فثبت بهذه الوجوه أن القاذف غير محكوم عليه بكونه كاذباً بمجرد القذف ، وإذا كان كذلك وجب أن لا تبطل شهادته بمجرد القذف لأنه كان عدلاً ثقة والصادر عنه غير معارض ، ولما كان يجب أن يبقى على عدالته فوجب أن يكون مقبول الشهادة وثالثها : قوله عليه الصلاة والسلام : "المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا محدوداً في قذف" أخبر النبي صلى الله عليه وسلّم ببقاء عدالة القاذف ما لم يحد ورابعها : ما روى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قصة هلال بن أمية لما قذف امرأته عند رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقال رسول الله : "يجلد هلال وتبطل شهادته في المسلمين" فأخبر أن بطلان شهادته متعلق بوقوع الجلد به وذلك يدل على أن مجرد القذف / لا يبطل الشهادة وخامسها : أن الشافعي رحمه الله زعم أن شهود القذف إذا جاءوا متفرقين قبلت شهادتهم ، فإن كان القذف قد أبطل شهادته فواجب أن لا يقبلها بعد ذلك ، وإن شهد معه ثلاثة لأنه قد فسق بقذفه ووجب الحكم بكذبه ، وفي قبول شهادتهم إذا جاءوا متفرقين ما يلزمه أن لا تبطل شهادتهم بنفس القذف ، وأما وجه قول الشافعي رحمه الله فهو أن الله تعالى رتب على القذف مع عدم الإتيان بالشهداء الأربعة أموراً ثلاثة معطوفاً بعضها على بعض بحرف الواو/ وحرف الواو لا يقتضي الترتيب. فوجب أن لا يكون بعضها مرتباً على البعض ، فوجب أن لا يكون رد الشهادة مرتباً على إقامة الحد ، بل يجب أن يثبت رد الشهادة سواء أقيم الحد عليه أو ما أقيم والله أعلم.
البحث الثاني : في كيفية الشهادة على الزنا قال الله تعالى : {وَالَّـاتِى يَأْتِينَ الْفَـاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ } (النساء : 15) وقال تعالى : {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَـاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ} وقال سعد بن عبادة : "يا رسول الله أرأيت إن وجدت مع امرأتي رجلاً أمهله حتى آتي بأربعة شهداء ؟
قال نعم" ثم ههنا مسائل :
المسألة الأولى : الإقرار بالزنا هل يثبت بشهادة رجلين فيه قولان : أحدهما : لا يثبت إلا بأربعة كفعل الزنا والثاني : يثبت بخلاف فعل الزنا ، لأن الفعل يغمض الاطلاع عليه فاحتيط فيه باشتراط الأربع والإقرار أمر ظاهر فلا يغمض الإطلاع عليه.
(1/3284)

المسألة الثانية : إذا شهدوا على فعل الزنا يجب أن يذكروا الزاني ومن زنى بها ، لأنه قد يراه على جارية له فيظن أنها أجنبية ، ويجب أن يشهدوا أنا رأينا ذكره يدخل في فرجها دخول الميل في المكحلة ، فلو شهدوا مطلقاً أنه زنى لا يثبت ، لأنهم ربما يرون المفاخذة زنا ، بخلاف ما لو قذف إنساناً فقال زنيت يجب الحد ولا يستفسر ، ولو أقر على نفسه بالزنا ، هل يشترط أن يستفسر ؟
فيه وجهان : أحدهما : نعم كالشهود والثاني : لا يجب كما في القذف.
جزء : 23 رقم الصفحة : 337
المسألة الثالثة : قال الشافعي رحمه الله لا فرق بين أن يجيء الشهود متفرقين أو مجتمعين ، وقال أبو حنيفة رحمه الله إذا شهدوا متفرقين لا يثبت وعليهم حد القذف ، حجة الشافعي رحمه الله من وجوه : الأول : أن الإتيان بأربعة شهداء قدر مشترك بين الإتيان بهم مجتمعين أو متفرقين واللفظ الدال على ما به الاشتراك لا إشعار له بما به الامتياز ، فالآتي بهم متفرقين يكون عاملا بالنص فوجب أن يخرج عن العهدة الثاني : كل حكم يثبت بشهادة الشهود إذا جاءوا مجتمعين يثبت إذا جاءوا متفرقين كسائر الأحكام ، بل هذا أولى لأنهم إذا جاءوا متفرقين كان أبعد عن التهمة ، وعن أن يتلقن بعضهم من بعض ، فلذلك قلنا إذا وقعت ريبة للقاضي في شهادة الشهود فرقهم ليظهر على عورة إن كانت في شهادتهم الثالث : أنه لا يشترط أن يشهدوا معاً في حالة واحدة ، بل إذا اجتمعوا عند القاضي وكان يقدم واحد بعد آخر ويشهد فإنه تقبل شهادتهم ، فكذا إذا اجتمعوا على بابه. ثم كان يدخل واحد بعد واحد ، حجة أبي حنيفة رحمه الله من وجهين : الأول : أن الشاهد الواحد / لما شهد فقد قذفه ولم يأت بأربعة من الشهداء فوجب عليه الحد لقوله تعالى : {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَـاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ} أقصى ما في الباب أنهم عبروا عن ذلك القذف بلفظ الشهادة ، وذلك لا عبرة به لأنه يؤدي إلى إسقاط حد القذف رأساً ، لأن كل قاذف لا يعجزه لفظ الشهادة ، فيجعل ذلك وسيلة إلى إسقاط الحد عن نفسه ، ويحصل مقصوده من القذف الثاني : ما روي "أن المغيرة بن شعبة شهد عليه بالزنا عند عمر بن الخطاب أربعة : أبو بكرة ونافع ونفيع وقال زياد وكان رابعهم رأيت إستاً تنبو ونفساً يعلو ورجلاها على عاتقه كأذني حمار ، ولا أدري ما وراء ذلك ، فجلد عمر الثلاثة ولم يسأل هل معهم شاهد آخر" فلو قبل بعد ذلك شهادة غيرهم لتوقف ، لأن الحدود مما يتوقف فيها ويحتاط.
المسألة الرابعة : لو شهد على الزنا أقل من أربعة لا يثبت الزنا ، وهل يجب حد القذف على الشهود فيه قولان : أحدهما : لا يجب لأنهم جاءوا مجيء الشهود ، ولأنا لو حددنا لانسد باب الشهادة على الزنا ، لأن كل واحد لا يأمن أن لا يوافقه صاحبه فيلزمه الحد والقول الثاني : وهو الأصح ، وبه قال أبو حنيفة رحمه الله : يجب عليهم الحد ، والدليل عليه الوجهان اللذان ذكرناهما في المسألة الثالثة.
المسألة الخامسة : إذا قذف رجل رجلاً فجاء بأربعة فساق فشهدوا على المقذوف بالزنا ، قال أبو حنيفة رحمه الله : يسقط الحد عن القاذف ولا يجب الحد على الشهود. وقال الشافعي رحمه الله في أحد قوليه : يحدون ، وجه قول أبي حنيفة قوله : {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَـاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ} وهذا قد أتى بأربعة شهداء فلا يلزمه الحد. ولأن الفاسق من أهل الشهادة وقد وجدت شرائط شهادة الزنا من اجتماعهم عند القاضي ، إلا أنه لم تقبل شهادتهم لأجل التهمة ، فكما اعتبرنا التهمة في نفي الحد عن المشهود عليه فكذلك وجب اعتبارها في نفي الحد عنهم ، ووجه قول الشافعي رحمه الله أنهم غير موصوفين بالشرائط المعتبرة في قبول الشهادة فخرجوا عن أن يكونوا شاهدين ، فبقوا محض القاذفين ، وههنا آخر الكلام في تفسير قوله تعالى : {ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ} .
جزء : 23 رقم الصفحة : 337
أما قوله تعالى : {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَـانِينَ جَلْدَةً} ففيه مسائل :
المسألة الأولى : المخاطب بقوله : {فَاجْلِدُوهُمْ} هو الإمام على ما بيناه في آية الزنا ، أو المالك على مذهب الشافعي ، أو رجل صالح ينصبه الناس عند فقد الإمام.
المسألة الثانية : خص من عموم هذه الآية صور : أحدها : الوالد يقذف ولده أو أحداً من نوافله ، فلا يجب عليه الحد ، كما لا يجب عليه القصاص بقتله الثانية : القاذف إذا كان عبداً فالواجب جلد أربعين ، وكذا المكاتب وأم الولد ، ومن بعضه حر وبعضه رقيق فحدهم حد العبيد الثالثة : من قذف رقيقة عفيفة أو من زنت في قديم الأيام ثم تابت فهي بموجب اللغة محصنة ، ومع ذلك لا يجب الحد بقذفها.
/ المسألة الثالثة : قالوا أشد الضرب في الحدود ضرب الزنا ، ثم ضرب شرب الخمر ، ثم ضرب القاذف ، لأن سبب عقوبته محتمل للصدق والكذب ، إلا أنه عوقب صيانة للأعراض وزجراً عن هتكها.
(1/3285)

المسألة الرابعة : قال مالك والشافعي حد القذف يورث ، فإذا مات المقذوف قبل استيفاء الحد وقبل العفو يثبت لوارثه حد القذف ، وكذلك إذا كان الواجب بقذفه التعزير ، فإنه يورث عنه ، وكذا لو أنشأ القذف بعد موت المقذوف ثبت لوارثه طلب الحد. وعند أبي حنيفة رحمه الله : حد القذف لا يورث ويسقط بالموت. حجة الشافعي رحمه الله ، أن حد القذف هو حق الآدمي لأنه يسقط بعفوه ولا يستوفي إلا بطلبه ويحلف فيه المدعى عليه إذا أنكر ، وإذا كان حق الآدمي وجب أن يورث لقوله عليه السلام : "ومن ترك حقاً فلورثته" حجة أبي حنيفة رحمه الله : أنه لو كان موروثاً لكان للزوج أو الزوجة فيه نصيب ، ولأنه حق ليس فيه معنى المال والوثيقة فلا يورث كالوكالة والمضاربة والجواب : عن الأول أن الأصح عند الشافعية أنه يرثه جميع الورثة كالمال ، وفيه وجه ثان أنه يرثه كلهم إلا الزوج والزوجة ، لأن الزوجية ترتفع بالموت ، ولأن المقصود من الحد دفع العار عن النسب ، وذلك لا يلحق الزوج والزوجة.
المسألة الخامسة : إذا قدف إنسان إنساناً بين يدي الحاكم ، أو قذف امرأته برجل بعينه والرجل غائب ، فعلى الحاكم أن يبعث إلى المقذوف ويخبره بأن فلاناً قذفك وثبت لك حد القذف عليه ، كما لو ثبت له مال على آخر وهو لا يعلمه يلزمه إعلامه ، وعلى هذا المعنى "بعث النبي صلى الله عليه وسلّم أنيساً ليخبرها بأن فلاناً قذفها بابنه ولم يبعثه ليتفحص عن زناها" قال الشافعي رحمه الله وليس للإمام إذا رمى رجل بزنا أن يبعث إليه فيسأله عن ذلك لأن الله تعالى قال : {وَلا تَجَسَّسُوا } وأراد به إذا لم يكن القاذف معيناً ، مثل إن قال رجل بين يدي الحاكم الناس يقولون إن فلاناً زنى فلا يبعث الحاكم إليه فيسأله.
جزء : 23 رقم الصفحة : 337
أما قوله تعالى : {وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَـادَةً أَبَدًا } فاختلف الفقهاء فيه ، فقال أكثر الصحابة والتابعين إنه إذا تاب قبلت شهادته وهو قول الشافعي رحمه الله ، وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والحسن بن صالح رحمهم الله لا تقبل شهادة المحدود في القذف إذا تاب ، وهذه المسألة مبنية على أن قوله : {إِلا الَّذِينَ تَابُوا } هل عاد إلى جميع الأحكام المذكورة أو اختص بالجملة الأخيرة ، فعند أبي حنيفة رحمه الله الاستثناء المذكور عقيب الجمل الكثيرة مختص بالجملة الأخيرة ، وعند الشافعي رحمه الله يرجع إلى الكل ، وهذه المسألة قد لخصناها في أصول الفقه ، ونذكر ههنا ما يليق بهذا الموضع إن شاء الله تعالى ، احتج الشافعي رحمه الله على أن شهادته مقبولة بوجوه : أحدها : قوله عليه السلام : "التائب من الذنب كمن لا ذنب له" ومن لا ذنب له مقبول الشهادة ، فالتائب يجب أن يكون أيضاً مقبول الشهادة وثانيها : أن الكافر يقذف فيتوب عن الكفر فتقبل شهادته بالإجماع ، فالقاذف / المسلم إذا تاب عن القذف وجب أن تقبل شهادته ، لأن القذف مع الإسلام أهون حالاً من القذف مع الكفر ، فإن قيل المسلمون لا يألمون بسب الكفار ، لأنهم شهروا بعداوتهم والطعن فيهم بالباطل ، فلا يلحق المقذوف بقذف الكافر من الشين والشنآن ما يلحقه بقذف مسلم مثله ، فشدد على القاذف من المسلمين زجراً عن إلحاق العار والشنآن ، وأيضاً فالتائب من الكفر لا يجب عليه الحد والتائب من القذف لا يسقط عنه الحد ، قلا هذا الفرق ملغى بقوله عليه السلام : "أنبئهم أن لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين" وثالثها : أجمعنا على أن التائب عن الكفر والقتل والزنا مقبول الشهادة فكذا التائب عن القذف ، لأن هذه الكبيرة ليست أكبر من نفس الزنا ورابعها : أن أبا حنيفة رحمه الله يقبل شهادته إذ تاب قبل الحد مع أن الحد حق المقذوف فلا يزول بالتوبة. فلأن تقبل شهادته إذا تاب بعد إقامة الحد وقد حسنت حالته وزال اسم الفسق عنه كان أولى وخامسها : أن قوله : {إِلا الَّذِينَ تَابُوا } استثناء مذكور عقيب جمل فوجب عوده إليها بأسرها ويدل عليه أمور : أحدها : أجمعنا على أنه لو قال عبده حر وامرأته طالق إن شاء الله ، فإنه يرجع الاستثناء إلى الجميع فكذا فيما نحن فيه ، فإن قيل الفرق أن قوله : {إِن شَآءَ اللَّهُ} (يوسف : 99) يدخل لرفع حكم الكلام حتى لا يثبت فيه شيء ، والاستثناء المذكور بحرف الاستثناء لا يجوز دخوله لرفع حكم الكلام رأساً. ألا ترى أنه يجوز أن يقول أنت طالق إن شاء الله فلا يقع شيء ، ولو قال أنت طالق إلا طلاقاً كان الطلاق واقعاً والاستثناء باطلاً لاستحالة دخوله لرفع حكم الكلام بالكلية ، فثبت أنه لا يلزم من رجوع قوله :
جزء : 23 رقم الصفحة : 337
(1/3286)

{إِن شَآءَ اللَّهُ} إلى جميع ما تقدم صحة رجوع الاستثناء بحرفه إلى جميع ما تقدم ، قلنا هذا فرق في غير محل الجمع ، لأن إن شاء الله جاز دخوله لرفع حكم الكلام بالكلية ، فلا جرم جاز رجوعه إلى جميع الجمل المذكورة وإلا جاز دخوله لرفع بعض الكلام فوجب جواز رجوعه إلى جميع الجمل على هذا الوجه ، حتى يقتضي أن يخرج من كل واحد من الجمل المذكورة بعضه وثانيها : أن الواو للجمع المطلق فقوله : {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَـانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَـادَةً أَبَدًا وَ أولئك هُمُ الْفَـاسِقُونَ} صار الجمع كأنه ذكر معاً لا تقدم للبعض على البعض ، فلما دخل عليه الاستثناء لم يكن رجوع الاستثناء إلى بعضها أولى من رجوعه إلى الباقي إذ لم يكن لبعضها على بعض تقدم في المعنى ألبتة فوجب رجوعه إلى الكل ، ونظيره على قول أبي حنيفة رحمه الله قوله تعالى : { يَـا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى} (المائدة : 6) فإن فاء التعقيب ما دخلت على غسل الوجه بل على مجموع هذه الأمور من حيث إن الواو لا تفيد الترتيب. فكذا ههنا كلمة إلا ما دخلت على واحد بعينه لأن حرف الواو لا يفيد الترتيب بل دخلت على المجموع ، فإن قيل الواو قد تكون للجمع على ما ذكرت وقد تكون للاستئناف وهي في قوله : {وَ أولئك هُمُ الْفَـاسِقُونَ} لأنها إنما تكون للجمع فيما لا يختلف معناه ونظمه جملة واحدة ، فيصير الكل كالمذكور معاً مثل آية الوضوء فإن الكل أمر / واحد كأنه قال فاغسلوا هذه الأعضاء فإن الكل قد تضمنه لفظ الأمر. وأما آية القذف فإن ابتداءها أمر وآخرها خبر فلا يجوز أن ينظمهما جملة واحدة ، وكان الواو للاستئناف فيختص الاستثناء به ، قلنا لم لا يجوز أن نجعل الجمل الثلاث بمجموعهن جزاء الشرط كأنه قيل ومن قذف المحصنات فاجلدوهم وردوا شهادتهم وفسقوهم ، أي فاجمعوا لهم الجلد والرد والفسق ، إلا الذين تابوا عن القذف وأصلحوا فإن الله يغفر لهم فينقبون غير مجلودين ولا مردودين ولا مفسقين وثالثها : أن قوله : {وَ أولئك هُمُ الْفَـاسِقُونَ} عقيب قوله : {وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَـادَةً أَبَدًا } يدل على أن العلة في عدم قبول تلك الشهادة كونه فاسقاً ، لأن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية ، لا سيما إذا كان الوصف مناسباً وكونه فاسقاً يناسب أن لا يكون مقبول الشهادة ، إذا ثبت أن العلة لرد الشهادة ليست إلا كونه فاسقاً ، ودل الاستثناء على زوال الفسق فقد زالت العلة فوجب أن يزول الحكم لزوال العلة ورابعها : أن مثل هذا الاستثناء موجود في القرآن ، قال الله تعالى :
جزء : 23 رقم الصفحة : 337
(1/3287)

{إِنَّمَا جَزَا ؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَه } إلى قوله : {إِلا الَّذِينَ تَابُوا } (البقرة : 160) ولا خلاف أن هذا الاستثناء راجع إلى ما تقدم من أول الآية ، وأن التوبة حاصلة لهؤلاء جميعاً وكذلك قوله : {لا تَقْرَبُوا الصَّلَواةَ وَأَنتُمْ سُكَـارَى } إلى قوله : {فَلَمْ تَجِدُوا مَآءً فَتَيَمَّمُوا } (النساء : 43) وصار التيمم لمن وجب عليه الاغتسال ، كما أنه مشروع لمن وجب عليه الوضوء ، وهذا الوجه ذكره أبو عبيد في إثبات مذهب الشافعي رحمه الله ، واحتج أصحاب أبي حنيفة على أن حكم الاستثناء مختص بالجملة الأخيرة بوجوه : أحدها : أن الاستثناء من الاستثناء يختص بالجملة الأخيرة ، فكذا في جميع الصور طرداً للباب وثانيها : أن المقتضي لعموم الجمل المتقدمة قائم والمعارض وهو الاستثناء يكفي في تصحيحه تعليقه بجملة واحدة ، لأن بهذا القدر يخرج الاستثناء عن أن يكون لغواً فوجب تعليقه بالجملة الواحدة فقط وثالثها : أن الاستثناء لو رجع إلى كل الجمل المتقدمة لوجب أنه إذا تاب أن لا يجلد وهذا باطل بالإجماع فوجب أن يختص الاستثناء بالجملة الأخيرة والجواب : عن الأول أن الاستثناء من النفي إثبات ومن الإثبات نفي ، فالاستثناء عقيب لو رجع إلى الاستثناء الأول وإلى المستثنى فبقدر ما نفي من أحدهما أثبت في الآخر فينجبر الناقص بالزائد ويصير الاستثناء الثاني عديم الفائدة ، فلهذا السبب قلنا في الاستثناء من الاستثناء إنه يختص بالجملة الأخيرة والجواب : عن الثاني أنا بينا أن واو العطف لا تقتضي الترتيب فلم يكن بعض الجمل متأخراً في التقدير عن البعض ، فلم يكن تعليقه بالبعض أولى من تعليقه بالباقي ، فوجب تعليقه بالكل والجواب : عن الثالث أنه ترك العمل به في حق البعض فلم يترك العمل به في حق الباقي ، واحتج أصحاب أبي حنيفة رحمه الله في المسألة بوجوه من الأخبار أحدها : ما روى ابن عباس رضي الله عنهما في قصة هلال بن أمية حين قذف امرأته بشريك بن سحماء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : "يجلد هلال وتبطل شهادته في المسلمين" فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلّم /أن وقوع الجلد به يبطل شهادته من غير شرط التوبة في قبولها وثانيها : أن قوله عليه السلام : "المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا محدود في قذف" ولم يشترط فيه وجود التوبة منه وثالثها : ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال : "لا تجوز شهادة محدود في الإسلام" قالت الشافعية هذا معارض بوجوه : أحدها : قوله عليه السلام : "إذا علمت مثل الشمس فاشهد" والأمر للوجوب فإذا علم المحدود وجبت عليه الشهادة ولو لم تكن مقبولة لما وجبت لأنها تكون عبثاً وثانيها : قوله عليه السلام : "نحن نحكم بالظاهر" وههنا قد حصل الظهور لأن دينه وعقله وعفته الحاصلة بالتوبة تفيد ظن كونه صادقاً وثالثها : ما روي عن عمر بن الخطاب "أنه ضرب الذين شهدوا على المغيرة بن شعبة وهم أبو بكرة ونافع ونفيع ، ثم قال لهم من أكذب نفسه قبلت شهادته ومن لم يفعل لم أجز شهادته فأكذب نافع ونفيع أنفسهما وتابا وكان يقبل شهادتهما. وأما أبو بكرة فكان لا يقبل شهادته" وما أنكر عليه أحد من الصحابة فيه ، فهذا تمام الكلام في هذه المسألة.
جزء : 23 رقم الصفحة : 337
أما قوله تعالى : {وَ أولئك هُمُ الْفَـاسِقُونَ} فاعلم أنه يدل على أمرين : الأول : أن القذف من جملة الكبائر لأن اسم الفسق لا يقع إلا على صاحب الكبيرة الثاني : أنه اسم لمن يستحق العقاب لأنه لو كان مشتقاً من فعله لكانت التوبة لا تمنع من دوامه كما لا تمنع من وصفه بأنه ضارب وبأنه رام إلى غير ذلك.
وأما قوله تعالى : {إِلا الَّذِينَ تَابُوا } فاعلم أنهم اختلفوا في أن التوبة عن القذف كيف تكون ، قال الشافعي رحمه الله التوبة منه إكذابه نفسه ، واختلف أصحابه في معناه فقال الأصطخري يقول : كذبت فيما قلت فلا أعود لمثله ، وقال أبو إسحق لا يقول كذبت لأنه ربما يكون صادقاً فيكون قوله كذبت كذباً والكذب معصية ، والإتيان بالمعصية لا يكون توبة عن معصية أخرى ، بل يقول القاذف باطلاً ندمت على ما قلت ورجعت عنه ولا أعود إليه.
أما قوله : {وَأَصْلَحُوا } فقال أصحابنا إنه بعد التوبة لا بد من مضي مدة عليه في حسن الحال حتى تقبل شهادته وتعود ولايته ، ثم قدروا تلك المدة بسنة حتى تمر عليه الفصول الأربع التي تتغير فيها الأحوال والطباع كما يضرب للعنين أجل سنة ، وقد علق الشرع أحكاماً بالسنة من الزكاة والجزية وغيرهما.
(1/3288)

وأما قوله تعالى : {فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} فالمعنى أنه لكونه غفوراً رحيماً يقبل التوبة وهذا يدل على أن قبول التوبة غير واجب عقلاً إذ لو كان واجباً لما كان في قبوله غفوراً رحيماً ، لأنه إذا كان واجباً فهو إنما يقبله خوفاً وقهراً لعلمه بأنه لو لم يقبله لصار سفيهاً ، ولخرج عن حد الإلهية. أما إذا لم يكن واجباً فقبله. فهناك تتحقق الرحمة والإحسان وبالله التوفيق.
/ الحكم الرابع
حكم اللعان
جزء : 23 رقم الصفحة : 337
340
اعلم أنه سبحانه لما ذكر أحكام قذف الأجنبيات عقبه بأحكام قذف الزوجات ، ثم هذه الآية مشتملة على أبحاث :
البحث الأول : في سبب نزوله وذكروا فيه وجوها : أحدها : قال ابن عباس رحمهم الله : "لما تزل قوله تعالى : {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَـاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ} قال عاصم بن عدي الأنصاري إن دخل منا رجل بيته فوجد رجلاً على بطن امرأته فإن جاء بأربعة رجال يشهدوا بذلك فقد قضى الرجل حاجته وخرج ، وإن قتله قتل به ، وإن قال وجدت فلاناً مع تلك المرأة ضرب وإن سكت سكت على غيظ. اللهم افتح. وكان لعاصم هذا ابن عم يقال له عويمر وله امرأة يقال لها خولة بنت قيس فأتى عويمر عاصماً فقال : لقد رأيت شريك بن سحماء على بطن امرأتي خولة فاسترجع عاصم وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقال يا رسول الله ما أسرع ما ابتليت بهذا في أهل بيتي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم وما ذاك ؟
فقال أخبرني عويمر ابن عمي بأنه رأى شريك بن سحماء على بطن امرأته خولة وكان عويمر وخولة وشريك كلهم بنو عم عاصم فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلّم بهم جميعاً وقال لعويمر اتق الله في زوجتك وابنة عمك ولا تقذفها فقال يا رسول الله أقسم بالله أني رأيت شريكاً على بطنها وأني ماقربتها منذ أربعة أشهر وأنها حبلى من غيري ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلّم اتقي الله ولا تخبري إلا بما صنعت فقالت يا رسول الله إن عويمراً رجل غيور وإنه رأى شريكاً يطيل النظر إلي ويتحدث فحملته الغيرة على ما قال ، فأنزل الله تعالى هذه الآية فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلّم حتى نودي الصلاة جامعة فصلى العصر / ثم قال لعويمر قم وقل أشهد بالله أن خولة لزانية وإني لمن الصادقين ، ثم قال في الثانية قل أشهد بالله أني رأيت شريكاً على بطنها وإني لمن الصادقين ، ثم قال في الثالثة قل أشهد بالله أنها حبلى من غيري وإني لمن الصادقين ، ثم قال في الرابعة قل أشهد بالله أنها زانية وأني ما قربتها منذ أربعة أشهر وإني لمن الصادقين. ثم قال في الخامس قل لعنة الله على عويمر يعني نفسه إن كان من الكاذبين فيما قال. ثم قال اقعد ، وقال لخولة قومي ، فقامت وقالت أشهد بالله ما أنا بزانية وإن زوجي عويمراً لمن الكاذبين ، وقالت في الثانية أشهد بالله ما رأى شريكاً على بطني وإنه لمن الكاذبين ، وقالت في الثالثة أشهد بالله أني حبلى منه وإنه لمن الكاذبين ، وقالت في الرابعة أشهد بالله أنه ما رآني على فاحشة قط وإنه لمن الكاذبين ، وقالت في الخامسة غضب الله على خولة إن كان عويمر من الصادقين في قوله ، ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلّم بينهما" وثانيها : قال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية الكلبي : "أن عاصماً ذات يوم رجع إلى أهله فوجد شريك بن سحماء على بطن امرأته فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلّم" وتمام الحديث كما تقدم وثالثها : ما روى عكرمة عن ابن عباس "لما نزل
جزء : 23 رقم الصفحة : 340
(1/3289)

{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَـاتِ} قال سعد بن عبادة وهو سيد الأنصار لو وجدت رجلاً على بطنها فإني إن جئت بأربعة من الشهداء يكون قد قضى حاجته وذهب/ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم يا معشر الأنصار أما تسمعون ما يقول سيدكم ؟
فقالوا يا رسول الله لا تلمه فإنه رجل غيور ، فقال سعد يا رسول الله والله إني لأعرف أنها من الله وأنها حق ، ولكني عجبت منه ، فقال عليه السلام فإن الله يأبى إلا ذلك ، قال فلم يلبثوا إلا يسيراً حتى جاء ابن عمر له يقال له هلال بن أمية وهو أحد الثلاثة الذين تاب الله عليهم ، فقال يا رسول الله إني وجدت مع امرأتي رجلاً رأيت بعيني وسمعت بأذني ، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلّم ما جاء به ، فقال هلال والله يا رسول الله إني لأرى الكراهة في وجهك مما أخبرتك به والله يعلم أني لصادق وما قلت إلا حقاً ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : "إما البيتة وإما إقامة الحد عليك" فاجتمعت الأنصار فقالوا ابتلينا بما قال سعد ، فبينا هم كذلك إذ نزل عليه الوحي وكان إذا نزل عليه الوحي اربد وجهه وعلا جسده حمرة فلما سرى عنه قال عليه السلام أبشر يا هلال فقد جعل الله لك فرجاً ، قال قد كنت أرجو ذلك من الله تعالى فقرأ عليهم هذه الآيات فقال عليه السلام ادعوها فدعيت فكذبت هلالاً ، فقال عليه السلام الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب وأمر بالملاعنة فشهد هلال أربع شهادات بالله أنه لمن الصادقين فقال عليه السلام له عند الخامسة اتق الله يا هلال فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة ، فقال والله لا يعذبني الله عليها كما لم يجلدني رسول الله صلى الله عليه وسلّم وشهد الخامسة ، ثم قال رسول الله أتشهدين فشهدت أربع شهادات بالله أنه لمن الكاذبين فلما أخذت في الخامسة قال لها اتقي الله فإن الخامسة هي الموجبة ، فتفكرت ساعة وهمت بالاعتراف ثم قالت والله لا أفضح قومي وشهدت الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلّم بينهما ، ثم قال : انظروها إن جاءت به أثيبج أصهب أحمش الساقين فهو لهلال ، وإن / جاءت به خدلج الساقين أورق جعداً فهو لصاحبه ، فجاءت به أورق خدلج الساقين فقال عليه السلام لولا الإيمان لكان لي ولها شأن" قال عكرمة لقد رأيته بعد ذلك أمير مصر من الأمصار ولا يدري من أبوه.
البحث الثاني : ما يتعلق بالقراءة قرىء ولم تكن بالتاء لأن الشهداء جماعة أو لأنهم في معنى الأنفس ووجه من قرأ أربع أن ينصب لأنه في حكم المصدر والعامل فيه المصدر الذي هو فشهادة أحدهم وهي مبتدأ محذوف الخبر فتقديره فواجب شهادة أحدهم أربع شهادات ، وقرىء أن لعنة الله وأن غضب الله على تخفيف أن ورفع ما بعدها ، وقرىء أن غضب الله على فعل الغضب ، وقرىء بنصب الخامستين على معنى ويشهد الخامسة.
جزء : 23 رقم الصفحة : 340
البحث الثالث : ما يتعلق بالأحكام ، والنظر فيه يتعلق بأطراف :
الطرف الأول : في موجب اللعان وفيه مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أنه إذا رمى الرجل امرأته بالزنا يجب عليه الحد إن كانت محصنة والتعزير إن لم تكن محصنة ، كما في رمي الأجنبية لا يختلف موجبهما غير أنهما يختلفان في المخلص ففي قذف الأجنبي لا يسقط الحد عن القاذف إلا بإقرار المقذوف أو ببينة تقوم على زناها ، وفي قذف الزوجة يسقط عنه الحد بأحد هذين الأمرين أو باللعان ، وإنما اعتبر الشرع اللعان في هذه الصورة دون الأجنبيات لوجهين : الأول : أنه لا معرة عليه في زنا الأجنبية والأولى له ستره ، أما إذا زنى بزوجته فيلحقه العار والنسب الفاسد ، فلا يمكنه الصبر عليه وتوقيفه على البينة كالمعتذر ، فلا جرم خص الشرع هذه الصورة باللعان الثاني : أن الغالب في المتعارف من أحوال الرجل مع امرأته أنه لا يقصدها بالقذف إلا عن حقيقة ، فإذا رماها فنفس الرمي يشهد بكونه صادقاً إلا أن شهادة الحال ليست بكاملة فضم إليها ما يقويها من الإيمان/ كشهادة المرأة لما ضعفت قويت بزيادة العدد والشاهد الواحد يتقوى باليمين على قول كثير من الفقهاء.
المسألة الثانية : قال أبو بكر الرازي كان حد قاذف الأجنبيات والزوجات والجلد ، والدليل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلّم لهلال بن أمية حين قذف امرأته بشريك بن سحماء "ائتني بأربعة يشهدون لك وإلا فحد في ظهرك" فثبت بهذا أن حد قاذف الزوجات كان كحد قاذف الأجنبيات إلا أنه نسخ عن الأزواج الجلد باللعان ، وروى نحو ذلك في الرجل الذي قال أرأيتم لو أن رجلاً وجد مع امرأته رجلاً فإن تكلم جلدتموه ، وإن قتل قتلتموه ، وإن سكت سكت على غيظ. فدلت هذه الأخبار على أن حد قاذف الزوجة كان الجلد وأن الله نسخه باللعان.
جزء : 23 رقم الصفحة : 340
(1/3290)

المسألة الثالثة : قال الشافعي رحمه الله إذا قذف الزوج زوجته فالواجب هو الحد ولكن المخلص منه باللعان ، كما أن الواجب بقذف الأجنبية الحد والمخلص منه بالشهود ، فإذا نكل الزوج عن اللعان يلزمه الحد للقذف ، فإذا لاعن ونكلت عن اللعان يلزمها حد الزنا ، وقال أبو حنيفة رحمه / الله إذا نكل الزوج عن اللعان حبس حتى يلاعن ، وكذا المرأة إذا نكلت حبست حتى لا تلاعن حجة الشافعي وجوه : أحدها : أن الله تعالى قال في أول السورة : {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَـاتِ} (النور : 4) يعني غير الزوجات {ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَـانِينَ جَلْدَةً} (النور : 4) ثم عطف عليه حكم الأزواج فقال : {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَآءُ إِلا أَنفُسُهُمْ فَشَهَـادَةُ أَحَدِهِمْ} الآية فكما أن مقتضى قذف الأجنبيات الإتيان بالشهود أو الجلد فكذا موجب قذف الزوجات الإتيان باللعان أو الحد وثانيها : قوله تعالى : {وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذَابَ أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَـادَاتا بِاللَّه } والألف واللام الداخلان على العذاب لا يفيدان العموم لأنه لم يجب عليها جميع أنواع العذاب فوجب صرفهما إلى المعهود السابق والمعهود السابق هو الحد لأنه تعالى ذكر في أول السورة {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآاـاِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ} (النور : 2) والمراد منه الحد وإذا ثبت أن المراد من العذاب في قوله : {وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذَابَ} هو الحد ثبت أنها لو لم تلاعن لحدت وأنها باللعان دفعت الحد ، فإن قيل المراد من العذاب هو الحبس. قلنا قد بينا أن الألف واللام للمعهود المذكور ، وأقرب المذكورات في هذه السورة العذاب بمعنى الحد ، وأيضاً فلو حملناه على الحد لا تصير الآية مجملة. أما لو حملناه على الحبس تصير الآية مجملة لأن مقدار الحبس غير معلوم وثالثها : قال الشافعي رحمه الله ومما يدل على بطلان الحبس في حق المرأة أنها تقول إن كان الرجل صادقاً فحدوني وإن كان كاذباً فخلوني فما بالي والحبس وليس حبسي في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا الإجماع ولا القياس ورابعها : أن الزوج قذفها ولم يأت بالمخرج من شهادة غيره أو شهادة نفسه ، فوجب عليه الحد لقوله تعالى : {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَـاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَاجْلِدُوهُمْ} (النور : 4) وإذا ثبت ذلك في حق الرجل ثبت في حق المرأة لأنه لا قائل بالفرق وخامسها : قوله عليه السلام لخولة : "فالرجم أهون عليك من غضب الله" وهو نص في الباب حجة أبي حنيفة رحمه الله ، أما في حق المرأة فلأنها ما فعلت سوى أنها تركت اللعان ، وهذا الترك ليس بينة على الزنا ولا إقراراً منها به ، فوجب أن لا يجوز رجمها ، لقوله عليه السلام : "لا يحل دم امرىء" الحديث. وإذا لم يجب الرجم إذا كانت محصنة لم يجب الجلد في غير المحصن لأنه لا قائل بالفرق ، وأيضاً فالنكول ليس بصريح في الإقرار فلم يجز إثبات الحد به كاللفظ المحتمل للزنا ولغيره.
جزء : 23 رقم الصفحة : 340
المسألة الرابعة : قال الجمهور إذا قال لها يا زانية وجب اللعان. وقال مالك رحمه الله لا يلاعن إلا أن يقول رأيتك تزني أو ينفي حملاً لها أو ولداً منها ، حجة الجمهور أن عموم قوله {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَـاتِ} يتناول الكل ، ولأنه لا تفاوت في قذف الأجنبية بين الكل ، فكذا في حق قذف الزوجة.
(1/3291)

الطرف الثاني : الملاعن قال الشافعي رحمه الله من صح يمينه صح لعانه ، فيجري اللعان بين الرقيقين والذميين والمحدودين ، وكذا إذا كان أحدهما رقيقاً أو كان الزوج مسلماً والمرأة ذمية ، قال أبو حنيفة رحمه الله لا يصح في صورتين إحداهما : أن تكون الزوجة ممن لا يجب على / قاذفها الحد إذا كان أجنبياً نحو أن تكون الزوجة مملوكة أو ذمية والثاني : أن يكون أحدهما من غير أهل الشهادة بأن يكون محدوداً في قذف أو عبداً أو كافراً ، ثم زعم أن الفاسق والأعمى مع أنهما ليسا من أهل الشهادة يصح لعانهما ، وجه قول الشافعي رحمه الله أن ظاهر قوله تعالى : {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} يتناول الكل ولا معنى للتخصيص والقياس أيضاً ظاهر من وجهين : الأول : أن المقصود دفع العار عن النفس ، ودفع ولد الزنا عن النفس ، وكما يحتاج غير المحدود إليه فكذا المحدود محتاج إليه والثاني : أجمعنا على أنه يصح لعان الفاسق والأعمى ، وإن لم يكونا من أهل الشهادة فكذا القول في غيرهما ، والجامع هو الحاجة إلى دفع عار الزنا ، ووجه قول أبو حنيفة رحمه الله النص والمعنى ، أما النص فما روى عبدالله بن عمرو بن العاص أنه عليه السلام قال : "أربع من النساء ليس بينهن وبين أزواجهن ملاعنة اليهودية والنصرانية تحت المسلم والحرة تحت المملوك والمملوكة تحت الحر" أما المعنى فنقول أما في الصورة الأولى فلأنه كان الواجب على قاذف الزوجة والأجنبية الحد بقوله : {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَـاتِ} (النور : 40) ثم نسخ ذلك عن الأزواج وأقيم اللعان مقامه فلما كان اللعان مع الأزواج قائماً مقام الحد في الأجنبيات لم يجب اللعان على من لا يجب عليه الحد لو قذفها أجنبي ، وأما في الصورة الثانية فالوجه فيه أن اللعان شهادة فوجب أن لا يصح إلا من أهل الشهادة وإنما قلنا إن اللعان شهادة لوجهين : الأول : قوله تعالى : {وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَآءُ إِلا أَنفُسُهُمْ فَشَهَـادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَـادَاتا بِاللَّه }
جزء : 23 رقم الصفحة : 340
فسمى الله تعالى لعانهما شهادة كما قال : {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِّن رِّجَالِكُمْ } (البقرة : 282) وقال : {فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ } (النساء : 15) الثاني : أنه عليه السلام حين لاعن بين الزوجين أمرهما باللعان بلفظ الشهادة ، ولم يقتصر على لفظ اليمين ، إذا ثبت أن اللعان شهادة وجب أن لا تقبل من المحدود في القذف لقوله تعالى : {وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَـادَةً أَبَدًا } (النور : 4) وإذا ثبت ذلك في المحدود ثبت في العبد والكافر ، إما للإجماع على أنهما ليسا من أهل الشهادة أو لأنه لا قائل بالفرق ، أجاب الشافعي رحمه الله بأن اللعان ليس شهادة في الحقيقة بل هو يمين لأنه لا يجوز أن يشهد الإنسان لنفسه ، ولأنه لو كان شهادة لكانت المرأة تأتي بثمان شهادات ، لأنها على النصف من الرجل ، ولأنه يصح من الأعمى والفاسق ولا يجوز شهادتهما ، فإن قيل الفاسق والفاسقة قد يتوبان قلنا ، وكذلك العبد قد يعتق فتجوز شهادته ، ثم أكد الشافعي رحمه الله بأن العبد إذا عتق تقبل شهادته في الحال والفاسق إذا تاب لا تقبل شهادته في الحال ، ثم ألزم أبا حنيفة رحمه الله بأن شهادة أهل الذمة مقبولة بعضهم على بعض ، فينبغي أن يجوز اللعان بين الذمي والذمية ، وهذا كله كلام الشافعي رحمه الله. ثم قال بعد ذلك : وتختلف الحدود بمن وقعت له ، ومعناه أن الزوج إن لم يلاعن تنصف حد القذف عليه لرقه ، وإن لاعن ولم تلاعن اختلف حدها بإحصانها وعدم إحصانها وحريتها ورقها.
الطرف الثالث : الأحكام المرتبة على اللعان قال الشافعي رحمه الله يتعلق باللعان خمسة أحكام درء الحد ونفي الولد والفرقة والتحريم المؤبد ووجوب الحد عليها ، وكلها تثبت بمجرد لعانه / ولا يفتقر فيه إلى لعانها ولا إلى حكم الحاكم ، فإن حكم الحاكم به كان تنفيذاً منه لا إيقاعاً للفرقة. فلنتكلم في هذه المسائل :
جزء : 23 رقم الصفحة : 340
(1/3292)

المسألة الأولى : اختلف المجتهدون في وقوع الفرقة باللعان على أربعة أقوال : أحدها : قال عثمان ألبتي : لا أرى ملاعنة الزوج امرأته تقتضي شيئاً يوجب أن يطلقها وثانيها : قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد لا تقع الفرقة بفراغهما من اللعان حتى يفرق الحاكم بينهما وثالثها : قال مالك والليث وزفر رحمهم الله إذا فرغا من اللعان وقعت الفرقة وإن لم يفرق الحاكم ورابعها : قال الشافعي رحمه الله إذا أكمل الزوج الشهادة والالتعان فقد زال فراش امرأته ولا تحل له أبداً التعنت أو لم تلتعن ، حجة عثمان البتي وجوه : أحدها : أن اللعان ليس بصريح ولا كناية عن الفرقة فوجب أن لا يفيد الفرقة كسائر الأقوال التي لا إشعار لها بالفرقة لأن أكثر ما فيه أن يكون الزوج صادقاً في قوله وهو لا يوجب تحريماً ألا ترى أنه لو قامت البينة عليها لم يوجب ذلك تحريماً فإذا كان كاذباً والمرأة صادقة يثبت أنه لا دلالة فيه على التحريم وثانيها : لو تلاعنا فيما بينهما لم يوجب الفرقة فكذا لو تلاعنا عند الحاكم وثالثها : أن اللعان قائم مقام الشهود في قذف الأجنبيات فكما أنه لا فائدة في إحضار الشهود هناك إلا إسقاط الحد ، فكذا اللعان لا تأثير له إلا إسقاط الحد ورابعها : إذا أكذب الزوج نفسه في قذفه إياها ثم حد لم يوجب ذلك فرقة فكذا إذا لاعن لأن اللعان قائم مقام درء الحد ، قال وأما تفريق النبي صلى الله عليه وسلّم بين المتلاعنين فكان ذلك في قصة العجلاني وكان قد طلقها ثلاثاً بعد اللعان فلذلك فرق بينهما ، وأما قول أبي حنيفة وهو أن الحاكم يفرق بينهما فلا بد من بيان أمرين : أحدهما : أنه يجب على الحاكم أن يفرق بينهما ودليله ما روى سهل بن سعد في قصة العجلاني مضت السنة في المتلاعنين أن يفرق بينهما ثم لا يجتمعان أبداً والثاني : أن الفرقة لا تحصل إلا بحكم الحاكم ، واحتجوا عليه بوجوه : أحدها : روى في قصة عويمر أنهما لما فرغا "قال عويمر : كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها ، هي طالق ثلاثاً" فطلقها ثلاثاً قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، والاستدلال بهذا الخبر من وجوه : أحدها : أنه لو وقعت الفرقة باللعان لبطل قوله : "كذبت عليها إن أمسكتها" لأن إمساكها غير ممكن وثانيها : ما روي في هذا الخبر أنه طلقها ثلاث تطليقات فأنفذه رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، وتنفيذ الطلاق إنما يمكن لو لم تقع الفرقة بنفس اللعان وثالثها : ما قال سهل بن سعد في هذا الخبر مضت السنة في المتلاعنين أن يفرق بينهما ولا يجتمعان أبداً ، ولو كانت الفرقة واقعة باللعان استحال التفريق بعدها وثانيها : قال أبو بكر الرازي قول الشافعي رحمه الله خلاف الآية ، لأنه لو وقعت الفرقة بلعان الزوج للاعنت المرأة وهي أجنبية وذلك خلاف الآية لأن الله تعالى إنما أوجب اللعان بين الزوجين وثالثها : أن اللعان شهادة لا يثبت حكمه إلا عند الحاكم فوجب أن لا يوجب الفرقة إلا بحكم الحاكم كما لا يثبت المشهود به إلا بحكم الحاكم ورابعها : / اللعان تستحق به المرأة نفسها كما يستحق المدعي بالبينة ، فلما لم يجز أن يستحق المدعي مدعاه إلا بحكم الحاكم وجب مثله في استحقاق المرأة نفسها وخامسها : أن اللعان لا إشعار فيه بالتحريم لأن أكثر ما فيه أنها زنت ولو قامت البينة على زناها أو هي أقرت بذلك فذاك لا يوجب التحريم فكذا اللعان وإذا لم يوجد فيها دلالة على التحريم وجب أن لا تقع الفرقة به ، فلا بد من إحداث التفريق إما من قبل الزوج أو من قبل الحاكم ، أما قول مالك وزفر فحجته أنهما لو تراضيا على البقاء على النكاح لم يخليا بل يفرق بينهما ، فدل على أن اللعان قد أوجب الفرقة ، أما قول الشافعي رحمه الله فله دليلان الأول : قوله تعالى :
جزء : 23 رقم الصفحة : 340
(1/3293)

{وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذَابَ أَن تَشْهَدَ} الآية فدل هذا على أنه لا تأثير للعان المرأة إلا في دفع العذاب عن نفسها ، وأن كل ما يجب باللعان من الأحكام فقد وقع بلعان الزوج الثاني : أن لعان الزوج وحده مستقل بنفي الولد فوجب أن يكون الاعتبار بقوله في الإلحاق لا بقولها ، ألا ترى أنها في لعانها تلحق الولد به ونحن ننفيه عنه فيعتبر نفي الزوج لا إلحاق المرأة ، ولهذا إذا أكذب الزوج نفسه ألحق به الولد وما دام يبقى مصراً على اللعان فالولد منفي عنه إذا ثبت أن لعانه مستقل بنفي الولد وجب أن يكون مستقلاً بوقوع الفرقة ، لأن الفرقة لو لم تقع لم ينتف الولد لقوله عليه السلام : "الولد للفراش" فما دام يبقى الفراش التحق به ، فلما انتفى الولد عنه بمجرد لعانه وجب أنه يزول الفراش عنه بمجرد لعانه ، وأما الأخبار التي استدل بها أبو حنيفة رحمه الله فالمراد به أن النبي عليه السلام أخبر عن وقوع الفرقة وحكم بها وذلك لا ينافي أن يكون المؤثر في الفرقة شيئاً آخر ، وأما الأقيسة التي ذكرها فمدارها على أن اللعان شهادة وليس الأمر كذلك بل هو يمين على ما بينا ، وأما قوله : اللعان لا إشعار فيه بوقوع الحرمة. قلنا بينته على نفي الولد مقبولة ونفي الولد يتضمن نفي حلية النكاح والله أعلم.
المسألة الثانية : قال مالك والشافعي وأبو يوسف والثوري وإسحق والحسن المتلاعنان لا يجتمعان أبداً ، وهو قول علي وعمر وابن مسعود ، وقال أبو حنيفة ومحمد إذا أكذب نفسه وحد زال تحريم العقد وحلت له بنكاح جديد. حجة الشافعي رحمه الله أمور : أحدها : قوله عليه السلام للملاعن بعد اللعان "لا سبيل لك عليها" ولم يقل حتى تكذب نفسك ولو كان الإكذاب غاية لهذه الحرمة لردها رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلى هذه الغاية ، كما قال في المطلقة بالثلاث {فَإِن طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَه مِنا بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَه } (البقرة : 230). وثانيها : ما روي عن علي وعمر وابن مسعود أنهم قالوا لا يجتمع المتلاعنان أبداً ، وهذا قد روي أيضاً مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم وثالثها : ما روى الزهري عن سهل بن سعد في قصة العجلاني "مضت السنة أنهما إذا تلاعنا فرق بينهما ثم لا يجتمعان أبداً" حجة أبي حنيفة رحمه الله قوله تعالى : {وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَآءَ ذَالِكُمْ} وقوله : {فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم} .
جزء : 23 رقم الصفحة : 340
المسألة الثالثة : اتفق أهل العلم على أن الولد قد ينفى عن الزوج باللعان ، وحكى عن / بعض من شذ أنه للزوج ولا ينتفي نسبه باللعان ، واحتج بقوله عليه السلام : "الولد للفراش" وهذا ضعيف لأن الأخبار الدالة على أن النسب ينتفي باللعان كالمتواترة فلا يعارضها هذا الواحد.
المسألة الرابعة : قال الشافعي رحمه الله : لو أتى أحدهما ببعض كلمات اللعان لا يتعلق به الحكم ، وقال أبو حنيفة رحمه الله أكثر كلمات اللعان تعمل عمل الكل إذا حكم به الحاكم ، والظاهر مع الشافعي لأنه يدل على أنها لا تدرأ العذاب عن نفسها إلا بتمام ما ذكره الله تعالى ، ومن قال بخلاف ذلك فإنما يقوله بدليل منفصل.
الطرف الرابع : في كيفية اللعان والآية دالة عليها صريحاً/ فالرجل يشهد أربع شهادات بالله بأن يقول : أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا ، ثم يقول من بعد ، وعليه لعنة الله إن كان من الكاذبين. ويتعلق بلعان الزوج تلك الأحكام الخمسة على قول الشافعي رحمه الله ، ثم المرأة إذا أرادت إسقاط حد الزنا عن نفسها عليها أن تلاعن ولا يتعلق بلعانها إلا هذا الحكم الواحد ، ثم ههنا فروع الفرع الأول : أجمعوا على أن اللعان كالشهادة فلا يثبت إلا عند الحاكم الثاني : قال الشافعي رحمه الله يقام الرجل حتى يشهد والمرأة قاعدة ، وتقام المرأة حتى تشهد والرجل قاعد ، ويأمر الإمام من يضع يده على فيه عند الانتهاء إلى اللعنة والغضب ويقول له أني أخاف إن لم تك صادقاً أن تبوء بلعنة الله الثالث : اللعان بمكة بين المقام والركن وبالمدينة عند المنبر وبيت المقدس في مسجده وفي غيرها في المواضع المعظمة ولعان المشرك كغيره في الكيفية ، وأما الزمان فيوم الجمعة بعد العصر ، ولا بد من حضور جماعة من الأعيان أقلهم أربعة.
الطرف الخامس : في سائر الفوائد وفيه مسائل :
المسألة الأولى : احتج أصحابنا بهذه الآية على بطلان قول الخوارج في أن الزنا والقذف كفر من وجهين : الأول : أن الرامي إن صدق فهي زانية ، وإن كذب فهو قاذف فلا بد على قولهم من وقوع الكفر من أحدهما ، وذلك يكون ردة فيجب على هذا أن تقع الفرقة ولا لعان أصلاً ، وأن تكون فرقة الردة حتى لا يتعلق بذلك توارث ألبتة الثاني : أن الكفر إذا ثبت عليها بلعانه ، فالواجب أن تقتل لا أن تجلد أو ترجم ، لأن عقوبة المرتد مباينة للحد في الزنا.
(1/3294)

المسألة الثانية : الآية دالة على بطلان قول من يقول إن وقوع الزنا يفسد النكاح ، وذلك لأنه يجب إذا رماها بالزنا أن يكون قوله هذا كأنه معترف بفساد النكاح حتى يكون سبيله سبيل من يقر بأنها أخته من الضراع أو بأنها كافرة ، ولو كان كذلك لوجب أن تقع الفرقة بنفس الرمي من قبل اللعان وقد ثبت بالإجماع فساد ذلك.
جزء : 23 رقم الصفحة : 340
المسألة الثالثة : قالت المعتزلة دلت الآية على أن القاذف مستحق للعن الله تعالى إذا كان كاذباً وأنه قد فسق ، وكذلك الزاني والزانية يستحقان غضب الله تعالى وعقابه وإلا لم يحسن منهما أن يلعنا أنفسهما ، كما لا يجوز أن يدعو أحد ربه أن يلعن الأطفال والمجانين ، وإذا صح ذلك فقد / استحق العقاب ، والعقاب يكون دائماً كالثواب ولا يجتمعان فثوابهما أيضاً محبط ، فلا يجوز إذا لم يتوبا أن يدخلا الجنة ، لأن الأمة مجمعة على أن من دخل الجنة من المكلفين فهو مثاب على طاعاته وذلك يدل على خلود الفساق في النار ، قال أصحابنا لا نسلم أن كونه مغضوباً عليه بفسقه ينافي كونه مرضياً عنه لجهة إيمانه ، ثم لو سلمناه فلم نسلم أن الجنة لا يدخلها إلا مستحق الثواب والإجماع ممنوع.
المسألة الرابعة : إنما خصت الملاعنة بأن تخمس بغضب الله تغليظاً عليها لأنها هي أصل الفجور ومنبعه بخيلائها وإطماعها ولذلك كانت مقدمة في آية الجلد.
واعلم أنه سبحانه لما بين حكم الرامي للمحصنات والأزواج على ما ذكرنا وكان في ذلك من الرحمة والنعمة ما لا خفاء فيه ، لأنه تعالى جعل باللعان للمرء سبيلاً إلى مراده ، ولها سبيلاً إلى دفع العذاب عن نفسها ، ولهما السبيل إلى التوبة والإنابة ، فلأجل هذا بين تعالى بقوله : {وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُه } عظم نعمه فيما بينه من هذه الأحكام وفيما أمهل وأبقى ومكن من التوبة ولا شبهة في أن في الكلام حذفاً إذ لا بد من جواب إلا أن تركه يدل على أنه أمر عظيم لا يكتنه ، ورب مسكوت عنه أبلغ من منطوق به.
الحكم الخامس
قصة الإفك
جزء : 23 رقم الصفحة : 340
342
الكلام في هذه الآية من وجهين : أحدهما : تفسيره والثاني : سبب نزوله :
أما التفسير فاعلم أن الله تعالى ذكر في هذه الآية ثلاثة أشياء : أولها : أنه حكى الواقعة وهو قوله : {إِنَّ الَّذِينَ جَآءُو بِالافْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ } والإفك أبلغ ما يكون من الكذب والافتراء ، وقيل هو البهتان وهو الأمر الذي لا تشعر به حتى يفجأك وأصله الإفك وهو القلب لأنه قول مأفوك عن وجهه ، وأجمع المسلمون على أن المراد ما أفك به على عائشة ، وإنما وصف الله تعالى ذلك الكذب بكونه إفكاً لأن المعروف من حال عائشة خلاف ذلك لوجوه : أحدها : أن كونها زوجة للرسول صلى الله عليه وسلّم المعصوم يمنع من ذلك. لأن الأنبياء مبعوثون إلى الكفار ليدعوهم / ويستعطفوهم ، فوجب أن لا يكون معهم ما ينفرهم عنهم وكون الإنسان بحيث تكون زوجته مسافحة من أعظم المنفرات ، فإن قيل كيف جاز أن تكون امرأة النبي كافرة كامرأة نوح ولوط ولم يجز أن تكون فاجرة وأيضاً فلو لم يجز ذلك لكان الرسول أعرف الناس بامتناعه ولو عرف ذلك لما ضاق قلبه ، ولما سأل عائشة عن كيفية الواقعة قلنا الجواب عن الأول أن الكفر ليس من المنفرات ، أما كونها فاجرة فمن المنفرات والجواب : عن الثاني أنه عليه السلام كثيراً ما كان يضيق قلبه من أقوال الكفار مع علمه بفساد تلك الأقوال ، قال تعالى : {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ} (الحجر : 97) فكان هذا من هذا الباب وثانيها : أن المعروف من حال عائشة قبل تلك الواقعة إنما هو الصون والبعد عن مقدمات الفجور ، ومن كان كذلك كان اللائق إحسان الظن به وثالثها : أن القاذفين كانوا من المنافقين وأتباعهم ، وقد عرف أن كلام العدو المفترى ضرب من الهذيان ، فلمجموع هذه القرائن كان ذلك القول معلوم الفساد قبل نزول الوحي. أما العصبة فقيل إنها الجماعة من العشرة إلى الأربعين وكذلك العصابة واعصوصبوا اجتمعوا ، وهم عبدالله بن أبي بن سلول رأس النفاق ، وزيد بن رفاعة ، وحسان بن ثابت ، ومسطح بن أثاثة ، وحمنة بنت جحش ومن ساعدهم.
جزء : 23 رقم الصفحة : 342
(1/3295)

أما قوله : {مِنكُمُ} فالمعنى أن الذين أتوا بالكذب في أمر عائشة جماعة منكم أيها المؤمنون ، لأن عبدالله كان من جملة من حكم له بالإيمان ظاهراً ورابعها : أنه سبحانه شرح حال المقذوفة ومن يتعلق بها بقوله : {لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ } والصحيح أن هذا الخطاب ليس مع القاذفين ، بل مع من قذفوه وآذوه ، فإن قيل هذا مشكل لوجهين : أحدهما : أنه لم يتقدم ذكرهم والثاني : أن المقذوفين هما عائشة وصفوان فكيف تحمل عليهما صيغة الجمع في قوله : {لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُمْ } ، والجواب عن الأول : أنه تقدم ذكرهم في قوله : {مِنكُمُ} وعن الثاني : أن المراد من لفظ الجمع كل من تأذى بذلك الكذب واغتم ، ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلّم تأذى بذلك وكذلك أبو بكر ومن يتصل به ، فإن قيل فمن أي جهة يصير خيراً لهم مع أنه مضرة في العاجل ؟
قلنا لوجوه : أحدها : أنهم صبروا على ذلك الغم طلباً لمرضاة الله تعالى فاستوجبوا به الثواب وهذه طريقة المؤمنين عند وقوع الظلم بهم وثانيها : أنه لولا إظهارهم للإفك كان يجوز أن تبقى التهمة كامنة في صدور البعض ، وعند الإظهار انكشف كذب القوم على مر الدهر وثالثها : أنه صار خيراً لهم لما فيه من شرفهم وبيان فضلهم من حيث نزلت ثمان عشرة آية كل واحدة منها مستقلة ببراءة عائشة وشهد الله تعالى بكذب القاذفين ونسبهم إلى الإفك وأوجب عليهم اللعن والذم وهذا غاية الشرف والفضل ورابعها : صيرورتها بحال تعلق الكفر والإيمان بقدحها ومدحها فإن الله / تعالى لما نص على كون تلك الواقعة إفكاً وبالغ في شرحه فكل من يشك فيه كان كافراً قطعاً وهذه درجة عالية ، ومن الناس من قال قوله تعالى : {لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُمْ } خطاب مع القاذفين وجعله الله تعالى خيراً لهم من وجوه : أحدها : أنه صار ما نزل من القرآن مانعاً لهم من الاستمرار عليه فصار مقطعة لهم عن إدامة هذا الإفك وثانيها : صار خيراً لهم من حيث كان هذا الذكر عقوبة معجلة كالكفارة وثالثها : صار خيراً لهم من حيث تاب بعضهم عنده ، واعلم أن هذا القول ضعيف لأنه تعالى خاطبهم بالكاف ، ولما وصف أهل الإفك جعل الخطاب بالهاء بقوله تعالى : {لِكُلِّ امْرِىءٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الاثْمِ } ومعلوم أن نفس ما اكتسبوه لا يكون عقوبة ، فالمراد لهم جزاء ما اكتسبوه من العقاب في الآخرة والمذمة في الدنيا ، والمعنى أن قدر العقاب يكون مثل قدر الخوض.
جزء : 23 رقم الصفحة : 342
أما قوله : {وَالَّذِى تَوَلَّى كِبْرَه مِنْهُمْ لَه عَذَابٌ عَظِيمٌ} ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قرىء كبره بالضم والكسر وهو عظمه.
المسألة الثانية : قال الضحاك : الذي تولى كبره حسان ومسطح فجلدهما صلى الله عليه وسلّم حين أنزل الله عذرها. وجلد معهما امرأة من قريش ، وروي أن عائشة رضي الله عنها ذكرت حساناً وقالت : "أرجو له الجنة ، فقيل أليس هو الذي تولى كبره ؟
فقالت إذا سمعت شعره في مدح الرسول رجوت له الجنة" وقال عليه الصلاة والسلام : "إن الله يؤيد حساناً بروح القدس في شعره" وفي رواية أخرى "وأي عذاب أشد من العمى" ولعل الله جعل ذلك العذاب العظيم ذهاب بصره ، والأقرب في الرواية أن المراد به عبدالله بن أبي بن سلول فإنه كان منافقاً يطلب ما يكون قدحاً في الرسول عليه السلام ، وغيره كان تابعاً له فيما كان يأتي ، وكان فيهم من لا يتهم بالنفاق.
المسألة الثالثة : المراد من إضافة الكبر إليه أنه كان مبتدئاً بذلك القول ، فلا جرم حصل له من العقاب مثل ما حصل لكل من قال ذلك لقوله عليه الصلاة والسلام "من سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة" وقيل سبب تلك الإضافة شدة الرغبة في إشاعة تلك الفاحشة وهو قول أبي مسلم.
المسألة الرابعة : قال الجبائي قوله تعالى : {لِكُلِّ امْرِىءٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الاثْمِ } أي عقاب ما اكتسب ، ولو كانوا لا يستحقون على ذلك عقاباً لما جاز أن يقول تعالى ذلك ، وفيه دلالة على أن من لم يتب منهم صار إلى العذاب الدائم في الآخرة ، لأن مع استحقاق العذاب لا يجوز استقاق الثواب والجواب : أن الكلام في المحابطة قد مر غير مرة فلا وجه للإعادة والله أعلم.
جزء : 23 رقم الصفحة : 342
(1/3296)

أما سبب النزول فقد روى الزهري عن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعلقمة بن أبي وقاص وعبيد الله بن عبدالله بن عقبة بن مسعود كلهم رووا عن عائشة قالت : "كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه فأيتهن خرج اسمها خرج بها معه ، قالت فأقرع بيننا في / غزوة غزاها قبل غزوة بني المصطلق فخرج فيها اسمى فخرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم وذلك بعد نزول آية الحجاب فحملت في هودج فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلّم وقرب من المدينة نزل منزلاً ثم أذن بالرحيل فقمت حين أذنوا بالرحيل ومشيت حتى جاوزت الجيش فلما قضيت شأني وأقبلت إلى رحلي فلمست صدري فإذا عقد لي من جزع أظفار قد انقطع فرجعت والتمست عقدي وحبسني طلبه ، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلونني فحملوا هودجي وهم يحسبون أني فيه لخفتي ، فإني كنت جارية حديث السن ، فظنوا أني في الهودج وذهبوا بالبعير ، فلما رجعت لم أجد في المكان أحداً فجلست وقلت لعلهم يعودون في طلبي فنمت/ وقد كان صفوان بن المعطل يمكث في العسكر يتتبع أمتعة الناس فيحمله إلى المنزل الآخر لئلا يذهب منهم شيء فلما رآني عرفني ، وقال ما خلفك عن الناس ؟
فأخبرته الخبر فنزل وتنحى حتى ركبت ، ثم قاد البعير وافتقدني الناس حين نزلوا وماج الناس في ذكرى ، فبينا الناس كذلك إذ هجمت عليهم فتكلم الناس وخاضوا في حديثي ، وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلّم المدينة ولحقني وجع ، ولم أر منه عليه السلام ما عهدته من اللطف الذي كنت أعرف منه حين أشتكى ، إنما يدخل رسول الله صلى الله عليه وسلّم ثم يقول كيف تيكم فذاك الذي يريبني ، ولا أشعر بعد بما جرى حتى نقهت فخرجت في بعض الليالي مع أم مسطح لمهم لنا ، ثم أقبلت أنا وأم مسطح قبل بيتي حين فرغنا من شأننا فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت تعس مسطح ، فأنكرت ذلك وقلت أتسبين رجلاً شهد بدراً! فقالت وما بلغك الخبر فقلت وما هو فقالـ(ـت) أشهد أنك من المؤمنات الغافلات ، ثم أخبرتني بقول أهل الإفك فازددت مرضاً على مرضي فرجعت أبكي ، ثم دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلّم وقال كيف تيكم ، فقلت ائذن لي أن آتي أبوي فأذن لي فجئت أبوي وقلت لأمي يا أمه ماذا يتحدث الناس ؟
قالت يا بنية هوني عليك فوالله لقلما كانت امرأة وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها ، ثم قالت ألم تكوني علمت ما قيل حتى الآن ؟
فأقبلت أبكي فبكيت تلك الليلة ثم أصبحت أبكي فدخل علي أبي وأنا أبكي فقال لأمي ما يبكيها ؟
قالت لم تكن علمت ما قيل فيها حتى الآن فأقبل يبكي ثم قال اسكتي يا بنية ، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلّم علي بن أبي طالب عليه السلام وأسامة بن زيد واستشارهما في فراق أهله فقال أسامة يا رسول الله هم أهلك ولا نعلم إلا خيراً ، وأما علي فقال لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير ، وإن تسأل الجارية تصدقك فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلّم بريرة وسألها عن أمري قالت بريرة يا رسول الله والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمراً قط أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها حتى تأتي الداجن فتأكله ، قالت فقام النبي صلى الله عليه وسلّم خطيباً على المنبر ، فقال يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهلي يعني عبدالله بن أبي فوالله ما علمت على أهلي إلا خيراً ، ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً وما كان يدخل على أهلي إلا معي ، فقام سعد بن معاذ فقال أعذرك يارسول الله منه إن كان من الأوس ضربت عنقه ، وإن كان من إخواننا من الخزرج فما أمرتنا فعلناه ، فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج / وكان رجلاً صالحاً ولكن أخذته الحمية فقال لسعد بن معاذ كذبت والله لا تقدر على قتله ، فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد بن معاذ وقال كذبت لعمر الله لنقتلنه وإنك لمنافق تجادل عن المنافقين ، فثار الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ، ورسول الله صلى الله عليه وسلّم على المنبر فلم يزل يخفضهم حتى سكتوا ، قالت ومكثت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع وأبواي يظنان أن البكاء فالق كبدي ، فبينا هما جالسان عندي وأنا أبكي إذ دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلّم فسلم ثم جلس ، قالت ولم يجلس عندي منذ قيل في ما قيل ولقد لبث شهراً لا يوحي الله إليه في شأني شيئاً ، ثم قال : أما بعد يا عائشة فإنه بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله تعالى وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه ، فإن العبد إذا تاب تاب الله عليه قالت فما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلّم مقالته ، فاض دمعي ثم قلت لأبي أجب عني رسول الله ، فقال والله ما أدري ما أقول ، فقلت لأمي أجيبي عني رسول الله فقالت والله لا أدري ما أقول ، فقلت وأنا جارية حديثة السن ما أقرأ من القرآن كثيراً إني والله لقد عرفت أنكم قد سمعتم بهذا حتى استقر في نفوسكم وصدقتم به فإن قلت لكم إني بريئة لا تصدقوني وإن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني بريئة لتصدقوني والله لا أجد لي ولكم مثلاً إلا كما قال
(1/3297)

العبد الصالح أبو يوسف ولم أذكر اسمه
جزء : 23 رقم الصفحة : 342
{فَصَبْرٌ جَمِيلٌا وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} (يوسف : 18) قالت ثم تحولت واضطجعت على فراشي ، وأنا والله أعلم أن الله تعالى يبرئني ولكن والله ما كنت أظن أن ينزل في شأني وحياً يتلى فشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلم الله في بأمر يتلى ، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله في النوم رؤيا يبرئني الله بها. قالت فوالله ما قام رسول الله من مجلسه ولا خرج من أهل البيت أحد حتى أنزل الله الوحي على نبيه ، فأخذه ما كان يأخذه عند نزول الوحي حتى إنه ليتحدر عنه مثل الجمان من العرق في اليوم الشاتي من ثقل الوحي ، فسجى بثوب ووضعت وسادة تحت رأسه فوالله ما فرغت ولا باليت لعلمي ببراءتي ، وأما أبواي فوالله ما سرى عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم حتى ظننت أن نفسي أبوي ستخرجان فرقاً من أن يأتي الله بتحقيق ما قال الناس ، فلما سرى عنه وهو يضحك فكان أول كلمة تكلم بها أن قال : ابشري يا عائشة أما والله لقد برأك الله. فقلت بحمد الله لا بحمدك ولا بحمد أصحابك ، فقالت أمي قومي إليه ، فقلت والله لا أقوم إليه ولا أحمد أحداً إلا الله أنزل براءتي ، فأنزل الله تعالى : {إِنَّ الَّذِينَ جَآءُو بِالافْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ } العشر آيات ، فقال أبو بكر والله لا أنفق على مسطح بعد هذا وكان ينفق عليه لقرابته منه وفقره ، فأنزل الله تعالى : {وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ} إلى قوله : {أَلا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ } (النور : 22) فقال أبو بكر : بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي فرجع النفقة على مسطح قالت فلما نزل عذري قام رسول الله صلى الله عليه وسلّم على المنبر فذكر ذلك وتلا القرآن فلما نزل ضرب عبدالله بن أبي ومسطحاً وحمنة وحسان الحد".
واعلم أنه سبحانه وتعالى لما ذكر القصة وذكر حال المقذوفين والقاذفين عقبها بما يليق بها من الآداب والزواجر ، وهي أنواع :
/ النوع الأول
جزء : 23 رقم الصفحة : 342
{فَصَبْرٌ جَمِيلٌا وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} (يوسف : 18) قالت ثم تحولت واضطجعت على فراشي ، وأنا والله أعلم أن الله تعالى يبرئني ولكن والله ما كنت أظن أن ينزل في شأني وحياً يتلى فشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلم الله في بأمر يتلى ، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله في النوم رؤيا يبرئني الله بها. قالت فوالله ما قام رسول الله من مجلسه ولا خرج من أهل البيت أحد حتى أنزل الله الوحي على نبيه ، فأخذه ما كان يأخذه عند نزول الوحي حتى إنه ليتحدر عنه مثل الجمان من العرق في اليوم الشاتي من ثقل الوحي ، فسجى بثوب ووضعت وسادة تحت رأسه فوالله ما فرغت ولا باليت لعلمي ببراءتي ، وأما أبواي فوالله ما سرى عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم حتى ظننت أن نفسي أبوي ستخرجان فرقاً من أن يأتي الله بتحقيق ما قال الناس ، فلما سرى عنه وهو يضحك فكان أول كلمة تكلم بها أن قال : ابشري يا عائشة أما والله لقد برأك الله. فقلت بحمد الله لا بحمدك ولا بحمد أصحابك ، فقالت أمي قومي إليه ، فقلت والله لا أقوم إليه ولا أحمد أحداً إلا الله أنزل براءتي ، فأنزل الله تعالى : {إِنَّ الَّذِينَ جَآءُو بِالافْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ } العشر آيات ، فقال أبو بكر والله لا أنفق على مسطح بعد هذا وكان ينفق عليه لقرابته منه وفقره ، فأنزل الله تعالى : {وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ} إلى قوله : {أَلا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ } (النور : 22) فقال أبو بكر : بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي فرجع النفقة على مسطح قالت فلما نزل عذري قام رسول الله صلى الله عليه وسلّم على المنبر فذكر ذلك وتلا القرآن فلما نزل ضرب عبدالله بن أبي ومسطحاً وحمنة وحسان الحد".
واعلم أنه سبحانه وتعالى لما ذكر القصة وذكر حال المقذوفين والقاذفين عقبها بما يليق بها من الآداب والزواجر ، وهي أنواع :
/ النوع الأول
جزء : 23 رقم الصفحة : 342
342
وهذا من جملة الآداب التي كان يلزمهم الإتيان بها ، و{لَّوْلا} معناه هلا وذلك كثير في اللغة إذا كان يليه الفعل كقوله : {لَوْلا أَخَّرْتَنِى } (المنافقون : 10) وقوله : {فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ ءَامَنَتْ} (يونس : 98) فأما إذا وليه الاسم فليس كذلك كقوله : {لَوْلا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ} (سبأ : 31) وقوله : {وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُه } (انور : 10) والمراد كان الواجب على المؤمنين إذ سمعوا قول القاذف أن يكذبوه ويشتغلوا بإحسان الظن ولا يسرعوا إلى التهمة فيمن عرفوا فيه الطهارة ، وههنا سؤالات :
(1/3298)

السؤال الأول : هلا قيل لولا إذ سمعتموه ظننتم بأنفسكم خيراً وقلتم فلم عدل عن الخطاب إلى الغيبة وعن المضمر إلى الظاهر ؟
الجواب : ليبالغ في التوبيخ بطريقة الالتفات ، وفي التصريح بلفظ الإيمان دلالة على أن الاشتراك فيه يقتضي أن لا يظن بالمسلمين إلا خيراً ، لأن دينه يحكم بكون المعصية منشأ للضرر وعقله يهديه إلى وجوب الاحتراز عن الضرر ، وهذا يوجب حصول الظن باحترازه عن المعصية ، فإذا وجد هذا المقتضى للاحتراز ولم يوجد في مقابلته راجح يساويه في القوة وجب إحسان الظن ، وحرم الإقدام على الطعن.
السؤال الثاني : ما المراد من قوله بأنفسهم ؟
الجواب : فيه وجهان : الأول : المراد أن يظن بعضهم ببعض خيراً ونظيره قوله : {وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ} (الحجرات : 11) وقوله : {فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ } (البقرة : 54) وقوله : {فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى ا أَنفُسِكُمْ} (النور : 61) ومعناه أي بأمثالكم من المؤمنين الذين هم كأنفسكم ، روي أن أبا أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال لأم أيوب أما ترين ما يقال ؟
فقالت لو كنت بدل صفوان أكنت تظن بحرم رسول الله سوءاً ؟
قال لا ، قالت ولو كنت بدل عائشة ما خنت رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، فعائشة خير مني وصفوان خير منك. وقال ابن زيد ذلك معاتبة للمؤمنين إذ المؤمن لا يفجر بأمه ولا الأم بابنها وعائشة رضي الله عنها هي أم المؤمنين والثاني : أنه جعل المؤمنين كالنفس الواحدة فيما يجري عليها من الأمور فإذا جرى على أحدهم مكروه فكأنه جرى على جميعهم. عن النعمان بن بشير قال عليه السلام : "مثل المسلمين في تواصلهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا وجع بعضه بالسهر والحمى وجع كله" وعن أبي بردة قال عليه السلام : "المؤمنون للؤمنين كالبنيان يشد بعضه بعضاً".
جزء : 23 رقم الصفحة : 342
السؤال الثالث : ما معنى قوله : {هَـاذَآ إِفْكٌ مُّبِينٌ} وهل يحل لمن يسمح ما لا يعرفه / أن يقول ذلك ؟
الجواب : من وجهين : الأول : كذلك يجب أن يقول ، لكنه يخبر بذلك عن قول القاذف الذي لا يستند إلى أمارة ولا عن حقيقة الشيء الذي لا يعلمه الثاني : أن ذلك واجب في أمر عائشة لأن كونها زوجة الرسول صلى الله عليه وسلّم المعصوم عن جميع المنفرات كالدليل القاطع في كون ذلك كذباً ، قال أبو بكر الرازي هذا يدل على أن الواجب فيمن كان ظاهره العدالة أن يظن به خيراً ، ويوجب أن يكون عقود المسلمين وتصرفاتهم محمولة على الصحة والجواز ، ولذلك قال أصحابنا فيمن وجد رجلاً مع امرأة أجنبية فاعترفا بالتزويج إنه لا يجوز تكذيبهما بل يجب تصديقهما وزعم مالك أنه يحدهما أن لم يقيما بينة على النكاح ، ومن ذلك أيضاً ما قال أصحابنا رضي الله عنهم فيمن باع درهماً وديناراً بدرهمين ودينارين إنه يخالف بينهما لأنا قد أمرنا بحسن الظن بالمؤمنين فوجب حمله على ما يجوز وهو المخالفة بينهما/ وكذلك إذا باع سيفاً محلى فيه مائة درهم بمائتي درهم إنا نجعل المائة بالمائة والفضل بالسيف ، وهو يدل أيضاً على قول أبي حنيفة رحمه الله في أن المسلمين عدول ما لم يظهر منهم ريبة لأنا مأمورون بحسن الظن ، وذلك يوجب قبول الشهادة ما لم يظهر منه ريبة توجب التوقف عنها أوردها ، قال تعالى : {إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِى مِنَ الْحَقِّ شَيْـاًا } (النجم : 28).
النوع الثاني
جزء : 23 رقم الصفحة : 342
السؤال الثالث : ما معنى قوله : {هَـاذَآ إِفْكٌ مُّبِينٌ} وهل يحل لمن يسمح ما لا يعرفه / أن يقول ذلك ؟
الجواب : من وجهين : الأول : كذلك يجب أن يقول ، لكنه يخبر بذلك عن قول القاذف الذي لا يستند إلى أمارة ولا عن حقيقة الشيء الذي لا يعلمه الثاني : أن ذلك واجب في أمر عائشة لأن كونها زوجة الرسول صلى الله عليه وسلّم المعصوم عن جميع المنفرات كالدليل القاطع في كون ذلك كذباً ، قال أبو بكر الرازي هذا يدل على أن الواجب فيمن كان ظاهره العدالة أن يظن به خيراً ، ويوجب أن يكون عقود المسلمين وتصرفاتهم محمولة على الصحة والجواز ، ولذلك قال أصحابنا فيمن وجد رجلاً مع امرأة أجنبية فاعترفا بالتزويج إنه لا يجوز تكذيبهما بل يجب تصديقهما وزعم مالك أنه يحدهما أن لم يقيما بينة على النكاح ، ومن ذلك أيضاً ما قال أصحابنا رضي الله عنهم فيمن باع درهماً وديناراً بدرهمين ودينارين إنه يخالف بينهما لأنا قد أمرنا بحسن الظن بالمؤمنين فوجب حمله على ما يجوز وهو المخالفة بينهما/ وكذلك إذا باع سيفاً محلى فيه مائة درهم بمائتي درهم إنا نجعل المائة بالمائة والفضل بالسيف ، وهو يدل أيضاً على قول أبي حنيفة رحمه الله في أن المسلمين عدول ما لم يظهر منهم ريبة لأنا مأمورون بحسن الظن ، وذلك يوجب قبول الشهادة ما لم يظهر منه ريبة توجب التوقف عنها أوردها ، قال تعالى : {إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِى مِنَ الْحَقِّ شَيْـاًا } (النجم : 28).
النوع الثاني
جزء : 23 رقم الصفحة : 342
342
(1/3299)

وهذا من باب الزواجر ، والمعنى هلا أتوا على ما ذكروه بأربعة شهداء يشهدون على معاينتهم فيما رموها به {فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَآءِ} (النور : 13) أي فحين لم يقيموا بينة على ما قالوا ، فأولئك عند الله أي في حكمه هم الكاذبون ، فإن قيل : أليس إذا لم يأتوا بالشهداء فإنه يجوز كونهم صادقين كما يجوز كونهم كاذبين فلم جزم بكونهم كاذبين ؟
والجواب من وجهين : الأول : أن المراد بذلك الذين رموا عائشة خاصة وهم كانوا عند الله كاذبين الثاني : المراد فأولئك عند الله في حكم الكاذبين فإن الكاذب يجب زجره عن الكذب ، والقاذف إن لم يأت بالشهود فإنه يجب زجره فلما كان شأنه شأن الكاذب في الزجر لا جرم أطلق عليه لفظ الكاذب مجازاً.
النوع الثالث
جزء : 23 رقم الصفحة : 342
343
/ وهذا من باب الزواجر أيضاً ، ولولا ههنا لامتناع الشيء لوجود غيره ، ويقال أفاض في الحديث واندفع وخاض ، وفي المعنى وجهان : الأول : ولولا أني قضيت أن أتفضل عليكم في الدنيا بضروب النعم التي من جملتها الإمهال للتوبة ، وأن أترحم عليكم في الآخرة بالعفو والمغفرة لعاجلتكم بالعقاب على ما خضتم فيه من حديث الإفك والثاني : ولولا فضل الله عليكم ورحمته لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم في الدنيا والآخرة معاً ، فيكون فيه تقديم وتأخير ، والخطاب للقذفة وهو قول مقاتل ، وهذا الفضل هو حكم الله تعالى من تأخيره العذاب وحكمه بقبول التوبة لمن تاب.
النوع الرابع
جزء : 23 رقم الصفحة : 343
344
وهذا أيضاً من الزواجر قال صاحب "الكشاف" إذ ظرف لمسكم أو لأفضتم ومعنى تلقونه يأخذه بعضكم من بعض يقال تلقى القول وتلقنه وتلقفه ومنه قوله تعالى : {فَتَلَقَّى ا ءَادَمُ مِن رَّبِّه كَلِمَـاتٍ} (البقرة : 37) وقرىء على الأصل تتلقونه وإتلقونه بإدغام الذال في التاء وتلقونه من لقيه بمعنى لفقه وتلقونه من إلقائه بعضهم على بعض وتلقونه ، وتألقونه من الولق والألف وهو الكذب ، وتلقونه محكية عن عائشة ، وعن سفيان : سمعت أمي تقرأ إذ تثقفونه ، وكان أبوها يقرأ بحرف عبدالله بن مسعود ، واعلم أن الله تعالى وصفهم بارتكاب ثلاثة آثام وعلق مس العذاب العظيم بها أحدها : تلقي الإفك بألسنتهم وذلك أن الرجل كان يلقى الرجل فيقول له ما وراءك ؟
فيحدثه بحديث الإفك حتى شاع واشتهر فلم يبق بيت ولا ناد إلا طار فيه ، فكأنهم سعوا في إشاعة الفاحشة وذلك من العظائم وثانيها : أنهم كانوا يتكلمون بما لا علم لهم به ، وذلك يدل على أنه لا يجوز الإخبار إلا مع العلم فأما الذي لا يعلم صدقه فالإخبار عنه كالإخبار عما علم كذبه في الحرمة ، ونظيره قوله : {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِه عِلْمٌ } (الإسراء : 36) فإن قيل ما معنى قوله : {بِأَفْوَاهِكُم} والقول لا يكون إلا بالفم ؟
قلنا معناه أن الشيء المعلوم يكون علمه في القلب فيترجم عنه باللسان وهذا الإفك ليس إلا قولاً يجري على ألسنتكم من غير أن يحصل في القلب علم به ، كقوله : {يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ } (آل عمران : 167) وثالثها : أنهم كانوا يستصغرون ذلك وهو عظيم من العظائم ، ويدل على أمور ثلاثة : الأول : يدل على أن القذف من الكبائر لقوله : {وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ} الثاني : نبه بقوله : {وَتَحْسَبُونَه هَيِّنًا} على أن عظم المعصية لا يختلف بظن فاعلها وحسبانه ، بل ربما كان ذلك مؤكداً لعظمها من حيث جهل كونها عظيماً ، / الثالث : الواجب على المكلف في كل محرم أن يستعظم الإقدام عليه ، إذ لا يأمن أنه من الكبائر ، وقيل لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار.
النوع الخامس
جزء : 23 رقم الصفحة : 344
345
(1/3300)

وهذا من باب الآداب ، أي هلا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا ، وإنما وجب عليهم الامتناع منه لوجوه : أحدها : أن المقتضى لكونهم تاركين لهذا الفعل قائم وهو العقل والدين ، ولم يوجد ما يعارضه فوجب أن يكون ظن كونهم تاركين للمعصية أقوى من ظن كونهم فاعلين لها ، فلو أنه أخبر عن صدور المعصية لكان قد رجح المرجوح على الراجح وهو غير جائز وثانيها : وهو أنه يتضمن إيذاء الرسول وذلك سبب للعن لقوله تعالى : {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَه لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِى الدُّنْيَا وَالاخِرَةِ} (الأحزاب : 57) وثالثها : أنه سبب لإيذاء عائشة وإيذاء أبويها ومن يتصل بهم من غير سبب عرف إقدامهم عليه ، ولا جناية عرف صدورها عنهم ، وذلك حرام ورابعها : أنه إقدام على ما يجوز أن يكون سبباً للضرر مع الاستغناء عنه ، والعقل يقتضي التباعد عنه لأن القاذف بتقدير كونه صادقاً لا يستحق الثواب على صدقه بل يستحق العقاب لأنه أشاع الفاحشة ، وبتقدير كونه كاذباً فإنه يستحق العقاب العظيم ، ومثل ذلك مما يقتضي صريح العقل الاحتراز عنه وخامسها : أنه تضييع للوقت بما لا فائدة فيه ، وقال عليه الصلاة والسلام : "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" وسادسها : أن في إظهار محاسن الناس وستر مقابحهم تخلقاً بأخلاق الله تعالى ، وقال عليه السلام : "تخلقوا بأخلاق الله" فهذه الوجوه توجب على العاقل أنه إذا سمع القذف أن يسكت عنه وأن يجتهد في الاحتراز عن الوقوع فيه ، فإن قيل كيف جاز الفصل بين لولا وبين قلتم بالظرف ؟
قلنا الفائدة فيه أنه كان الواجب عليهم أن يحترزوا أول ما سمعوا بالإفك عن التكلم به.
أما قوله : {سُبْحَـانَكَ هَـاذَا بُهْتَـانٌ عَظِيمٌ} ففيه سؤالان :
/ السؤال الأول : كيف يليق سبحانك بهذا الموضع ؟
الجواب : من وجوه : الأول : المراد منه التعجب من عظم الأمر ، وإنما استعمل في معنى التعجب لأنه يسبح الله عند رؤية العجيب من صانعه ثم كثر حتى استعمل في كل متعجب منه الثاني : المراد تنزيه الله تعالى عن أن تكون زوجة نبيه فاجرة الثالث : أنه منزه عن أن يرضى بظلم هؤلاء الفرقة المفترين الرابع : أنه منزه عن أن لا يعاقب هؤلاء القذفة الظلمة.
/
جزء : 23 رقم الصفحة : 345
السؤال الثاني : لم أوجب عليهم أن يقولوا هذا بهتان عظيم مع أنهم ما كانوا عالمين بكونه كذباً قطعاً ؟
والجواب : من وجهين : الأول : أنهم كانوا متمكنين من العلم بكونه بهتاناً ، لأن زوجة الرسول لا يجوز أن تكون فاجرة الثاني : أنهم لما جزموا أنهم ما كانوا ظانين له بالقلب كان إخبارهم عن ذلك الجزم كذباً ، ونظيره قوله : {وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَـافِقِينَ لَكَـاذِبُونَ} (المنافقون : 1).
النوع السادس
جزء : 23 رقم الصفحة : 345
السؤال الثاني : لم أوجب عليهم أن يقولوا هذا بهتان عظيم مع أنهم ما كانوا عالمين بكونه كذباً قطعاً ؟
والجواب : من وجهين : الأول : أنهم كانوا متمكنين من العلم بكونه بهتاناً ، لأن زوجة الرسول لا يجوز أن تكون فاجرة الثاني : أنهم لما جزموا أنهم ما كانوا ظانين له بالقلب كان إخبارهم عن ذلك الجزم كذباً ، ونظيره قوله : {وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَـافِقِينَ لَكَـاذِبُونَ} (المنافقون : 1).
النوع السادس
جزء : 23 رقم الصفحة : 345
347
وهذا من باب الزواجر ، والمعنى يعظكم الله بهذه المواعظ التي بها تعرفون عظم هذا الذنب وأن فيه الحد والنكال في الدنيا والعذاب في الآخرة ، لكي لا تعودوا إلى مثل هذا العمل أبداً وأبدهم ما داموا أحياء مكلفين ، وقد دخل تحت ذلك من قال ومن سمع فلم ينكر ، لأن حالهما سواء في أن فعلا ما لا يجوز وإن كان من أقدم عليه أعظم ذنباً ، فبين أن الغرض بما عرفهم من هذه الطريقة أن لا يعودوا إلى مثل ما تقدم منهم وههنا مسائل :
المسألة الأولى : استدلت المعتزلة بقوله : {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} على أن ترك القذف من الإيمان وعلى أن فعل القذف لا يبقى معه الإيمان ، لأن المعلق على الشرط عدم عند عدم الشرط والجواب : هذا معارض بقوله : {إِنَّ الَّذِينَ جَآءُو بِالافْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ } (النور : 11) أي منكم أيها المؤمنون فدل ذلك على أن القذف لا يوجب الخروج عن الإيمان وإذا ثبت التعارض حملنا هذه الآية على التهييج في الإتعاظ والانزجار.
المسألة الثانية : قالت المعتزلة دلت هذه الآية على أنه تعالى أراد من جميع من وعظه مجانبه مثل ذلك في المستقبل وإن كان فيهم من لا يطيع ، فمن هذا الوجه تدل على أنه تعالى يريد من كلهم الطاعة وإن عصوا ، لأن قوله : {يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا } معناه لكي لا تعودوا لمثله وذلك دلالة الإرادة والجواب : عنه قد تقدم مراراً.
(1/3301)

المسألة الثالثة : هل يجوز أن يسمى الله تعالى واعظاً لقوله : {يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا } ؟
الأظهر أنه لا يجوز كما لا يجوز أن يسمى معلماً لقوله : {الرَّحْمَـانُ * عَلَّمَ الْقُرْءَانَ} (الرحمن : 1/2).
أما قوله تعالى : {وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الايَـاتِا وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} فالمراد من الآيات ما به يعرف المرء ما ينبغي أن يتمسك به ، ثم بين أنه لكونه عليماً حكيماً يؤثر بما يجب أن يبينه ويجب أن يطاع لأجل ذلك ، لأن من لا يكون عالماً لا يجب قبول تكليفه ، لأنه قد يأمر بما لا ينبغي ، ولأن / المكلف إذا أطاعه فقد لا يعلم أنه أطاعه ، وحينئذ لا يبقى للطاعة فائدة ، وأما من كان عالماً لكنه لا يكون حكيماً فقد يأمره بما لا ينبغي فإذا أطاعه المكلف فقد يعذب المطيع وقد يثيب العاصي ، وحينئذ لا يبقى للطاعة فائدة ، وأما إذا كان عليماً حكيماً فإنه لا يأمر إلا بما ينبغي ولا يهمل جزاء المستحقين ، فلهذا ذكر هاتين الصفتين وخصهما بالذكر ، وههنا سؤالات :
جزء : 23 رقم الصفحة : 347
الأول : الحكيم هو الذي لا يأتي بما لا ينبغي ، وإنما يكون كذلك لو كان عالماً بقبح القبيح وعالماً بكونه غنياً عنه فيكون العليم داخلاً في الحكيم ، فكان ذكر الحكيم مغنياً عنه. هذا على قول المعتزلة ، وأما على قول أهل السنة والجماعة فالحكمة هي العلم فقط ، فذكر العليم الحكيم يكون تكراراً محضاً الجواب : يحمل ذلك على التأكيد.
السؤال الثاني : قالت المعتزلة دلت الآية على أنه إنما يجب قبول بيان الله تعالى لمجرد كونه عالماً حكيماً ، والحكيم هو الذي لا يفعل القبائح فتدل الآية على أنه لو كان خالقاً للقبائح لما جاز الاعتماد على وعده ووعيده والجواب : الحكم عندنا هو العليم ، وإنما يجوز الاعتماد على قوله لكونه عالماً بكل المعلومات ، فإن الجاهل لا اعتماد على قوله ألبتة.
السؤال الثالث : قالت المعتزلة قوله : {يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ} أي لأجلكم ، وهذا يدل على أن أفعاله معللة بالأغراض ، ولأن قوله : {لَكُمْ} لا يجوز حمله على ظاهره لأنه ليس الغرض نفس ذواتهم بل الغرض حصول انتفاعهم وطاعتهم وإيمانهم/ فدل هذا على أنه تعالى يريد الإيمان من الكل والجواب : المراد أنه سبحانه فعل بهم ما لو فعله غيره لكان ذلك غرضاً.
النوع السابع
جزء : 23 رقم الصفحة : 347
347
اعلم أنه سبحانه لما بين ما على أهل الإفك وما على من سمع منهم ، وما ينبغي أن يتمسكوا به من آداب الدين أتبعه بقوله : {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَـاحِشَةُ} ليعلم أن من أحب ذلك فقد شارك في هذا الذم كما شارك فيه من فعله ومن لم ينكره ، وليعلم أن أهل الأفك كما عليهم العقوبة فيما أظهروه ، فكذلك يستحقون العقاب بما أسروه من محبة إشاعة الفاحشة في المؤمنين ، وذلك يدل على وجوب سلامة القلب للمؤمنين كوجوب كف الجوارح والقول عما يضربهم ، وههنا مسائل :
المسألة الأولى : معنى الإشاعة الانتشار يقال في هذا العقار سهم شائع إذا كان في الجميع ولم يكن منفصلاً ، وشاع الحديث إذا ظهر في العامة.
/ المسألة الثانية : لا شك أن ظاهر قوله : {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ} يفيد العموم وأنه يتناول كل من كان بهذه الصفة ، ولا شك أن هذه الآية نزلت في قذف عائشة إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فوجب إجراؤها على ظاهرها في العموم ، ومما يدل على أنه لا يجوز تخصيصها بقذفة عائشة قوله تعالى في : {الَّذِينَ كَفَرُوا } فإنه صيغة جمع ولو أراد عائشة وحدها لم يجز ذلك ، والذين خصصوه بقذفة عائشة منهم من حمله على عبدالله بن أبي ، لأنه هو الذي سعى في إشاعة الفاحشة قالوا معنى الآية : {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ} والمراد عبدالله أن تشيع الفاحشة أي الزنا في الذين آمنوا أي في عائشة وصفوان.
المسألة الثالثة : روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أنه قال : "إني لأعرف قوماً يضربون صدورهم ضرباً يسمعه أهل النار ، وهم الهمازون اللمازون الذين يلتمسون عورات المسلمين ويهتكون ستورهم ويشيعون فيهم من الفواحش ما ليس فيهم" وعنه عليه الصلاة والسلام : "لا يستر عبد مؤمن عورة عبد مؤمن إلا ستره الله يوم القيامة ومن أقال مسلماً صفقته أقال الله عثرته يوم القيامة ومن ستر عورته ستر الله عورته يوم القيامة" وعنه عليه الصلاة والسلام : "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه" وعن عبدالله بن عمر عنه عليه الصلاة والسلام قال : "من سره أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويحب أن يؤتى إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه" وعن أنس قال : قال عليه الصلاة والسلام : "لا يؤمن العبد حتى يجب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير".
جزء : 23 رقم الصفحة : 347
(1/3302)

المسألة الرابعة : اختلفوا في عذاب الدنيا ، فقال بعضهم إقامة الحد عليهم ، وقال بعضهم هو الحد واللعن والعداوة من الله والمؤمنين ، ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلّم عبدالله بن أبي وحسان ومسطح ، وقعد صفوان لحسان فضربه ضربة بالسيف فكف بصره ، وقال الحسن عنى به المنافقين لأنهم قصدوا أن يغموا رسول الله صلى الله عليه وسلّم ومن أراد غم رسول الله صلى الله عليه وسلّم فهو كافر ، وعذابهم في الدنيا هو ما كانوا يتعبون فيه وينفقون لمقاتلة أوليائهم مع أعدائهم ، وقال أبو مسلم : الذين يحبون هم المنافقون يحبون ذلك فأوعدهم الله تعالى العذاب في الدنيا على يد الرسول صلى الله عليه وسلّم بالمجاهدة لقوله : {جَـاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَـافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ } (التوبة : 73) والأقرب أن المراد بهذا العذاب ما استحقوه بإفكهم وهو الحد واللعن والذم. فأما عذاب الآخرة فلا شك أنه في القبر عذابه/ وفي القيامة عذاب النار.
أما قوله : {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ} فهو حسن الموقع بهذا الموضع لأن محبة القلب كامنة ونحن لا نعلمها إلا بالأمارات ، أما الله سبحانه فهو لا يخفى عليه شيء ، فصار هذا الذكر نهاية في الزجر لأن من أحب إشاعة الفاحشة وإن بالغ في إخفاء تلك المحبة فهو يعلم أن الله تعالى يعلم ذلك منه وإن علمه سبحانه بذلك الذي أخفاه كعلمه بالذي أظهره ويعلم قدر الجزاء عليه.
/ المسألة الخامسة : الآية تدل على أن العزم على الذنب العظيم عظيم ، وأن إرادة الفسق فسق ، لأنه تعالى علق الوعيد بمحبة إشاعة الفاحشة.
المسألة السادسة : قال الجبائي دلت الآية على أن كل قاذف لم يتب من قذفه فلا ثواب له من حيث استحق هذا العذاب الدائم ، وذلك يمنع من استحقاق ضده الذي هو الثواب ، فمن هذا الوجه تدل على ما نقوله في الوعيد ، واعلم أن حاصله يرجع إلى مسألة المحابطة وقد تقدم الكلام عليه.
المسألة السابعة : قالت المعتزلة : إن الله تعالى بالغ في ذم من أحب إشاعة الفاحشة ، فلو كان تعالى هو الخالق لأفعال العباد لما كان مشيع الفاحشة إلا هو ، فكان يجب أن لا يستحق الذم على إشاعة الفاحشة إلا هو ، لأنه هو الذي فعل تلك الإشاعة وغيره لم يفعل شيئاً منها ، والكلام عليه أيضاً قد تقدم.
المسألة الثامنة : قال أبو حنيفة رحمه الله : المصابة بالفجور لا تستنطق ، لأن استنطاقها إشاعة للفاحشة وذلك ممنوع منه.
النوع الثامن
جزء : 23 رقم الصفحة : 347
348
وفيه وجوه : أحدها : أن جوابه محذوف وكأنه قال لهلكتم أو لعذبكم الله واستأصلكم لكنه رؤوف رحيم ، قال ابن عباس الخطاب لحسان ومسطح وحمنة ، ويجوز أن يكون الخطاب عاماً والثاني : جوابه في قوله : {زَكَى مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا} (النور : 21) والثالث : جوابه لكانت الفاحشة تشيع فتعظم المضرة وهو قول أبي مسلم ، والأقرب أن جوابه محذوف لأن قوله من بعد {وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُه مَا زَكَى مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ} (النور : 21) كالمنفصل من الأول فلا يجب أن يكون جواباً للأول ، خصوصاً وقد وقع بين الكلامين كلام آخر ، والمراد أنه لولا إنعامه بأن بقي وأمهل ومكن من التلافي لهلكوا ، لكنه لرأفته لا يدع ما هو للعبد أصلح وإن جنى على نفسه.
النوع التاسع
جزء : 23 رقم الصفحة : 348
353
/ قرىء خطوات بضم الطاء وسكونها ، والخطوات جمع خطوة وهو من خطا الرجل يخطو خطواً ، فإذا أردت الواحدة قلت خطوة مفتوحة الأول ، والجمع يفتح أوله ويضم ، والمراد بذلك السيرة والطريقة ، والمعنى لا تتبعوا آثار الشيطان ولا تسلكوا مسالكه في الإصغاء إلى الإفك والتلقي له وإشاعة الفاحشة في الذين آمنوا ، والله تعالى وإن خص بذلك المؤمنين فهو نهي لكل المكلفين وهو قوله : {وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَـانِ فَإِنَّه يَأْمُرُ بِالْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِ } ومعلوم أن كل المكلفين ممنوعون من ذلك ، وإنما قلنا إنه تعالى خص المؤمنين بذلك لأنه توعدهم على اتباع خطواته بقوله : {وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَـانِ} وظاهر ذلك أنهم لم يتبعوه ، ولو كان المراد به الكفار لكانوا قد اتبعوه ، فكأنه سبحانه لما بين ما على أهل الإفك من الوعيد أدب المؤمنين أيضاً ، بأن خصهم بالذكر ليتشددوا في ترك المعصية ، لئلا يكون حالهم كحال أهل الإفك والفحشاء والفاحشة ما أفرط قيحه ، والمنكر ما تنكره النفوس فتنفر عنه ولا ترتضيه.
جزء : 23 رقم الصفحة : 353
(1/3303)

أما قوله : {وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُه مَا زَكَى مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا} (النور : 21) فقرأ يعقوب وابن محيصن ما زكى بالتشديد ، واعلم أن الزكي من بلغ في طاعة الله مبلغ الرضا ومنه يقال زكى الزرع ، فإذا بلغ المؤمن من الصلاح في الدين إلى ما يرضاه الله تعالى سمى زكياً ، ولا يقال زكى إلا إذا وجد زكياً ، كما لا يقال لمن ترك الهدى هداه الله تعالى مطلقاً ، بل يقال هداه الله فلم يهتد ، واحتج أصحابنا في مسألة المخلوق بقوله : {وَلَـاكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّى مَن يَشَآءُ } (النور : 21) فقالوا التزكية كالتسويد والتحمير فكما أن التسويد تحصيل السواد ، فكذا التزكية تحصيل الزكاء في المحل ، قالت المعتزلة ههنا تأويلان : أحدهما : حمل التزكية على فعل الألطاف والثاني : حملها على الحكم بكون العبد زكياً ، قال أصحابنا : الوجهان على خلاف الظاهر ، ثم نقيم الدلالة العقلية على بطلانهما أيضاً أما الوجه الأول : فيدل على فساده وجوه : أحدها : أن فعل اللطف هل يرجح الداعي أو لا يرجحه فإن لم يرجحه ألبتة لم يكن به تعلق فلا يكون لطفاً ، وإن رجحه فنقول المرجح لا بد وأن يكون منتهياً إلى حد الوجوب ، فإنه مع ذلك القدر من الترجيح إما أن يمتنع وقوع الفعل عنده أو يمكن أو يجب ، فإن امتنع كان مانعاً لا داعياً ، وإن أمكن أن يكون وأن لا يكون ، فكل ما يمكن لا يلزم من فرض وقوعه محال ، فليفرض تارة واقعاً وأخرى غير واقع ، فامتياز وقت الوقوع عن وقت اللاوقوع ، إما أن يتوقف على انضمام قيد إليه أو لا يتوقف ، فإن توقف كان المرجح هو المجموع الحاصل بعد انضمام هذا القيد ، فلا يكون الحاصل أولاً مرجحاً ، وإن لم يتوقف كان اختصاص أحد الوقتين بالوقوع والآخر باللاوقوع ترجيحاً للممكن من غير مرجح وهو محال ، وأما إن اللطف مرجحاً موجباً كان فاعل اللطف فاعلاً للملطوف فيه ، فكان تعالى فاعلاً لفعل العبد الثاني : أنه تعالى قال : {وَلَـاكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّى مَن يَشَآءُ } علق التزكية على المشيئة وفعل اللطف واجب ، والواجب لا يتعلق بالمشيئة الثالث : أنه علق التزكية على الفضل والرحمة وخلق / الألطاف واجب فلا يكون معلقاً بالفضل والرحمة وأما الوجه الثاني : وهو الحكم بكونه زكياً فذلك واجب لأنه لو يحكم به لكان كذباً والكذب على الله تعالى محال ، فكيف يجوز تعليقه بالمشيئة ؟
فثبت أن قوله : {وَلَـاكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّى مَن يَشَآءُ } نص في الباب.
جزء : 23 رقم الصفحة : 353
أما قوله : {وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} فالمراد أنه يسمع أقوالكم في القذف وأقوالكم في إثبات البراءة ، عليم بما في قلوبكم من محبة إشاعة الفاحشة أو من كراهيتها ، وإذا كان كذلك وجب الاحتراز عن معصيته.
جزء : 23 رقم الصفحة : 353
355
اعلم أنه تعالى كما أدب أهل الإفك ومن سمع كلامهم كما قدمنا ذكره ، فكذلك أدب أبا بكر لما حلف أن لا ينفق على مسطح أبداً ، قال المفسرون : نزلت الآية في أبي بكر حيث حلف أن لا ينفق على مسطح وهو ابن خالة أبي بكر ، وقد كان يتيماً في حجره وكان ينفق عليه وعلى قرابته ، فلما نزلت الآية قال لهم أبو بكر قوموا فلستم مني ولست منكم ولا يدخلن على أحد منكم ، فقال مسطح أنشدك الله والإسلام وأنشدك القرابة والرحم أن لا تحوجنا إلى أحد ، فما كان لنا في أول الأمر من ذنب ، فقال لمسطح إن لم تتكلم فقد ضحكت فقال قد كان ذلك تعجباً من قول حصان فلم يقبل عذره ، وقال انطلقوا أيها القوم فإن الله لم يجعل لكم عذراً ولا فرجاً ، فخرجوا لا يدرون أين يذهبون وأين يتوجهون من الأرض ، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلّم يخبره بأن الله تعالى قد أنزل علي كتاباً ينهاك فيه أن تخرجهم فكبر أبو بكر وسره ، وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلّم الآية عليه فلما وصل إلى قوله : {أَلا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ } قال بلى يا رب إني أحب أن يغفر لي ، وقد تجاوزت عما كان ، فذهب أبو بكر إلى بيته وأرسل إلى مسطح وأصحابه ، وقال قبلت ما أنزل الله على الرأس والعين ، وإنما فعلت بكم ما فعلت إذ سخط الله عليكم ، أما إذا عفا عنكم فمرحباً بكم ، وجعل له مثلي ما كان له قبل ذلك اليوم ، وههنا مسائل :
(1/3304)

المسألة الأولى : ذكروا في قوله : {وَلا يَأْتَلِ} وجهين : الأول : وهو المشهور أنه من ائتلى إذا حلف ، افتعل من الألية ، والمعنى لا يحلف ، قال أبو مسلم هذا ضعيف لوجهين : أحدهما : / أن ظاهر الآية على هذا التأويل يقتضي المنع من الحلف على الإعطاء وهم أرادوا المنع من الحلف على ترك الإعطاء ، فهذا المتأول قد أقام النفي مكان الإيجاب وجعل المنهي عنه مأموراً به ؛ وثانيهما : أنه قلما يوجد في الكلام افتعلت مكان أفعلت ، وإنما يوجد مكان فعلت ، وهنا آليت من الألية افتعلت. فلا يقال أفعلت كما لا يقال من ألزمت التزمت ومن أعطيت اعتطيت ، ثم قال في يأتل إن أصله يأتلي ذهبت الياء للجزم لأنه نهى وهو من قولك ما آلوت فلاناً نصحاً ، ولم آل في أمري جهداً ، أي ما قصرت ولا يأل ولا يأتل واحداً ، فالمراد لا تقصروا في أن تحسنوا إليهم ويوجد كثيراً افتعلت مكان فعلت تقول كسبت واكتسبت وصنعت واصطنعت ورضيت وارتضيت ، فهذا التأويل هو الصحيح دون الأول ، ويروى هذا التأويل أيضاً عن أبي عبيدة. أجاب الزجاج عن السؤال الأول بأن لا تخذف في اليمين كثيراً قال الله تعالى : {وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لايْمَـانِكُمْ أَن تَبَرُّوا } (البقرة : 224) يعني أن لا تبروا ، وقال امرؤ القيس :
جزء : 23 رقم الصفحة : 355
فقلت يمين الله أبرح قاعدا
ولو قطعوا رأسي إليك وأوصالي
أي لا أبرح ، وأجابوا عن السؤال الثاني ، أن جميع المفسرين الذين كانوا قبل أبي مسلم فسروا اللفظة باليمين وقول كل واحد منهم حجة في اللغة فكيف الكل ، ويعضده قراءة الحسن ولا يتأل.
المسألة الثانية : أجمع المفسرون على أن المراد من قوله : {أُوْلُوا الْفَضْلِ} أبو بكر ، وهذه الآية تدل على أنه رضي الله عنه كان أفضل الناس بعد الرسول صلى الله عليه وسلّم لأن الفضل المذكور في هذه الآية إما في الدنيا وإما في الدين/ والأول باطل لأنه تعالى ذكره في معرض المدح له ، والمدح من الله تعالى بالدنيا غير جائز ، ولأنه لو كان كذلك لكان قوله : {وَالسَّعَةِ} تكريراً فتعين أن يكون المراد منه الفضل في الدين ، فلو كان غيره مساوياً له في الدرجات في الدين لم يكن هو صاحب الفضل لأن المساوي لا يكون فاضلاً ، فلما أثبت الله تعالى له الفضل مطلقاً غير مقيد بشخص دون شخص وجب أن يكون أفضل الخلق ترك العمل به في حق الرسول صلى الله عليه وسلّم فيبقى معمولاً به في حق الغير ، فإن قيل نمنع إجماع المفسرين على اختصاص هذه الآية بأبي بكر ، قلنا كل من طالع كتب التفسير والأحاديث علم أن اختصاص هذه الآية بأبي بكر بالغ إلى حد التواتر ، فلو جاز منعه لجاز منع كل متواتر ، وأيضاً فهذه الآية دالة على أن المراد منها أفضل الناس ، وأجمعت الأمة على أن الأفضل إما أبو بكر أو علي ، فإذا بينا أنه ليس المراد علياً تعينت الآية لأبي بكر ، وإنما قلنا إنه ليس المراد منه علياً لوجهين : الأول : أن ما قبل هذه الآية وما بعدها يتعلق بابنة أبي بكر فيكون حديث علي في البين سمجاً الثاني : أنه تعالى وصفه بأنه من أولي السعة ، وإن علياً لم يكن من أولي السعة في الدنيا في ذلك الوقت ، فثبت أن المراد منه أبو بكر قطعاً ، واعلم أن الله تعالى وصف أبا بكر في هذه الآية بصفات عجيبة دالة على علو شأنه في الدين أحدها : أنه سبحانه كنى عنه بلفظ الجمع والواحد إذا كنى عنه بلفظ الجمع دل على علو شأنه / كقوله تعالى : {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ} (الحجر : 9) ، {إِنَّآ أَعْطَيْنَـاكَ الْكَوْثَرَ} (الكوثر : 1) فانظر إلى الشخص الذي كناه الله سبحانه مع جلاله بصيغة الجمع كيف يكون علو شأنه وثانيها : وصفه بأنه صاحب الفضل على الإطلاق من غير تقييد لذلك بشخص دون شخص ، والفضل يدخل فيه الإفضال ، وذلك يدل على أنه رضي الله عنه كما كان فاضلاً على الإطلاق كان مفضلاً على الإطلاق وثالثها : أن الإفضال إفادة ما ينبغي لا لعوض ، فمن يهب السكين لمن يقتل نفسه لا يسمى مفضلاً لأنه أعطى مالاً ينبغي ، ومن أعطى ليستفيد منه عوضاً إما مالياً أو مدحاً أو ثناء فهو مستفيض والله تعالى قد وصفه بذلك فقال :
جزء : 23 رقم الصفحة : 355
(1/3305)

{وَسَيُجَنَّبُهَا الاتْقَى * الَّذِى يُؤْتِى مَالَه يَتَزَكَّى * وَمَا لاحَدٍ عِندَه مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى * إِلا ابْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِ الاعْلَى } (الليل : 17 ـ 20) وقال في حق علي : {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا} (الإنسان : 9 ، 10) فعلي أعطى للخوف من العقاب ، وأبو بكر ما أعطى إلا لوجه ربه الأعلى ، فدرجة أبي بكر أعلى فكانت عطيته في الإفضال أتم وأكمل ورابعها : أنه قال : {أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ} فكلمة من للتمييز ، فكأنه سبحانه ميزه عن كل المؤمنين بصفة كونه أولي الفضل ، والصفة التي بها يقع الامتياز يستحيل حصولها في الغير ، وإلا لما كانت مميزة له بعينه ، فدل ذلك على أن هذه الصفة خاصة فيه لا في غيره ألبتة وخامسها : أمكن حمل الفضل على طاعة الله تعالى وخدمته وقوله : {وَالسَّعَةِ} على الإحسان إلى المسلمين ، فكأنه كان مستجمعاً للتعظيم لأمر الله تعالى والشفقة على خلق الله وهما من أعلى مراتب الصديقين ، وكل من كان كذلك كان الله معه لقوله : {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ} ولأجل اتصافه بهاتين الصفتين قال له : {لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا } (التوبة : 40) وسادسها : إنما يكون الإنسان موصوفاً بالسعة لو كان جواداً بذولاً ، ولقد قال عليه الصلاة والسلام : "خير الناس من ينفع الناس" فدل على أنه خير الناس من هذه الجهة/ ولقد كان رضي الله عنه جواداً بذولاً في كل شيء ، ومن جوده أنه لما أسلم بكرة اليوم جاء بعثمان بن عفان وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وعثمان بن مظعون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم بعد أن أسلموا على يده ، وكان جوده في التعليم والإرشاد إلى الدين والبذل بالدينا كما هو مشهور ، فيحق له أن يوصف بأنه من أهل السعة ، وأيضاً فهب أن الناس اختلفوا في أنه هل كان إسلامه قبل إسلام علي أو بعده ، ولكن اتفقوا على أن علياً حين أسلم لم يشتغل بدعوة الناس إلى دين محمد صلى الله عليه وسلّم وأن أبا بكر اشتغل بالدعوة فكان أبو بكر أول الناس اشتغالاً بالدعوة إلى دين محمد ، ولا شك أن أجل المراتب في الدين هذه المرتبة فوجب أن يكون أفضل الناس بعد الرسول صلى الله عليه وسلّم هو أبو بكر من هذه الجهة ولأنه عليه السلام قال : "من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة" فوجب أن يكون لأبي بكر مثل أجر كل من يدعو إلى الله ، فيدل على الأفضلية من هذه الجهة أيضاً وسابعها : أن الظلم من ذوي القربى أشد ، قال الشاعر :
جزء : 23 رقم الصفحة : 355
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة
على المرء من وقع الحسام المهند
(1/3306)

/ وأيضاً فالإنسان إذا أحسن إلى غيره فإذا قابله ذلك الغير بالإساءة كان ذلك أشد عليه مما إذا صدرت الإساءة من الأجنبي ، والجهتان كانتا مجتمعتين في حق مسطح ثم إنه آذى أبا بكر بهذا النوع من الإيذاء الذي هو أعظم أنواع الإيذاء ، فانظر أين مبلغ ذلك الضرر في قلب أبي بكر ، ثم إنه سبحانه أمره بأن لا يقطع عنه بره وأن يرجع معه إلى ما كان عليه من الإحسان ، وذلك من أعظم أنواع المجاهدات ، ولا شك أن هذا أصعب من مقاتلة الكفار لأن هذا مجاهدة مع النفس وذلك مجاهدة مع الكافر ومجاهدة النفس أشق ، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام : "رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر" وثامنها : أن الله تعالى لما أمر أبا بكر بذلك لقبه بأولي الفضل وأولي السعة كأنه سبحانه يقول أنت أفضل من أن تقابل إساءته بشيء وأنت أوسع قلباً من أن تقيم للدنيا وزناً ، فلا يليق بفضلك وسعة قلبك أن تقطع برك عنه بسبب ما صدر منه من الإساءة ، ومعلوم أن مثل هذا الخطاب يدل على نهاية الفضل والعلو في الدين وتاسعها : أن الألف واللام يفيدان العموم فالألف واللام في الفضل والسعة يدلان على أن كل الفضل وكل السعة لأبي بكر كما يقال فلان هو العالم يعني قد بلغ في الفضل إلى أن صار كأنه كل العالم وما عداه كالعدم ، وهذا وأيضاً منقبة عظيمة وعاشرها : قوله : {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا } وفيه وجوه : منها : أن العفو قرينة التقوى وكل من كان أقوى في العفو كان أقوى في التقوى ، ومن كان كذلك كان أفضل لقوله تعالى : {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَـاـاكُمْ } (الحجرات : 13) ومنها : أن العفو والتقوى متلازمان فلهذا السبب اجتمعا فيه ، أما التقوى فلقوله تعالى : {وَسَيُجَنَّبُهَا الاتْقَى} (الليل : 17) وأما العفو فلقوله تعالى : {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا } وحادي عاشرها : أنه سبحانه قال لمحمد صلى الله عليه وسلّم : {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ } (المائدة : 13) وقال في حق أبي بكر {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا } فمن هذا الوجه يدل على أن أبا بكر كان ثاني اثنين لرسول الله صلى الله عليه وسلّم في جميع الأخلاق حتى في العفو والصفح وثاني عشرها : قوله :
جزء : 23 رقم الصفحة : 355
{أَلا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ } فإنه سبحانه ذكره بكناية الجمع على سبيل التعظيم ، وأيضاً فإنه سبحانه علق غفرانه له على إقدامه على العفو والصفح فلما حصل الشرط منه وجب ترتيب الجزاء عليه/ ثم قوله : {يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ } بصيغة المستقبل وأنه غير مقيد بشيء دون شيء فدلت الآية على أنه سبحانه قد غفر له في مستقبل عمره على الإطلاق فكان من هذا الوجه ثاني اثنين للرسول صلى الله عليه وسلّم في قوله : {لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنابِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} (الفتح : 2) ودليلاً على صحة إمامته رضي الله عنه فإن إمامته لو كانت على خلاف الحق لما كان مغفوراً له على الإطلاق ودليلاً على صحة ما ذكره الرسول صلى الله عليه وسلّم في خبر بشارة العشرة بأن أبا بكر في الجنة وثالث عشرها : أنه سبحانه وتعالى لما قال : {أَلا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ } وصف نفسه بكونه غفوراً رحيماً ، والغفور مبالغة في الغفران فعظم أبا بكر حيث خاطبه بلفظ الجمع الدل على التعظيم ، وعظم نفسه سبحانه حيث وصفه بمبالغة الغفران ، والعظيم إذا عظم نفسه ثم عظم مخاطبه فالعظمة الصادرة منه لأجله لا بد وأن تكون في غاية التعظيم ، ولهذا قلنا بأنه سبحانه لما قال : {إِنَّآ أَعْطَيْنَـاكَ الْكَوْثَرَ} (الكوثر : 1) وجب أن تكون / العطية عظيمة ، فدلت الآية على أن أبا بكر ثاني اثنين للرسول صلى الله عليه وسلّم في هذه المنقبة أيضاً ورابع عشرها : أنه سبحانه لما وصفه بأنه أولوا الفضل والسعة على سبيل المدح وجب أن يقال إنه كان خالياً عن المعصية ، لأن الممدوح إلى هذا الحد لا يجوز أن يكون من أهل النار ، ولو كان عاصياً لكان كذلك لقوله تعالى : {وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَه وَيَتَعَدَّ حُدُودَه يُدْخِلْهُ نَارًا خَـالِدًا فِيهَا} (النساء : 14) وإذا ثبت أنه كان خالياً عن المعاصي فقوله : {يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ } لا يجوز أن يكون المراد غفران معصية لأن المعصية التي لا تكون لا يمكن غفرانها وإذا ثبت أنه لا يمكن حمل الآية على ذلك وجب حملها على وجه آخر ، فكأنه سبحانه قال والله أعلم : {أَلا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ }
جزء : 23 رقم الصفحة : 355
(1/3307)

لأجل تعظيمكم هؤلاء القذفة العصاة ، فيرجع حاصل الآية إلى أنه سبحانه قال يا أبا بكر إن قبلت هؤلاء العصاة فأنا أيضاً أقبلهم وإن رددتهم ، فأنا أيضاً أردهم فكأنه سبحانه أعطاه مرتبة الشفاعة في الدنيا ، فهذا ما حضرنا في هذه الآية والله أعلم فإن قيل : هذه الآية تقدم في فضيلة أبي بكر من وجه آخر وذلك لأنه نهاه عن هذا الحلف فدل على صدور المعصية منه قلنا الجواب : عنه من وجوه : أحدها : أن النهي لا يدل على وقوعه ، قال الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلّم : {وَلا تُطِعِ الْكَـافِرِينَ وَالْمُنَـافِقِينَ } (الأحزاب : 48) ولم يدل ذلك على أنه عليه الصلاة والسلام أطاعهم بل دلت الأخبار الظاهرة على صدور هذا الحلف منه ، ولكن على هذا التقدير لا تكون الآية دالة على قولكم وثانيها : هب أنه صدر عنه ذلك الحلف ، فلم قلتم إنه كان معصية ، وذلك لأن الامتناع من التفضل قد يحسن خصوصاً فيمن يسيء إلى من أحسن إليه أو في حق من يتخذه ذريعة إلى الأفعال المحرمة لا يقال فلو لم تكن معصية لما جاز أن ينهى الله عنه بقوله : {وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ} لأنا نقول هذا النهي ليس نهي زجر وتحريم بل هو نهي عن ترك الأولى كأنه سبحانه قال لأبي بكر اللائق بفضلك وسعة همتك أن لا تقطع هذا فكان هذا إرشاداً إلى الأولى لا منعاً عن المحرم.
المسألة الثالثة : أجمعوا على أن المراد من قوله : {أُوْلِى الْقُرْبَى وَالْمَسَـاكِينَ وَالْمُهَـاجِرِينَ فِى سَبِيلِ اللَّه } مسطح لأنه كان قريباً لأبي بكر وكان من المساكين وكان من المهاجرين ، واختلفوا في الذنب الذي وقع منه فقال بعضهم قذف كما فعله عبدالله بن أبي فإنه عليه الصلاة والسلام حده وأنه تاب عن ذلك/ وقال ابن عباس رضي الله عنهما كان تاركاً للنكر ومظهراً للرضا ، وأي الأمرين كان فهو ذنب.
المسألة الرابعة : احتج أصحابنا بهذه الآية على بطلان المحابطة وقالوا إنه سبحانه وصفه بكونه من المهاجرين في سبيل الله بعد أن أتى بالقذف ، وهذه صفة مدح ، فدل على أن ثواب كونه مهاجراً لم يحبط بإقدامه على القذف.
المسألة الخامسة : أجمعوا على أن مسطحاً كان من البدريين وثبت بالرواية الصحيحة أنه عليه الصلاة والسلام قال : "لعل الله نظر إلى أهل بدر فقال افعلوا ما شئتم فقد غفرت لكم" فكيف / صدرت الكبيرة منه بعد أن كان بدرياً ؟
والجواب : أنه لا يجوز أن يكون المراد منه افعلوا ما شئتم من المعاصي فيأمر بها أو يقيمها لأنا نعلم بالضرورة أن التكليف كان باقياً عليهم لو حملناه على ذلك لاقتضى زوال التكليف عنهم ، ولأنه لو كان كذلك لما جاز أن يحد مسطح على ما فعل ويلعن ، فوجب حمله على أحد أمرين : الأول : أنه تعالى اطلع على أهل بدر وقد علم توبتهم وإنابتهم فقال افعلوا ما شئتم من النوافل من قليل أو كثير فقد غفرت لكم وأعطيتكم الدرجات العالية في الجنة الثاني : يحتمل أن يكون المراد أنهم يوافون بالطاعة فكأنه قال : قد غفرت لكم لعلمي بأنكم تموتون على التوبة والإنابة فذكر حالهم في الوقت وأراد العاقبة.
جزء : 23 رقم الصفحة : 355
المسألة السادسة : العفو والصفح عن المسيء حسن مندوب إليه ، وربما وجب ذلك ولو لم يدل عليه إلا هذه الآية لكفي ، ألا ترى إل قوله : {أَلا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ } (النور : 22) فعلق الغفران بالعفو والصفح وعنه عليه الصلاة والسلام : "من لم يقبل عذراً لمتنصل كاذباً كان أو صادقاً فلا يرد على حوضي يوم القيامة" وعنه عليه الصلاة والسلام : "أفضل أخلاق المسلمين العفو" وعنه أيضاً : "ينادي مناد يوم القيامة ألا من كان له على الله أجر فليقم فلا يقوم إلا أهل العفو ، ثم تلا فمن عفا وأصلح فأجره على الله" وعنه عليه الصلاة والسلام أيضاً : "لا يكون العبد ذا فضل حتى يصل من قطعه ويعفو عمن ظلمه ويعطي من حرمه".
المسألة السابعة : في هذه الآية دلالة على أن اليمين على الامتناع من الخير غير جائزة ، وإنما تجوز إذا جعلت داعية للخير لا صارفة عنه.
(1/3308)

المسألة الثامنة : مذهب الجمهور الفقهاء أنه من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها أنا ينبغي له أن يأتي الذي هو خير ثم يكفر عن يمينه ، وقال بعضهم إنه يأتي بالذي هو خير ، وذلك كفارته واحتج ذلك القائل بالآية والخبر ، أما الآية فهي أن الله تعالى أمر أبا بكر بالحنث ولم يوجب عليه كفارة ، وأما الخبر فما روي عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال : "من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير وذلك كفارته" وأما دليل قول الجمهور فأمور : أحدها : قوله تعالى : {وَلَـاكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الايْمَـانَ } (المائدة : 89) فكفارته وقوله : {ذَالِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَـانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ } (المائدة : 89) وذلك عام في الحانث في الخير وغيره وثانيها : قوله تعالى في شأن أيوب حين حلف على امرأته أن يضربها {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّه وَلا تَحْنَثْ } (ص : 44) وقد علمنا أن الحنث كان خيراً من تركه وأمره الله بضرب لا يبلغ منها ، ولو كان الحنث فيها كفارتها لما أمر بضربها بل كان يحنث بلا كفارة وثالثها : قوله عليه الصلاة والسلام : "من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه" أما الجواب : عما ذكره أولاً فهو أنه تعالى لم يذكر أمر الكفارة في قصة أبي بكر لا نفياً ولا إثباتاً لأن حكمه كان معلوماً في سائر الآيات والجواب : عما ذكره ثانياً في قوله : "وليأت الذي هو خير وذلك كفارته" فمعناه تكفير الذنب لا الكفارة / المذكورة في الكتاب/ وذلك لأنه منهي عن نقض الأيمان فأمره ههنا بالحنث والتوبة ، وأخبر أن ذلك يكفر ذنبه الذي ارتكبه بالحلف.
جزء : 23 رقم الصفحة : 355
المسألة التاسعة : روى القاسم بن محمد عن عائشة رضي الله عنها أنها : "قالت فضلت أزواج النبي صلى الله عليه وسلّم بعشر خصال تزوجني رسول صلى الله عليه وسلّم بكراً دون غيري ، وأبواي مهاجران ، وجاء جبريل عليه السلام بصورتي في حريرة وأمره أن يتزوج بي ، وكنت أغتسل معه في إناء واحد ، وجبريل عليه السلام ينزل عليه بالوحي وأنا معه في لحاف واحد ، وتزوجني في شوال وبنى بي في ذلك الشهر ، وقبض بين سحري ونحري ، وأنزل الله تعالى عذري من السماء ، ودفن في بيتي وكل ذلك لم يساوني غيري فيه" وقال بعضهم برأ الله أربعة بأربعة : برأ يوسف عليه السلام بلسان الشاهد ، وشهد شاهد من أهلها ، وبرأ موسى عليه السلام من قول اليهود بالحجر الذي ذهب بثوبه ، وبرأ مريم بإنطاق ولدها ، وبرأ عائشة بهذه الآيات العظام في كتابه المعجز المتلو على وجه الدهر ، وروى أنه لما قربت وفاة عائشة جاء ابن عباس يستأذن عليها ، فقالت : يجيء الآن فيثني علي ، فخبره ابن الزبير فقال ما أرجع حتى تأذن لي ، فأذنت له فدخل فقالت عائشة : أعوذ بالله من النار ، فقال ابن عباس يا أم المؤمنين مالك والنار قد أعاذك الله منها ، وأنزل براءتك تقرأ في المساجد وطيبك فقال : {وَالطَّيِّبَـاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَـاتِ } (النور : 26) كنت أحب نساء رسول الله صلى الله عليه وسلّم إليه ، ولم يحب صلى الله عليه وسلّم إلا طيباً وأنزل بسببك التيمم فقال : {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} (النساء : 43) وروي أن عائشة وزينب تفاخرتا ، فقالت زينب : أنا التي أنزل ربي تزويجي ، وقالت عائشة أنا التي برأني ربي حين حملني ابن المعطل على الراحلة ، فقالت لها زينب : ما قلت حين ركبتيها ؟
قالت قلت : حسبي الله ونعم الوكيل. فقالت قلت كلمة المؤمنين.
جزء : 23 رقم الصفحة : 355
356
/ وفيه مسألتان :
(1/3309)

المسألة الأولى : اختلفوا في قوله : {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَـاتِ الْغَـافِلَـاتِ} هل المراد منه كل من كان بهذه الصفة أو المراد منه الخصوص ؟
أما الأصوليون فقالوا الصيغة عامة ولا مانع من إجرائها على ظاهرها فوجب حمله على العموم فيدخل فيه قذفة عائشة وقذفة غيرها ، ومن الناس من خالف فيه ذكر وجوهاً : أحدها : أن المراد قذفة عائشة قالت عائشة : "رميت وأنا غافلة وإنما بلغني بعد ذلك ، فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلّم عندي إذ أوحى الله إليه فقال أبشري وقرأ : {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَـاتِ الْغَـافِلَـاتِ الْمُؤْمِنَـاتِ} ، وثانيها : أن المراد جملة أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلّم وأنهن لشرفهن خصصن بأن من قذفهن فهذا الوعيد لاحق به واحتج هؤلاء بأمور : الأول : أن قاذف سائر المحصنات تقبل توبته لقوله تعالى في أول السورة : {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَـاتِ} إلى قوله : {وَ أولئك هُمُ الْفَـاسِقُونَ * إِلا الَّذِينَ تَابُوا } (النور : 54) وأما القاذف في هذه الآية ، فإنه لا تقبل توبته لأنه سبحانه قال : {لُعِنُوا فِى الدُّنْيَا وَالاخِرَةِ} ولم يذكر الاستثناء ، وأيضاً فهذه صفة المنافقين في قوله : {مَّلْعُونِينَا أَيْنَمَا ثُقِفُوا } (الأحزاب : 61) ، الثاني : أن قاذف سائر المحصنات لا يكفر ، والقاذف في هذه الآية يكفر لقوله تعالى : {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم} وذلك صفة الكفار والمنافقين كقوله : {وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَآءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ} (فصلت : 19) الآيات الثلاث. الثالث : أنه قال : {وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} والعذاب العظيم يكون عذاب الكفر ، فدل على أن عقاب هذا القاذف عقاب الكفر ، وعقاب قذفه سائر المحصنات لا يكون عقاب الكفر الرابع : روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان بالبصرة يوم عرفة ، وكان يسأل عن تفسير القرآن ، فسئل عن تفسير هذه الآية فقال : من أذنب ذنباً ثم تاب قبلت توبته إلا من خاض في أمر عائشة ، أجاب الأصوليون عنه بأن الوعيد المذكور في هذه الآية لا بد وأن يكون مشروطاً بعدم التوبة لأن الذنب سواء كان كفراً أو فسقاً ، فإذا حصلت التوبة منه صار مغفوراً فزال السؤال ، ومن الناس ذكر فيه قولاً آخر ، وهو أن هذه الآية نزلت في مشركي مكة حين كان بينهم وبين رسول الله عهد فكانت المرأة إذا خرجت إلى المدينة مهاجرة قذفها المشركون من أهل مكة. وقالوا إنما خرجت لتفجر ، فنزلت فيهم والقول الأول هو الصحيح.
جزء : 23 رقم الصفحة : 356
المسألة الثانية : أن الله تعالى ذكر فيمن يرمي المحصنات الغافلات المؤمنات ثلاثة أشياء : أحدها : كونهم ملعونين في الدنيا والآخرة وهو وعيد شديد ، واحتج الجبائي بأن التقييد باللعن عام في جميع القذفة ومن كان ملعوناً في الدنيا فهو ملعون في الآخرة والملعون في الآخرة لا يكون من أهل الجنة وهو بناء على المحابطة وقد تقدم القول فيه وثانيها : وقوله : {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} ونظيره قوله : {وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا } (فصلت : 21) وعندنا البنية ليست شرطاً للحياة فيجوز أن يخلق الله تعالى في الجوهر الفرد علماً وقدرة وكلاماً ، وعند المعتزلة لا يجوز ذلك فلا جرم ذكروا في تأويل هذه الآية وجهين : الأول : أنه سبحانه يخلق في هذه / الجوارح هذا الكلام ، وعندهم المتكلم فاعل الكلام ، فتكون تلك الشهادة من الله تعالى في الحقيقة إلا أنه سبحانه أضافها إلى الجوارح توسعاً الثاني : أنه سبحانه بيني هذه الجوارح على خلاف ما هي عليه ويلجئها أن تشهد على الإنسان وتخبر عنه بأعماله ، قال القاضي وهذا أقرب إلى الظاهر ، لأن ذلك يفيد أنها تفعل الشهادة وثالثها : قوله تعالى : {يَوْمَـاـاِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ} ولا شبهة في أن نفس دينهم ليس هو المراد لأن دينهم هو عملهم. بل المراد جزاء عملهم ، والدين بمعنى الجزاء مستعمل كقولهم كما تدين تدان ، وقيل الدين هو الحساب كقوله ذلك الدين القيم أي الحساب الصحيح ومعنى قوله : {الْحَقَّ} أي أن الذي نوفيهم من الجزاء هو القدر المستحق لأنه الحق وما زاد عليه هو الباطل ، وقرىء الحق بالنصب صفة للدين وهو الجزاء وبالرفع صفة لله.
(1/3310)

وأما قوله : {وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ} (النور : 25) فمن الناس من قال إنه سبحانه إنما سمي بالحق لأن عبادته هي الحق دون عبادة غيره أو لأنه الحق فيما يأمر به دون غيره ومعنى {الْمُبِينُ} يؤيد ما قلنا لأن المحق فيما يخاطب به هو المبين من حيث يبين الصحيح بكلامه دون غيره ، ومنهم من قال الحق من أسماء الله تعالى ومعناه الموجود ، لأن نقيضه الباطل وهو المعدوم ، ومعنى المبين المظهر ومعناه أن بقدرته ظهر وجود الممكنات ، فمعنى كونه حقاً أنه الموجود لذاته ، ومعنى كونه مبيناً أنه المعطي وجود غيره.
جزء : 23 رقم الصفحة : 356
360
اعلم أن الخبيثات يقع على الكلمات التي هي القذف الواقع من أهل الإفك ، ويقع أيضاً على الكلام الذي هو كالذم واللعن ، ويكون المراد من ذلك لا نفس الكلمة التي هي من قبل الله تعالى ، بل المراد مضمون الكلمة ، ويقع أيضاً على الزواني من النساء ، وفي هذه الآية كل هذه الوجوه محتملة ، فإن حملناها على القذف الواقع من أهل الإفك كان المعنى الخبيثات من قول أهل الإفك للخبيثين من الرجال ، وبالعكس والطيبات من قول منكري الإفك للطيبين من الرجال وبالعكس ، وإن حلمناها على الكلام الذي هو كالذم واللعن ، فالمعنى أن الذم واللعن معدان للخبيثين من الرجال ، والخبيثون منهم معرضون للعن والذم. وكذا القول في الطيبات وأولئك إشارة إلى الطيبين وأنهم مبرءون مما يقول الخبيثون من خبيثات الكلمات ، وإن حملناه حملناه على الزواني فالمعنى الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال وبالعكس ، على معنى قوله تعالى : / {الزَّانِى لا يَنكِحُ إِلا زَانِيَةً} (النور : 3) والطيبات من النساء للطيبين من الرجال ، والمعنى أن مثل ذلك الرمي الواقع من المنافقين لا يليق إلا بالخبيثات والخبيثين لا بالطيبات والطيبين ، كالرسول صلى الله عليه وسلّم وأزواجه. فإن قيل فعلى هذا الوجه يلزم أن لا يتزوج الرجل العفيف بالزانية والجواب : ما تقدم في قوله : {الزَّانِى لا يَنكِحُ إِلا زَانِيَةً} وقوله : { أولئك مُبَرَّءُونَ} يعني الطيبات والطيبين مما يقوله أصحاب الإفك ، سوى قول من حمله على الكلمات فكأنه قال الطيبون مبرءون مما يقوله الخبيثون ، ومتى حمل أولئك على هذا الوجه كان لفظه كمعناه في أنه جمع ، ومتى حملته على عائشة وصفوان وهما اثنان فكيف يعبر عنهما بلفظ الجمع ؟
فجوابه من وجهين : الأول : أن ذلك الرمي قد تعلق بالنبي صلى الله عليه وسلّم وبعائشة وصفوان فبرأ الله تعالى كل واحد منهم من التهمة اللائقة به الثاني : أن المراد به كل أزواج النبي صلى الله عليه وسلّم ، فكأنه تعالى برأهن من هذا الإفك. لكن لا يقدح فيهن أحد كما أقدموا على عائشة ، ونزه الرسول صلى الله عليه وسلّم بذلك عن أمثال هذا الأمر وهذا أبين كأنه تعالى بين أن الطيبات من النساء للطيبين من الرجال ، ولا أحد أطيب ولا أطهر من الرسول ، فأزواجه إذن لا يجوز أن يكن إلا طيبات ، ثم بين تعالى أن : {لَهُم مَّغْفِرَةٌ} يعني براءة من الله ورسوله ورزق كريم في الآخرة ، ويحتمل أن يكون ذلك خبراً مقطوعاً به ، فيعلم بذلك أن أزواج الرسول عليه الصلاة والسلام هن معه في الجنة ، وقد وردت الأخبار بذلك ويحتمل أن يكون المراد بشرط اجتناب الكبائر والتوبة ، والأول أولى لأنا إنما نحتاج إلى الشرط إذا لم يمكن حمل الآية عليه ، أما إذا أمكن فلا وجه لطلب الشرط ، وهذا يدل على أن عائشة رضي الله عنها تصير إلى الجنة بخلاف مذهب الرافضة الذين يكفرونها بسبب حرب يوم الجمل فإنهم يردون بذلك نص القرآن فإن قيل القطع بأنها من أهل الجنة إغراء لها بالقبيح. قلنا أليس أن الرسول صلى الله عليه وسلّم قد أعلمه الله تعالى بأنه من أهل الجنة ولم يكن ذلك إغراء له بالقبيح ، وكذا العشرة المبشرة بالجنة فكذا ههنا ، والله أعلم تمت قصة أهل الإفك.
الحكم السادس
في الاستئذان
جزء : 23 رقم الصفحة : 360
368
/ اعلم أنه تعالى عدل عما يتصل بالرمي والقذف وما يتعلق بهما من الحكم إلى ما يليق به لأن أهل الإفك إنما وجدوا السبيل إلى بهتانهم من حيث اتفقت الخلوة فصارت كأنها طريق التهمة ، فأوجب الله تعالى أن لا يدخل المرء بيت غيره إلا بعد الاستئذان والسلام ، لأن في الدخول لا على هذا الوجه وقوع التهمة ، وفي ذلك من المضرة ما لا خفاء به فقال : {ذَالِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا } الخ وفي الآية سؤالات :
(1/3311)

السؤال الأول : الاستئناس عبارة عن الأنس الحاصل من جهة المجالسة ، قال تعالى ولا مستأنسين لحديث ، وإنما يحصل ذلك بعد الدخول والسلام فكان الأولى تقديم السلام على الاستئناس فلم جاء على العكس من ذلك ؟
والجواب : عن هذا من وجوه : أحدها : ما يروى عن ابن عباس وسعيد بن جبير ، إنما هو حتى تستأذنوا فأخطأ الكاتب ، وفي قراءة أبي : حتى تستأذنوا لكم والتسليم خير لكم من تحية الجاهلية والدمور ، وهو الدخول بغير إذن واشتقاقه من الدمار وهو الهلاك كأن صاحبه دامر لعظم ما ارتكب ، وفي الحديث "من سبقت عينه استئذانه فقد دمر ، واعلم أن هذا القول من ابن عباس فيه نظر لأنه يقتضي الطعن في القرآن الذي نقل بالتواتر ويقتضي صحة القرآن الذي لم ينقل بالتواتر وفتح هذين البابين يطرق الشك إلى كل القرآن وأنه باطل وثانيها : ما روي عن الحسن البصري أنه قال إن في الكلام تقديماً وتأخيراً ، والمعنى : حتى تسلموا على أهلها وتستأنسوا ، وذلك لأن السلام مقدم على الاستئناس ، وفي قراءة عبدالله : حتى تسلموا على أهلها وتستأذنوا ، وهذا أيضاً ضعيف لأنه خلاف الظاهر وثالثها : أن تجري الكلام على ظاهره. ثم في تفسير الاستئناس وجوه : الأول : حتى تستأنسوا بالإذن وذلك لأنهم إذا استأذنوا وسلموا أنس أهل البيت ، ولو دخلوا بغير إذن لاستوحشوا وشق عليهم الثاني : تفسير الاستئناس بالاستعلام والاستكشاف استفعال من آنس الشيء إذا أبصره ظاهراً مكشوفاً ، والمعنى حتى تستعلموا وتستكشفوا الحال هل يراد دخولكم. ومنه قولهم استأنس هل ترى أحداً ، واستأنست فلم أر أحداً أي تعرفت واستعلمت ، فإن قيل وإذا حمل على الأنس ينبغي أن يتقدمه السلام كما روي أنه عليه الصلاة والسلام كان يقول : "السلام عليكم أأدخل" قلنا المستأذن ربما لا يعلم أن أحداً في المنزل فلا معنى لسلامه والحالة هذه ، والأقرب أن يستعلم بالاستئذان هل هناك من يأذن ، فإذا أذن ودخل صار مواجهاً له فيسلم عليه والثالث : أن يكون اشتقاق الاستئناس / من الإنس وهو أن يتعرف هل ثم إنسان ، ولا شك أن هذا مقدم على السلام والرابع : لو سلمنا أن الاستئناس إنما يقع بعد السلام ولكن الواو لا توجب الترتيب ، فتقديم الاستئناس على السلام في اللفظ لا يوجب تقديمه عليه في العمل.
جزء : 23 رقم الصفحة : 368
السؤال الثاني : ما الحكم في إيجاب تقديم الاستئذان ؟
والجواب : تلك الحكمة هي التي نبه الله تعالى عليها في قوله : {لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ} فدل بذلك على أن الذي لأجله حرم الدخول إلا على هذا الشرط هو كون البيوت مسكونة/ إذ لا يأمن من يهجم عليها بغير استئذان أن يهجم على ما لا يحل له أن ينظر إليه من عورة ، أو على ما لا يحب القوم أن يعرفه غيرهم من الأحوال ، وهذا من باب العلل المنبه عليها بالنص ، ولأنه تصرف في ملك الغير فلا بد وأن يكون برضاه وإلا أشبه الغصب.
السؤال الثالث : كيف يكون الاستئذان ؟
الجواب : استأذن رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقال أألج ؟
فقال عليه الصلا والسلام لامرأة يقال لها روضة "قومي إلى هذا فعلميه فإنه لا يحسن أن يستأذن قولي له يقول السلام عليكم أأدخل فسمعها الرجل فقالها ، فقال ادخل فدخل وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلّم عن أشياء وكان يجيب ، فقال هل في العلم ما لا تعلمه ، فقال عليه الصلاة والسلام : لقد آتاني خيراً كثيراً وإن من العلم ما لا يعلمه إلا الله ، وتلا إن الله عنده علم الساعة إلى آخره" وكان أهل الجاهلية يقول الرجل منهم إذا دخل بيتاً غير بيته حييتم صباحاً وحييتم مساء ، ثم يدخل فربما أصاب الرجل مع امرأته في لحاف واحد ، فصدق الله تعالى عن ذلك وعلم الأحسن والأجمل ، وعن مجاهد حتى تستأنسوا هو التنحنح ، وقال عكرمة هو التسبيح والتكبير ونحوه.
(1/3312)

السؤال الرابع : كم عدد الاستئذان الجواب : روى أبو هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : "الاستئذان" ثلاث بالأولى يستنصتون ، وبالثانية يستصلحون ، وبالثالثة يأذنون أو يردون" وعن جندب قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول : "إذا استأذن أحدكم ثلاثاً ، فلم يؤذن له فليرجع" وعن أبي سعيد الخدري قال : "كنت جالساً في مجلس من مجالس الأنصار ، فجاء أبو موسى فزعاً ، فقلنا له ما أفزعك ؟
فقال أمرني عمر أن آتيه فأتيته ، فاستأذنت ثلاثاً ، فلم يؤذن لي فرجعت ، فقال ما منعك أن تأتيني ؟
فقلت قد جئت فاستأذنت ثلاثاً فلم يؤذن لي. وقد قال عليه الصلاة والسلام : إذا استأذن أحدكم ثلاثاً فلم يؤذن له فليرجع فقال لتأتيني على هذا بالبينة ، أو لأعاقبنك. فقال أبي لا يقوم معك إلا أصغر القوم ، قال فقام أبو سعيد فشهد له" وفي بعض الأخبار أن عمر قال لأبي موسى إني لم أتهمك ، ولكني خشيت أن يتقول الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلّم. وعن قتادة الاستئذان ثلاثة : الأولى يسمع الحي ، والثاني ليتأهبوا والثالث إن شاءوا أذنوا ، وإن شاءوا ردوا ، واعلم أن هذا من محاسن الآداب ، لأن في أول مرة / ربما منعهم بعض الأشغال من الإذن ، وفي المرة الثانية ربما كان هناك ما يمنع أو يقتضي المنع أو يقتضي التساوي ، فإذا لم يجب في الثالثة يستدل بعدم الإذن على مانع ثابت ، وربما أوجب ذلك كراهة قربه من الباب فلذلك يسن له الرجوع ، ولذلك يقول يجب في الاستئذان ثلاثاً ، أن لا يكون متصلاً ، بل يكون بين كل واحدة والأخرى وقت ، فأما قرع الباب بعنف والصياح بصاحب الدار ، فذاك حرام لأنه يتضمن الإيذاء والإيحاش ، وكفى بقصة بني أسد زاجرة وما نزل فيها من قوله تعالى : {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ} (الحجرات : 4).
جزء : 23 رقم الصفحة : 368
السؤال الخامس : كيف يقف على الباب الجواب : روي أن أبا سعيد استأذن على الرسول صلى الله عليه وسلّم وهو مستقبل الباب ، فقال عليه الصلاة والسلام : لا تستأذن وأنت مستقبل الباب. وروي أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر فيقول السلام عليكم ، وذلك لأن الدور لم يكن عليها حينئذ ستور.
السؤال السادس : أن كلمة (حتى) للغاية والحكم بعد الغاية يكون بخلاف ما قبلها فقوله : {لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا } يقتضي جواز الدخول بعد الاستئذان وإن لم يكن من صاحب البيت إذن فما قولكم فيه ؟
الجواب : من وجوه : أحدها : أن الله تعالى جعل الغاية الاستئناس لا الاستئذان ، والاستئناس لا يحصل إلا إذا حصل الإذن بعد الاستئذان وثانيها : أنا لما علمنا بالنص أن الحكمة في الاستئذان أن لا يدخل الإنسان على غيره بغير إذنه فإن ذلك مما يسوءه ، وعلمنا أن هذا المقصود لا يحصل إلا بعد حصول الإذن ، علمنا أن الاستئذان ما لم يتصل به الإذن وجب أن لا يكون كافياً وثالثها : أن قوله تعالى : {فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فِيهَآ أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ } فحظر الدخول إلا بإذن ، فدل على أن الإذن مشروط بإباحة الدخول في الآية الأولى ، فإن قيل إذا ثبت أنه لا بد من الإذن فهل يقوم مقامه غيره أم لا ؟
قلنا روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال : "رسول الرجل إلى الرجل إذنه" وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام قال : "إذا دعي أحدكم فجاء مع الرسول فإن ذلك له إذن" وهذا الخبر يدل على معنيين أحدهما : أن الإذن محذوف من قوله : {حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا } وهو المراد منه والثاني : أن الدعاء إذن إذا جاء مع الرسول وأنه لا يحتاج إلى استئذن ثان ، وقال بعضهم إن من قد جرت العادة له بإباحة الدخول فهو غير محتاج إلى الاستئذان.
(1/3313)

السؤال السابع : ما حكم من اطلع على دار غيره بغير إذنه ؟
الجواب : قال الشافعي رحمه الله : لو فقئت عينه فهي هدر ، وتمسك بما روى سهل بن سعد قال : "اطلع رجل في حجرة من حجر النبي صلى الله عليه وسلّم ومعه مدري يحك بها رأسه فقال : لو علمت أنك تنظر إلي لطعنت بها في عينك إنما الاستئذان قبل النظر" وروى أبو هريرة رضي الله عنه أنه عليه الصلاة والسلام قال : "من / اطلع في دار قوم بغير إذنهم ففقؤا عينه فقد هدرت عينه" قال أبو بكر الرازي : هذا الخبر يرد لوروده على خلاف قياس الأصول ، فإنه لا خلاف أنه لو دخل داره بغير إذنه ففقأ عينه كان ضامناً وكان عليه القصاص إن كان عامداً والأرش إن كان مخطئاً ، ومعلوم أن الداخل قد اطلع وزاد على الاطلاع ، فظاهر الحديث مخالف لما حصل عليه الاتفاق ، فإن صح فمعناه : من اطلع في دار قوم ونظر إلى حرمهم ونسائهم فمونع فلم يمتنع فذهبت عينه في حال الممانعة فهي هدر ، فأما إذا لم يكن إلا النظر ولم يقع فيه ممانعة ولا نهي ، ثم جاء إنسان ففقأ عينه ، فهذا جان يلزمه حكم جنايته لظاهر قوله تعالى : {وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ} إلى قوله : {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ } (المائدة : 45) واعلم أن التمسك بقوله تعالى : {وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ} في هذه المسألة ضعيف ، لأنا أجمعنا على أن هذا النص مشروط بما إذا لم تكن العين مستحقة ، فإنها لو كانت مستحقة لم يلزم القصاص ، فلم قلت : إن من اطلع في دار إنسان لم تكن عينه مستحقة ؟
وهذا أول المسألة.
جزء : 23 رقم الصفحة : 368
أما قوله : إنه لو دخل لم يجز فقء عينه ، فكذا إذا نظر قلنا الفرق بين الأمرين ظاهر ، لأنه إذا دخل علم القوم دخوله عليهم فاحترزوا عنه وتستروا ، فأما إذا نظر فقد لا يكونون عالمين بذلك فيطلع منهم على ما لا يجوز الاطلاع عليه ، فلا يبعد في حكم الشرع أن يبالغ ههنا في الزجر حسماً لباب هذه المفسدة ، وبالجملة فرد حديث رسول الله صلى الله عليه وسلّم لهذا القدر من الكلام غير جائز.
السؤال الثامن : لما بينتم أنه لا بد من الإذن فهل يكفي الإذن كيف كان أو لا بد من إذن مخصوص ؟
الجواب : ظاهر الآية يقتضي قبول الإذن مطلقاً سواء كان الآذان صبياً أو امرأة أو عبداً أو ذمياً فإنه لا يعتبر في هذا الإذن صفات الشهادة وكذلك قبول أخبار هؤلاء في الهدايا ونحوها.
السؤال التاسع : هل يعتبر الاستئذان على المحارم ؟
والجواب : نعم ، عن عطاء بن يسار : "أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلّم فقال أستأذن على أختي ؟
فقال النبي عليه الصلاة والسلام نعم أتحب أن تراها عريانة" وسأل رجل حذيفة أستأذن على أختي ، فقال إن لم تستأذن عليها رأيت ما يسوؤك ، وقال عطاء سألت ابن عباس رضي الله عنهما استأذن على أختي ومن أنفق عليها ؟
قال نعم إن الله تعالى يقول : {وَإِذَا بَلَغَ الاطْفَـالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَـاْذِنُوا كَمَا اسْتَـاْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } (النور : 59) ولم يفرق بين من كان أجنبياً أو ذا رحم محرم.
واعلم أن ترك الاستئذان على المحارم وإن كان غير جائز إلا أنه أيسر لجواز النظر إلى شعرها وصدرها وساقها ونحوها من الأعضاء. والتحقيق فيه أن المنع من الهجوم على الغير إن كان لأجل أن ذلك الغير ربما كان منكشف الأعضاء فهذا دخل فيه الكل إلا الزوجات وملك اليمين ، وإن كان لأجل أنه ربما كان مشتغلاً بأمر يكره إطلاع الغير عليه وجب أن يعم في الكل ، حتى لا يكون له أن يدخل على الزوجة والأمة إلا بإذن.
/ السؤال العاشر : إذا عرض أمر في دار من حريق أو هجوم سارق أو ظهور منكر فهل يجب الاستئذان ؟
الجواب : كل ذلك مستثنى بالدليل فهذا جملة الكلام في الاستئذان ، وأما السلام فهو من سنة المسلمين التي أمروا بها ، وأمان للقوم وهو تحية أهل الجنة ومجلبة للمودة وناف للحقد والضغينة ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال : "لما خلق الله تعالى آدم عليه السلام ونفخ فيه الروح عطس ، فقال الحمد لله ، فحمد الله بإذن الله ، فقال له ربه يرحمك ربك يا آدم اذهب إلى هؤلاء الملائكة ، وهم ملأ منهم جلوس فقل السلام عليكم ، فلما فعل ذلك رجع إلى ربه فقال هذه تحيتك وتحية ذريتك" وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : "حق المسلم على المسلم ست ؛ يسلم عليه إذا لقيه ، ويجيبه إذا دعاه ، وينصح له بالغيب ، ويشمته إذا عطس ، ويعوده إذا مرض ، ويشهد جنازته إذا مات" وعن ابن عمر قال قال رسول الله عليه الصلاة والسلام : "إن سركم أن يسل الغل من صدوركم فأفشوا السلام بينكم".
جزء : 23 رقم الصفحة : 368
(1/3314)

أما قوله تعالى : {ذَالِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ} فالمعنى فيه ظاهر ، إذ المراد أن فعل ذلك خير لكم وأولى لكم من الهجوم بغير إذن {لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} أي لكي تتذكروا هذا التأديب فتتمسكوا به ، ثم قال : {فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فِيهَآ} أي في البيوت أحداً {فَلا تَدْخُلُوهَا} لأن العلة في الصورتين واحدة وهي جواز أن يكون هناك أحوال مكتومة يكره إطلاع الداخل عليها ، ثم قال : {وَإِن قِيلَ لَكُمْ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا } وذلك لأنه كما يكون الدخول قد يكرهه صاحب الدار فكذا الوقوف على الباب قد يكرهه ، فلا جرم كان الأولى والأزكى له أن يرجع إزالة للإيحاش والإيذاء ، ولما ذكر الله تعالى حكم الدور المسكونة ذكر بعده حكم الدور التي هي غير مسكونة ، فقال : {لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ} وذلك لأن المانع من الدخول إلا بإذن زائل عنها واختلف المفسرون في المراد من قوله : {بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ} على أقوال : أحدها : وهو قول محمد بن الحنفية أنها الخانات والرباطات وحوانيت البياعين والمتاع المنفعة ، كالاستكنان من الحر والبرد ، وإيواء الرحال والسلع والشراء والبيع ، يروى أن أبا بكر قال يا رسول الله إن الله قد أنزل عليك آية في الاستئذان وإنا نختلف في تجارتنا فننزل هذه الخانات ، أفلا ندخلها إلا بإذن ؟
فنزلت هذه الآية. وثانيها : أنها الخربات يتبرز فيها والمتاع التبرز وثالثها : الأسواق ورابعها : أنها الحمامات ، والأولى أن يقال إنه لا يمتنع دخول الجميع تحت الآية فيحمل على الكل ، والعلة في ذلك أنها إذا كانت كذلك فهي مأذون بدخولها من جهة العرف/ فكذلك نقول إنها لو كانت غير مسكونة ولكنها كانت مغصوبة ، فإنه لا يجوز للداخل أن يدخل فيها لكن الظاهر من حال الخانات أنها موضوعة لدخول الداخل.
وأما قوله : {وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ} فهو وعيد للذين يدخلون الخربات والدور الخالية من أهل الريبة.
/ الحكم السابع
حكم النظر
جزء : 23 رقم الصفحة : 368
371
اعلم أنه تعالى قال : {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ} وإنما خصهم بذلك لأن غيرهم لا يلزمه غض البصر عما لا يحل له ويحفظ الفرج عما لا يحل له ، لأن هذه الأحكام كالفروع للإسلام والمؤمنون مأمورون بها ابتداء ، والكفار مأمورون قبلها بما تصير هذه الأحكام تابعة له ، وإن كان حالهم كحال المؤمنين في استحقاق العقاب على تركها ، لكن المؤمن يتمكن من هذه الطاعة من دون مقدمة ، والكافر لا يتمكن إلا بتقديم مقدمة من قبله ، وذلك لا يمنع من لزوم التكاليف له.
/ واعلم أنه سبحانه أمر الرجال بغض البصر وحفظ الفرج ، وأمر النساء بمثل ما أمر به الرجال وزاد فيهن أن لا يبدين زينتهن إلا لأقوام مخصوصين.
أما قوله تعالى : {يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَـارِهِمْ} ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قال الأكثرون (من) ههنا للتبعيض والمراد غض البصر عما يحرم والاقتصار به على ما يحل ، وجوز الأخفش أن تكون مزيدة ، ونظيره قوله : {مَا لَكُم مِّنْ إِلَـاهٍ غَيْرُه } (الأعراف : 85) {فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَـاجِزِينَ} (الحاقة : 47) وأباه سيبويه ، فإن قيل كيف دخلت في غض البصر دون حفظ الفرج ؟
قلنا دلالة على أن أمر النظر أوسع ألا ترى أن المحارم لا بأس بالنظر إلى شعورهن وصدورهن وكذا الجواري المستعرضات ، وأما أمر الفرج فمضيق ، وكفاك فرقاً أن أبيح النظر إلا ما استثنى منه وحظر الجماع إلا ما استثنى منه ، ومنهم من قال : {يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَـارِهِمْ} أي ينقصوا من نظرهم فالبصر إذا لم يمكن من عمله فهو مغضوض ممنوع عنه ، وعلى هذا من ليست بزائدة ولا هي للتبعيض بل هي من صلة الغض يقال غضضت من فلان إذا نقصت من قدره.
جزء : 23 رقم الصفحة : 371
(1/3315)

المسألة الثانية : اعلم أن العورات على أربعة أقسام عورة الرجل مع الرجل وعورة المرأة مع المرأة وعورة المرأة مع الرجل وعورة الرجل مع المرأة ، فأما الرجل مع الرجل فيجوز له أن ينظر إلى جميع بدنه إلا عورته وعورته ما بين السرة والركبة ، والسرة والركبة ليستا بعورة ، وعند أبي حنيفة رحمه الله الركبة عورة ، وقال مالك الفخذ ليست بعورة ، والدليل على أنها عورة ما روي عن حذيفة "أن النبي صلى الله عليه وسلّم مر به في المسجد وهو كاشف عن فخذه فقال عليه السلام غط فخذك فإنها من العورة" وقال لعلي رضي الله عنه : "لا تبرز فخذك ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت" فإن كان في نظره إلى وجهه أو سائر بدنه شهوة أو خوف فتنة بأن كان أمرد لا يحل النظر إليه ، ولا يجوز للرجل مضاجعة الرجل/ وإن كان كل واحد منهما في جانب من الفراش ، لما روى أبو سعيد الخدري أنه عليه الصلاة والسلام قال : "لا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد ، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في ثوب واحد" وتكره المعانقة وتقبيل الوجه إلا لولده شفقة ، وتستحب المصافحة لما روى أنس قال : "قال رجل يا رسول الله الرجل منا يلقي أخاه أو صديقه أينحني له ؟
قال لا ، قال أيلتزمه ويقبله ؟
قال لا ، قال أفيأخذ بيده ويصافحه ؟
قال نعم" أما عورة المرأة مع المرأة فكعورة الرجل مع الرجل ، فلها النظر إلى جميع بدنها إلا ما بين السرة والركبة ، وعند خوف الفتنة لا يجوز ، ولا يجوز المضاجعة. والمرأة الذمية هل يجوز لها النظر إلى بدن المسلمة ، قيل يجوز كالمسلمة مع المسلمة ، والأصح أنه لا يجوز لأنها أجنبية ، في الدين والله تعالى يقول : {أَوْ نِسَآاـاِهِنَّ} وليست الذمية من نسائنا ، أما عورة المرأة مع الرجل فالمرأة إما أن تكون أجنبية أو ذات رحم محرم ، أو مستمتعة ، فإن كانت أجنبية فإما أن تكون حرة أو أمة فإن كانت حرة فجميع بدنها عورة ، ولا يجوز له أن ينظر إلى شيء منها إلا الوجه والكفين ، لأنها تحتاج إلى إبراز الوجه في البيع والشراء ، وإلى إخراج / الكف للأخذ والعطاء ، ونعني بالكف ظهرها وبطنها إلى الكوعين ، وقيل ظهر الكف عورة.
جزء : 23 رقم الصفحة : 371
(1/3316)

واعلم أنا ذكرنا أنه لا يجوز النظر إلى شيء من بدنها ، ويجوز النظر إلى وجهها وكفها ، وفي كل واحد من القولين استثناء. أما قوله يجوز النظر إلى وجهها وكفها ، فاعلم أنه على ثلاثة أقسام لأنه إما أن لا يكون فيه غرض ولا فيه فتنة ، وإما أن يكون فيه فتنة ولا غرض فيه ، وإما أن يكون فيه فتنة وغرض أما القسم الأول : فاعلم أنه لا يجوز أن يتعمد النظر إلى وجه الأجنبية لغير غرض وإن وقع بصره عليها بغتة يغض بصره ، لقوله تعالى : {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَـارِهِمْ} وقيل يجوز مرة واحدة إذا لم يكن محل فتنة ، وبه قال أبو حنيفة رحمه الله ولا يجوز أن يكرر النظر إليها لقوله تعالى : {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أولئك كَانَ عَنْهُ مَسْـاُولا} (الإسراء : 36) ولقوله عليه السلام : "يا علي لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الآخرة" وعن جابر قال : "سألت رسول الله صلى الله عليه وسلّم عن نظر الفجأة فأمرني أن أصرف بصري" ولأن الغالب أن الاحتراز عن الأولى لا يمكن فوقع عفواً قصد أو لم يقصد أما القسم الثاني : وهو أن يكون فيه غرض ولا فتنة فيه فذاك أمور : أحدها : بأن يريد نكاح امرأة فينظر إلى وجهها وكفيها ، روى أبو هريرة رضي الله عنه : "أن رجلاً أراد أن يتزوج امرأة من الأنصار ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلّم انظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئاً" وقال عليه الصلاة والسلام : "إذا خطب أحدكم المرأة فلا جناح عليه أن ينظر إليها إذا كان إنما ينظر إليها للخطبة" وقال المغبرة بن شعبة "خطبت امرأة فقال عليه السلام نظرت إليها ، فقلت لا ، قال فانظر فإنها أحرى أن يدوم بينكما" فكل ذلك يدل على جواز النظر إلى وجهها وكفيها للشهوة إذا أراد أن يتزوجها ، ويدل عليه أيضاً قوله تعالى : {لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَآءُ مِنا بَعْدُ وَلا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ} (الأحزاب : 52) ولا يعجبه حسنهن إلا بعد رؤية وجوههن وثانيها : إذا أراد شراء جارية فله أن ينظر إلى ما ليس بعورة منها وثالثها : أنه عند المبايعة ينظر إلى وجهها متأملاً حتى يعرفها عند الحاجة إليه ورابعها : ينظر إليها عند تحمل الشهادة ولا ينظر إلى غير الوجه لأن المعرفة تحصل به أما القسم الثالث : وهو أن ينظر إليها للشهوة فذاك محظور ، قال عليه الصلاة والسلام : "العينان تزنيان" وعن جابر قال : "سألت رسول الله صلى الله عليه وسلّم عن نظرة الفجأة فأمرني أن أصرف بصري" وقيل : مكتوب في التوراة النظرة تزرع في القلب الشهوة ، ورب شهوة أورثت حزناً طويلاً. أما الكلام الثاني : وهو أنه لا يجوز للأجنبي النظر إلى بدن الأجنبية فقد استثنوا منه صوراً إحداها : يجوز للطبيب الأمين أن ينظر إليها للمعالجة ، كما يجوز للختان أن ينظر إلى فرج المختون ، لأنه موضع ضرورة. وثانيتها : يجوز أن يتعمد النظر إلى فرج الزانيين لتحمل الشهادة على الزنا ، وكذلك ينظر إلى / فرجها لتحمل شهادة الولادة ، وإلى ثدي المرضعة لتحمل الشهادة على الرضاع ، وقال أبو سعيد الإصطخري لا يجوز للرجل أن يقصد النظر في هذه المواضع ، لأن الزنا مندوب إلى ستره ، وفي الولادة والرضاع تقبل شهادة النساء فلا حاجة إلى نظر الرجال للشهادة وثالثتها : لو وقعت في غرق أو حرق فله أن ينظر إلى بدنها ليخلصها ، أما إذا كانت الأجنبية أمة فقال بعضهم عورتها ما بين السرة والركبة ، وقال آخرون عورتها ما لا يبين للمهنة فخرج منه أن رأسها ساعديها وساقيها ونحرها وصدرها ليس بعورة ، وفي ظهرها وبطنها وما فوق ساعديها الخلاف المذكور ، ولا يجوز لمسها ولا لها لمسه بحال لا لحجامة ولا اكتحال ولا غيره ، لأن اللمس أقوى من النظر بدليل أن الإنزال باللمس يفطر الصائم وبالنظر لا يفطره ، وقال أبو حنيفة رحمه الله يجوز أن يمس من الأمة ما يحل النظر إليه أما إن كانت المرأة ذات محرم له بنسب أو رضاع أو صهرية فعورتها معه ما بين السرة والركبة كعورة الرجل ، وقال آخرون بل عورتها ما لا يبدو عند المهنة ، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله فأما سائر التفاصيل فستأتي إن شاء الله تعالى في تفسير الآية ، أما إذا كانت المرأة مستمتعة كالزوجة والأمة التي يحل له الاستمتاع بها ، فيجوز له أن ينظر إلى جميع بدنها حتى إلى فرجها غير أنه يكره أن ينظر إلى الفرج وكذا إلى فرج نفسه ، لأنه يروي أنه يورث الطمس ، وقيل لا يجوز النظر إلى فرجها ولا فرق بين أن تكون الأمة قنة أو مدبرة أو أم ولد أو مرهونة. فإن كانت مجوسية أو مرتدة أو وثنية أو مشتركة بينه وبين غيره أو متزوجة أو مكاتبة فهي كالأجنبية ، روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال : "إذا زوج أحدكم جاريته عبده أو أجيره فلا ينظر إلى ما دون السرة وفوق الركبة" وأما عورة الرجل مع المرأة (ففيه) نظر إن كان أجنبياً منها فعورته معها ما بين السرة والركبة ، وقيل جميع بدنه إلا الوجه والكفين كهي معه ، والأول أصح
(1/3317)

بخلاف المرأة في حق الرجل ، لأن بدن المرأة في ذاته عورة بدليل أنه لا تصح صلاتها مكشوفة البدن وبدن الرجل بخلافه ، ولا يجوز لها قصد النظر عند خوف الفتنة ولا تكرير النظر إلى وجهه لما روي عن أم سلمة : "أنها كانت عند النبي صلى الله عليه وسلّم وميمونة إذ أقبل ابن أم مكتوم فدخل عليها فقال عليه الصلاة والسلام : احتجبا منه ، فقلت يا رسول الله أليس هو أعمى لا يبصرنا ؟
فقال عليه الصلاة والسلام أفعمياوان أنتما ألستما تبصرانه" وإن كان محرماً لها فعورته معها ما بين السرة والركبة وإن كان زوجها أو سيدها الذي يحل له وطؤها فلها أن تنظر إلى جميع بدنه غير أنه يكره النظر إلى الفرج كهو معها ، ولا يجوز للرجل أن يجلس عارياً في بيت خال وله ما يستر عورته ، لأنه روي أنه عليه الصلاة والسلام سئل عنه فقال : "الله أحق أن يستحيي منه". وروي أنه عليه الصلاة والسلام قال : "إياكم والتعري فإن معكم من لا يفارقكم إلا عند الغائط ، وحين يفضي الرجل إلى أهله" والله أعلم.
جزء : 23 رقم الصفحة : 371
المسألة الثالثة : سئل الشبلي عن قوله : {يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَـارِهِمْ} فقال أبصار الرؤوس عن المحرمات/ وأبصار القلوب عما سوى الله تعالى.
/ وأما قوله تعالى : {وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ } فالمراد به عما لا يحل ، وعن أبي العالية أنه قال : كل ما في القرآن من قوله : {وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ } ، ويحفظن فروجهن ، من الزنا إلا التي في النور : {مِنْ أَبْصَـارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} أن لا ينظر إليها أحد ، وهذا ضعيف لأنه تخصيص من غير دلالة ، والذي يقتضيه الظاهر أن يكون المعنى حفظها عن سائر ما حرم الله عليه من الزنا والمس والنظر ، وعلى أنه إن كان المراد حظر النظر فالمس والوطء أيضاً مرادان بالآية ، إذ هما أغلظ من النظر ، فلو نص الله تعالى على النظر لكان في مفهوم الخطاب ما يوجب حظر الوطء والمس ، كما أن قوله تعالى : {فَلا تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ} (الإسراء : 23) اقتضى حظر ما فوق ذلك من السب والضرب.
أما قوله تعالى : {ذَالِكَ أَزْكَى لَهُمْ } (النور : 30) أي تمسكهم بذلك أزكى لهم وأطهر ، لأنه من باب ما يزكون به ويستحقون الثناء والمدح ، ويمكن أن يقال إنه تعالى خص في الخطاب المؤمنين لما أراده من تزكيتهم بذلك ، ولا يليق ذلك بالكافر.
أما قوله تعالى : {وَقُل لِّلْمُؤْمِنَـاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَـارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} فالقول فيه على ما تقدم ، فإن قيل فلم قدم غض الأبصار على حفظ الفروج ، قلنا لأن النظر بريد الزنا ورائد الفجور والبلوى فيه أشد وأكثر ، ولا يكاد يقدر على الاحتراس منه.
أما قوله تعالى : {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا } فمن الأحكام التي تختص بها النساء في الأغلب ، وإنما قلنا في الأغلب لأنه محرم على الرجل أن يبدي زينته حلياً ولباساً إلى غير ذلك للنساء الأجنبيات ، لما فيه من الفتنة وههنا مسائل :
المسألة الأولى : اختلفوا في المراد بزينتهن ، واعلم أن الزينة اسم يقع على محاسن الخلق التي خلقها الله تعالى وعلى سائر ما يتزين به الإنسان من فضل لباس أو حلى وغير ذلك ، وأنكر بعضهم وقوع اسم الزينة عل الخلقة ، لأنه لا يكاد يقال في الخلقة إنها من زينتها. وإنما يقال ذلك فيما تكتسبه من كحل وخضاب وغيره ، والأقرب أن الخلقة داخلة في الزينة ، ويدل عليها وجهان : الأول : أن الكثير من النساء ينفردن بخلقتهن عن سائر ما يعد زينة ، فإذا حملناه على الخلقة وفينا العموم حقه ، ولا يمنع دخول ما عدا الخلقة فيه أيضاً الثاني : أن قوله : {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ } يدل على أن المراد بالزينة ما يعم الخلقة وغيرها فكأنه تعالى منعهن من إظهار محاسن خلقتهن بأن أوجب سترها بالخمار ، وأما الذين قالوا الزينة عبارة عما سوى الخلقة فقد حصروه في أمور ثلاثة : أحدها : الأصباغ كالكحل والخضاب بالوسمة في حاجبيها والغمرة في خديها والحناء في كفيها وقدميها وثانيها : الحلى كالخاتم والسوار والخلخال والدملج والقلادة والإكليل والوشاح والقرط. وثالثها : الثياب قال الله تعالى : {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} (الأعراف : 31) وأراد الثياب.
جزء : 23 رقم الصفحة : 371
(1/3318)

المسألة الثانية : اختلفوا في المراد من قوله : {إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا } أما الذين حملوا الزينة على الخلقة ، فقال القفال معنى الآية إلا ما يظهره الإنسان في العادة الجارية ، وذلك في النساء الوجه والكفان ، وفي الرجل الأطراف من الوجه واليدين والرجلين ، فأمروا بستر ما لا تؤدي / الضرورة إلى كشفه ورخص لهم في كشف ما اعتيد كشفه وأدت الضرورة إلى إظهاره إذ كانت شرائع الإسلام حنيفية سهلة سمحة ، ولما كان ظهور الوجه والكفين كالضروري لا جرم اتفقوا على أنهما ليسا بعورة ، أما القدم فليس ظهوره بضروري فلا جرم اختلفوا في أنه هل هو من العورة أم لا ؟
فيه وجهان : الأصح أنه عورة كظهر القدم ، وفي صوتها وجهان أصحهما أنه ليس بعورة ، لأن نساء النبي صلى الله عليه وسلّم كن يروين الأخبار للرجال ، وأما الذين حملوا الزينة على ما عدا الخلقة فقالوا إنه سبحانه إنما ذكر الزينة لأنه لا خلاف أنه يحل النظر إليها حالما لم تكن متصلة بأعضاء المرأة ، فلما حرم الله سبحانه النظر إليها حال اتصالها ببدن المرأة كان ذلك مبالغة في حرمة النظر إلى أعضاء المرأة ، وعلى هذا القول يحل النظر إلى زينة وجهها من الوشمة والغمرة وزينة بدنها من الخضاب والخواتيم وكذا الثياب ، والسبب في تجويز النظر إليها أن تسترها فيه حرج لأن المرأة لا بد لها من مناولة الأشياء بيديها والحاجة إلى كشف وجهها في الشهادة والمحاكمة والنكاح.
المسألة الثالثة : اتفقوا على تخصيص قوله : {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا } بالحرائر دون الإماء ، والمعنى فيه ظاهر ، وهو أن الأمة مال فلا بد من الاحتياط في بيعها وشرائها ، وذلك لا يمكن إلا بالنظر إليها على الاستقصاء بخلاف الحرة.
أما قوله تعالى : {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ } فالخمر واحدها خمار ، وهي المقانع. قال المفسرون : إن نساء الجاهلية كن يشددن خمرهن من خلفهن ، وإن جيوبهن كانت من قدام فكان ينكشف نحورهن وقلائدهن ، فأمرن أن يضربن مقانعهن على الجيوب ليتغطى بذلك أعناقهن ونحورهن وما يحيط به من شعر وزينة من الحلى في الأذن والنحر وموضع العقدة منها ، وفي لفظ الضرب مبالغة في الإلقاء ، والباء للإلصاق ، وعن عائشة رضي الله عنها "ما رأيت خيراً من نساء الأنصار ، لما نزلت هذه الآية قامت كل واحدة منهن إلى مرطها فصدعت منه صدعة فاختمرت فأصبحن على رؤوسهن الغربان" وقرىء {جُيُوبِهِنَّ } بكسر الجيم لأجل الياء وكذلك {بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ} .
جزء : 23 رقم الصفحة : 371
فأما قوله تعالى : {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} فاعلم أنه سبحانه لما تكلم في مطلق الزينة تكلم بعد ذلك في الزينة الخفية التي نهاهن عن إبدائها للأجانب ، وبين أن هذه الزينة الخفية يجب إخفاؤها عن الكل ، ثم استثنى اثنتي عشرة صورة أحدها : أزواجهن وثانيها : آباؤهن وإن علون من جهة الذكران والإناث كآباء الآباء وآباء الأمهات وثالثها : آباء أزواجهن ورابعها وخامسها : أبناؤهن وأبناء بعولتهن ، ويدخل فيه أولاد الأولاد وإن سفلوا من الذكران والإناث كبني البنين وبني البنات وسادسها : إخوانهن سواء كانوا من الأب أو من الأم أو منهما وسابعها : بنو إخوانهن وثامنها : بنو أخواتهن وهؤلاء كلهم محارم ، وههنا سؤالات :
السؤال الأول : أفيحل لذوي المحرم في المملوكة والكافرة ما لا يحل له في المؤمنة ؟
/ الجواب : إذا ملك المرأة وهي من محارمه فله أن ينظر منها إلى بطنها وظهرها لا على وجه الشهوة ، بل لأمر يرجع إلى مزية الملك على اختلاف بين الناس في ذلك.
السؤال الثاني : كيف القول في العم والخال ؟
الجواب : القول الظاهر أنهما كسائر المحارم في جواز النظر وهو قول الحسن البصري ، قال لأن الآية لم يذكر فيها الرضاع وهو كالنسب وقال في سورة الأحزاب {لا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِى ءَابَآاـاِهِنَّ} (الأحزاب : 55) الآية. ولم يذكر فيها البعولة ولا أبناءهم وقد ذكروا ههنا ، وقد يذكر البعض لينبه على الجملة. قال الشعبي : إنما لم يذكرهما الله لئلا يصفهما العم عند ابنه الخال كذلك ، ومعناه أن سائر القرابات تشارك الأب والابن في المحرمية إلا العم والخال وأبناءهما ، فإذا رآها الأب فربما وصفها لابنه وليس بمحرم فيقرب تصوره لها بالوصف من نظره إليها ، وهذا أيضاً من الدلالات البليغة على وجوب الاحتياط عليهم في التستر.
جزء : 23 رقم الصفحة : 371
(1/3319)

السؤال الثالث : ما السبب في إباحة نظر هؤلاء إلى زينة المرأة ؟
الجواب : لأنهم مخصوصون بالحاجة إلى مداخلتهن ومخالطتهن ولقلة توقع الفتنة بجهاتهن ، ولما في الطباع من النفرة عن مجالسة الغرائب ، وتحتاج المرأة إلى صحبتهم فى الأسفار وللنزول والركوب وتاسعها : قوله تعالى : {أَوْ نِسَآاـاِهِنَّ} وفيه قولان : أحدهما : المراد والنساء اللاتي هن على دينهن ، وهذا قول أكثر السلف. قال ابن عباس رضي الله عنهما : ليس للمسلمة أن تتجرد بين نساء أهل الذمة ولا تبدي للكافرة إلا ما تبدي للأجانب إلا أن تكون أمة لها لقوله تعالى : {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـانُهُنَّ} وكتب عمر إلى أبي عبيدة أن يمنع نساء أهل الكتاب من دخول الحمام مع المؤمنات وثانيهما : المراد بنسائهن جميع النساء ، وهذا هو المذهب وقول السلف محمول على الاستحباب والأولى وعاشرها : قوله تعالى : {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـانُهُنَّ} وظاهر الكلام يشمل العبيد والإماء ، واختلفوا فمنهم من أجرى الآية على ظاهرها ، وزعم أنه لا بأس عليهن في أن يظهرن لعبيدهن من زينتهن ما يظهرن لذوي محارمهن ، وهو مروي عن عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما ، واحتجوا بهذه الآية وهو ظاهر. وبما روى أنس : "أنه عليه الصلاة والسلام أتى فاطمة بعبد قد وهبه لها وعليها ثوب إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها ، وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها ، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلّم ما بها ، قال : إنه ليس عليك بأس إنما هو أبوك وغلامك" وعن مجاهد : كان أمهات المؤمنن لا يحتجبن عن مكاتبهن ما بقي عليه درهم. وعن عائشة رضي الله عنها : أنها قالت لذكوان : "إنك إذا وضعتني في القبر وخرجت فأنت حر. وروي أن عائشة رضي الله عنها : كانت تمتشط والعبد ينظر إليها ، وقال ابن مسعود ومجاهد والحسن وابن سيرين وسعيد بن المسيب رضي الله عنهم : إن العبد لا ينظر إلى شعر مولاته ، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله ، واحتجوا عليه بأمور : أحدها : قوله عليه الصلاة والسلام : "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفراً فوق ثلاث إلا مع ذي محرم" والعبد ليس بذي محرم منها فلا يجوز أن يسافر بها ، وإذا لم يجز له السفر بها لم / يجز له النظر إلى شعرها كالحر الأجنبي وثانيها : أن ملكها للعبد لا يحلل ما يحرم عليه قبل الملك إذ ملك النساء للرجال ليس كملك الرجال للنساء ، فإنهم لم يختلفوا في أنها لا تستبيح بملك العبد منه شيئاً من التمتع كما يملكه الرجل من الأمة وثالثها : أن العبد وإن لم يجز له أن يتزوج بمولاته إلا أن ذلك التحريم عارض كمن عنده أربع نسوة فإنه لا يجوز له التزوج بغيرهن فلما لم تكن هذه الحرمة مؤبدة كان العبد بمنزلة سائر الأجانب. إذا ثبت هذا ظهر أن المراد من قوله :
جزء : 23 رقم الصفحة : 371
{أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـانُهُنَّ} الإماء فإن قيل الإماء دخلن في قوله : {نِسَآاـاِهِنَّ} فأي فائدة في الإعادة ؟
قلنا الظاهر أنه عنى بنسائهن وما ملكت أيمانهن من في صحبتهن من الحرائر والإماء ، وبيانه أنه سبحانه ذكر أولاً أحوال الرجال بقوله : {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ} إلى آخر ما ذكر فجاز أن يظن ظان أن الرجال مخصوصون بذلك إذ كانوا ذوي المحارم أو غير ذات المحارم ، ثم عطف على ذلك الإماء بقوله : {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـانُهُنَّ} لئلا يظن أن الإباحة مقصورة على الحرائر من النساء إذ كان ظاهر قوله : {أَوْ نِسَآاـاِهِنَّ} يقتضي الحرائر دون الإماء كقوله : {شَهِيدَيْنِ مِّن رِّجَالِكُمْ } (البقرة : 282) على الأحرار لإضافتهم إلينا كذلك قوله : {أَوْ أَبْنَآاـاِهِنَّ أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِى إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِى أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَآاـاِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـانُهُنَّ أَوِ التَّـابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِى الارْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ} وفيه مسائل :
(1/3320)

المسألة الأولى : قيل هم الذين يتبعونكم لينالوا من فضل طعامكم ، ولا حاجة بهم إلى النساء ، لأنهم بله لا يعرفون من أمرهن شيئاً ، أو شيوخ صلحاء إذا كانوا معهن غضوا أبصارهم ، ومعلوم أن الخصى والعنين ومن شاكلهما قد لا يكون له إربة في نفس الجماع ويكون له إربة قوية فيما عداه من التمتع ، وذلك يمنع من أن يكون هو المراد. فيجب أن يحمل المراد على من المعلوم منه إنه لا إربة له في سائر وجوه التمتع ، إما لفقد الشهوة ، وإما لفقد المعرفة ، وإما للفقر والمسكنة ، فعلى هذه الوجوه الثلاثة اختلف العلماء. فقال بعضهم هم الفقراء الذين بهم الفاقة ، وقال بعضهم : المعتوه والأبله والصبي ، وقال بعضهم : الشيخ ، وسائر من لا شهوة له ، ولا يمتنع دخول الكل في ذلك ، وروى هشام بن عروة عن زينب بنت أم سلمة عن أم سلمة "أن النبي صلى الله عليه وسلّم دخل عليها وعندها مخنث فأقبل على أخي أم سلمة فقال يا عبد الله إن فتح الله لكم غداً الطائف دللتك على بنت غيلان ، فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان" فقال عليه الصلاة والسلام : "لا يدخلن عليكم هذا" فأباح النبي عليه الصلاة والسلام دخول المخنث عليهن حين ظن أنه من غير أولى الإربة ، فلما علم أنه يعرف أحوال النساء وأوصافهن علم أنه من أولى الإربة فحجبه ، وفي الخصى والمجبوب ثلاثة أوجه : أحدها : استباحة الزينة الباطنة معهما والثاني : تحريمها عليهما والثالثة : تحريمها على الخصى دون المجبوب.
جزء : 23 رقم الصفحة : 371
المسألة الثانية : الإربة الفعلة من الأرب كالمشية والجلسة من المشي والجلوس والأرب / الحاجة والولوع بالشيء والشهوة له ، والإربة الحاجة في النساء ، والإربة العقل ومنه الأريب.
المسألة الثالثة : في {غَيْرِ} قراءتان قرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم وأبو جعفر غير بالنصب على الاستثناء أو الحال يعني أو التابعين عاجزين عنهن والقراءة الثانية بالخفض على الوصفية وثاني عشرها : قوله تعالى : {أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَآءِ } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : الطفل اسم للواحد لكنه وضع ههنا موضع الجمع لأنه يفيد الجنس ، ويبين ما بعده أنه يراد به الجمع ونظيره قوله تعالى : {ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلا} (الحج : 5).
المسألة الثانية : الظهور على الشيء على وجهين : الأول : العلم به كقوله تعالى : {إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ} (الكهف : 20) أي إن يشعروا بكم والثاني : الغلبة له والصولة عليه كقوله : {فَأَصْبَحُوا ظَـاهِرِينَ} (الصف : 14) فعلى الوجه الأول يكون المعنى أو الطفل الذين لم يتصوروا عورات النساء ولم يدروا ما هي من الصغر وهو قول ابن قتيبة ، وعلى الثاني الذين لم يبلغوا أن يطيقوا إتيان النساء ، وهو قول الفراء والزجاج.
المسألة الثالثة : أن الصغير الذي لم يتنبه لصغره على عورات النساء فلا عورة للنساء معه ، وإن تنبه لصغره ولمراهقته لزم أن تستر عنه المرأة ما بين سرتها وركبتها ، وفي لزوم ستر ما سواه وجهان : أحدهما : لا يلزم لأن القلم غير جار عليه والثاني : يلزم كالرجل لأنه يشتهي والمرأة قد تشتهيه وهو معنى قوله : {أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَآءِ } واسم الطفل شامل له إلى أن يحتلم ، وأما الشيخ إن بقيت له شهوة فهو كالشاب ، وإن لم يبق له شهوة ففيه وجهان : أحدهما : أن الزينة الباطنة معه مباحة والعورة معه ما بين السرة والركبة والثاني : أن جميع البدن معه عورة إلا الزينة الظاهرة ، وههنا آخر الصور التي استثناها الله تعالى ، قال الحسن هؤلاء وإن اشتركوا في جواز رؤية الزينة الباطنة فهم على أقسام ثلاثة ، فأولهم الزوج وله حرمة ليست لغيره يحل له كل شيء منها/ والحرمة الثانية للابن والأب والأخ والجد وأبي الزوج وكل ذي محرم والرضاع كالنسب يحل لهم أن ينظروا إلى الشعر والصدر والساقين والذراع وأشباه ذلك ، والحرمة الثالثة هي للتابعين غير أولي الإربة من الرجال وكذا مملوك المرأة فلا بأس أن تقوم المرأة الشابة بين يدي هؤلاء في درع وخمار صفيق بغير ملحفة ، ولا يحل لهؤلاء أن يروا منها شعراً ولا بشراً والستر في هذا كله أفضل ، ولا يحل للشابة أن تقوم بين يدي الغريب حتى تلبس الجلباب ، فهذا ضبط هؤلاء المراتب.
جزء : 23 رقم الصفحة : 371
(1/3321)

أما قوله تعالى : {وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ } فقال ابن عباس وقتادة كانت المرأة تمر بالناس وتضرب برجلها ليسمع قعقعة خلخالها ، ومعلوم أن الرجل الذي يغلب عليه شهوة النساء إذا سمع صوت الخلخال يصير ذلك داعية له زائدة في مشاهدتهن ، وقد علل تعالى ذلك بأن قال : {لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ } فنبه به على أن الذي لأجله نهى عنه أن يعلم زينتهن من الحلى وغيره وفي الآية فوائد : الفائدة الأولى : لما نهى عن استماع الصوت الدال على وجود الزينة فلأن يدل على المنع من إظهار الزينة أولى الثانية : أن المرأة منهية عن رفع صوتها بالكلام بحيث يسمع ذلك الأجانب إذ كان صوتها أقرب إلى الفتنة من صوت خلخالها ، ولذلك كرهوا أذان النساء لأنه يحتاج فيه إلى رفع الصوت والمرأة منهية عن ذلك الثالثة : تدل الآية على حظر النظر إلى وجهها بشهوة إذا كان ذلك أقرب إلى الفتنة.
أما قوله سبحانه وتعالى : {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} ففيه مسائل :
المسألة الأولى : في التوبة وجهان : أحدهما : أن تكاليف الله تعالى في كل باب لا يقدر العبد الضعيف على مراعاتها وإن ضبط نفسه واجتهد ، ولا ينفك من تقصير يقع منه ، فلذلك وصى المؤمنين جميعاً بالتوبة والاستغفار وتأميل الفلاح إذا تابوا واستغفروا والثاني : قال ابن عباس رضي الله عنهما توبوا مما كنتم تفعلونه في الجاهلية لعلكم تسعدون في الدنيا والآخرة ، فإن قيل قد صحت التوبة بالإسلام والإسلام يجب ما قبله فما معنى هذه التوبة ؟
قلنا قال بعض العلماء إن من أذنب ذنباً ثم تاب عنه لزمه كلما ذكره أن يجدد عنه التوبة ، لأنه يلزمه أن يستمر على ندمه إلى أن يلقى ربه.
المسألة الثانية : قرىء {أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ} بضم الهاء ، ووجهه أنها كانت مفتوحة لوقوعها قبل الألف ، فلما سقطت الألف لالتقاء الساكينن أتبعت حركتها حركة ما قبلها والله أعلم.
المسألة الثالثة : تفسير لعل قد تقدم في سورة البقرة في قوله : {اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} والله أعلم.
الحكم الثامن
ما يتعلق بالنكاح
جزء : 23 رقم الصفحة : 371
377
اعلم أنه تعالى لما أمر من قبل بغض الأبصار وحفظ الفروج بين من بعد أن الذي أمر به إنما هو فيما لا يحل ، فبين تعالى بعد ذلك طريق الحل فقال : {وَأَنكِحُوا الايَـامَى مِنكُمْ} وههنا مسائل :
المسألة الأولى : قال صاحب الكشاف الأيامى واليتامى أصلهما أيايم ويتايم فقلبا ، وقال النضر بن شميل الأيم في كلام العرب كل ذكر لا أنثى معه وكل أنثى لا ذكر معها ، وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما في رواية الضحاك ، تقول : زوجوا أيامكم بعضكم من بعض ، وقال الشاعر :
فإن تنكحي انكح وإن تتأيمي
وإن كنت أفتى منكمنوا أتأيم
/ المسألة الثانية : قوله تعالى : {وَأَنكِحُوا الايَـامَى } (النور : 32) أمر وظاهر الأمر للوجوب على ما بيناه مراراً ، فيدل على أن الولي يجب عليه تزويج مولاته وإذا ثبت هذا وجب أن لا يجوز النكاح إلا بولي ، إما لأن كل من أوجب ذلك على الولي حكم بأنه لا يصح من المولية ، وإما لأن المولية لو فعلت ذلك لفوتت على الولي التمكن من أداء هذا الواجب وأنه غير جائز ، وإما لتطابق هذه الآية مع الحديث وهو قوله عليه الصلاة والسلام : "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه ، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير" قال أبو بكر الرازي هذه الآية وإن اقتضت بظاهرها الإيجاب إلا أنه أجمع السلف على أنه لم يرد به الأيجاب ، ويدل عليه أمور : أحدها : أنه لو كان ذلك واجباً لورد النقل بفعله من النبي صلى الله عليه وسلّم ومن السلف مستفيضاً شائعاً لعموم الحاجة إليه ، فلما وجدنا عصر النبي صلى الله عليه وسلّم وسائر الأعضاء بعده قد كان في الناس أيامى من الرجال والنساء ، فلم ينكروا عدم تزويجهن ثبت أنه ما أريد به الإيجاب وثانيها : أجمعنا على أن الأيم الثيب لو أبت التزوج لم يكن للولي إجبارها عليه وثالثها : اتفاق الكل على أنه لا يجبر على تزويج عبده وأمته وهو معطوف على الأيامى ، فدل على أنه غير واجب في الجميع بل ندب في الجميع ورابعها : أن اسم الأيامى ينتظم فيه الرجال والنساء وهو في الرجال ما أريد به الأولياء دون غيرهم كذلك في النساء والجواب : أن جميع ما ذكرته تخصيصات تطرقت إلى الآية والعام بعد التخصيص يبقى حجة ، فوجب أن يبقى حجة فيما إذا التمست المرأة الأيم من الولي التزويج وجب ، وحينئذ ينتظم وجه الكلام.
جزء : 23 رقم الصفحة : 377
(1/3322)

المسألة الثالثة : قال الشافعي رحمه الله ، الآية تقتضي جواز تزويج البكر البالغة بدون رضاها ، لأن الآية والحديث يدلان على أمر الولي يتزويجها ، ولولا قيام الدلالة على أنه لا يزوج الثيب الكبيرة بغير رضاها لكان جائزاً له تزويجها أيضاً بغير رضاها ، لعموم الآية ، قال أبو بكر الرازي قوله تعالى : {وَأَنكِحُوا الايَـامَى } لا يختص بالنساء دون الرجال على ما بينا فلما كان الاسم شاملاً للرجال والنساء وقد أضمر في الرجال تزويجهم بإذنهم فوجب استعمال ذلك الضمير في النساء ، وأيضاً فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلّم باستئمار البكر بقوله : "البكر تستأمر في نفسها وإذنها صماتها" وذلك أمر وإن كان في صورة الخبر ، فثبت أنه لا يجوز تزويجها إلا بإذنها والجواب : أما الأول فهو تخصيص للنص وهو لا يقدح في كونه حجة والفرق أن الأيم من الرجال يتولى أمر نفسه فلا يجب على الولي تعهده أمره بخلاف المرأة ، فإن احتياجها إلى من يصلح أمرها في التزويج أظهر/ وأيضاً فلفظ الأيامى وإن تناول الرجال والنساء ، فإذا أطلق لم يتناول إلا النساء ، وإنما يتناول الرجال إذا قيد وأما الثاني : ففي تخصيص الآية بخبر الواحد كلام مشهور.
المسألة الرابعة : قال أبو حنيفة رحمه الله العم والأخ يليان تزويج البنت الصغيرة ، ووجه الاستدلال بالآية كما تقدم.
/
جزء : 23 رقم الصفحة : 377
المسألة الخامسة : قال الشافعي رحمه الله ، الناس في النكاح قسمان منهم من تتوق نفسه في النكاح فيستحب له أن ينكح إن وجد أهبة النكاح سواء كان مقبلاً على العبادة أو لم يكن كذلك ، ولكن لا يجب أن ينكح ، وإن لم يجد أهبة النكاح يكسر شهوته لما روى عبدالله بن مسعود رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم ، فإن الصوم له وجاء ، أما الذي لا تتوق نفسه إلى النكاح فإن كان ذلك لعلة به من كبر أو مرض أو عجز يكره له أن ينكح ، لأنه يلتزم ما لا يمكنه القيام بحقه ، وكذلك إذا كان لا يقدر على النفقة وإن لم يكن به عجز وكان قادراً على القيام بحقه لم يكره له النكاح ، لكن الأفضل أن يتخلى لعبادة الله تعالى ، وقال أبو حنيفة رحمه الله : النكاح أفضل من التخلي للعبادة ، وحجة الشافعي رحمه الله وجوه : أحدها : قوله تعالى : {وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّـالِحِينَ} (آل عمران : 39) مدح يحيى عليه السلام بكونه حصوراً والحصور الذي لا يأتي النساء مع القدرة عليهن ، ولا يقال هو الذي لا يأتي النساء مع العجز عنهن ، لأن مدح الإنسان بما يكون عيباً غير جائز ، وإذا ثبت أنه مدح في حق يحيى وجب أن يكون مشروعاً في حقنا لقوله تعالى : { أولئك الَّذِينَ هَدَى اللَّه فَبِهُدَاـاهُمُ اقْتَدِهْ } ولا يجوز حمل الهدى على الأصول لأن التقليد فيها غير جائز فوجب حمله على الفروع وثانيها : قوله عليه الصلاة والسلام : "استقيموا ولن تحصوا واعلموا أن أفضل أعمالكم الصلاة" ويتمسك أيضاً بما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال : "أفضل أعمال أمتي قراءة القرآن" وثالثها : أن النكاح مباح لقوله عليه الصلاة والسلام : "أحب المباحات إلى الله تعالى النكاح" ويحمل الأحب على الأصلح في الدنيا لئلا يقع التناقض بين كونه أحب وبين كونه مباحاً ، والمباح ما استوى طرفاه في الثواب والعقاب ، والمندوب ما ترجح وجوده على عدمه فتكون العبادة أفضل ورابعها : أن النكاح ليس بعبادة بدليل أنه يصح من الكافر والعبادة لا تصح منه ، فوجب أن تكون العبادة أفضل منه لقوله تعالى : {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالانسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ} (الذاريات : 56) والاشتغال بالمقصود أولى وخامسها : أن الله تعالى سوى بين التسري والنكاح ثم التسري مرجوح بالنسبة إلى العبادة ومساوى المرجوح مرجوح ، فالنكاح مرجوح ، وإنما قلنا إنه سوى بين التسري والنكاح لقوله تعالى :
جزء : 23 رقم الصفحة : 377
(1/3323)

{فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـانُكُمْ } (النساء : 3) وذكر كلمة أو للتخيير بين الشيئين ، والتخيير بين الشيئين أمارة التساوي ، كقول الطبيب للمريض كل الرمان أو التفاح ، وإذا ثبت الاستواء فالتسري مرجوح ، ومساوى المرجوح مرجوح ، فالنكاح يجب أن يكون مرجوحاً وسادسها : أن النافلة أشق فتكون أكثر ثواباً بيان أنها أشق أن ميل الطباع إلى النكاح أكثر ، ولولا ترغيب الشرع لما رغب أحد في النوافل ، وإذا ثبت أنها أشق وجب أن تكون أكثر ثواباً لقوله عليه الصلاة والسلام : "أفضل العبادات أحمزها" وقوله صلى الله عليه وسلّم لعائشة : "أجرك على قدر نصبك" وسابعها : لو كان النكاح مساوياً للنوافل في الثواب مع / أن النوافل أشق منه لما كانت النوافل مشروعة. لأنه إذا حصل طريقان إلى تحصيل المقصود وكانا في الإفضاء إلى المقصود سيين وكان أحدهما شاقاً والآخر سهلاً ، فإن العقلاء يستقبحون تحصيل ذلك المقصود بالطريق الشاق مع المكنة من الطريق السهل ، ولما كانت النوافل مشروعة علمنا أنها أفضل وثامنها : لو كان الاشتغال بالنكاح أولى من النافلة لكان الاشتغال بالحراثة والزراعة أولى من النافلة بالقياس على النكاح والجامع كون كل واحد منهما سبباً لبقاء هذا العالم ومحصلاً لنظامه وتاسعها : أجمعنا على أنه يقدم واجب العبادة على واجب النكاح ، فيقدم مندوبها على مندوبه لاتحاد السبب وعاشرها : أن النكاح اشتغال بتحصيل اللذات الحسية الداعية إلى الدنيا ، والنافلة قطع العلائق الجسمانية وإقبال على الله تعالى فأين أحدهما من الآخر ؟
ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : "حبب إلي من دنياكم ثلاث الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة" فرجح الصلاة على النكاح ، حجة أبي حنيفة رحمه الله من وجوه : الأول : أن النكاح يتضمن صون النفس عن الزنا فيكون ذلك دفعاً للضرر عن النفس ، والنافلة جلب النفع ودفع الضرر أولى من جلب النفع الثاني : أن النكاح يتضمن العدل والعدل أفضل من العبادة لقوله عليه الصلاة والسلام : "لعدل ساعة خير من عبادة ستين سنة" الثالث : النكاح سنة مؤكدة لقوله عليه الصلاة والسلام : "من رغب عن سنتي فليس مني" وقال في الصلاة وإنها خير موضوع : "فمن شاء فليستكثر ومن شاء فليستقلل" فوجب أن يكون النكاح أفضل.
المسألة السادسة : قوله تعالى : {وَأَنكِحُوا الايَـامَى } (النور : 32) وإن كانت تتناول جميع الأيامى بحسب الظاهر لكنهم أجمعوا على أنه لا بد فيها من شروط ، وقد تقدم شرحها في قوله : {وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَآءَ ذَالِكُمْ} (النساء : 24).
جزء : 23 رقم الصفحة : 377
أما قوله تعالى : {مِنكُمُ} فقد حمله كثير من المفسرين على أن المراد هم الأحرار لينفصل الحر من العبد ، وقال بعضهم بل المراد بذلك من يكون تحت ولاية المأمور من الولد أو القريب ، ومنهم من قال الإضافة تفيد الحرية والإسلام.
أما قوله تعالى : {وَالصَّـالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَآاـاِكُمْ } (النور : 32) ففيه مسائل :
المسألة الأولى : ظاهر أنه أيضاً أمر للسادة بتزويج هذين الفريقين إذا كانوا صالحين ، وأنه لا فرق بين هذا الأمر وبين الأمر بتزويج الأيامى في باب الوجوب ، لكنهم اتفقوا على أنه إباحة أو ترغيب ، فأما أن يكون واجباً فلا ، وفرقوا بينه وبين تزويج الأيامى بأن في تزويج العبد التزام مؤنة وتعطيل خدمة ، وذلك ليس بواجب على السيد وفي تزويج الأمة استفادة مهر وسقوط نفقة ، وليس ذلك بلازم على المولى.
المسألة الثانية : إنما خص الصالحين بالذكر لوجوه : الأول : ليحصن دينهم ويحفظ عليهم صلاحهم الثاني : لأن الصالحين من الأرقاء هم الذين مواليهم يشفقون عليهم (و) ينزلونهم منزلة / الأولاد في المودة ، فكانوا مظنة للتوصية بشأنهم والاهتمام بهم وتقبل الوصية فيهم ، وأما المفسدون منهم فحالهم عند مواليهم على عكس ذلك الثالث : أن يكون المراد الصلاح لأمر النكاح حتى يقوم العبد بما يلزم لها ، وتقوم الأمة بما يلزم للزوج الرابع : أن يكون المراد الصلاح في نفس النكاح بأن لا تكون صغيرة فلا تحتاج إلى النكاح.
المسألة الثالثة : ظاهر الآية يدل على أن العبد لا يتزوج بنفسه ، وإنما يجوز أن يتولى المولى تزويجه ، لكن ثبت بالدليل أنه إذا أمره بأن يتزوج جاز أن يتولى تزويج نفسه ، فيكون توليه بإذنه بمنزلة أن يتولى ذلك نفس السيد ، فأما الإماء فلا شبهة في أن المولى يتولى تزويجهن خصوصاً على قول من لا يجوز النكاح إلى بولي.
أما قوله تعالى : {إِن يَكُونُوا فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِه } (النور : 32) ففيه مسألتان :
(1/3324)

المسألة الأولى : الأصح أن هذا ليس وعداً من الله تعالى بإغناء من يتزوج. بل المعنى لا تنظروا إلى فقر من يخطب إليكم أو فقر من تريدون تزويجها ففي فضل الله ما يغنيهم ، والمال غاد ورائح ، وليس في الفقر ما يمنع من الرغبة في النكاح ، فهذا معنى صحيح وليس فيه أن الكلام قصد به وعد الغني حتى لا يجوز أن يقع فيه خلف ، وروي عن قدماء الصحابة ما يدل على أنهم رأوا ذلك وعداً ، عن أبي بكر قال : أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح ينجز لكم ما وعدكم من الغنى ، وعن عمر وابن عباس مثله قال ابن عباس : التمسوا الرزق بالنكاح ، وشكى رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم الحاجة فقال : "عليك بالباءة" وقال طلحة بن مطرف : تزوجوا فإنه أوسع لكم في رزقكم وأوسع لكم في أخلاقكم ويزيد في مروءتكم ، فإن قيل : فنحن نرى من كان غنياً فيتزوج فيصير فقيراً ؟
قلنا الجواب عنه من وجوه : أحدها : أن هذا الوعد مشروط بالمشيئة كما في قوله تعالى : {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِه إِن شَآءَا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (التوبة : 28) المطلق محمول على المقيد ، وثانيها : أن اللفظ وإن كان عاماً إلا أنه يكون خاصاً في بعض المذكورين دون البعض وهو في الأيامى الأحرار الذين يملكون فيستغنون بما يملكون وثالثها : أن يكون المراد الغنى بالعفاف فيكون المعنى وقوع الغنى بملك البضع والاستغناء به عن الوقوع في الزنا.
جزء : 23 رقم الصفحة : 377
المسألة الثانية : من الناس من استدل بهذه الآية على أن العبد والأمة يملكان ، لأن ذلك راجع إلى كل من تقدم فتقتضي الآية بيان أن العبد قد يكون فقيراً وقد يكون غنياً ، فإن دل ذلك على الملك ثبت أنهما يملكان ، ولكن المفسرون تأولوه على الأحرار خاصة. فكأنهم قالوا هو راجع إلى الأيامى ، أما إذا فسرنا الغنى بالعفاف فالاستدلال به على ذلك ساقط.
أما قوله : {وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} فالمعنى أنه سبحانه في الإفضال لا ينتهي إلى حد تنقطع قدرته على الإفضال دونه ، لأنه قادر على المقدورات التي لا نهاية لها ، وهو مع ذلك عليم بمقادير ما يصلحهم من الإفضال والرزق.
جزء : 23 رقم الصفحة : 377
378
اعلم أنه سبحانه لما ذكر تزويج الحرائر والإماء ، ذكر حال من يعجز عن ذلك ، فقال : {وَلْيَسْتَعْفِفِ} أي وليجتهد في العفة ، كأن المستعفف طالب من نفسه العفاف وحاملها عليه.
وأما قوله : {لا يَجِدُونَ نِكَاحًا} فالمعنى لا يتمكنون من الوصول إليه ، يقال لا يجد المرء الشيء إذا لم يتمكن منه ، قال الله تعالى : {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ} والمراد به بالإجماع من لم يتمكن ، ويقال في أحدنا هو غير واجد للماء وإن كان موجوداً ، إذا لم يمكنه أن يشتريه ، ويجوز أن يراد بالنكاح ما ينكح به من المال ، فبين سبحانه وتعالى أن من لا يتمكن من ذلك فليطلب التعفف ، ولينتظر أن يغنيه الله من فضله ، ثم يصل إلى بغيته من النكاح ، فإن قيل أفليس ملك اليمين يقوم مقام نفس النكاح ؟
قلنا لكن من لم يجد المهر والنفقة ، فبأن لا يجد ثمن الجارية أولى والله أعلم.
الحكم التاسع
في الكتابة
اعلم أنه تعالى لما بعث السيد على تزويج الصالحين من العبيد والإماء مع الرق ، رغبهم في أن يكاتبوهم إذا طلبوا ذلك ، ليصيروا أحراراً فيتصرفوا في أنفسهم كالأحرار ، فقال : {وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَـابَ} وههنا مسائل :
المسألة الأولى : قوله : {وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ} مرفوع على الابتداء ، أو منصوب بفعل مضمر يفسره فكاتبوهم ، كقولك زيداً فاضربه ، ودخلت الفاء لتضمن معنى الشرط.
المسألة الثانية : الكتاب والكتابة كالعتاب والعتابة ، وفي اشتقاق لفظ الكتابة وجوه : أحدها : أن أصل الكلمة من الكتب وهو الضم والجمع ومنه الكتيبة سميت بذلك لأنها تضم النجوم بعضها إلى بعض وتضم ماله إلى ماله وثانيها : يحتمل أن يكون اللفظ مأخوذاً من الكتاب ومعناه كتبت لك على نفسي أن تعتق مني إذا وفيت بالمال ، وكتبت لي على نفسك أن تفي لي بذلك ، أو كتبت لي كتاباً عليك بالوفاء بالمال وكتبت على العتق ، وهذا ما ذكره الأزهري وثالثها : إنما سمي بذلك لما يقع فيه من التأجيل بالمال المعقود عليه ، لأنه لا يجوز أن يقع على مال هو في يد العبد حين يكاتب ، لأن ذلك مال لسيده اكتسبه في حال ما كانت يد السيد غير / مقبوضة عن كسبه ، فلا يجوز لهذا المعنى أن يقع هذا العقد حالاً ولكنه يقع مؤجلاً ليكون متمكناً من الاكتساب وغيره حين ما انقبضت يد السيد عنه ، ثم من آداب الشريعة أن يكتب على من عليه المال المؤجل كتاب ، فسمى لهذا المعنى هذا العقد كتابً لما يقع فيه من الأجل ، قال تعالى : {لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ} (الرعد : 38).
جزء : 23 رقم الصفحة : 378
(1/3325)

المسألة الثالثة : قال محي السنة : الكتابة أن يقول لمملوكه كاتبتك على كذا ويسمى مالاً معلوماً يؤديه في نجمين أو أكثر ، ويبين عدد النجوم وما يؤدي في كل نجم ، ويقول إذا أديت ذلك المال فأنت حر ، أو نوي ذلك بقلبه ويقول العبد قبلت ، وفي هذا الضبط أبحاث.
البحث الأول : قال الشافعي رحمه الله : إن لم يقل بلسانه أو لم ينو بقلبه إذا أديت ذلك المال فأنت حر لم يعتق ، وقال أبو حنيفة ومالك وأبو يوسف ومحمد وزفر رحمهم الله لا حلاجة إلى ذلك/ حجة أبي حنيفة رحمه الله أن قوله تعالى : {فَكَاتِبُوهُمْ} خال عن هذا الشرط فوجب أن تصح الكتابة بدون هذا الشرط ، وإذا صحت الكتابة وجب أن يعتق بالأداء للإجماع ، حجة الشافعي رحمه الله : أن الكتابة ليست عقد معاوضة محضة ، لأن ما في يد العبد فهو ملك السيد والإنسان لا يمكنه بيع ملكه بملكه ، بل قوله كاتبتك كتابة في العتق فلا بد من لفظ العتق أو نيته.
البحث الثاني : لا تجوز الكتابة الحالة عند الشافعي ، وتجوز عند أبي حنيفة ، وجه قول الشافعي رحمه الله أن العبد لا يتصور له ملك يؤديه في الحال ، وإذا عقد حالاً توجهت المطالبة عليه في الحال ، فإذا عجز عن الأداء لم يحصل مقصود العقد ، كما لو أسلم في شيء لا يوجد عند المحل لا يصح بخلاف ما لو أسلم إلى معسر فإنه يجوز ، لأنه حين العقد يتصور أن يكون له ملك في الباطن ، فالعجز لا يتحقق عن أدائه ، وجه قول أبي حنيفة رحمه الله أن قوله تعالى : {فَكَاتِبُوهُمْ} مطلق يتناول الكتابة الحالة والمؤجلة ، وأيضاً لما كان مال الكتابة بدلاً عن الرقبة كان بمنزلة أثمان السلع المبيعة فيجوز عاجلاً وآجلاً ، وأيضاً أجمعوا على جواز العتق معلقاً على مال حال فوجب أن تكون الكتابة مثله ، لأنه بدل عن العتق في الحالين إلا أن في أحدهما العتق معلق على شرط الأداء وفي الآخر معجل ، فوجب أن لا يختلف حكمهما.
البحث الثالث : قال الشافعي رحمه الله : لا تجوز الكتابة على أقل من نجمين ، يروى ذلك عن علي وعثمان وابن عمر ، روى أن عثمان رضي الله عنه غضب على عبده ، فقال : لأضيقن الأمر عليك ، ولأكاتبنك على نجمين ، ولو جاز على أقل من ذلك لكاتبه على الأقل ، لأن التضييق فيه أشد ، وإنما شرطنا التنجيم لأنه عقد إرفاق ، ومن شرط الإرفاق التنجيم ليتيسر عليهم الأداء. وقال أبو حنيفة رحمه الله : تجوز الكتابة على نجم واحد ، لأن ظاهر قوله : {فَكَاتِبُوهُمْ} ليس فيه تقييد.
جزء : 23 رقم الصفحة : 378
المسألة الرابعة : تجوز كتابة المملوك عبداً كان أو أمة ، ويشترط عند الشافعي رحمه الله أن يكون عاقلاً بالغاً ، فإذا كان صبياً أو مجنوناً لا تصح كتابته ، لأن الله تعالى قال : {وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَـابَ} ولا يتصور الابتغاء من الصبي والمجنون. وعند أبي حنيفة رحمه الله : تجوز كتابة الصبي ويقبل عنه المولى.
المسألة الخامسة : يشرط أن يكون المولى مكلفاً مطلقاً ، فإن كان صبياً أو مجنوناً أو محجوراً عليه بالسفه لا تصح كتابته كما لا يصح بيعه ، ولأن قوله : {فَكَاتِبُوهُمْ} خطاب فلا يتناول غير العاقل ، وعند أبي حنيفة رحمه لله تصح كتابة الصبي بإذن الولي.
المسألة السادسة : اختلف العلماء في أن قوله : {فَكَاتِبُوهُمْ} أمر إيجاب أو أمر استحباب ؟
فقال قائلون هو أمر إيجاب ، فيجب على الرجل أن يكاتب مملوكه إذا سأله ذلك بقيمته أو أكثر إذا علم فيه خيراً ، ولو كان بدون قيمته لم يلزمه ، وهذا قول عمرو بن دينار وعطاء ، وإليه ذهب داود بن علي ومحمد بن جرير ، واحتجوا عليه بالآية والأثر. أما الآية فظاهر قوله تعالى : {فَكَاتِبُوهُمْ} لأنه أمر وهو للإيجاب ، ويدل عليه أيضاً سبب نزول الآية ، فإنها نزلت في غلام لحويطب ابن عبد العزى يقال له صبيح سأل مولاه أن يكاتبه فأبى عليه ، فنزلت الآية فكاتبه على مائة دينار ووهب له منها عشرين ديناراً ، وأما الأثر فما روي أن عمر أمر أنساً أن يكاتب سيرين أبا محمد بن سيرين فأبى ، فرفع عليه الدرة وضربه وقال : {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا } وحلف عليه ليكاتبنه ، ولو لم يكن ذلك واجباً لكان ضربه بالدرة ظلماً ، وما أنكر على عمر أحد من الصحابة فجرى ذلك مجرى الإجماع ، وقال أكثر الفقهاء إنه أمر استحباب وهو ظاهر قول ابن عباس والحسن والشعبي وإليه ذهب مالك وأبو حنيفة والشافعي والثوري واحتجوا عليه بقوله عليه الصلاة والسلام "لا يحل مال امرىء مسلم إلا بطيب من نفسه" وأنه لا فرق أن يطلب الكتابة أو يطلب بيعه ممن يعتقه في الكفارة/ فكما لا يجب ذلك فكذا الكتابة وهذه طريقة المعاوضات أجمع وههنا سؤالان :
السؤال الأول : كيف يصح أن يبيع ماله بماله ؟
قلنا إذا ورد الشرع به فيجب أن يجوز كما إذا علق عتقه على مال يكتسبه فيؤديه أو يؤدي عنه صار سبباً لعتقه.
(1/3326)

السؤال الثاني : هل يستفيد العبد بعقد الكتابة ما لا يملكه ؟
لولا الكتابة ؟
قلنا نعم لأنه لو دفع إليه الزكاة ، ولم يكاتب لم يحل له أن يأخذها وإذا صار مكاتباً حل له وإذا دفع إلى مولاه حل له ، سواء أدى فعتق أو عجز فعاد إلى الرق ، ويستفيد أيضاً أن الكتابة تبعثه على الجد والاجتهاد في الكسب ، فلولاها لم يكن ليفعل ذلك ، ويستفيد المولى الثواب لأنه إذا باعه فلا ثواب ، وإذا كاتبه ففيه ثواب ، ويستفيد أيضاً الولاء لأنه لو عتق من قبل غيره لم يكن له ولاء وإذا عتق بالكتابة فالولاء له ، فورد الشرع بجواز الكتابة لما ذكرناه من الفوائد.
جزء : 23 رقم الصفحة : 378
أما قوله تعالى : {إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا } فذكروا في الخير وجوهاً : أحدها : ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلّم "إن علمتم لهم حرفة ، فلا تدعوهم كلا على الناس" وثانيها : قال عطاء الخير / المال وتلا {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا} أي ترك مالاً ، قال وبلغني ذلك عن ابن عباس وثالثها : عن ابن سيرين قال إذا صلى وقال النخعي وفاء وصدقاً وقال الحسن صلاحاً في الدين ورابعها : قال الشافعي رحمه الله المراد بالخير الأمانة والقوة على الكسب ، لأن مقصود الكتابة قلما يحصل إلا بهما فإنه ينبغي أن يكون كسوباً يحصل المال ويكون أميناً يصرفه في نجومه ولا يضيعه فإذا فقد الشرطان أو أحدهما لا يستحب أن يكاتبه ، والأقرب أنه لا يجوز حمله على المال لوجهين : الأول : أن المفهوم من كلام الناس إذا قالوا فلان فيه خير إنما يريدون به الصلاح في الدين ولو أراد المال لقال إن علمتم لهم خيراً ، لأنه إنما يقال لفلان مال ولا يقال فيه مال الثاني : أن العبد لا مال له بل المال لسيده ، فالأولى أن يحمل على ما يعود على كتابته بالتمام ، وهو الذي ذكره الشافعي رحمه الله وهو أن يتمكن من الكسب ويوثق به بحفظ ذلك لأن كل ذلك مما يعود على كتابته بالتمام ودخل فيه تفسير النبي صلى الله عليه وسلّم الخير لأنه عليه الصلاة والسلام فسره بالكسب وهو داخل في تفسير الشافعي رحمه الله.
أما قوله : {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى } ففيه مسألتان :
جزء : 23 رقم الصفحة : 378
المسألة الأولى : اختلفوا في المخاطب بقوله : {وَءَاتُوهُم} على وجوه : أحدها : أنه هو المولى يحط عنه جزءاً من مال الكتابة أو يدفع إليه جزءاً مما أخذ منه ، وهؤلاء اختلفوا في قدره فمنهم من جعل الخيار له وقال يجب أن يحط قدراً يقع به الاستغناء ، وذلك يختلف بكثرة المال وقلته ومنهم من قال يحط ربع المال ، روى عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن أنه كاتب غلاماً له فترك له ربع مكاتبته ، وقال إن علياً كان يأمرنا بذلك ويقول وهو قول الله تعالى : {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى } فإن لم يفعل فالسبع ، لما روى عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كاتب عبداً له بخمس وثلاثين ألفاً ووضع عنه خمسة آلاف ، ويروى أن عمر كاتب عبداً له فجاء بنجمه فقال له اذهب فاستعن به على أداء مال الكتابة ، فقال المكاتب لو تركته إلى آخر نجم ؟
فقال إني أخاف أن لا أدرك ذلك ثم قرأ هذه الآية ، وكان ابن عمر يؤخره إلى آخر النجوم مخافة أن يعجز. وثانيها : المراد وآتوهم سهمهم الذي جعله الله لهم من الصدقات في قوله : {وَفِي الرِّقَابِ} وعلى هذا فالخطاب لغير السادة وهو قول الحسن والنخعي ، ورواية عطاء عن ابن عباس ، وأجمعوا على أنه لا يجوز للسيد أن يدفع صدقته المفروضة إلى مكاتب نفسه. وثالثها : أن هذا أمر من الله تعالى للسادة والناس أن يعينوا المكاتب على كتابته بما يمكنهم ، وهذا قول الكلبي وعكرمة والمقاتلين والنخعي وقال عليه الصلاة والسلام : "من أعان مكاتباً على فك رقبته أظله الله تعالى في ظل عرشه" ، وروي أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلّم علمني عملاً يدخلني الجنة قال : "لئن كنت أقصرت الخطبة لقد أعظمت المسألة ، أعتق النسمة وفك الرقبة ، فقال أليسا واحداً ؟
فقال لا ، عتق النسمة أن تنفرد بعتقها ، وفك الرقبة أن تعين في ثمنها" قالوا ويؤكد هذا القول وجوه : أحدها : أنه أمر بإعطائه / من مال الله تعالى وما أطلق عليه هذه الإضافة فهو ما كان سبيله الصدقة وصرفه في وجوه القرب. وثانيها : أن قوله : {مِن فَضْلِه ا وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَـابَ} هو الذي قد صح ملكه للمالك وأمر بإخراج بعضه ، ومال الكتابة ليس بدين صحيح لأنه على عبده والمولى لا يثبت له على عبده دين صحيح. وثالثها : أن ما آتاه الله فهو الذي يحصل في يده ويمكنه التصرف فيه ، وما سقط عقيب العقد لم يحصل له عليه يد ملك ، فلا يستحق الصفة بأنه من مال الله الذي آتاه ، فإن قيل ههنا وجهان يقدحان في صحة هذا التأويل أحدهما : أنه كيف يحل لمولاه إذا كان غيناً أن يأخذ من مال الصدقة. والثاني : أن قوله :
جزء : 23 رقم الصفحة : 378
(1/3327)

{وَءَاتُوهُم} معطوف على قوله : {فَكَاتِبُوهُمْ} فيجب أن يكون المخاطب في الموضعين واحداً ، وعلى هذا التأويل يكون المخاطب في الآية الأولى السادات ، وفي الثانية سائر المسلمين قلنا : أما الأول فجوابه أن تلك الصدقة تحل لمولاه وكذلك إذا لم تقف الصدقة بجميع النجوم وعجز عن أداء الباقي كان للمولى ما أخذه لأنه لم يأخذه بسبب الصدقة ، ولكن بسبب عقد الكتابة كمن اشترى الصدقة من الفقير أو ورثها منه. يدل عليه قوله عليه الصلاة والسلام في حديث بريرة "هو لها صدقة ولنا هدية" والجواب : عن الثاني أنه قد يصح الخطاب لقوم ثم يعطف عليه بمثل لفظه خطاباً لغيرهم ، كقوله تعالى : {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ} (البقرة : 231) فالخطاب للأزواج ثم خاطب الأولياء بقوله : {فَلا تَعْضُلُوهُنَّ} وقوله : {مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ } والقائلون غير المبرئين فكذا ههنا قال للسادة {فَكَاتِبُوهُمْ} وقال لغيرهم {وَءَاتُوهُم} أو قال لهم ولغيرهم.
المسألة الثانية : قال الشافعي رحمه الله يجب على المولى إيتاء المكاتب وهو أن يحط عنه جزءاً من مال الكتابة أو يدفع إليه جزءاً مما أخذ منه ، وقال مالك وأبو حنيفة وأصحابه إنه مندوب إليه لكنه غير واجب ، حجة الشافعي رحمه الله ظاهر قوله : {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى } والأمر للوجوب فقيل عليه إن قوله : {فَكَاتِبُوهُمْ} وقوله : {وَءَاتُوهُم} أمران وردا في صورة واحدة فلم جعلت الأولى ندباً والثاني إيجاباً ؟
وأيضاً فقد ثبت أن قوله {وَءَاتُوهُم} ليس خطاباً مع الموالي بل مع عامة المسلمين. حجة أبي حنيفة رحمه الله من حيث السنة والقياس ، أما السنة فما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه عليه الصلاة والسلام قال : "أيما عبد كاتب على مائة أوقية فأداها إلا عشر أواق فهو عبد" فلو كان الحط واجباً لسقط عنه بقدره ، وعن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت : "جاءتني بريرة فقالت يا عائشة إني قد كاتبت أهلي على تسع أواق في كل عام أوقية فأعيتني ولم تكن قضت من كتابتها شيئاً فقالت عائشة رضي الله عنها ارجعي إلى أهلك فإن أحبوا أن أعطيهم ذلك جميعاً ويكون ولاؤك لي فعلت ، فأبوا فذكرت ذلك النبي صلى الله عليه وسلّم فقال لا يمنعك ذلك منها ابتاعي وأعتقي ، فإنما الولاء لمن أعتق" وجه الاستدلال أنها ما قضت من كتابتها شيئاً وأرادت عائشة أن تؤدي عنها كتابتها بالكلية وذكرته لرسول الله صلى الله عليه وسلّم وترك رسول الله النكر عليها/ ولم يقل إنها تستحق أن يحط عنها بعض كتابتها فثبت قولنا. وأما القياس فمن وجهين الأول : لو كان الإيتاء واجباً لكان وجوبه متعلقاً بالعقد فيكون العقد موجباً / له ومسقطاً له وذلك محال لتنافي الإسقاط والإيجاب الثاني : لو كان الحط واجباً لما أحتاج إلى أن يضع عنه بل كان يسقط القدر المستحق كمن له على إنسان دين ثم حصل لذلك الآخر على الأول مثله فإنه يصير قصاصاً ، ولو كان كذلك لكان قدر الإيتاء إما أن يكون معلوماً أو مجهولاً فإن كان معلوماً وجب أن تكون الكتابة بألفين فيعتق إذا أدى ثلاثة آلاف. والكتابة أربعة آلاف وذلك باطل لأن أداء جميعها مشروط فلا يعتق بأداء بعضها ، ولأنه عليه السلام قال : "المكاتب عبد ما بقي عليه درهم" وإن كان مجهولاً صارت الكتابة مجهولة لأن الباقي بعد الحط مجهول فيصير بمنزلة من كاتب عبده على ألف درهم إلا شيئاً وذلك غير جائز والله أعلم.
جزء : 23 رقم الصفحة : 378
الحكم العاشر
الإكراه على الزنا
قوله تعالى : {وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَـاتِكُمْ عَلَى الْبِغَآءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَواةِ الدُّنْيَا وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنا بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ} .
اعلم أنه تعالى لما بين ما يلزم من تزويج العبيد والإماء وكتابتهم أتبع ذلك بالمنع من إكراه الإماء على الفجور ، وههنا مسائل :
المسألة الأولى : اختلفوا في سبب نزولها على وجوه الأول : كان لعبد الله بن أبي المنافق ست جوار معاذة ومسيكة وأميمة وعمرة وأروى وقتيلة يكرههن على البغاء وضرب عليهن ضرائب فشكت (ا) ثنتان منهن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم فنزلت الآية وثانيها : أن عبد الله بن أبي أسر رجلاً فراود الأسير جارية عبدالله وكانت الجارية مسلمة فامتنعت الجارية لإسلامها وأكرهها ابن أبي على ذلك ، رجاء أن تحمل من الأسير فيطلب فداء ولده فنزلت وثالثها : روى أبو صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : "جاء عبدالله بن أبي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم ومعه جارية من أجمل النساء تسمى معاذة ، فقال يا رسول الله هذه لأيتام فلان أفلا نأمرها بالزنا فيصيبون من منافعها ؟
فقال عليه الصلاة والسلام لا فأعاد الكلام" فنزلت الآية وقال جابر بن عبدالله "جاءت جارية لبعض الناس فقالت إن سيدي يكرهني على البغاء" فنزلت الآية.
(1/3328)

المسألة الثانية : الإكراه إنما يحصل متى حصل التخويف بما يقتضي تلف النفس فأما باليسير من الخوف فلا تصير مكرهة ، فحال الإكراه على الزنا كحال الإكراه على كلمة الكفر والنص وإن كان مختصاً بالإماء إلا أن حال الحرائر كذلك.
المسألة الثالثة : العرب تقول للمملوك فتى وللمملوكة فتاة ، قال تعالى : {فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَـاـاهُ} (الكهف : 62) وقال : {تُرَاوِدُ فَتَـاـاهَا} (يوسف : 30) وقال : {فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَـانُكُم مِّن فَتَيَـاتِكُمُ الْمُؤْمِنَـاتِا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَـانِكُمْ } (النساء : 25) وفي الحديث / "ليقل أحدكم فتاي وفتاتي ولا يقل عبدي وأمتي".
المسألة الرابعة : البغاء الزنا يقال بغت تبغي بغاء فهي بغي.
جزء : 23 رقم الصفحة : 378
المسألة الخامسة : الذي نقول به أن المعلق بكلمة إن على الشيء عدم عند عدم ذلك الشيء ، والدليل عليه اتفاق أهل اللغة على أن كلمة إن للشرط واتفاقهم على أن الشرط ما ينتفي الحكم عند انتفائه ، ومجموع هاتين المقدمتين النقليتين ، يوجب الحكم بأن المعلق بكلمة إن على الشيء عدم عند عدم ذلك الشيء ، واحتج المخالف بهذه الآية فقال إنه سبحانه علق المنع من الإكراه على البغاء على إرادة التحصن بكلمة إن فلو كان الأمر كما ذكرتموه لزم أن لا ينتفي المنع من الإكراه على الزنا إذا لم توجد إرادة التحصن وذلك باطل ، فإنه سواء وجدت إدارة التحصن أو لم توجد فإن المنع من الإكراه على الزنا حاصل والجواب : لا نزاع أن ظاهر الآية يقتضي جواز الإكراه على الزنا عند عدم إرادة التحصن ولكنه فسد ذلك لامتناعه في نفسه لأنه متى لم توجد إرادة التحصن في حقها لم تكن كارهة للزنا ، وحال كونها غير كارهة للزنا يمتنع إكراهها على الزنا فامتنع ذلك لامتناعه في نفسه وذاته ، ومن الناس من ذكر فيه جواباً آخر وهو أن غالب الحال أن الإكراه لا يحصل إلا عند إرادة التحصن ، والكلام الوارد على سبيل الغالب لا يكون له مفهوم الخطاب كما أن الخلع يجوز في غير حالة الشقاق ولكن لما كان الغالب وقوع الخلع في حالة الشقاق لا جرم لم يكن لقوله تعالى : {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِه } مفهوم ومن هذا القبيل قوله : {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِى الارْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلواةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا } (النساء : 101) والقصر لا يختص بحال الخوف ولكنه سبحانه أجراه على سبيل الغالب ، فكذا ههنا والجواب : الثالث معناه إذا أردن تحصناً لأن القصة التي وردت الآية فيها كانت كذلك على ما روينا أن جارية عبدالله بن أبي أسلمت وامتنعت عليه طلباً للعفاف فأكرهها فنزلت الآية موافقة لذلك ، نظيره قوله تعالى : {وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا} (البقرة : 23) أي وإذا كنتم في ريب.
المسألة السادسة : أنه تعالى لما منع من إكراههن على الزنا ففيه ما يدل على أن لهم إكراههن على النكاح فليس لها أن تمتنع على السيد إذا زوجها بل له أن يكرهها على ذلك وهذه الدلالة دلالة دليل الخطاب.
جزء : 23 رقم الصفحة : 378
أما قوله {إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا} أي تعففاً {لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَواةِ الدُّنْيَا } يعني كسبهن وأولادهن.
أما قوله : {وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنا بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} فاعلم أنه ليس في الآية (بيان) أنه تعالى غفور رحيم للمكره أو للمكرهة لا جرم ذكروا فيه وجهين : أحدهما : فإن الله غفور رحيم بهن ، لأن الإكراه أزال الأثم والعقوبة ، لأن الإكراه عذر للمكرهة ، أما المكره فلا عذر له فيما فعل الثاني : المراد فإن الله غفور رحيم بالمكره بشرط التوبة وهذا ضعيف لأن على التفسير / الأول لا حاجة إلى هذا الإضمار ، وعلى التفسير الثاني يحتاج إليه.
جزء : 23 رقم الصفحة : 378
395
(1/3329)

اعلم أنه سبحانه لما ذكر في هذه السورة هذه الأحكام وصف القرآن بصفات ثلاثة : أحدها : قوله : {وَلَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ ءَايَـاتٍ مُّبَيِّنَـاتٍ} أي مفصلات ، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم مبينات بكسر الياء على معنى أنها تبين للناس كما قال : {بِلِسَانٍ عَرَبِىٍّ مُّبِينٍ} (الشعراء : 19) أو تكون من بين بمعنى تبين ، ومنه المثل : قد بين الصبح لذي عينين وثانيها : قوله : {وَمَثَلا مِّنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ} وفيه وجهان : أحدهما : أنه تعالى يريد بالمثل ما ذكر في التوراة والإنجيل من إقامة الحدود فأنزل في القرآن مثله ، وهو قول الضحاك والثاني : قوله : {وَمَثَلا} أي شبهاً من حالهم بحالكم في تكذيب الرسل ، يعني بينا لكم ما أحللنا بهم من العقاب لتمردهم على الله تعالى ، فجعلنا ذلك مثلاً لكم لتعلموا أنكم إذا شاركتموهم في المعصية كنتم مثلهم في استحقاق العقاب ، وهو قول مقاتل وثالثها : قوله : {وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ} والمراد به الوعيد والتحذير من فعل المعاصي ولا شبهة في أنه موعظة للكل ، لكنه تعالى خص المتقين بالذكر للعلة التي ذكرناها في قوله : {هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} وههنا آخر الكلام في الأحكام.
القول في الإلهيات
اعلم أنه تعالى ذكر مثلين : أحدهما : في بيان أن دلائل الإيمان في غاية الظهور الثاني : في بيان أن أديان الكفرة في نهاية الظلمة والخفاء.
[بم أما المثل الأول فهو قوله سبحانه وتعالى :
جزء : 24 رقم الصفحة : 395
399
/ اعلم أن الكلام في هذه الآية مرتب على فصول :
الفصل الأول في إطلاق اسم النور على الله تعالى
اعلم أن لفظ النور موضوع في اللغة لهذه الكيفية الفائضة من الشمس والقمر والنار على الأرض والجدران وغيرهما ، وهذه الكيفية يستحيل أن تكون إلهاً لوجوه : أحدها : أن هذه الكيفية إن كانت عبارة عن الجسم كان الدليل الدال على حدوث الجسم دالاً على حدوثها ، وإن كانت عرضاً فمتى ثبت حدوث جميع الأعراض القائمة به ولكن هذه المقدمة إنما تثبت بعد إقامة الدلالة على أن الحلول على الله تعالى محال وثانيها : أنا سواء قلنا النور جسم أو أمر حال في الجسم فهو منقسم ، لأنه إن كان جسماً فلا شك في أنه منقسم ، وإن كان حالاً فيه ، فالحال في المنقسم منقسم ، وعلى التقديرين فالنور منقسم وكل منقسم فإنه يفتقر في تحققه إلى تحقق أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره ، وكل مفتقر فهو في تحققه مفتقر إلى غيره ، والمفتقر إلى الغير ممكن لذاته محدث بغيره ، فالنور محدث فلا يكون إلهاً وثالثها : أن هذا النور المحسوس لو كان هو الله لوجب أن لا يزول هذا النور لامتناع الزوال على الله تعالى ورابعها : أن هذا النور المحسوس يقع بطلوع الشمس والكواكب. وذلك على الله محال وخامسها : أن هذه الأنوار لو كانت أزلية لكانت إما أن تكون متحركة أو ساكنة ، لا جائز أن تكون متحركة لأن الحركة معناها الانتقال من مكان إلى مكان فالحركة مسبوقة بالحصول في المكان الأول. والأزلى يمتنع أن يكون مسبوقاً بالغير فالحركة الأزلية محال. ولا جائز أن تكون ساكنة لأن السكون لو كان أزلياً لكان ممتنع الزوال لكن السكون جائز الزوال ، لأنا نرى الأنوار تنتقل من مكان إلى مكان فدل ذلك على حدوث الأنوار وسادسها : أن النور إما أن يكون جسماً أو كيفية قائمة بالجسم ، والأول محال لأنا قد نعقل الجسم جسماً مع الذهول عن كونه نيراً ولأن الجسم قد يستنير بعد أن كان مظلماً فثبت الثاني لكن الكيفية القائمة بالجسم محتاجة إلى الجسم ، والمحتاج إلى الغير لا يكون إلهاً ، وبمجموع هذه الدلائل يبطل قول المانوية الذين يعتقدون أن الإله سبحانه هو النور الأعظم. وأما المجسمة المعترفون بصحة القرآن فيحتج على فساد قولهم بوجهين : الأول : قوله :
جزء : 24 رقم الصفحة : 399
(1/3330)

{لَيْسَ كَمِثْلِه شَىْءٌ } (الشورى : 11) ولو كان نوراً لبطل ذلك لأن الأنوار كلها متماثلة الثاني : أن قوله تعالى : {مَثَلُ نُورِه } صريح في أنه ليس ذاته نفس النور بل النور مضاف إليه. وكذا قوله : {يَهْدِى اللَّهُ لِنُورِه مَن يَشَآءُ } فإن قيل قوله : {اللَّهُ نُورُ السَّمَـاوَاتِ} يقتضي ظاهره أنه في ذاته نور. وقوله : {مَثَلُ نُورِه } يقتضي أن لا يكون هو في ذاته نوراً وبينهما تناقض ، قلنا نظير هذه الآية قولك زيد / كرم وجود ، ثم تقول ينعش الناس بكرمه وجوده ، وعلى هذا الطريق لا تناقض الثالث : قوله سبحانه وتعالى : {وَجَعَلَ الظُّلُمَـاتِ وَالنُّورَ } (الأنعام : 1) وذلك صريح في أن ماهية النور مجعولة لله تعالى فيستحيل أن يكون الإله نوراً ، فثبت أنه لا بد من التأويل ، والعلماء ذكروا فيه وجهاً : أحدها : أن النور سبب للظهور والهداية لما شاركت النور في هذا النور في هذا المعنى صح إطلاق اسم النور على الهداية وهو كقوله تعالى : {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ ءَامَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَـاتِ إِلَى النُّورِ } (البقرة : 257).
وقوله : {أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَـاهُ وَجَعَلْنَا لَه نُورًا} (الأنعام : 122) وقال : {وَلَـاكِن جَعَلْنَـاهُ نُورًا نَّهْدِى بِه مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا } (الشورى : 52) فقوله : {اللَّهُ نُورُ السَّمَـاوَاتِ وَالارْضِ } أي ذو نور السموات والأرض والنور هو الهداية ولا تحصل إلا لأهل السموات ، والحاصل أن المراد الله هادي أهل السموات والأرض وهو قول ابن عباس والأكثرين رضي الله عنهم وثانيها : المراد أنه مدبر السموات والأرض بحكمة بالغة وحجة نيرة فوصف نفسه بذلك كما يوصف الرئيس العالم بأنه نور البلد ، فإنه إذا كان مدبرهم تدبيراً حسناً فهو لهم كالنور الذي يهتدى به إلى مسالك الطرق ، قال جرير :
وأنت لنا نور وغيث وعصمة
جزء : 24 رقم الصفحة : 399
وهذا اختيار الأصم والزجاج وثالثها : المراد ناظم السموات والأرض على الترتيب الأحسن فإنه قد يعبر بالنور على النظام ، يقال ما أرى لهذا الأمر نوراً ورابعها : معناه منور السموات والأرض ثم ذكروا في هذا القول ثلاثة أوجه : أحدها : أنه منور السماء بالملائكة والأرض بالأنبياء والثاني : منورها بالشمس والقمر والكواكب والثالث : أنه زين السماء بالشمس والقمر والكواكب وزين الأرض بالأنبياء والعلماء ، وهو مروي عن أبي بن كعب والحسن وأبي العالية والأقرب هو القول الأول لأن قوله في آخر الآية : {يَهْدِى اللَّهُ لِنُورِه مَن يَشَآءُ } يدل على أن المراد بالنور الهداية إلى العلم والعمل. واعلم أن الشيخ الغزالي رحمه الله صنف في تفسير هذه الآية الكتاب المسمى بمشكاة الأنوار ، وزعم أن الله نور في الحقيقة بل ليس النور إلا هو ، وأنا أنقل محصل ما ذكره مع زوائد كثيرة تقوي كلامه ثم ننظر في صحته وفساده على سبيل الإنصاف فقال : اسم النور إنما وضع للكيفية الفائضة من الشمس والقمر والنار على ظواهر هذه الأجسام الكثيفة ، فيقال استنارت الأرض ووقع نور الشمس على الثوب ونور السراج على الحائط ، ومعلوم أن هذه الكيفية إنما اختصت بالفضيلة والشرف لأن المرئيات تصير بسببها ظاهرة منجلية ، ثم من المعلوم أنه كما يتوقف إدراك هذه المرئيات على كونها مستنيرة فكذا يتوقف على وجود العين الباصرة إذ المرئيات بعد استنارتها لا تكون ظاهرة في حق العميان فقد ساوى الروح الباصرة النور الظاهرة في كونه ركناً لا بد منه للظهور ، ثم يرجح عليه في أن الروح الباصرة هي المدركة وبها الإدراك ، وأما النور الخارج فليس بمدرك ولا به الإدراك بل عنده الإدراك ، فكان وصف الإظهار بالنور الباصر أحق منه بالنور المبصر فلا جرم أطلقوا / اسم النور على نور العين المبصرة فقالوا في الخفاش إن نور عينه ضعيف ، وفي الأعمش إنه ضعف نور بصره. وفي الأعمى إنه فقد نور البصر. إذا ثبت هذا فنقول إن للإنسان بصراً وبصيرة فالبصر هو العين الظاهرة المدركة للأضواء والألوان ، والبصيرة هي القوة العاقلة وكل واحد من الإدراكين يقتضي ظهور المدرك ، فكل واحد من الإدراكين نور إلا أنهم عددوا لنور العين عيوباً لم يحصل شيء منها في نور العقلي ، والغزالي رحمه الله ذكر منها سبعة ، ونحن جعلناها عشرين الأول : أن القوة الباصرة لا تدرك نفسها ولا تدرك إدراكها ولا تدرك آلتها ، أما أنها لا تدرك نفسها ولا
جزء : 24 رقم الصفحة : 399
(1/3331)

تدرك إدراكها فلأن القوة الباصرة وإدراك القوة الباصرة ليسا من الأمور المبصرة بالعين الباصرة ، وأما آلتها فهي العين/ والقوة الباصرة بالعين لا تدرك العين ، وأما القوة العاقلة فإنها تدرك نفسها وتدرك إدراكها وتدرك آلتها في الإدراك وهي القلب والدماغ ، فثبت أن نور العقل أكمل من نور البصر الثاني : أن القوة الباصرة لا تدرك الكليات والقوة العاقلة تدركها ، ومدرك الكليات وهو القلب أشرف من مدرك الجزئيات ، أما أن القوة الباصرة لا تدرك الكليات فلأن القوة الباصرة لو أدركت كل ما في الوجود فهي ما أدركت الكل لأن الكل عبارة عن كل ما يمكن دخوله في الوجود في الماضي والحاضر والمستقبل ، وأما أن القوة العاقلة تدرك الكليات فلأنا نعرف أن الأشخاص الإنسانية مشتركة في الإنسانية ومتمايزة بخصوصياتها ، وما به المشاركة غير ما به الممايزة ، فالإنسانية من حيث هي إنسانية أمر مغاير لهذه المشخصات فقد عقلنا الماهية الكلية ، وأما أن إدراك الكليات أشرف فلأن إدراك الكليات ممتنع التغير ، وإدراك الجزئيات واجب التغير ، ولأن إدراك الكلي يتضمن إدراك الجزئيات الواقعة تحته ، لأن ما ثبت للماهية ثبت لجميع أفرادها ولا ينعكس ، فثبت أن الإدراك العقلي أشرف الثالث : الإدراك الحسي غير منتج والإدراك العقلي منتج فوجب أن يكون العقل أشرف ، أما كون الإدراك الحسي غير منتج فلأن من أحس بشيء لا يكون ذلك الإحساس سبباً لحصول إحساس آخر له ، بل لو استعمل له الحس مرة أخرى لأحس به مرة أخرى ولكن ذلك لا يكون إنتاج الإحساس لإحساس آخر ، وأما أن الإدراك العقلي منتج فلأنا إذا عقلنا أموراً ثم ركبناها في عقولنا توسلنا بتركيبها إلى اكتساب علوم أخرى ، وهكذا كل تعقل حاصل فإنه يمكن التوسل به إلى تحصيل تعقل آخر إلى ما لا نهاية له ، فثبت أن الإدراك العقلي أشرف الرابع : الإدراك الحسي لا يتسع للأمور الكثيرة والإدراك العقلي ، يتسع لها فوجب أن يكون الإدراك العقلي أشرف. أما أن الإدراك الحسي لا يتسع لها فلأن البصر إذا توالى عليه ألوان كثيرة عجز عن تمييزها ، فأدرك لوناً كأنه حاصل من اختلاط تلك الألوان (و) السمع إذا توالت عليه كلمات كثيرة التبست عليه تلك الكلمات ولم يحصل التمييز ، وأما أن الإدراك العقلي متسع لها فلأن كل من كان تحصيله للعلوم أكثر كانت قدرته على كسب الجديد أسهل ، وبالعكس وذلك يوجب الحكم بأن الإدراك العقلي أشرف الخامس : القوة الحسية إذا / أدركت المحسوسات القوية ففي ذلك الوقت
جزء : 24 رقم الصفحة : 399
(1/3332)

تعجز عن إدراك الضعيفة ، فإن من سمع الصوت الشديد ففي تلك الحالة لا يمكنه أن يسمع الصوت الضعيف والقوة العقلية لا يشغلها معقول عن معقول السادس : القوى الحسية تضعف بعد الأربعين ، وتضعف عند كثرة الأفكار التي هي موجباً لاستيلاء النفس على البدن الذي هو موجب لخراب البدن ، والقوى العقلية تقوى بعد الأربعين وتقوى عند كثرة الأفكار الموجبة لخراب البدن ، فدل ذلك على استغناء القوة العقلية عن هذه الآلات واحتياج القوى الحسية إليها السابع : القوة الباصرة لا تدرك المرئي مع القرب القريب ولا مع البعد البعيد ، والقوة العقلية لا يختلف حالها بحسب القرب والبعد ، فإنها تترقى إلى ما فوق العرش وتنزل إلى ما تحت الثرى في أقل من لحظة واحدة ، بل تدرك ذات الله وصفاته مع كونه منزهاً عن القرب والبعد والجهة فكانت القوة العقلية أشرف الثامن : القوة الحسية لا تدرك من الأشياء إلا ظواهرها فإذا أدركت الإنسان فهي في الحقيقة ما أدركت الإنسان لأنها ما أدركت إلا السطح الظاهر من جسمه ، وإلا اللون القائم بذلك السطح ، وبالاتفاق فليس الإنسان عبارة عن مجرد السطح واللون فالقوة الباصرة عاجزة عن النفوذ في الباطن ، أما القوة العاقلة فإن باطن الأشياء وظاهرها بالنسبة إليها على السواء فإنها تدرك البواطن والظواهر وتغوص فيها وفي أجزائها ، فكانت القوة العاقلة نوراً بالنسبة إلى الباطن والظاهر/ أما القوة الباصرة فهي بالنسبة إلى الظاهر نور وبالنسبة إلى الباطن ظلمة ، فكانت القوة العاقلة أشرف من القوة الباصرة التاسع : أن مدرك القوة العاقلة هو الله تعالى وجميع أفعاله ، ومدرك القوة الباصرة هو الألوان والأشكال ، فوجب أن تكون نسبة شرف القوة العاقلة إلى شرف القوة الباصرة كنسبة شرف ذات الله تعالى إلى شرف الألوان والأشكال العاشر : القوة العاقلة تدرك جميع الموجودات والمعدومات والماهيات التي هي معروضات الموجودات والمعدومات ، ولذلك فإن أول حكمه أن الوجود والعدم لا يجتمعان ولا يرتفعان ، وذلك مسبوق لا محالة بتصور مسمى الوجود ومسمى العدم فكأنه بهذين التصورين قد أحاط بجميع الأمور من بعض الوجوه. وأما القوة الباصرة فإنها لا تدرك إلا الأضواء والألوان وهما من أخس عوارض الأجسام والأجسام أخس من الجواهر الروحانية ، فكان متعلق القوة الباصرة أخس الموجودات. وأما متعلق القوة العاقلة فهو جميع الموجودات والمعدومات فكانت القوة العاقلة أشرف. الحادي عشر : القوة العاقلة تقوى على توحيد
جزء : 24 رقم الصفحة : 399
(1/3333)

الكثير وتكثير الواحد ، والقوة الباصرة لا تقوى على ذلك. أما أن القوة العاقلة تقوى على توحيد الكثير ، فذاك لأنها تضم الجنس إلى الفصل فيحدث منهما طبيعة نوعية واحدة ، وأما أنها تقوى على تكثير الواحد فلأنها تأخذ الإنسان وهي ماهية واحدة فتقسمها إلى مفهوماتها وإلى عوارضها اللازمة وعوارضها المفارقة ، ثم تقسم مقوماته إلى الجنس وجنس الجنس ، والفصل وفصل الفصل ، وجنس الفصل وفصل الجنس ، / إلى سائر الأجزاء المقومة التي لا تعد من الأجناس ولا من الفصول ، ثم لا تزال تأتي بهذا لتقسيم في كل واحد من هذه الأقسام حتى تنتهي من تلك المركبات إلى البسائط الحقيقية ، ثم تعتبر في العوارض اللازمة أن تلك العوارض مفردة أو مركبة ولازمة بوسائط أو بوسط ، أو بغير وسط ، فالقوة العاقلة كأنها نفذت في أعماق الماهيات وتغلغلت فيها وميزت كل واحد من أجزائها عن صاحبه ، وأنزلت كل واحد منها في المكان اللائق به. فأما القوة الباصرة فلا تطلع على أحوال الماهيات ، بل لا ترى إلا أمراً واحداً ولا تدري ما هو وكيف هو ، فظهر أن القوة العاقلة أشرف الثاني عشر : القوة العاقلة تقوى على إدراكات غير متناهية ، والقوة الحاسة لا تقوى على ذلك : بيان الأول من وجوه : الأول : القوة العاقلة يمكنها أن تتوصل بالمعارف الحاضرة إلى استنتاج المجهولات ، ثم إنها تجعل تلك النتائج مقدمات في نتائج أخرى لا إلى نهاية ، وقد عرفت أن القوة الحاسة لا تقوى على الاستنتاج أصلاً الثاني : أن القوة العاقلة تقوى على تعقل مراتب الأعداد ولا نهاية لها الثالث : أن القوة العاقلة يمكنها أن تعقل نفسها ، وأن تعقل أنها عقلت وكذا إلى غير النهاية الرابع : النسب والإضافات غير متناهية وهي معقولة لا محسوسة فظهر أن القوة العاقلة أشرف الثالث عشر : الإنسان بقوته العاقلة يشارك الله تعالى في إدراك الحقائق وبقوته الحاسة يشارك البهائم ، والنسبة معتبرة فكانت القوة العاقلة أشرف الرابع عشر : القوة العاقلة غنية في إدراكها العقلي عن وجود المعقول في الخارج ، والقوة الحاسة محتاجة في إدراكها الحسي إلى وجود المحسوس في الخارج ، والغني أشرف من المحتاج. الخامس عشر : هذه الموجودات الخارجية ممكنة لذواتها وأنها محتاجة إلى الفاعل ، والفاعل لا يمكنه الإيجاد على سبيل الاتقان إلا بعد تقدم العلم ، فإذن وجود هذه الأشياء في الخارج تابع للإدراك العقلي ، وأما الإحساس بها فلا شك أنه تابع لوجودها في الخارج ، فإذن القوة الحساسة تبع لتبع القوة العاقلة السادس عشر : القوة العاقلة غير محتاجة في العقل إلى الآلات بدليل أن الإنسان لو اختلت حواسه الخمس ، فإنه يعقل أن الواحد نصف الاثنين/ وأن الأشياء المساوية لشيء واحد متساوية. وأما القوة الحساسة فإنها محتاجة إلى آلات كثيرة ، والغني أفضل من المحتاج ، السابع عشر : الإدراك البصري لا يحصل إلا للشيء الذي في الجهات ، ثم إنه غير متصرف في كل الجهات بل لا يتناول إلا المقابل أو ما هو في حكم المقابل ، واحترزنا بقولنا في حكم المقابل عن أمور أربعة : الأول : العرض فإنه ليس بمقابل لأنه ليس في المكان ، ولكنه في حكم المقابل لأجل كونه قائماً بالجسم الذي هو مقابل الثاني : رؤية الوجه في المرآة ، فإن الشعاع يخرج من العين إلى المرآة ، ثم يرتد منها إلى الوجه فيصير الوجه مرئياً ، وهو من هذا الاعتبار كالمقابل لنفسه. الثالث : رؤية الإنسان قفاه إذا جعل إحدى المرآتين محاذية لوجهه والأخرى لقفاه. والرابع : رؤية ما لا يقابل بسبب انعطاف الشعاع في الرطوبات ما هو مشروح في كتاب المناظر وأما / القوة العاقلة فإنها مبرأة عن الجهات ، فإنها تعقل الجهة والجهة ليست في الجهة ، ولذلك تعقل أن الشيء إما أن يكون في الجهة ، وإما أن لا يكون في الجهة ، وهذا الترديد لا يصح إلا بعد تعقل معنى قولنا ليس في الجهة. الثامن عشر : القوة الباصرة تعجز عند الحجاب ، وأما القوة العاقلة فإنها لا يحجبها شيء أصلاً فكانت أشرف. التاسع عشر : القوة العاملة كالأمير ، والحاسة كالخادم والأمير أشرف من الخادم ، وتقرير (الفرق بين) الإمارة والخدمة مشهور. العشرون : القوة الباصرة قد تغلط كثيراً فإنها قد تدرك المتحرك ساكناً وبالعكس ، كالجالس في السفينة ، فإنه قد يدرك السفينة المتحركة ساكنة والشط الساكن متحركاً ، ولولا العقل لما تميز خطأ البصر عن صوابه ، والعقل حاكم والحس محكوم ، فثبت بما ذكرنا أن الإدراك العقل أشرف من الإدراك البصري ، وكل واحد من الإدراكين يقتضي الظهور الذي هو أشرف خواص النور ، فكان الإدراك العقلي أولى بكونه نوراً من الإدراك البصري ، وإذا ثبت هذا فنقول هذه الأنوار العقلية قسمان : أحدهما : واجب الحصول عند سلامة الأحوال وهي التعقلات الفطرية والثاني : ما يكون مكتسباً وهي التعقلات النظرية أما الفطرية فليست هي من لوازم جوهر الإنسان لأنه حال الطفولية لم يكن عالماً ألبتة فهذه الأنوار الفطرية إنما حصلت بعد أن لم تكن فلا بد لها من سبب وأما النظريات فمعلوم أن الفطرة الإنسانية قد يعتريها
(1/3334)

الزيغ في الأكثر وإذا كان كذلك فلا بد من هاد مرشد ولا مرشد فوق كلام الله تعالى وفوق إرشاد الأنبياء ، فتكون منزلة آيات القرآن عند عين العقل بمنزلة نور الشمس عند العين الباصرة إذ به يتم الإبصار ، فبالحري أن يسمى القرآن نوراً كما يسمى نور الشمس نوراً ، فنور القرآن يشبه نور الشمس ونور العقل يشبه نور العين وبهذا يظهر معنى قوله :
جزء : 24 رقم الصفحة : 399
{فَـاَامِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِه وَالنُّورِ الَّذِى أَنزَلْنَا } (التغابن : 61) وقوله : {قَدْ جَآءَكُم بُرْهَـانٌ مِّن رَّبِّكُمْ} (النساء : 174) {وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا} (النساء : 174) وإذا ثبت أن بيان الرسول أقوى من نور الشمس وجب أن تكون نفسه القدسية أعظم في النورانية من الشمس ، وكما أن الشمس في عالم الأجسام تفيد النور لغيره ولا تستفيده من غيره فكذا نفس النبي صلى الله عليه وسلّم تفيد الأنوار العقلية لسائر الأنفس البشرية ، ولا تستفيد الأنوار العقلية من شيء من الأنفس البشرية ، فلذلك وصف الله تعالى الشمس بأنها سراج حيث قال : {وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا} (الفرقان : 61) ووصف محمداً صلى الله عليه وسلّم بأنه سراج منير ، إذا عرفت هذا فنقول ثبت بالشواهد العقلية والنقلية أن الأنوار الحاصلة في أرواح الأنبياء مقتبسة من الأنوار الحاصلة في أرواح الملائكة قال تعالى : {يُنَزِّلُ الملائكة بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِه عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِه } (النحل : 2) وقال : {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الامِينُ * عَلَى قَلْبِكَ} (الشعراء : 193 ، 194) وقال : {قُلْ نَزَّلَه رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ} (النحل : 102) وقال تعالى : {إِنْ هُوَ إِلا وَحْىٌ يُوحَى * عَلَّمَه شَدِيدُ الْقُوَى } (النجم : 4 ، 5) والوحي لا يكون إلا بواسطة الملائكة فإذا جعلنا أرواح الأنبياء أعظم استنارة من الشمس فأرواح الملائكة التي هي كالمعادن لأنوار عقول الأنبياء لا بد وأن تكون أعظم من أنوار أرواح الأنبياء ، لأن السبب لا بد وأن يكون أقوى من المسبب. ثم نقول ثبت أيضاً بالشواهد العقلية والنقلية أن الأرواح السماوية مختلفة فبعضها مستفيدة وبعضها / مفيدة ، قال تعالى في وصف جبريل عليه السلام : {مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ} (التكوير : 21) وإذا كان هو مطاع الملائكة فالمطيعون لا بد وأن يكونوا تحت أمره وقال : {وَمَا مِنَّآ إِلا لَه مَقَامٌ مَّعْلُومٌ} (الصافات : 164) وإذا ثبت هذا فالمفيد أولى بأن يكون نوراً من المستفيد للعلة المذكورة ولمراتب الأنوار في عالم الأرواح مثال وهو أن ضوء الشمس إذا وصل إلى القمر ثم دخل في كوة بيت ووقع على مرآة منصوبة على حائط ثم انعكس منها إلى حائط آخر نصب عليه مرآة أخرى ثم انعكس منها إلى طست مملوء من الماء موضوع على الأرض انعكس منه إلى سقف البيت فالنور الأعظم في الشمس التي هي المعدن ، وثانياً في القمر ، وثالثاً ما وصل إلى المرآة الأولى ، ورابعاً ما وصل إلى المرآة الثانية ، وخامساً ما وصل إلى الماء ، وسادساً ما وصل إلى السقف ، وكل ما كان أقرب إلى المنبع الأول فإنه أقوى مما هو أبعد منه فكذا الأنوار السماوية لما كانت مرتبة لا جرم كان نور المفيد أشد إشراقاً من نور المستفيد ، ثم تلك الأنوار لا تزال تكون مترقية حتى تنتهي إلى النور الأعظم والروح الذي هو أعظم الأرواح منزلة عند الله الذي هو المراد من قوله سبحانه :
جزء : 24 رقم الصفحة : 399
(1/3335)

{يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَـا اـاِكَةُ صَفًّا } (النبأ : 38) ثم نقول لا شك أن هذه الأنوار الحسية إن كانت سفلية كانت كأنوار النيران أو علوية كانت كأنوار الشمس والقمر والكواكب ، وكذا الأنوار العقلية سفلية كانت كالأرواح السفلية التي للأنبياء والأولياء أو علوية كالأرواح العلوية التي هي الملائكة ، فإنها بأسرها ممكنة لذواتها والممكن لذاته يستحق العدم من ذاته والوجود من غيره ، والعدم هو الظلمة الحاصلة والوجود هو النور ، فكل ما سوى الله مظلم لذاته مستنير بإنارة الله تعالى وكذا جميع معارفها بعد وجودها حاصل من وجود الله تعالى ، فالحق سبحانه هو الذي أظهرها بالوجود بعد أن كانت في ظلمات العدم وأفاض عليها أنوار المعارف بعد أن كانت في ظلمات الجهالة ، فلا ظهور لشيء من الأشياء إلا بإظهاره ، وخاصة النور إعطاء الإظهار والتجلي والانكشاف ، وعند هذا يظهر أن النور المطلق هو الله سبحانه وأن إطلاق النور على غيره مجاز إذ كل ما سوى الله ، فإنه من حيث هو هو ظلم محضة لأنه من حيث إنه هو عدم محض ، بل الأنوار إذا نظرنا إليها من حيث هي هي فهي ظلمات ، لأنها من حيث هي هي ممكنات ، والممكن من حيث هو هو معدوم ، والمعدوم مظلم. فالنور إذا نظر إليه من حيث هو هو ظلمة ، فأما إذا التفت إليها من حيث أن الحق سبحانه أفاض عليها نور الوجود فبهذا الاعتبار صارت أنواراً. فثبت أنه سبحانه هو النور. وأن كل ما سواه فليس بنور إلا على سبيل المجاز. ثم إنه رحمه الله تكلم بعد هذا في أمرين : الأول : أنه سبحانه لم أضاف النور إلى السموات والأرض ؟
وأجاب فقال قد عرفت أن السموات والأرض مشحونة بالأنوار العقلية والأنوار الحسية/ أما الحسية فما يشاهد في السموات من الكواكب والشمس والقمر وما يشاهد في الأرض من الأشعة المنبسطة على سطوح الأجسام حتى ظهرت به الألوان المختلفة ، ولولاها لم يكن للألوان ظهور بل وجود ، وأما الأنوار العقلية فالعالم الأعلى مشحون بها وهي جواهر الملائكة والعالم الأسفل / مشحون بها وهي القوى النباتية والحيوانية والإنسانية وبالنور الإنساني السفلي ظهر نظام عالم السفل كما بالنور الملكي ظهور نظام عالم العلو ، وهو المعنى بقوله تعالى : {لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى الارْضِ} (النور : 55) وقال : {وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ الارْضِ } (النمل : 62) فإذا عرفت هذا عرفت أن العالم بأسره مشحون بالأنوار الظاهرة البصرية والباطنية العقلية ، ثم عرفت أن السفلية فائضة بعضها من بعض فيضان النور من السراج فإن السراج هو الروح النبوي ، ثم إن الأنوار النبوية القدسية مقتبسة من الأرواح العلوية اقتباس السراج من النور ، وأن العلويات مقتبسة بعضها من بعض وأن بينها ترتيباً في المقامات ، ثم ترتقي جملتها إلى نور الأنوار ومعدنها ومنبعها الأول ، وأن ذلك هو الله وحده لا شريك له ، فإذن الكل نوره فلهذا قال : {اللَّهُ نُورُ السَّمَـاوَاتِ وَالارْضِ } .
جزء : 24 رقم الصفحة : 399
(1/3336)

السؤال الثاني : فإذا كان الله النور فلم احتيج في إثباته إلى البرهان ؟
أجاب فقال إن معنى كونه نور السموات والأرض معروف بالنسبة إلى النور الظاهر البصري ، فإذا رأيت خضرة الربيع في ضياء النهار فلست تشك في أنك ترى الألوان فربما ظننت أنك لا ترى مع الألوان غيرها ، فإنك تقول لست أرى مع الخضرة غير الخضرة إلا أنك عند غروب الشمس تدرك تفرقة ضرورية بين اللون حال وقوع الضوء عليه وعدم وقوعه عليه ، فلا جرم تعرف أن النور معنى غير اللون يدرك مع الألوان إلا أنه كان لشدة اتحاده به لا يدرك ولشدة ظهوره يختفي وقد يكون الظهور سبب الخفاء ، إذا عرفت هذا فاعلم أنه كما ظهر كل شيء للبصر بالنور الظاهر فقد ظهر كل شيء للبصيرة الباطنة بالله ونوره حاصل مع كل شيء لا يفارقه ، ولكن بقي ههنا تفاوت وهو أن النور الظاهر يتصور أن يغيب بغروب الشمس ، ويحجب فحينئذ يظهر أنه غير اللون ، وأما النور الإلهي الذي به يظهر كل شيء لا يتصور غيبته بل يستحيل تغيره فيبقى مع الأشياء دائماً ، فانقطع طريق الاستدلال بالتفرقة ، ولو تصورت غيبته لانهدمت السموات والأرض ولأدرك عنده من التفرقة ما يحصل العلم الضروري به ، ولكن لما تساوت الأشياء كلها على نمط واحد في الشهادة على وجود خالقها ، وأن كل شيء يسبح بحمده لا بعض الأشياء ، وفي جميع الأوقات لا في بعض الأوقات ارتفعت التفرقة وخفي الطريق ، إذ الطريق الظاهر معرفة الأشياء بالأضداد فما لا ضد له ولا تغير له بتشابه أحواله ، فلا يبعد أن يخفى ويكون خفاؤه لشدة ظهوره وجلائه ، فسبحان من اختفى عن الخلق لشدة ظهوره واحتجب عنهم بإشراق نوره ، واعلم أن هذا الكلام الذي رويناه عن الشيخ الغزالي رحمه الله كلام مستطاب ولكن يرجع حاصله بعد التحقيق إلى أن معنى كونه سبحانه نوراً أنه خالق للعالم وأنه خالق للقوى الدراكة ، وهو المعنى من قولنا معنى كونه نور السموات والأرض أنه هادي أهل السموات والأرض ، فلا تفاوت بين ما قاله وبين الذي نقلناه عن المفسرين في المعنى والله أعلم.
الفصل الثاني : في تفسير قوله عليه الصلاة والسلام : "إن لله سبعين حجاباً من نور / وظلمة لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل ما أدرك بصره" وفي بعض الروايات سبعمائة وفي بعضها سبعون ألفاً ، فأقول : لما ثبت أن الله سبحانه وتعالى متجل في ذاته لذاته كان الحجاب بالإضافة إلى المحجوب لا محالة والمحجوب لا بد وأن يكون محجوباً ، إما بحجاب مركب من نور وظلمة ، وإما بحجاب مركب من نور فقط/ أو بحجاب مركب من ظلمة فقط ، أما المحجوبون بالظلمة المحضة فهم الذين بلغوا في الاشتغال بالعلائق البدنية إلى حيث لم يلتفت خاطرهم إلى أنه هل يمكن الاستدلال بوجود هذه المحسوسات على وجود واجب الوجود أم لا ؟
وذلك لأنك قد عرفت أن ما سوى الله تعالى من حيث هو هو مظلم ، وإنما كان مستنيراً من حيث استفاد النور من حضرة الله تعالى ، فمن اشتغل بالجسمانيات من حيث هي هي وصار ذلك الاشتغال حائلاً له عن الالتفات إلى جانب النور كان حجابه محض الظلمة ، ولما كانت أنواع الاشتغال بالعلائق البدنية خارجة عن الحد والحصر فكذا أنواع الحجب الظلمانية خارجة عن الحد والحصر.
جزء : 24 رقم الصفحة : 399
القسم الثاني : المحجوبوبن بالحجب الممزوجة من النور والظلمة
اعلم أن من نظر إلى هذه المحسوسات فإما أن يعتقد فيها أنها غنية عن المؤثر ، أو يعتقد فيها أنها محتاجة ، فإن اعتقد أنها غنية فهذا حجاب ممزوج من نور وظلمة {النُّورِ } فلأنه تصور ماهية الاستغناء عن الغير ، وذلك من صفات جلال الله تعالى وهو من صفات النور {وَأَمَّآ} فلأنه اعتقد حصول ذلك الوصف في هذه الأجسام مع أن ذلك الوصف لا يليق بهذا الوصف وهذا ظلمة ، فثبت أن هذا حجاب ممزوج من نور وظلمة ، ثم أصناف هذا القسم كثيرة ، فإن من الناس من يعتقد أن الممكن غني عن المؤثر ، ومنهم من يسلم ذلك لكنه يقول المؤثر فيها طبائعها أو حركاتها أو اجتماعها وافتراقها أو نسبتها إلى حركات الأفلاك أو إلى محركاتها وكل هؤلاء من هذا القسم.
القسم الثالث : الحجب النورانية المحضة
واعلم أنه لا سبيل إلى معرفة الحق سبحانه إلا بواسطة تلك الصفات السلبية والإضافية ولا نهاية لهذه الصفات ولمراتبها ، فالعبد لا يزال يكون مترقياً فيها فإن وصل إلى درجة وبقي فيها كان استغراقه في مشاهدة تلك الدرجة حجاباً له عن الترقي إلى ما فوقها ، ولما كان لا نهاية لهذه الدرجات كان العبد أبداً في السير والانتقال ، وأما حقيقته المخصوصة فهي محتجبة عن الكل فقد أشرنا إلى كيفية مراتب الحجب ، وأنت تعرف أنه عليه الصلاة والسلام إنما حصرها في سبعين ألفا تقريباً لا تحديداً فإنها لا نهاية لها في الحقيقة.
الفصل الثالث في شرح كيفية التمثيل
جزء : 24 رقم الصفحة : 399
(1/3337)

اعلم أنه لا بد في التشبيه من أمرين : المشبه والمشبه به ، واختلف الناس ههنا في أن المشبه أي شي هو ؟
وذكروا وجوهاً : أحدها : وهو قول جمهور المتكلمين ونصره القاضي أن المراد / من الهدى التي هي الآيات البينات ، والمعنى أن هداية الله تعالى قد بلغت في الظهور والجلاء إلى أقصى الغايات وصارت في ذلك بمنزلة المشكاة التي تكون فيها زجاجة صافية. وفي الزجاجة مصباح يتقد بزيت بلغ النهاية في الصفاء ، فإن قيل لم شبهه بذلك وقد علمنا أن ضوء الشمس أبلغ من ذلك بكثير ، قلنا إنه سبحانه أراد أن يصف الضوء الكامل الذي يلوح وسط الظلمة لأن الغالب على أوهام الخلق وخيالاتهم إنما هو الشبهات التي هي كالظلمات وهداية الله تعالى فيما بينها كالضوء الكامل الذي يظهر فيما بين الظلمات ، وهذا المقصود لا يحصل من ضوء الشمس لأن ضوءها إذا ظهر امتلأ العالم من النور الخالص ، وإذا غاب امتلأ العالم من الظلمة الخالصة فلا جرم كان ذلك المثل ههنا أليق وأوفق ، واعلم أن الأمور التي اعتبرها الله تعالى في هذا المثال مما توجب كمال الضوء فأولها : المصباح لأن المصباح إذا لم يكن في المشكاة تفرقت أشعته ، أما إذا وضع في المشكاة اجتمعت أشعته فكانت أكثر إنارة ، والذي يحقق ذلك أن المصباح إذا كان في بيت صغير فإنه يظهر من ضوئه أكثر مما يظهر في البيت الكبير وثانيها : أن المصباح إذا كان في زجاجة صافية فإن الأشعة المنفصلة عن المصباح تنعكس من بعض جوانب الزجاجة إلى البعض لما في الزجاجة من الصفاء والشفافية وبسبب ذلك يزداد الضوء والنور/ والذي يحقق ذلك أن شعاع الشمس إذا وقع على الزجاجة الصافية تضاعف الضوء الظاهر حتى أنه يظهر فيما يقابله مثل ذلك الضوء ، فإن انعكست تلك الأشعة من كل واحد من جوانب الزجاجة إلى الجانب الآخر كثرت الأنوار والأضواء وبلغت النهاية الممكنة وثالثها : أن ضوء المصباح يختلف بحسب اختلاف ما يتقد به ، فإذا كان ذلك الدهن صافياً خالصاً كانت حالته بخلاف حالته إذا كان كدراً وليس في الأدهان التي توقد ما يظهر فيه من الصفاء مثل الذي يظهر في الزيت فربما يبلغ في الصفاء والرقة مبلغ الماء مع زيادة بياض فيه وشعاع يتردد في أجزائه ورابعها : أن هذا الزيت يختلف بحسب اختلاف شجرته ، فإذا كانت لا شرقية ولا غربية بمعنى أنها كانت بارزة للشمس في كل حالاتها يكون زيتونها أشد نضجاً ، فكان زيته أكثر صفاء وأقرب إلى أن يتميز صفوه من كدره لأن زيادة الشمس تؤثر في ذلك ، فإذا اجتمعت هذه الأمور الأربعة وتعاونت صار ذلك الضوء خالصاً كاملاً فيصلح أن يجعل مثلاً لهداية الله تعالى وثانيها : أن المراد من النور في قوله :
جزء : 24 رقم الصفحة : 399
(1/3338)

{وَالارْضِا مَثَلُ نُورِه } القرآن ويدل عليه قوله تعالى : {قَدْ جَآءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ} (المائدة : 15) وهو قول الحسن وسفيان بن عيينة وزيد بن أسلم وثالثها : أن المراد هو الرسول لأنه المرشد ، ولأنه تعالى قال في وصفه : {وَسِرَاجًا مُّنِيرًا} (الأحزاب : 46) وهو قول عطاء ، وهذان القولان داخلان في القول الأول ، لأن من جملة أنواع الهداية إنزال الكتب وبعثة الرسل. قال تعالى في صفة الكتب : {وَكَذَالِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِى مَا الْكِتَـابُ وَلا الايمَـانُ} (الشورى : 52) وقال في صفة الرسل : {رُّسُلا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّة بَعْدَ الرُّسُلِ } (لنساء : 165) ورابعها : أن المراد منه ما في قلب المؤمنين من معرفة / الله تعالى ومعرفة الشرائع ، ويدل عليه أن الله تعالى وصف الإيمان بأنه نور والكفر بأنه ظلمة ، فقال : {أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَه لِلاسْلَـامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّه } (الزمر : 22) وقال تعالى : {لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَـاتِ إِلَى النُّورِ} وحاصله أنه حمل الهدى على الاهتداء ، والمقصود من التمثيل أن إيمان المؤمن قد بلغ في الصفاء عن الشبهات ، والامتياز عن ظلمات الضلالات مبلغ السراج المذكور ، وهو قول أبي ابن كعب وابن عباس ، قال أبي : مثل نور المؤمن ، وهكذا كان يقرأ ، وقيل إنه كان يقرأ : مثل نور من آمن به ، وقال ابن عباس : مثل نوره في قلب المؤمن وخامسها : ما ذكره الشيخ الغزالي رحمه الله وهو : أنا بينا أن القوى المدركة أنوار ، ومراتب القوى المدركة الإنسانية خمسة أحدها : القوة الحساسة ، وهي التي تتلقى ما تورده الحوسا الخمس وكأنها أصل الروح الحيواني ، وأوله إذ به يصير الحيوان حيواناً وهو موجود للصبي الرضيع وثانيها : القوة الخيالية وهي التي تستثبت ما أورده الحواس وتحفظه مخزوناً عندها لتعرضه على القوة العقلية التي فوقها عند الحاجة إليه. وثالثها : القوة العقلية المدركة للحقائق الكلية ورابعها : القوة الفكرية وهي التي تأخذ المعارف العقلية فتؤلفها تأليفاً فتستنتج من تأليفها علماً بمجهول وخامسها : القوة القدسية التي تختص بها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وبعض الأولياء ، وتتجلى فيها لوائح الغيب وأسرار الملكوت وإليه الإشارة بقوله تعالى :
جزء : 24 رقم الصفحة : 399
(1/3339)

{وَكَذَالِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِى مَا الْكِتَـابُ وَلا الايمَـانُ وَلَـاكِن جَعَلْنَـاهُ نُورًا نَّهْدِى بِه مَن} (والشورى : 52) وإذا عرفت هذه القوى فهي بجملتها أنوار/ إذ بها تظهر أصناف الموجودات ، وأن هذه المراتب الخمسة يمكن تشبيهها بالأمور الحسنة التي ذكرها الله تعالى وهي : المشكاة والزجاجة والمصباح والشجرة والزيت. أما الروح الحساس فإذا نظرت إلى خاصيته وجدت أنواره خارجة من عدة أثقب كالعينين والأذنين والمنخرين وأوفق مثال له من عالم الأجسام المشكاة وأما الثاني : وهو الروح الحيالي فنجد له خواص ثلاثة : الأولى : أنه من طينة العالم السفلي الكثيف لأن الشيء المتخيل ذو قدر وشكل وحيز ، ومن شأن العلائق الجسمانية أن تحجب عن الأنوار العقلية المحضة التي هي التعقلات الكلية المجردة والثانية : أن هذا الخيال الكثيف إذا صفا ورق وهذب صار موازناً للمعاني العقلية ومؤدياً لأنوارها وغير حائل عن إشراق نورها ، ولذلك فإن المعبر يستدل بالصور الخيالية على المعاني العقلية ، كما يستدل بالشمس على الملك ، وبالقمر على الوزير ، وبمن يختم فروج الناس وأفواههم على أنه مؤذن يؤذن قبل الصبح والثالثة : أن الخيال في بداية الأمر محتاج إليه جداً ليضبط بها المعارف العقلية ولا تضطرب ، فنعم المثالات الخيالية الجالبة للمعارف العقلية ، وأنت لا تجد شيئاً في الأجسام يشبه الخيال في هذه الصفات الثلاثة إلا الزجاجة ، فإنها في الأصل من جوهر كثيف ولكن صفا ورق حتى صار لا يحجب نور المصباح بل يؤديه على وجهه ، ثم يحفظه على الانطفاء بالرياح العاصفة وأما الثالث : وهو القوة العقلية فهي القوية على إدراك الماهيات الكلية والمعارف / الإلهية ، فلا يخفى عليك وجه تمثيله بالمصباح ، وقد عرفت هذا حيث بينا كون الأنبياء سرجاً منيرة وأما الرابع : وهو القوة الفكرية فمن خواصها أنها تأخذ ماهية واحدة ، ثم تقسمها إلى قسمين كقولنا الموجود إما واجب وإما ممكن ، ثم تجعل كل قسم مرة أخرى قسمين وهكذا إلى أن تكثر الشعب بالتقسيمات العقلية ، ثم تقضي بالآخرة إلى نتائج وهي ثمراتها ، ثم تعود فتجعل تلك الثمرات بذوراً لأمثالها حتى تتأدى إلى ثمرات لا نهاية لها ، فبالحري أن يكون مثاله من هذا العالم الشجرة ، وإذا كانت ثمارها مادة لتزايد أنوار المعارف ونباتها ، فبالحري أن لا يمثل بشجرة السفرجل والتفاح ، بل بشجرة الزيتون خاصة ، لأن لب ثمرتها هو الزيت الذي هو مادة المصابيح ، وله من بين سائر الأدهان خاصية زيادة الإشراق وقلة الدخان ، وإذا كانت الماشية التي يكثر درها ونسلها والشجرة التي تكثر ثمرتها تسمى مباركة فالذي لا يتناهى إلى حد محدود أولى أن يسمى شجرة مباركة ، وإذا كانت شعب الأفكار العقلية المحضة مجردة عن لواحق الأجسام ، فبالحري أن تكون لا شرقية ولا غربية وأما الخامس : وهو القوة القدسية النبوية فهي في نهاية الشرف والصفاء ، فإن القوة الفكرية تنقسم إلى ما يحتاج إلى تعليم وتنبيه وإلى ما لا يحتاج إليه ، ولا بد من وجود هذا القسم قطعاً للتسلسل ، فبالحري أن يعبر عن هذا القسم بكماله وصفائه وشدة استعداده بأنه يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار ، فهذا المثال موافق لهذا القسم ، ولما كانت هذه الأنوار مرتبة بعضها على بعض فالحس هو الأول وهو كالمقدمة للخيال والخيال كالمقدمة للعقل ، فبالحري أن تكون المشكاة كالظرف للزجاجة التي هي كالظرف للمصباح وسادسها : ما ذكره أبو علي بن سينا فإنه نزل هذه الأمثلة الخمسة على مراتب إدراكات النفس الإنسانية ، فقال لا شك أن النفس الإنسانية قابلة للمعارف الكلية والإدراكات المجردة ، ثم إنها في أول الأمر تكون خالية عن جميع هذه المعارف فهناك تسمى عقلاً هيولياً وهي المشكاة وفي المرتبة الثانية : يحصل فيها العلوم البديهية التي يمكن التوصل بتركيباتها إلى اكتساب العلوم النظرية ، ثم إن أمكنة الانتقال إن كانت ضعيفة فهي الشجرة ، وإن كانت أقوى من ذلك فهي الزيت/ وإن كانت شديدة القوة جداً فهي الزجاجة التي تكون كأنها الكوكب الدري ، وإن كانت في النهاية القصوى وهي النفس القدسية التي للأنبياء فهي التي يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار وفي المرتبة الثالثة : يكتسب من العلوم الفطرية الضرورية العلوم النظرية إلا أنها لا تكون حاضرة بالفعل ولكنها تكون بحيث متى شاء صاحبها استحضارها قدر عليه وهذا يسمى عقلاً بالفعل وهذا المصباح وفي المرتبة الرابعة : أن تكون تلك المعارف الضرورية والنظرية حاصلة بالفعل ويكون صاحبها كأنه ينظر إليها وهذا يسمى عقلاً مستفاداً وهو نور على نور لأن الملكة نور وحصول ما عليه الملكة نور آخر ، ثم زعم أن هذه العلوم التي تحصل في الأرواح البشرية ، إنما تحصيل من جوهر روحاني يسمى بالعقل الفعال وهو مدبر ما تحت كرة القمر وهو النار وسابعها : قول بعض الصوفية هو أنه سبحانه شبه الصدر بالمشكاة والقلب / بالزجاجة والمعرفة بالمصباح ، وهذا المصباح إنما توقد من شجرة
(1/3340)

مباركة وهي إلهامات الملائكة لقوله تعالى :
جزء : 24 رقم الصفحة : 399
{يُنَزِّلُ الملائكة بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِه } (النحل : 2) وقوله : {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الامِينُ * عَلَى قَلْبِكَ} (الشعراء : 193) وإنما شبه الملائكة بالشجرة المباركة لكثرة منافعهم ، وإنما وصفها بأنها لا شرقية ولا غربية لأنها روحانية وإنما وصفهم بقوله : {يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِى ءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ } لكثرة علومها وشدة إطلاعها على أسرار ملكوت الله تعالى والظاهر ههنا أن المشبه غير المشبه به وثامنها : قال مقاتل مثل نوره أي مثل نور الإيمان في قلب محمد صلى الله عليه وسلّم كمشكاة فيها مصباح ، فالمشكاة نظير صلب عبدالله والزجاجة نظير جسد محمد صلى الله عليه وسلّم والمصباح نظير الإيمان في قلب محمد أو نظير النبوة في قلبه وتاسعها : قال قوم المشكاة نظير إبراهيم عليه السلام والزجاجة نظير إسماعيل عليه السلام والمصباح نظير جسد محمد صلى الله عليه وسلّم والشجرة النبوة والرسالة وعاشرها : أن قوله مثل نوره يرجع إلى المؤمن وهو قول أبي بن كعب وكان يقرأها مثل نور المؤمن ، وهو قول سعيد بن جبير والضحاك ، واعلم أن القول الأول هو المختار لأنه تعالى ذكر قبل هذه الآية : {وَلَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ ءَايَـاتٍ مُّبَيِّنَـاتٍ} فإذا كان المراد بقوله : {مَثَلُ نُورِه } أي مثل هذه وبيانه كان ذلك مطابقاً لما قبله ، ولأن لما فسرنا قوله : {اللَّهُ نُورُ السَّمَـاوَاتِ وَالارْضِ } بأنه هادي أهل السموات والأرض فإذا فسرنا قوله : {مَثَلُ نُورِه } بأن المراد مثل هداه كان ذلك مطابقاً لما قبله.
الفصل الرابع ـ في بقية المباحث المتعلقة بهذه الآية
وفيه مسائل :
المسألة الأولى : المشكاة الكوة في الجدار غير النافذة ، هذا هو القول المشهور ، وذكروا فيه وجوهاً أخر : أحدها : قال ابن عباس وأبو موسى الأشعري المشكاة القائم الذي في وسط القنديل الذي يدخل فيه الفتيلة ، وهو قول مجاهد والقرظي والثاني : قال الزجاج هي ههنا قصبة القنديل من الزجاجة التي توضع فيها الفتيلة الثالث : قال الضحاك إنها الحلقة التي يعلق بها القنديل والأول هو الأصح.
المسألة الثانية : زعموا أن المشكاة هي الكوة بلغة الحبشة ، قال الزجاج المشكاة من كلام العرب ومثلها المشكاة وهي الدقيق الصغير.
جزء : 24 رقم الصفحة : 399
المسألة الثالثة : قال بعضهم هذه الآية من المقلوب ، والتقدير مثل نوره كمصباح في مشكاة لأن المشبه به هو الذي يكون معدناً للنور ومنبعاً له وذلك هو المصباح لا المشكاة.
المسألة الرابعة : المصباح السراج وأصله من الضوء ومنه الصبح.
المسألة الخامسة : قرىء {زُجَاجَةٍ } الزجاجة بالضم والفتح والكسر/ أما {دُرِّىٌّ} فقرىء بضم الدال وكسرها وفتحها ، أما الضم ففيه ثلاثة أوجه : الأول : ضم الدال وتشديد الراء والياء من غير همز وهو القراءة المعروفة ، ومعناه أنه يشبه الدر لصفائه ولمعانه ، وقال عليه الصلاة والسلام : "إنكم لترون أهل الدرجات العلى كما ترون الكوكب الدري في أفق السماء" الثاني : / أنه كذلك إلا أنه بالمد والهمزة وهو قراءة حمزة وعاصم في رواية أبي بكر وصار بعض أهل العربية إلى أنه لحن قال سيبويه وهذا أضعف اللغات وهو مأخوذ من الضوء والتلألؤ وليس بمنسوب إلى الدر ، قال أبو علي وجه هذه القراءة أنه فعيل من الدرء بمعنى الدفع وأنه صفة وأنه في الصفة مثل المرىء في الاسم والثالث : ضم الدال وتخفيف الراء والياء من غير مد ولا همز ، أما الكسر ففيه وجهان : الأول : درىء بكسر الدال وتشديد الراء والمد والهمز ، وهي قراءة أبي عمرو والسكائي قال الفراء هو فعيل من الدرء وهو الدفع كالسكير والفسيق فكان ضوأه يدفع بعضه بعضاً من لمعانه الثاني : بكسر الدال وتشديد الراء من غير همز ولا مد وهي قراءة ابن خليد وعتبة بن حماد عن نافع ، أما الفتح ففيه وجوه أربعة : الأول : بفتح الدال وتشديد الراء والمد والهمز عن الأعمش الثاني : بفتح الدال وتشديد الراء من غير مد ولا همز عن الحسن ومجاهد وقتادة الثالث : بفتح الدال وتخفيف الراء مهموزاً من غير مد ولا ياء عن عاصم الرابع : كذلك إلا أنه غير مهموز وبياء خفيفة بدل الهمزة ، أما قوله : القراءة المعروفة توقد بالفتحات الأربعة مع تشديد القاف بوزن تفعل وعن الحسن ومجاهد وقتادة كذلك إلا أنه يضم الدال ، وذكر صاحب "الكشاف" يوقد بفتح الياء المنقوطة من تحت بنقطتين والواو والقاف وتشديدها ورفع الدال قال وحذف التاء لاجتماع حرفين زائدين وهو غريب ، وعن سعيد بن جبير بياء مضمومة وإسكان الواو وفتح القاف مخففة ورفع الدال وعن نافع وحفص كذلك إلا أنه بالتاء ، وعن عاصم بياء مضمومة وفتح الواو وتشديد القاف وفتحها ، وعن أبي عمرو كذلك إلا أنه بالتاء ، وعن طلحة توقد بتاء مضمومة وواو ساكن وكسر القاف وتخفيفها.
جزء : 24 رقم الصفحة : 399
(1/3341)

المسألة السادسة : قوله : {الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّىٌّ} أي ضخم مضيء ودراري النجوم عظامها ، واتفقوا على أن المراد به كوكب من الكواكب المضيئة كالزهرة والمشتري والثوابت التي في العظم الأول.
المسألة السابعة : قوله : {مِن شَجَرَةٍ مُّبَـارَكَةٍ} أي من زيت شجرة مباركة أي كثيرة البركة والنفع ، وقيل هي أول شجرة نبتت بعد الطوفان وقد بارك فيها سبعون نبياً ، منهم الخليل ، وقيل المراد زيتون الشام ، لأنها هي الأرض المباركة فلهذا جعل الله هذه شجرة مباركة.
المسألة الثامنة : اختلفوا في معنى وصف الشجرة بأنها لا شرقية ولا غربية على وجوه : أحدها : قال الحسن إنها شجرة الزيت من الجنة إذ لو كانت من شجر الدنيا لكانت إما شرقية أو غربية وهذا ضعيف لأنه تعالى إنما ضرب المثل بما شاهدوه وهم ما شاهدوا شجرة الجنة وثانيها : أن المراد شجرة الزيتون في الشام لأن الشام وسط الدنيا فلا يوصف شجرها بأنها شرقية أو غربية وهذا أيضاً ضعيف لأن من قال الأرض كرة لم يثبت المشرق والمغرب موضعين معينين بل لكل بلد مشرق ومغرب على حدة ، ولأن المثل مضروب لكل من يعرف الزيت ، وقد يوجد في / غير الشام كوجوده فيها وثالثها : أنها شجرة تلتف بها الأشجار فلا تصيبها الشمس في شرق ولا غرب ، ومنهم من قال هي شجرة يلتف بها ورقها التفافاً شديداً فلا تصل الشمس إليها سواء كانت الشمس شرقية أو غربية ، وليس في الشجر ما يورق غصنه من أوله إلى آخره مثل الزيتون والرمان ، وهذا أيضاً ضعيف لأن الغرض صفاء الزيت وذلك لا يحصل إلا بكمال نضج الزيتون وذلك إنما يحصل في العادة بوصول أثر الشمس إليه لا بعدم وصوله ورابعها : قال ابن عباس المراد الشجرة التي تبرز على جبل عال أو صحراء واسعة فتطلع الشمس عليها حالتي الطلوع والغروب ، وهذا قول ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة واختيار الفراء والزجاج ، قالا ومعناه لا شرقية وحدها ولا غربية وحدها ولكنها شرقية وغربية وهو كما يقال فلان لا مسافر ولا مقيم إذا كان يسافر ويقيم ، وهذا القول هو المختار لأن الشجرة متى كانت كذلك كان زيتها في نهاية الصفاء وحينئذ يكون مقصود التمثيل أكمل وأتم وخامسها : المشكاة صدر محمد صلى الله عليه وسلّم والزجاجة قلبه والمصباح ما في قلبه صلى الله عليه وسلّم من الدين ، توقد من شجرة مباركة ، يعني واتبعوا ملة أبيكم إبراهيم صلوات الله عليه فالشجرة هي إبراهيم عليه السلام ، ثم وصف إبراهيم فقال لا شرقية ولا غربية أي لم يكن يصلي قبل المشرق ولا قبل المغرب كاليهود والنصارى بل كان عليه الصلاة والسلام يصلي إلى الكعبة.
جزء : 24 رقم الصفحة : 399
المسألة التاسعة : وصف الله تعالى زيتها بأنه يكاد يضيء ولو لم تمسسه نار لأن الزيت إذا كان خالصاً صافياً ثم رؤي من بعيد يرى كأن له شعاعاً ، فإذا مسه النار ازداد ضوأ على ضوء ، كذلك يكاد قلب المؤمن يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم ، فإذا جاءه العلم ازداد نوراً على نور وهدى على هدى ، قال يحيى بن سلام قلب المؤمن يعرف الحق قبل أن يبين له لموافقته له ، وهو المراد من قوله عليه الصلاة والسلام : "اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله" وقال كعب الأحبار المراد من الزيت نور محمد صلى الله عليه وسلّم أي يكاد نوره يبين للناس قبل أن يتكلم ، وقال الضحاك يكاد محمد صلى الله عليه وسلّم يتكلم بالحكمة قبل الوحي ، وقال عبدالله بن رواحة :
لو لم تكن فيه آيات مبينة
كانت بديهته تنبيك بالخبر
المسألة العاشرة : قوله تعالى : {نُّورٌ عَلَى نُورٍ } المراد ترادف هذه الأنوار واجتماعها ، قال أبي بن كعب : المؤمن بين أربع خلال أن أعطى شكر وإن ابتلى صبر وإن قال صدق وإن حكم عدل ، فهو في سائر الناس كالرجل الحي الذي يمشي بين الأموات يتقلب في خمس من النور ، كلامه نور وعمله نور ومدخله نور ومخرجه نور ومصيره إلى النور يوم القيامة ، قال الربيع سألت أبا العالية عن مدخله ومخرجه فقال سره وعلانيته.
(1/3342)

المسألة الحادية عشرة : قال الجبائي دلت الآية على أن كل من جهل فمن قبله أتى وإلا فالأدلة واضحة ولو نظروا فيها لعرفوا ، قال أصحابنا هذه الآية صريح مذهبنا فإنه سبحانه بعد أن / بين أن هذه الدلائل بلغت في الظهور والوضوح إلى هذا الحد الذي لا يمكن الزيادة عليه ، قال : {يَهْدِى اللَّهُ لِنُورِه مَن يَشَآءُ } يعني وضوح هذه الدلائل لا يكفي ولا ينفع ما لم يخلق الله الإيمان ولا يمكن أن يكون المراد من قوله : {يَهْدِى اللَّهُ} إيضاح الأدلة والبيانات لأنا لو حملنا النور على إيضاح الأدلة لم يجز حمل الهدى عليه أيضاً ، وإلا لخرج الكلام عن الفائدة ، فلم يبق إلا حمل الهدى ههنا على خلق العلم أجاب أبو مسلم بن بحر عنه من وجهين : الأول : أن قوله : {يَهْدِى اللَّهُ لِنُورِه مَن يَشَآءُ } محمول على زيادات الهدى الذي هو كالضد للخذلان الحاصل للضال الثاني : أنه سبحانه يهدي لنوره الذي هو طريق الجنة من يشاء وشبهه بقوله : {يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَـانِهِم بُشْرَاـاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّـاتٌ} (الحديد : 12) وزيف القاضي عبد الجبار هذين الجوابين أما الأول : فلأن الكلام المتقدم هو في ذكر الآيات المنزلة فإذا حلمناه على الهدى دخل الكل فيه وإذا حملناه على الزيادة لم يدخل فيه إلا البعض ، وإذا حمل على طريق الجنة لا يكون داخلاً فيه أصلاً إلا من حيث المعنى لا من حيث اللفظ ولما زيف هذين الجوابين/ قال الأولى أن يقال إنه تعالى هدى بذلك البعض دون البعض وهم الذين بلغهم حد التكليف.
جزء : 24 رقم الصفحة : 399
واعلم أن هذا الجواب أضعف من الجوابين الأولين ، لأن قوله : {يَهْدِى اللَّهُ لِنُورِه مَن يَشَآءُ } يفهم منه أن هذه الآيات مع وضوحها لا تكفي ، وهذا لا يتناول الصبي والمجنون فسقط ما قالوه.
المسألة الثانية عشرة : قوله تعالى : {وَيَضْرِبُ اللَّهُ الامْثَـالَ لِلنَّاسِ } والمراد للمكلفين من الناس وهو النبي ومن بعث إليه ، فإنه سبحانه ذكر ذلك في معرض النعمة العظيمة ، واستدلت المعتزلة به فقالوا إنما يكون ذلك نعمة عظيمة لو أمكنهم الانتفاع به ، ولو كان الكل بخلق الله تعالى لما تمكنوا من الانتفاع به ، وجوابه ما تقدم ، ثم بين أنه سبحانه {بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ} وذلك كالوعيد لمن لا يعتبر ولا يتفكر في أمثاله ولا ينظر في أدلته فيعرف وضوحها وبعدها عن الشبهات.
جزء : 24 رقم الصفحة : 399
401
/ اعلم أن في الآية مسائل :
المسألة الأولى : قوله تعالى : {فِى بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ} يقتضي محذوفاً يكون فيها وذكروا فيه وجوه : أحدها : أن التقدير كمشكاة فيها مصباح في بيوت أذن الله وهو اختيار كثير من المحققين ، اعترض أبو مسلم بن بحر الأصفهاني عليه من وجهين : الأول : أن المقصود من ذكر المصباح المثل وكون المصباح في بيوت أذن الله لا يزيد في هذا المقصود لأن ذلك لا يزيد المصباح إنارة وإضارة الثاني : أن ما تقدم ذكره فيه وجوه تقتضي كونه واحداً كقوله : {كَمِشْكَـاوةٍ} وقوله : {فِيهَا مِصْبَاحٌ } وقوله : {فِى زُجَاجَةٍ } وقوله : {كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّىٌّ} (النور : 35) ولفظ البيوت جمع ولا يصح كون هذا الواحد في كل البيوت والجواب عن الأول أن المصباح الموضوع في الزجاجة الصافية إذا كان في المساجد كان أعظم وأضخم فكان أضوأ ، فكان التمثيل به أتم وأكمل وعن الثاني : أنه لما كان القصد بالمثل هو الذي له هذا الوصف فيدخل تحته كل كمشكاة فيها مصباح في زجاجة تتوقد من الزيت ، وتكون الفائدة في ذلك أن ضوأها يظهر في هذه البيوت بالليالي عند الحاجة إلى عبادة الله تعالى ، ولو أن رجلاً قال الذي يصلح لخدمتي رجل يرجع إلى علم وكفاية وقناعة يلتزم بيته لكان وإن ذكره بلفظ الواحد فالمراد النوع فكذا ما ذكره الله سبحانه في هذه الآية وثانيها : التقدير توقد من شجرة مباركة في بيوت أذن الله أن ترفع وثالثها : وهو قول / أبي مسلم أنه راجع إلى قوله : {وَمَثَلا مِّنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ} (النور : 34) أي ومثلاً من الذين خلوا من قبلكم في بيوت أذن الله أن ترفع ، ويكون المراد بالذين خلوا الأنبياء والمؤمنين والبيوت المساجد ، وقد اقتص الله أخبار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وذكر أماكنهم فسماها محاريب بقوله :
جزء : 24 رقم الصفحة : 401
(1/3343)

{إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ} و{كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ} (ص : 21) فيقول : ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ، وأنزلنا أقاصيص من بعث قبلكم من الأنبياء والمؤمنين في بيوت أذن الله أن ترفع ورابعها : قول الجبائي إنه كلام مستأنف لا تعلق له بما تقدم والتقدير صلوا في بيوت أذن الله أن ترفع وخامسها : وهو قول الفراء والزجاج إنه لا حذف في الآية بل فيه تقديم وتأخير كأنه قال يسبح في بيوت أذن الله أن ترفع رجال صفتهم كيت وكيت ، وأما قول أبي مسلم فقد اعترض عليه القاضي من وجهين : الأول : أن قوله : {وَمَثَلا مِّنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ} (النور : 34) المراد منه خلا من المكذبين للرسل لتعلقه بما تقدم من الإكراه على الزنا ابتغاء للدنيا فلا يليق ذلك بوصف هذه البيوت لأنها بيوت أذن أن يذكر فيها اسمه الثاني : أن هذه الآية صارت منقطعة عن تلك الآية بما تخلل بينهما من قوله تعالى : {اللَّهُ نُورُ السَّمَـاوَاتِ وَالارْضِ } (النور : 35) وأما قول الجبائي فقيل الإضمار لا يجوز المصير إليه إلا عند الضرورة وعلى التأويل الذي ذكره الفراء والزجاج لا حاجة إليه فلا يجوز المصير إليه فإن قيل على قول الزجاج يتوجه عليه إشكال أيضاً لأن على قوله يصير المعنى في بيوت أذن الله يسبح له فيها فيكون قوله فيها تكراراً من غير فائدة/ فلم قلتم إن تحمل هذه الزيادة أولى من تحمل مثل ذلك النقصان ؟
قلنا الزيادة لأجل التأكيد كثيرة فكان المصير إليها أولى.
المسألة الثانية : أكثر المفسرين قالوا المراد من قوله : {فِى بُيُوتٍ} المساجد وعن عكرمة {فِى بُيُوتٍ} قال هي البيوت كلها والأول أولى لوجهين : الأول : أن في البيوت ما لا يمكن أن يوصف بأن الله تعالى أذن أن ترفع الثاني : أنه تعالى وصفها بالذكر والتسبيح والصلاة وذلك لا يليق إلا بالمساجد ثم للقائلين بأن المراد هو المساجد قولان : أحدهما : أن المراد أربع مساجد الكعبة بناها إبراهيم وإسمعيل عليهما الصلاة والسلام ، وبيت المقدس بناه داود وسليمان عليهما الصلاة والسلام ، ومسجد المدينة بناه النبي صلى الله عليه وسلّم ومسجد قباء الذي أسس على التقوى بناه نبي صلى الله عليه وسلّم وعن الحسن هو بيت المقدس يسرج فيه عشرة آلاف قنديل والثاني : أن المراد هو جميع المساجد والأول ضعيف لأنه تخصيص بلا دليل فالأول حمل اللفظ على جميع المساجد ، قال ابن عباس رضي الله عنهما المساجد بيوت الله في الأرض وهي تضيء لأهل السماء كما تضيء النجوم لأهل الأرض.
جزء : 24 رقم الصفحة : 401
المسألة الثالثة : اختلفوا في المراد من قوله : {أَن تُرْفَعَ} على أقوال أحدها : المراد من رفعها بناؤها لقوله : {رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاـاهَا} (النازعات : 27 ، 28) وقوله : {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاه مُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ} (البقرة : 127) وعن ابن عباس رضي الله عنهما هي المساجد أمر الله أن تبنى وثانيها : ترفع أي تعظم وتطهر عن الأنجاس وعن اللغو من الأقوال عن الزجاج وثالثها : المراد مجموع الأمرين.
/ والقول الثاني أولى لأن قوله : {فِى بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ} ظاهره أنها كانت بيوتاً قبل الرفع فأذن الله أن ترفع.
المسألة الرابعة : اختلفوا في المراد من قوله : {وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُه } فالقول الأول : أنه عام في كل ذكر والثاني : أن يتلى فيها كتابه عن ابن عباس والثالث : لا يتكلم فيها بما لا ينبغي والأول أولى لعموم اللفظ.
المسألة الخامسة : قرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم {يُسَبِّحُ} بفتح الباء والباقون بكسرها فعلى القراءة الأولى يكون القول ممتداً إلى آخر الظروف الثلاثة أعني له فيها بالغدو والآصال ، ثم قال الزجاج {رِجَالٌ} مرفوع لأنه لما قال {يُسَبِّحُ لَه فِيهَا} فكأنه قيل من يسبح ؟
فقيل يسبح رجال.
المسألة السادسة : اختلفوا في هذا التسبيح فالأكثرون حملوه على نفس الصلاة ، ثم اختلفوا فمنهم من حمله على كل الصلوات الخمس ومنهم من حمله على صلاتي الصبح والعصر فقال كانتا واجبتين في ابتداء الحال ثم زيد فيهما ، ومنهم من حمله على التسبيح الذي هو تنزيه الله تعالى عما لا يليق به في ذاته وفعله ، واحتج عليه بأن الصلاة والزكاة قد عطفهما على ذلك من حيث قال عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وهذا الوجه أظهر.
(1/3344)

المسألة السابعة : الآصال جمل أُصُل والأصُل جميع أصيل وهو العشي وإنما وجد الغدو لأنه في الأصل مصدر لا يجمع والأصيل اسم جمع ، قال صاحب "الكشاف" بالغدو أي بأوقات الغدو أي بالغدوات وقرىء وهو الدخول في الأصيل يقال آصال كأعتم وأظهر ، قال ابن عباس رحمهما الله إن صلاة الضحى لفي كتاب الله تعالى مذكورة وتلا هذه الآية وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال : "ما من أحد يغدو ويروح إلى المسجد يؤثره على ما سواه إلا وله عند الله نزل يعد له في الجنة" وفي رواية سهل بن سعد مرفوعاً "من غدا إلى المسجد وراح ليعلم خيراً أو ليتعلمه كما كمثل المجاهد في سبيل الله يرجع غانماً".
جزء : 24 رقم الصفحة : 401
المسألة الثامنة : اختلفوا في قوله تعالى : {رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَـارَةٌ} فقال بعضهم نفى كونهم تجاراً وباعة أصلاً ، وقال بعضهم بل أثبتهم تجاراً وباعة وبين أنهم مع ذلك لا يشغلهم عنها شاغل من ضروب منافع التجارات ، وهذا قول الأكثرين ، قال الحسن أما والله إن كانوا ليتجرون ، ولكن إذا جاءت فرائض الله لم يلههم عنها شيء فقاموا بالصلاة والزكاة ، وعن سالم نظر إلى قوم من أهل السوق تركوا بياعاتهم وذهبوا إلى الصلاة فقال هم الذين قال تعالى فيهم : {لا تُلْهِيهِمْ تِجَـارَةٌ} ، وعن ابن مسعود مثله ، واعلم أن هذا القول أولى من الأول ، لأنه لا يقال إن فلاناً لا تلهيه التجارة عن كيت وكيت إلا وهو تاجر ، وإن احتمل الوجه الأول وههنا سؤالات :
السؤال الأول : لما قال : {لا تُلْهِيهِمْ تِجَـارَةٌ} دخل فيه البيع فلم أعاد ذكر البيع ؟
قلنا الجواب عنه من وجوه : الأول : أن التجارة جنس يدخل تحت أنواع الشراء والبيع إلا أنه / سبحانه خص البيع بالذكر لأنه في الإلهاء أدخل ، لأن الربح الحاصل في البيع يقين ناجز ، والربح الحاصل في الشراء شك مستقبل الثاني : أن البيع يقتضي تبديل العرض بالنقد ، والشراء بالعكس والرغبة في تحصيل النقد أكثر من العكس الثالث : قال الفراء : التجارة لأهل الجلب ، يقال : اتجر فلان في كذا إذا جلبه من غير بلده ، والبيع ما باعه على يديه.
السؤال الثاني : لم خص الرجال بالذكر ؟
والجواب : لأن النساء لسن من أهل التجارات أو الجماعات.
المسألة التاسعة : اختلفوا في المراد بذكر الله تعالى ، فقال قوم : المراد الثناء على الله تعالى والدعوات ، وقال آخرون : المراد الصلوات ، فإن قيل فما معنى قوله : {لَّيْسَ الْبِرَّ} ؟
قلنا عنه جوابان : أحدهما : قال ابن عباس رضي الله عنهما المراد بإقام الصلاة إقامتها لمواقيتها والثاني : يجوز أن يكون قوله : {لَّيْسَ الْبِرَّ} (البقرة : 3) تفسيراً لذكر الله فهم يذكرون الله قبل الصلاة وفي الصلاة.
المسألة العاشرة : قد ذكرنا في أول تفسير سورة البقرة في قوله : {وَيُقِيمُونَ الصَّلَواةَ} أن إقام الصلاة هو القيام بحقها على شروطها ، والوجه في حذف الهاء ما قاله الزجاج ، يقال أقمت الصلاة إقامة وكان الأصل إقواماً ، ولكن قلبت الواو ألفاً فاجتمع ألفان فحذفت إحداهما لالتقاء الساكنين فبقي أقمت الصلاة إقاماً ، فأدخلت الهاء عوضاً من المحذوف وقامت الإضافة ههنا في التعويض مقام الهاء المحذوفة ، قال وهذا إجماع من النحويين.
جزء : 24 رقم الصفحة : 401
المسألة الحادية عشرة : اختلفوا في الصلاة فمنهم من قال هي الفرائض ، ومنهم من أدخل فيه النقل على ما حكيناه في صلاة الضحى عن ابن عباس ، والأول أقرب لأنه إلى التعريف أقرب وكذلك القول في الزكاة أن المراد المفروض لأنه المعروف في الشرع المسمى بذلك ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما المراد من الزكاة طاعة الله تعالى والإخلاص ، وكذا في قوله : {وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَه بِالصَّلَواةِ وَالزَّكَواةِ} (مريم : 55) وقوله : {مَا زَكَى مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ} (النور : 21) وقوله : {تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا} (التوبة : 103) وهذا ضعيف لما تقدم ولأنه تعالى علق الزكاة بالإيتاء ، وهذا لا يحمل إلا على ما يعطى من حقوق المال.
(1/3345)

المسألة الثانية عشرة : أنه سبحانه بين أن هؤلاء الرجال وإن تعبدوا بذكر الله والطاعات فإنهم مع ذلك موصوفون بالوجل والخوف فقال : {يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالابْصَـارُ} وذلك الخوف إنما كان لعلمهم بأنهم ما عبدوا الله حق عبادته. واختلفوا في المراد بتقلب القلوب والأبصار على أقوال : فالقول الأول أن القلوب تضطرب من الهول والفزع وتشخص الأبصار لقوله : {وَإِذْ زَاغَتِ الابْصَـارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ} (الأحزاب : 10) الثاني : أنها تتغير أحوالها فتفقه القلوب بعد أن كانت مطبوعاً عليها لا تفقه وتبصر الأبصار بعد أن كانت لا تبصر ، فكأنهم انقلبوا من الشك إلى الظن ، ومن الظن إلى اليقين ، ومن اليقين إلى المعاينة ، لقوله : {وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} (الزمر : 47) وقوله : {لَّقَدْ كُنتَ فِى غَفْلَةٍ مِّنْ هَـاذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ} (ق : 22) ، الثالث : أن القلوب تتقلب في ذلك اليوم طمعاً في النجابة وحذراً من الهلاك والأبصار تنقلب من أي ناحية يؤمر بهم ، أمن ناحية اليمين أم من ناحية الشمال ؟
ومن أي ناحية يعطون كتابهم أمن قبل الإيمان أم من قبل الشمائل ؟
والمعتزلة لا يرضون بهذا التأويل ، فإنهم قالوا إن أهل الثواب لا خوف عليهم ألبتة في ذلك اليوم ، وأهل العقاب لا يرجون العفو ، لكنا بينا فساد هذا المذهب غير مرة الرابع : أن القلوب تزول عن أماكنها فتبلغ الحناجر ، والأبصار تصير زرقاً ، قال الضحاك : يحشر الكافر وبصره حديد وتزرق عيناه ثم يعمى ، ويتقلب القلب من الخوف حيث لا يجد مخلصاً حتى يقع في الحنجرة فهو قوله : {إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَـاظِمِينَ } (غافر : 18) ، الخامس : قال الجبائي المراد بتقلب القلوب والأبصار تغير هيئاتهما بسبب ما ينالها من العذاب ، فتكون مرة بهيئة ما أنضج بالنار ومرة بهيئة ما احترق ، قال ويجوز أن يريد به تقلبها على جمر جهنم وهو معنى قوله تعالى : {وَنُقَلِّبُ أَفْـاِدَتَهُمْ وَأَبْصَـارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِه أَوَّلَ مَرَّةٍ} (الأنعام : 110).
جزء : 24 رقم الصفحة : 401
المسألة الثالثة عشرة : قوله : {لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا } أي يفعلون هذه القربات ليجزيهم الله ويثيبهم على أحسن ما عملوا ، وفيه وجوه : الأول : المراد بالأحسن الحسنات أجمع ، وهي الطاعات فرضها ونفلها ، قال مقاتل : إنما ذكر الأحسن تنبيهاً على أنه لا يجازيهم على مساوىء أعمالهم بل يغفرها لهم. الثاني : أنه سبحانه يجزيهم جزاء أحسن ما عملوا على الواحد عشراً إلى سبعمائة الثالث : قال القاضي : المراد بذلك أن تكون الطاعات منهم مكفرة لمعاصيهم وإنما يجزيهم الله تعالى بأحسن الأعمال ، وهذا مستقيم على مذهبه في الإحباط والموازنة.
أما قوله تعالى : {وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِه } فالمعنى أنه تعالى يجزيهم بأحسن الأعمال ولا يقتصر على قدر استحقاقهم بل يزيدهم من فضله على ما ذكره تعالى في سائر الآيات من التضعيف ، فإن قيل فهذا يدل على أن لفعل الطاعة أثراً في استحقاق الثواب ، لأنه تعالى ميز الجزاء عن الفضل وأنتم لا تقولون بذلك ، فإن عندكم العبد لا يستحق على ربه شيئاً ، قلنا نحن نثبت الاستحقاق لكن بالوعد فذاك القدر هو المستحق والزائد عليه هو الفضل ثم قال : {وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} نبه به على كمال قدرته وكمال جوده ونفاذ مشيئته وسعة إحسانه ، فكان سبحانه لما وصفهم بالجد والاجتهاد في الطاعة ، ومع ذلك يكونون في نهاية الخوف ، فالحق سبحانه يعطيهم الثواب العظيم على طاعاتهم ، ويزيدهم الفضل الذي لا حد له في مقابلة خوفهم.
جزء : 24 رقم الصفحة : 401
403
(1/3346)

/ اعلم أنه سبحانه لما بين حال المؤمن ، وأنه في الدنيا يكون في النور وبسببه يكون متمسكاً بالعمل الصالح ، ثم بين أنه في الآخرة يكون فائزاً بالنعيم المقيم والثواب العظيم ، أتبع ذلك بأن بين أن الكافر يكون في الآخرة في أشد الخسران ، وفي الدنيا في أعظم أنواع الظلمات ، وضرب لكل واحد منهما مثلاً ، أما المثل الدال على خيبته في الآخرة فهو قوله : {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَـالُهُمْ كَسَرَابا بِقِيعَةٍ} قال الأزهري : السراب ما يتراءى للعين وقت الضحى الأكبر في الفلوات شبيه الماء الجاري وليس بماء ولكن الذي ينظر إليه من بعيد يظنه ماء جارياً يقال سرب الماء يسرب سروباً إذا جرى فهو سارب ، أما الآل فهو ما يتراءى للعين في أول النهار فيرى الناظر الصغير كبيراً ، وظاهر كلام الخليل أن الآل والسراب واحد ، وأما القيعة فقال الفراء : هو جمع قاع مثل جار وجيرة والقاع المنبسط المستوي من الأرض وقال صاحب "الكشاف" القيعة بمعنى القاع ، وقال الزجاج الظمآن : قد يخفف همزه ، وهو الشديد العطش ، ثم وجه التشبيه أن الذي يأتي به الكافر إن كان من أفعال البر فهو لا يستحق عليه ثواباً ، مع أنه يعتقد أن له ثواباً عليه ، وإن كان من أفعال الإثم فهو يستحق عليه عقاباً مع أنه يعتقد أنه يستحق عليه ثواباً ، فكيف كان فهو يعتقد أن له ثواباً عند الله تعالى ، فإذا وافى عرصات القيامة ، ولم يجد الثواب بل وجد العقاب العظيم عظمت حسرته وتناهى غمه ، فيشبه حاله حال الظمآن الذي تشتد حاجته إلى الماء فإذا شاهد السراب تعلق قلبه به ويرجو به النجاة ويقوى طمعه فإذا جاءه وأيس مما كان يرجوه فيعظم ذلك عليه وهذا المثال في غاية الحسن ، قال مجاهد السراب عمل الكافر وإتيانه إياه موته ومفارقة الدنيا فإن قيل قوله : {حَتَّى ا إِذَا جَآءَه } يدل على كونه شيئاً وقوله : {لَمْ يَجِدْهُ شَيْـاًا} مناقض له ؟
قلنا الجواب عنه من وجوه ثلاثة : الأول : المراد معناه أنه لم يجده شيئاً نافعاً كما يقال فلان ما عمل شيئاً وإن كان قد اجتهد الثاني : / حتى إذا جاءه أي جاء موضع السراب لم يجد السراب شيئاً فاكتفى بذكر السراب عن ذكر موضعه الثالث : الكناية للسراب لأن السراب يرى من بعيد بسبب الكثافة كأنه ضباب وهباء وإذا قرب منه رق وانتثر وصار كالهواء.
جزء : 24 رقم الصفحة : 403
أما قوله : {وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَه فَوَفَّـاـاهُ حِسَابَه } أي وجد عقاب الله الذي توعد به الكافر عند ذلك فتغير ما كان فيه من ظن النفع العظيم إلى تيقن الضرر العظيم ، أو وجد زبانية الله عنده يأخذونه فيقبلون به إلى جهنم فيسقونه الحميم والغساق ، وهم الذين قال الله تعالى فيهم {عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ} (الغاشية : 3) ، {وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} (الكهف : 104) ، {وَقَدِمْنَآ إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ} (الفرقان : 23) وقيل نزلت في عتبة بن ربيعة بن أمية ، كان قد تعبد ولبس المسوح والتمس الدين في الجاهلية ثم كفر في الإسلام.
(1/3347)

أما قوله : {وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} فذاك لأنه سبحانه عالم بجميع المعلومات فلا يشق عليه الحساب/ وقال بعض المتكلمين معناه لا يشغله محاسبة واحد عن آخر كنحن ، ولو كان يتكلم بآلة كما يقوله المشبهة لما صح ذلك ، وأما المثل الثاني فهو قوله : {أَوْ كَظُلُمَـاتٍ فِى بَحْرٍ لُّجِّىٍّ} وفي لفظة (أو) ههنا وجوه : أحدها : اعلم أن الله تعالى بين أن أعمال الكفار إن كانت حسنة فمثلها السراب وإن كانت قبيحة فهي الظلمات وثانيها : تقدير الكلام أن أعمالهم إما كسراب بقيعة وذلك في الآخرة وإما كظلمات في بحر وذلك في الدنيا وثالثها : الآية الأولى في ذكر أعمالهم وأنهم لا يتحصلون منها على شيء ، والآية الثانية في ذكر عقائدهم فإنها تشبه الظلمات كما قال : {يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَـاتِ إِلَى النُّورِ } (البقرة : 257) أي من الكفر إلى الإيمان يدل عليه قوله تعالى : {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَه نُورًا فَمَا لَه مِن نُورٍ} (النور : 40) وأما البحر اللجي فهو ذو اللجنة التي هي معظم الماء الغمر البعيد القعر ، وفي اللجى لغتان كسر اللام وضمها ، وأما تقرير المثل فهو أن البحر اللجي يكون قعره مظلماً جداً بسبب غمورة الماء ، فإذا ترادفت عليه الأمواج ازدادت الظلمة فإذا كان فوق الأمواج سحاب بلغت الظلمة النهاية القصوى ، فالواقع في قعر هذا البحر اللجى يكون في نهاية شدة الظلمة ، ولما كانت العادة في اليد أنها من أقرب ما يراها ومن أبعد ما يظن أنه لا يراها فقال تعالى : {لَمْ يَكَدْ يَرَاـاهَا } وبين سبحانه بهذا البلوغ تلك الظلمة إلى أقصى النهايات ثم شبه به الكافر في اعتقاده وهو ضد المؤمن في قوله تعالى : {نُّورٌ عَلَى نُورٍ } (النور : 35) وفي قوله : {يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَـانِهِم} (الحديد : 12) ولهذا قال أبي بن كعب الكافر يتقلب في خمس من الظلم كلامه وعمله ومدخله ومخرجه ومصيره إلى النار ، وفي كيفية هذا التشبيه وجوه أخر : أحدها : أن الله تعالى ذكر ثلاثة أنواع من الظلمات ظلمة البحر وظلمة الأمواج وظلمة السحاب وكذا الكافر له ظلمات ثلاثة ظلمة الاعتقاد وظلمة القول وظلمة العمل عن الحسن وثانيها : شبهوا قلبه وبصره وسمعه بهذه الظلمات الثلاث عن ابن عباس وثالثها : أن الكافر لا يدري ولا يدري أنه لا يدري ويعتقد أنه يدري ، فهذه المراتب الثلاث تشبه تلك الظلمات ورابعها : أن هذه الظلمات متراكمة فكذا الكفار لشدة إصراره على كفره ، قد تراكمت عليه / الضلالات حتى أن أظهر الدلائل إذا ذكرت عنده لا يفهمها وخامسها : قلب مظلم في صدر مظلم.
جزء : 24 رقم الصفحة : 403
أما قوله : {ظُلُمَـاتُا بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ} فروي عن ابن كثير أنه قرأ (سحاب) وقرأ (ظلمات) بالجر على البدل من قوله : {أَوْ كَظُلُمَـاتٍ} وعنه أيضاً أنه قرأ {سَحَابٌا ظُلُمَـاتُ } كما يقال سحاب رحمة وسحاب عذاب على الإضافة وقراءة الباقين {سَحَابٌا ظُلُمَـاتُ } كلاهما بالرفع والتنوين وتمام الكلام عند قوله : {سَحَابٌ } ثم ابتدأ {ظُلُمَـاتُ } أي ما تقدم ذكره ظلمات بعضها فوق بعض.
أما قوله : {لَمْ يَكَدْ يَرَاـاهَا } ففيه قولان : أحدهما : أن كاد نفيه إثبات وإثباته نفي فقوله : {وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ} (البقرة : 71) نفي في اللفظ ولكنه إثبات في المعنى لأنهم فعلوا ذلك وقوله عليه الصلاة والسلام : "كاد الفقر أن يكون كفراً" إثبات في اللفظ لكنه نفي في المعنى لأنه لم يكفر فكذا ههنا قوله : {لَمْ يَكَدْ يَرَاـاهَا } معناه أنه رآها والثاني : أن كاد معناه المقاربة فقوله : {لَمْ يَكَدْ يَرَاـاهَا } معناه لم يقارب الوقوع ومعلوم أن الذي لم يقارب الوقوع لم يقع أيضاً وهذا القول هو المختار والأول ضعيف لوجهين : الأول : أن ما يكون أقل من هذه الظلمات فإنه لا يرى فيه شيء فكيف مع هذه الظلمات الثاني : أن المقصود من هذا التمثيل المبالغة في جهالة الكفار وذلك إنما يحصل إذا لم توجد الرؤية ألبتة مع هذه الظلمات.
أما قوله : {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَه نُورًا فَمَا لَه مِن نُورٍ} فقال أصحابنا إنه سبحانه لما وصف هداية المؤمن بأنها في نهاية الجلاء والظهور عقبها بأن قال : {يَهْدِى اللَّهُ لِنُورِه مَن يَشَآءُ } ولما وصف ضلالة الكافر بأنها في نهاية الظلمة عقبها بقوله : {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَه نُورًا فَمَا لَه مِن نُورٍ} والمقصود من ذلك أن يعرف الإنسان أن ظهور الدلائل لا يفيد الإيمان وظلمة الطريق لا تمنع منه ، فإن الكل مربوط بخلق الله تعالى وهدايته وتكوينه ، وقال القاضي المراد بقوله : {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَه نُورًا} أي في الدنيا بالألطاف {فَمَا لَه مِن نُورٍ} أي لا يهتدي فيتحير ويحتمل {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَه نُورًا} أي مخلصاً في الآخرة وفوزاً بالثواب {فَمَا لَه مِن نُورٍ} والكلام عليه تزييفاً وتقريراً معلوم.
(1/3348)

جزء : 24 رقم الصفحة : 403
406
اعلم أنه سبحانه لما وصف أنوار قلوب المؤمنين وظلمات قلوب الجاهلين أتبع ذلك بدلائل التوحيد :
فالنوع الأول : ما ذكره في هذه الآية ولا شبهة في أن المراد ألم تعلم لأن التسبيح لا / تتناوله الرؤية بالبصر ويتناوله العلم بالقلب ، وهذا الكلام وإن كان ظاهره استفهاماً فالمراد التقرير والبيان ، فنبه تعالى على ما يلزم من تعظيمه بأن من في السموات يسبح له وكذلك من في الأرض.
واعلم أنه إما أن يكون المراد من التسبيح دلالة هذه الأشياء على كونه تعالى منزهاً عن النقائص موصوفاً بنعوت الجلال ، وإما أن يكون المراد منه أنها تنطق بالتسبيح وتتكلم به ، وإما أن يكون المراد منه في حق البعض الدلالة على التنزيه وفي حق الباقين النطق باللسان ، والقسم الأول أقرب لأن القسم الثاني متعذر ، لأن في الأرض من لا يكون مكلفاً لا يسبح بهذا المعنى ، والمكلفون منهم من لا يسبح أيضاً بهذا المعنى كالكفار ، أما القسم الثالث وهو أن يقال إن من في السموات وهم الملائكة يسبحون باللسان ، وأما الذين في الأرض فمنهم من يسبح باللسان ومنهم من يسبح على سبيل الدلالة فهذا يقتضي استعمال اللفظ الواحد في الحقيقة والمجاز معاً وهو غير جائز فلم يبق إلا القسم الأول وذلك لأن هذه الأشياء مشتركة في أن أجسامها وصفاتها دالة على تنزيه الله سبحانه وتعالى وعلى قدرته وإلهيته وتوحيده وعدله فسمى ذلك تنزيهاً على وجه التوسع. فإن قيل فالتسبيح بهذا المعنى حاصل لجميع المخلوقات فما وجه تخصيصه ههنا بالعقلاء ؟
قلنا لأن خلقة العقلاء أشد دلالة على وجود الصانع سبحانه لأن العجائب والغرائب في خلقهم أكثر وهي العقل والنطق والفهم.
جزء : 24 رقم الصفحة : 406
أما قوله تعالى : {وَالطَّيْرُ صَـا فَّـاتٍ } فلقائل أن يقول ما وجه اتصال هذا بما قبله ؟
والجواب : أنه سبحانه لما ذكر أن أهل السموات وأهل الأرض يسبحون ذكر أن الذين استقروا في الهواء الذي هو بين السماء والأرض وهو الطير يسبحون/ وذلك لأن إعطاء الجرم الثقيل القوة التي بها يقوى على الوقوف في جو السماء صافة باسطة أجنحتها بما فيها من القبض والبسط من أعظم الدلائل على قدرة الصانع المدبر سبحانه وجعل طيرانها سجوداً منها له سبحانه ، وذلك يؤكد ما ذكرناه من أن المراد من التسبيح دلالة هذه الأحوال على التنزيه لا النطق اللساني.
أما قوله : {كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَه وَتَسْبِيحَه } ففيه ثلاثة أوجه : الأول : المراد كل قد علم الله صلاته وتسبيحه قالوا ويدل عليه قوله سبحانه : {وَاللَّهُ عَلِيمُا بِمَا يَفْعَلُونَ} وهو اختيار جمهور المتكلمين والثاني : أن يعود الضمير في الصلاة والتسبيح على لفظ {كُلَّ} أي إنهم يعلمون ما يجب عليهم من الصلاة والتسبيح والثالث : أن تكون الهاء راجعة على ذكر الله يعني قد علم كل مسبح وكل مصل صلاة الله التي كلفه إياها وعلى هذين التقديرين فقوله : {وَاللَّهُ عَلِيمُ } استئناف وروي عن أبي ثابت قال كنت جالساً عند محمد بن جعفر الباقر رضي الله عنه فقال لي : أتدري ما تقول هذه العصافير عند طلوع الشمس وبعد طلوعها ؟
قال لا ، قال فإنهن يقدسن ربهن ويسألنه قوت يومهن. واستبعد المتكلمون ذلك فقالوا الطير لو كانت عارفة بالله تعالى لكانت كالعقلاء الذين يفهمون كلامنا وإشارتنا لكنها ليست كذلك ، فإنا نعلم بالضرورة أنها أشد نقصاناً من الصبي الذي / لا يعرف هذه الأمور فبأن يمتنع ذلك فيها أولى ، وإذا ثبت أنها لا تعرف الله تعالى استحال كونها مسبحة له بالنطق ، فثبت أنها لا تسبح الله إلا بلسان الحال على ما تقدم تقريره.
جزء : 24 رقم الصفحة : 406
(1/3349)

قال بعض العلماء إنا نشاهد أن الله تعالى ألهم الطيور وسائر الحشرات أعمالاً لطيفة يعجز عنها أكثر العقلاء ، وإذا كان كذلك فلم لا يجوز أن يلهمها معرفته ودعاءه وتسبيحه ، وبيان أنه سبحانه ألهمها الأعمال اللطيفة من وجوه : أحدها : احتيالها في كيفية الاصطياد فتأمل في العنكبوت كيف يأتي بالحيل اللطيفة في اصطياد الذباب ، ويقال إن الدب يستلقي في ممر الثور فإذا أرام نطحه شبث ذراعيه بقرينه ولا يزال ينهش ما بين ذراعيه حتى يثخنه ، وأنه يرمي بالحجارة ويأخذ العصا ويضرب الإنسان حتى يتوهم أنه مات فيتركه وربما عاود يتشممه ويتجسس نفسه ويصعد الشجر أخف صعود ويهشم الجوز بين كفيه تعريضاً بالواحدة وصدمة بالأخرى ثم ينفخ فيه فيذر قشره ويستف لبه ، ويحكى عن الفأر في سرقته أمور عجيبة. وثانيها : أمر النحل ومالها من الرياسة وبناء البيوت المسدسة التي لا يتمكن من بنائها أفاضل المهندسين وثالثها : انتقال الكراكي من طرف من أطراف العالم إلى الطرف الآخر طلباً لما يوافقها من الأهوية ، ويقال إن من خواص الخيل أن كل واحد منها يعرف صوت الفرس الذي قابله وقتاً ما والكلاب تتصايح بالعية المعروفة لها ، والفهد إذا سقي أو شرب من الدواء المعروف بخانق الفهد عمد إلى زبل الإنسان فأكله ، والتماسيح تفتح أفواهها لطائر يقع عليها كالعقعق وينظف ما بين أسنانها ، وعلى رأس ذلك الطير كالشوك فإذا هم التمساح بالتقام ذلك الطير تأذى من ذلك الشوك فيفتح فاه فيخرج الطائر ، والسلحفاة تتناول بعد أكل الحية صعتراً جبلياً ثم تعود وقد عوفيت من ذلك ، وحكى بعض الثقات المجربين للصيد أنه شاهد الحبارى تقاتل الأفعى وتنهزم عنه إلى بقلة تتناول منها ثم تعود ولا يزال ذلك دأبه فكان ذلك الشيخ قاعداً في كن غائر فعل القنصة وكانت البقلة قريبة من مكمنه فما اشتغل الحبارى بالأفعى قلع البقلة فعادت الحبارى إلى منبتها ففقدته وأخذت تدور حول منبتها دوراناً متتابعاً حتى خر ميتاً فعلم الشيخ أنه كان يتعالج بأكلها من اللسع ، وتلك البقلة كانت هي الجرجير البري ، وأما ابن عرس فيستظهر في قتال الحية بأكل السذاب فإن النكهة السذابية مما تنفر منها الأفعى والكلاب إذا دودت بطونها أكلت سنبل القمح/ وإذا جرحت اللقالق بعضها بعضاً داوت جراحها بالصعتر الجبلى ورابعها : القنافذ قد تحس بالشمال والجنوب قبل الهبوب فتغير المدخل إلى جحرها وكان بالقسطنطينية رجل قد أثرى بسبب أنه كان ينذر بالرياح قبل هبوبها وينتفع الناس بإنذاره وكان السبب فيه قنفذاً في داره يفعل الصنيع المذكور فيستدل به ، والخطاف صانع جيد في اتخاذ العش من الطين وقطع الخشب فإن أعوزه الطين ابتل وتمرغ في التراب ليحمل جناحاه قدراً من الطين ، وإذا أفرخ بالغ في تعهد الفراخ ويأخذ ذرقها بمنقاره ويرميها عن العش ، ثم يعلمها إلقاء الذرق نحو طرف العش ، وإذا دنا الصائد من مكان فراخ القبجة ظهرت له القبجة وقربت منه مطمعة له / ليتبعها ثم تذهب إلى جانب آخر سوى جانب فراخها ، وناقر الخشب قلما يقع على الأرض بل على الشجر ينقر الموضع الذي يعلم أن فيه دوداً ، والغرانيق تصعد في الجو جداً عند الطيران فإن حجب بعضها عن بعض ضباب أو سحاب أحدثت عن أجنحتها حفيفاً مسموعاً يلزم به بعضها بعضاً ، فإذا نامت على جبل فإنها تضع رؤوسها تحت أجنحتها إلا القائد فإنه ينام مكشوف الرأس فيسرع انتباهه ، وإذا سمع حرساً صاح ، وحال النمل في الذهاب إلى مواضعها على خط مستقيم يحفظ بعضها بعضاً أمر عجيب ، واعلم أن الاستقصاء في هذا الباب مذكور في كتاب طبائع الحيوان ، والمقصود أن الأكياس من العقلاء يعجزون عن أمثال هذه الحيل فإذا جاز ذلك فلم لا يجوز أن يقال إنها ملهمة من عند الله تعالى بمعرفته والثناء عليه وإن كانت غير عارفة بسائر الأمور التي يعرفها الناس ؟
ولله در شهاب الإسلام السمعاني حيث قال : جل جناب الجلال عن أن يوزن بميزان الاعتزال.
جزء : 24 رقم الصفحة : 406
أما قوله سبحانه : {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَـاوَاتِ وَالارْضِا وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} فهو مع وجازته فيه دلالة على تمام علم المبدأ والمعاد ، فقوله : {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَـاوَاتِ وَالارْضِ } تنبيه على أن الكل منه لأن كل ما سواه ممكن ومحدث والممكن والمحدث لا يوجدان إلا عند الانتهاء إلى القديم الواجب فدخل في هذه القضية جميع الأجرام والأعراض وأفعال العباد وأقوالهم وخواطرهم.
(1/3350)

وأما قوله : {وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} فهو عبارة تامة في معرفة المعاد وهو أنه لا بد من مصير الكل إليه سبحانه ، وله وجه آخر وهو أن الوجود يبدأ من الأشرف فالأشرف نازلاً إلى الأخس فالأخس ثم يأخذ من الأخس فالأخس مترقياً إلى الأشرف فالأشرف ، فإنه يكون جسماً ثم يصيره موصوفاً بالنباتية ثم الحيوانية ثم الإنسانية ثم الملكية ثم ينتهي إلى واجب الوجود لذاته ، فالاعتبار الأول هو قوله : {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَـاوَاتِ وَالارْضِ } والثاني هو قوله : {وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} .
اعلم أن هذا هو النوع الثاني من الدلائل وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : قوله : {أَلَمْ تَرَ} بعين عقلك والمراد التنبيه والإزجاء السوق قليلاً قليلاً ، ومنه البضاعة المزجاة التي يزجيها كل أحد وإزجاء السير في الإبل الرفق بها حتى تسير شيئاً فشيئاً ثم يؤلف بينه ، قال الفراء (بين) لا يصلح إلا مضافاً إلى اسمين فما زاد ، وإنما قال {بَيْنَه } لأن السحاب واحد في اللفظ ، ومعناه الجمع والواحد سحابة ، قال الله تعالى : {وَيُنشِىءُ السَّحَابَ الثِّقَالَ} (الرعد : 12) والتأليف ضم شيء إلى شيء أي يجمع بين قطع السحاب فيجعلها سحاباً واحداً {ثُمَّ يَجْعَلُه رُكَامًا} أي مجتمعاً ، والركم جمعك شيئاً فوق شيء حتى تجعله مركوماً ، والودق : المطر ، قاله ابن عباس وعن مجاهد : القطر ، وعن أبي مسلم الأصفهاني : الماء. {مِنْ خِلَـالِه } من (شقوقه ومخارقه) جمع خلل كجبال في جمع جبل ، وقرىء {مِنْ} .
جزء : 24 رقم الصفحة : 406
(1/3351)

المسألة الثانية : اعلم أن قوله : {اللَّهَ يُزْجِى سَحَابًا} يحتمل أنه سبحانه ينشئه شيئاً بعد شيء ، ويحتمل أن يغيره من سائر الأجسام لا في حالة واحدة ، فعلى الوجه الأول يكون نفس السحاب محدثاً ، ثم إنه سبحانه يؤلف بين أجزائه ، وعلى الثاني يكون المحدث من قبل الله تعالى تلك الصفات التي باعتبارها صارت تلك الأجسام سحاباً ، وفي قوله : {ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَه } دلالة على وجودها متقدماً متفرقاً إذ التأليف لا يصح إلا بين موجودين ، ثم إنه سبحانه يجعله ركاماً ، وذلك بتركب بعضها على البعض ، وهذا مما لا بد منه لأن السحاب إنما يحمل الكثير من الماء إذا كان بهذه الصفة وكل ذلك من عجائب خلقه ودلالة ملكه واقتداره ، قال أهل الطبائع إن تكون السحاب والمطر والثلج والبرد والطل والصقيع في أكثر الأمر يكون من تكاثف البخار وفي الأقل من تكاثف الهواء ، أما الأول فالبخار الصاعد إن كان قليلاً وكان في الهواء من الحرارة ما يحلل ذلك البخار فحينئذ ينحل وينقلب هواء. وأما إن كان البخار كثيراً ولم يكن في الهواء من الحرارة ما يحلل ذلك البخار فتلك الأبخرة المتصاعدة إما أن تبلغ في صعودها إلى الطبقة الباردة من الهواء أو لا تبلغ فإن بلغت فإما أن يكون البرد هناك قوياً أو لا يكون ، فإن لم يكن البرد هناك قوياً تكاثف ذلك البخار بذلك القدر من البرد ، واجتمع وتقاطر فالبخار المجتمع هو السحاب ، والمتقاطر هو المطر ، والديمة والوابل إنما يكون من أمثال هذه الغيوم ، وأما إن كان البرد شديداً فلا يخلو إما أن يصل البرد إلى الأجزاء البخارية قبل اجتماعها وانحلالها حبات كباراً أو بعد صيرورتها كذلك ، فإن كان على الوجه الأول نزل ثلجاً ، وإن كان على الوجه الثاني نزل برداً ، وأما إذا لم تبلغ الأبخرة إلى الطبقة الباردة فهي إما أن تكون كثيرة أو تكون قليلة ، فإن كانت كثيرة فهي قد تنعقد سحاباً ماطراً وقد لا تنعقد ، أما الأول فذاك لأحد أسباب خمسة : أحدها : إذا منع هبوب الرياح عن تصاعد تلك الأبخرة وثانيها : أن تكون الرياح ضاغطة إياها إلى الاجتماع بسبب وقوف جبال قدام الريح. وثالثها : / أن تكون هناك رياح متقابلة متصادمة فتمنع صعود الأبخرة حينئذ ورابعها : أن يعرض للجزء المتقدم وقوف لثقله وبطء حركته ، ثم يلتصق به سائر الأجزاء الكثيرة المدد وخامسها : لشدة برد الهواء القريب من الأرض. وقد نشاهد البخار يصعد في بعض الجبال صعوداً يسيراً حتى كأنه مكبة موضوعة على وهدة ، ويكون الناظر إليها فوق تلك الغمامة والذين يكونون تحت الغمامة يمطرون والذين يكونون فوقها يكونون في الشمس ، وأما إذا كانت الأبخرة القليلة الارتفاع قليلة لطيفة فإذا ضربها برد الليل كثفها وعقدها ماء محسوساً فنزل نزولاً متفرقاً لا يحس به إلا عند اجتماع شيء يعتد به/ فإن لم يجمد كان طلاً ، وإن جمد كان صقيعاً ، ونسبة الصقيع إلى الطل نسبة الثلج إلى المطر ، وأما تكون السحاب من انقباض الهواء فذلك عندما يبرد الهواء وينقبض ، وحينئذ يحصل منه الأقسام المذكورة والجواب : أنا لما دللنا على حدوث الأجسام وتوسلنا بذلك إلى كونه قادراً مختاراً يمكنه إيجاد الأجسام لم يمكنا القطع بما ذكرتموه لاحتمال أنه سبحانه خلق أجزاء السحاب دفعة لا بالطريق الذي ذكرتموه ، وأيضاً فهب أن الأمر كما ذكرتم ، ولكن الأجسام بالاتفاق ممكنة في ذواتها فلا بد لها من مؤثر. ثم إنها متماثلة ، فاختصاص كل واحد منها بصفته المعينة من الصعود والهبوط واللطافة والكثافة والحرارة والبرودة لا بد له من مخصص ، فإذا كان هو سبحانه خالقاً لتلك الطبائع وتلك الطبائع مؤثرة في هذه الأحوال وخالق السبب خالق المسبب ، فكان سبحانه هو الذي يزجي سحاباً ، لأنه هو الذي خلق تلك الطبائع المحركة لتلك الأبخرة من باطن الأرض إلى جو الهواء ، ثم إن تلك الأبخرة إذا ترادفت في صعودها والتصق بعضها بالبعض فهو سبحانه هو الذي جعلها ركاماً ، فثبت على جميع التقديرات أن وجه الاستدلال بهذه الأشياء على القدرة والحكمة ظاهر بين.
جزء : 24 رقم الصفحة : 406
أما قوله سبحانه : {وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَآءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِنا بَرَدٍ} ففيه مسألتان :
(1/3352)

المسألة الأولى : في هذه الآية قولان : أحدهما : أن في السماء جبالاً من برد خلقها الله تعالى كذلك ، ثم ينزل منها ما شاء وهذا القول عليه أكثر المفسرين ، قال مجاهد والكلبي : جبال من برد في السماء والقول الثاني : أن السماء هو الغيم المرتفع على رؤوس الناس سمي بذلك لسموه وارتفاعه ، وأنه تعالى أنزل من هذا الغيم الذي هو سماء البرد وأراد بقوله {مِن جِبَالٍ} السحاب العظام لأنها إذا عظمت أشبهت الجبال ، كما يقال فلان يملك جبالاً من مال ووصفت بذلك توسعاً وذهبوا إلى أن البرد ماء جامد خلقه الله تعالى في السحاب ، ثم أنزله إلى الأرض ، وقال بعضهم إنما سمى الله ذلك الغيم جبالاً ، لأنه سبحانه خلقها من البرد ، وكل جسم شديد متحجر فهو من الجبال ، ومنه قوله تعالى : {وَاتَّقُوا الَّذِى خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الاوَّلِينَ} (الشعراء : 184) ومنه فلان مجبول على كذا ، قال المفسرون والأول أولى لأن السماء اسم لهذا الجسم المخصوص ، فجعله اسماً للسحاب بطريقة الاشتقاق مجاز ، وكما يصح أن يجعل الله الماء فى السحاب ثم ينزله برداً ، فقد يصح أن يكون في / السماء جبال من برد ، وإذا صح في القدرة كلا الأمرين فلا وجه لترك الظاهر.
المسألة الثانية : قال أبو علي الفارسي قوله تعالى : {مِنَ السَّمَآءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِنا بَرَدٍ} فمن الأولى لابتداء الغاية لأن ابتداء الإنزال من السماء ، والثانية للتبعيض لأن ما ينزله الله بعض تلك الجبال التي في السماء ، والثالثة للتبيين لأن جنس تلك الجبال جنس البرد ، ثم قال ومفعول الإنزال محذوف والتقدير وينزل من السماء من جبال فيها من برد ، إلا أنه حذف للدلالة عليه.
أما قوله : {فَيُصِيبُ بِه مَن يَشَآءُ وَيَصْرِفُه عَن مَّن يَشَآءُ } فالظاهر أنه راجع إلى البرد ، ومعلوم من حاله أنه قد يضر ما يقع عليه من حيوان ونبات ، فبين سبحانه أنه يصيب به من يشاء على وفق المصلحة ويصرفه ، أي يصرف ضرره عمن يشاء بأن لا يسقط عليه ، ومن الناس من حمل البرد على الحجر وجعل نزوله جارياً مجرى عذاب الاستئصال وذلك بعيد.
أما قوله تعالى : {يَكَادُ سَنَا بَرْقِه يَذْهَبُ بِالابْصَـارِ} ففيه مسائل :
جزء : 24 رقم الصفحة : 406
المسألة الأولى : قرىء {يَكَادُ سَنَا بَرْقِه } على الإدغام وقرىء (بُرَقه) جمع بُرْقة وهي المقدار من البرق وبُرُقه بضمتين للاتباع كما قيل في جمع فعلة فعلات كظلمات/ و(سناء برقه) على المد والمقصور بمعنى الضوء والممدود بمعنى العلو والارتفاع من قولك سنى للمرتفع و{يَذْهَبُ بِالابْصَـارِ} على زيادة الباء كقوله : {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ } (البقرة : 195) عن أبي جعفر المدني.
المسألة الثانية : وجه الاستدلال بقوله : {يَكَادُ سَنَا بَرْقِه يَذْهَبُ بِالابْصَـارِ} أن البرق الذي يكون صفته ذلك لا بد وأن يكون ناراً عظيمة خالصة ، والنار ضد الماء والبرد فظهوره من البرد يقتضي ظهور الضد من الضد ، وذلك لا يمكن إلا بقدرة قادر حكيم.
المسألة الثالثة : اختلف النحويون في أنك إذا قلت ذهبت بزيد إلى الدار فهل يجب أن تكون ذاهباً معه إلى الدار ، فالمنكرون احتجوا بهذه الآية.
أما قوله : {يُقَلِّبُ اللَّهُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ } فقيل فيه وجوه : منها تعاقبهما ومجيء أحدهما بعد الآخر وهو كقوله : {وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً} (الفرقان : 62) ومنها ولوج أحدهما في الآخر وأخذ أحدهما من الآخر. ومنها تغير أحوالهما في البرد والحر وغيرهما ولا يمتنع في مثل ذلك أن يريد تعالى معاني الكل لأنه في الإنعام والاعتبار أولى وأقوى.
أما قوله تعالى : {إِنَّ فِى ذَالِكَ لَعِبْرَةً لاوْلِى الابْصَـارِ} فالمعنى أن فيما تقدم ذكره دلالة لمن يرجع إلى بصيرة ، فمن هذا الوجه يدل أن الواجب على المرء أن يتدبر ويتفكر في هذه الأمور ، ويدل أيضاً على فساد التقليد.
اعلم أن هذا هو النوع الثالث من الدلائل على الوحدانية وذلك لأنه لما استدل أولاً بأحوال السماء والأرض وثانياً بالآثار العلوية استدل ثالثاً بأحوال الحيوانات ، واعلم أن على هذه الآية سؤالات :
(1/3353)

السؤال الأول : لم قال الله تعالى : {الابْصَـارِ * وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ } مع أن كثيراً من الحيوانات غير مخلوقة من الماء ؟
أما الملائكة فهم أعظم الحيوانات عدداً وهم مخلوقون من النور ، وأما الجن فهم مخلوقون من النار ، وخلق الله آدم من التراب لقوله : {خَلَقَه مِن تُرَابٍ} (آل عمران : 59) وخلق عيسى من الريح لقوله : {فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا} (التحريم : 12) وأيضاً نرى أن كثيراً من الحيوانات متولد لا عن النطفة والجواب من وجوه : أحدها : وهو الأحسن ما قاله القفال وهو أن قوله : {مِّن مَّآءٍ } صلة كل دابة وليس هو من صلة خلق ، والمعنى أن كل دابة متولدة من الماء فهي مخلوقة لله تعالى وثانيها : أن أصل جميع المخلوقات الماء على ما يروى "أول ما خلق الله تعالى جوهرة فنظر إليها بعين الهيبة فصارت ماء ثم من ذلك الماء خلق النار والهواء والنور" ، ولما كان المقصود من هذه الآية بيان أصل الخلقة وكان الأصل الأول هو الماء لا جرم ذكره على هذا الوجه وثالثها : أن المراد من الدابة التي تدب على وجه الأرض ومسكنهم هناك فيخرج عنه الملائكة والجن ، ولما كان الغالب جداً من هذه الحيوانات كونهم مخلوقين من الماء ، إما لأنها متولدة من النطفة ، وإما لأنها لا تعيش إلا بالماء لا جرم أطلق لفظ الكل تنزيلاً للغالب منزلة الكل.
جزء : 24 رقم الصفحة : 406
السؤال الثاني : لم نكر الماء في قوله : {مِّن مَّآءٍ } وجاء معرفاً في قوله : {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَىٍّ } (الأنبياء : 30) والجواب : إنما جاء ههنا منكراً لأن المعنى أنه خلق كل دابة من نوع من الماء يختص بتلك الدابة ، وإنما جاء معرفاً في قوله : {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَىٍّ } لأن المقصود هناك كونهم مخلوقين من هذا الجنس ، وههنا بيان أن ذلك الجنس ينقسم إلى أنواع كثيرة.
السؤال الثالث : قوله : {فَمِنْهُم} ضمير العقلاء وكذلك قوله : {مِنْ} فلم استعمله في غير العقلاء ؟
والجواب : أنه تعالى ذكر ما لا يعقل مع من يعقل وهم الملائكة والإنس والجن فغلب / اللفظ اللائق بمن يعقل ، لأن جعل الشريف أصلاً والخسيس تبعاً أولى من العكس ، ويقال في الكلام : من المقبلان ؟
لرجل وبعير.
السؤال الرابع : لم سمى الزحف على البطن مشياً ؟
ويبين صحة هذا السؤال أن الصبي قد يوصف بأنه يحبو ولا يقال إنه يمشي وإن زحف على حد ما تزحف الحية والجواب : هذا على سبيل الاستعارة كما قالوا في الأمر المستمر قد مشى هذا الأمر ، ويقال فلان لا يتمشى له أمر أو على طريق المشاكلة (لذلك) الزاحف مع الماشين.
السؤال الخامس : أنه لم يستوف القسمة لأنا نجد ما يمشي على أكثر من أربع مثال العناكب والعقارب والرتيلات بل مثل الحيوان الذي له أربعة وأربعون رجلاً الذي يسمى دخال الأذن والجواب : القسم الذي ذكرتم كالنادر فكان ملحقاً بالعدم ولأن الفلاسفة يقرون بأن ما له قوائم كثيرة فاعتماده إذا مشى على أربع جهاته لا غير فكأنه يمشي على أربع ، ولأن قوله تعالى : {يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَآءُ } كالتنبيه على سائر الأقسام.
السؤال السادس : لم جاءت الأجناس الثلاثة على هذا الترتيب ؟
والجواب : قد قدم ما هو (أعجب) وهو الماشي بغير آله مشى من أجل أو قوائم ثم الماشي على رجلين ثم الماشي على أربع ، واعلم أن قوله : {يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَآءُ } تنبيه على أن الحيوانات كما اختلفت بحسب كيفية المشي فكذا هي مختلفة بحسب أمور أخر/ فلنذكر ههنا بعض التقسيمات :
جزء : 24 رقم الصفحة : 406
(1/3354)

التقسيم الأول : الحيوانات قد تشترك في أعضاء وقد تتباين بأعضاء ، أما الشركة فمثل اشتراك الإنسان والفرس في أن لهما لحماً وعصباً وعظماً ، وأما التباين فإما أن يكون في نفس العضو أو في صفته ، أما التباين في نفس العضو فعلى وجهين : أحدهما : أن لا يكون العضو حاصلاً للآخر ، وإن كانت أجزاؤه حاصلة للثاني كالفرس والإنسان ، فإن الفرس له ذنب والإنسان ليس له ذنب ولكن أجزاء الذنب ليست إلا العظم والعصب واللحم والجلد والشعر ، وكل ذلك حاصل للإنسان والثاني : أن لا يكون ذلك العضو حاصلاً للثاني لا بذاته ولا بأجزائه مثل أن للسلحفاة صدفاً يحيط به وليس للإنسان ذلك وكذا للسمك فلوس وللقنفذ شوك وليس شيء منها للإنسان وأما التباين في صفة العضو ، فإما أن يكون من باب الكمية أو الكيفية أو الوضع أو الفعل أو الانفعال ، أما الذي في الكم ، فإما أن يتعلق بالمقدار مثل أن عين البوم كبيرة وعين العقاب صغيرة أو بالعدد مثل أن أرجل ضرب من العناكب ستة وأرجل ضرب آخر ثمانية أو عشرة ، والذي في الكيف فكاختلافها في الألوان والأشكال والصلابة واللين ، والذي في الوضع فمثل اختلاف وضع ثدي الفيل فإنه يكون قريباً من الصدر وثدي الفرس فإنه عند السرة. وأما الذي في الفعل فمثل كون أذن الفيل صالحاً للذب مع كونه آلة للسمع وليس كذلك في الإنسان وكون / أنفه آلة للقبض دون أنف غيره. وأما الذي في الانفعال فمثل كون عين الخفاش سريعة التحير في الضوء وعين الخطاف بخلاف ذلك.
جزء : 24 رقم الصفحة : 406
التقسيم الثاني : الحيوان إما أن يكون مائياً بمعنى أن مسكنه الأصلي هو الماء أو أرضياً أو يكون مائياً ثم يصير أرضياً ، أما الحيوانات المائية فتغير أحوالها من وجوه : الأول : أنه إما أن يكون مكانه وغذاؤه ونفسه مائياً فله بدل التنفس في الهواء التنشق المائي فهو يقبل الماء إلى باطنه ثم يرده ولا يعيش إذا فارقه ، والسمك كله كذلك ومنه ما مكانه وغذاؤه مائي ولكنه يتنفس من الهواء مثل السلحفاة المائية ، ومنه ما مكانه وغذاؤه مائي وليس يتنفس ولا يستنشق مثل أصناف من الصدف لا تظهر للهواء ولا تستدخل الماء إلى باطنها الوجه الثاني : الحيوانات المائية بعضها مأواها مياه الأنهار الجارية وبعضها مياه البطائح مثل الضفادع وبعضها مأواها مياه البحر الوجه الثالث : منها لجية ومنها شطية ومنها طينية ومنها صخرية الوجه الرابع : الحيوان المنتقل في الماء منه ما يعتمد في غوصه على رأسه وفي السباحة على أجنحته كالسمك ومنه ما يعتمد في السباحة على رجليه كالضفدع ومنه ما يمشي في قعر الماء كالسرطان ومنه ما يزحف مثل ضرب من السمك لا جناح له وكالدود ، أما الحيوانات البرية فتغير أحوالها أيضاً من وجهين : الأول : أن منها ما يتنفس من طريق واحد كالفم والخيشوم ومنها ما لا يتنفس كذلك بل على نحو آخر من مسامه مثل الزنبور والنحل الثاني : أن الحيوانات الأرضية منها ما له مأوى معلوم ، ومنها ما مأواه كيف اتفق إلا أن يلد فيقيم للحضانة واللواتي لها مأوى فبعضها مأواه شق وبعضها حفر وبعضها مأواه قلة رابية وبعضها مأواه وجه الأرض الثالث : الحيوان البري كل طائر منه ذو جناح فإنه يمشي برجليه ، ومن جملة ذلك ما مشيه صعب عليه كالخطاف الكبير الأسود والخفاش. وأما الذي جناحه جلد أو غشاء فقد يكون عديم الرجل كضرب من الحيات الحبشية يطير الرابع : الطير يختلف فبعضها يتعايش معاً كالكراكي وبعضها يؤثر التفرد كالعقاب وجميع الجوارح التي تتنازع على الطعم لاحتياجها إلى الاحتيال لتصيد ومنافستها فيه ، ومنها ما يتعايش زوجاً ويكون معاً كالقطا ، ومنه ما يجتمع تارة وينفرد أخرى والحيوانات المنفردة قد تكون مدنية وقد تكون برية صرفة وقد تكون بستانية والإنسان من بين الحيوان هو الذي لا يمكنه أن يعيش وحده فإن أسباب حياته ومعيشته تلتئم بالمشاركة المدنية والنحل والنمل وبعض الغرانيق يشارك الإنسان في ذلك لكن النحل والكراكي تطيع رئيساً واحداً والنمل له اجتماع ولا رئيس الخامس : الطير منه آكل لحم ومنه لاقط حب ومنه آكل عشب ، وقد يكون لبعض الطير طعم معين كالنحل فإن غذاءه زهر والعنكبوت فإن غذاءه الذباب وقد يكون بعضه متفق الطعم أما القسم الثالث : وهو الحيوان الذي يكون تارة مائياً ، وأخرى برياً فيقال إنه حيوان يكون في البحر ويعيش فيه ثم إنه يبرز إلى البر ويبقى فيه.
/
جزء : 24 رقم الصفحة : 406
التقسيم الثالث : الحيوان منه ما هو إنسي بالطبع كالإنسان ومنه ما هو إنسي بالمولد كالهرة والفرس ومنه ما هو إنسي بالقسر كالفهد ومنه ما لا يأنس كالنمر والمستأنس بالقسر منه ما يسرع استئناسه ويبقى مستأنساً كالفيل ومنه ما يبطىء كالأسد ويشبه أن يكون من كل نوع صنف إنسي وصنف وحشي حتى من الناس.
(1/3355)

التقسيم الرابع : من الحيوان ما هو مصوت ومنه ما لا صوت له وكل مصوت فإنه يصير عند الاغتلام وحركة شهوة الجماع أشد تصويتاً إلا الإنسان ، وأيضاً لبعض الحيوان شبق يشتد كل وقت كالديك ومنه عفيف له وقت معين.
التقسيم الخامس : بحسب الأخلاق بعض الحيوانات هادىء الطبع قليل الغضب مثل البقرة وبعضه شديد الجهل حاد الغضب كالخنزير البري وبعضها حليم خدوع كالبعير وبعضها رديء الحركات مغتال كالحية وبعضها جريء قوي شهم كبير النفس كريم الطبع كالأسد ومنها قوي مغتال وحشي كالذئب وبعضها محتال مكار رديء الحركات كالثعلب وبعضها غضوب شديد الغضب سفيه إلا أنه ملق متودد كالكلب وبعضها شديد الكيس مستأنس كالفيل والقرد وبعضها حسود متباه بجماله كالطاووس وبعضها شديد التحفظ كالجمل والحمار.
التقسيم السادس : من الحيوان ما تناسله بأن تلد أنثاه حيواناً وبعضها ما تناسله بأن تلد أنثاه دوداً كالنحل والعنكبوت فإنها تلد دوداً ، ثم إن أعضاءه تستكمل بعد وبعضها تناسله بأن تبيض أنثاه بيضاً.
واعلم أن العقول قاصرة عن الإحاطة بأحوال أصغر الحيوانات على سبيل الكمال ، ووجه الاستدلال بها على الصانع ظاهر لأنه لو كان الأمر بتركيب الطبائع الأربع فذلك بالنسبة إلى الكل على السوية فاختصاص كل واحد من هذه الحيوانات بأعضائها وقواها ومقادير أبدانها وأعمارها وأخلاقها لا بد وأن يكون بتدبير مدبر قاهر حكيم سبحانه وتعالى عما يقول الجاحدون. وأحسن كلام في هذا الموضع قوله سبحانه : {يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَآءُا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} لأنه هو القادر على الكل والعالم بالكل فهو المطلع على أحوال هذه الحيوانات ، فأي عقل يقف عليها وأي خاطر يصل إلى ذرة من أسرارها ، بل هو الذي يخلق ما يشاء ولا يمنعه منه مانع ولا دافع.
وأما قوله : {لَّقَدْ أَنزَلْنَآ ءَايَـاتٍ مُّبَيِّنَـاتٍ } فالأولى حمله على كل الأدلة والعبر ، ولما كان القرآن كالمشتمل على كل ذلك صح أن يكون هو المراد.
أما قوله : {وَاللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} فاستدلال أصحابنا به كما تقدم والجواب : أجاب القاضي عنه بأن المراد يهدي من بلغه حد التكليف دون غيره ، أو يكون المراد من أطاعه واستحق الثواب فيهديه إلى الجنة على ما تقدم في نظائره ، وجوابنا عن هذا الجواب أيضاً كما تقدم في نظائره والله أعلم.
جزء : 24 رقم الصفحة : 406
اعلم أنه سبحانه لما ذكر دلائل التوحيد أتبعه بذم قوم اعترفوا بالدين بألسنتهم ولكنهم ل يقبلوه بقلوبهم وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قال مقاتل : نزلت هذه الآية في بشر المنافق وكان قد خاصم يهودياً في أرض وكان اليهودي يجره إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم ليحكم بينهما ، وجعل المنافق يجره إلى كعب بن الأشرف ، ويقول إن محمداً يحيف علينا وقد مضت قصتهما في سورة النساء ، وقال الضحاك : نزلت في المغيرة بن وائل كان بينه وبين علي بن أبي طالب أرض فتقاسما فوقع إلى علي منها ما لا يصيبه الماء إلا بمشقة ، فقال المغيرة بعني أرضك فباعها إياه وتقابضا فقيل للمغيرة أخذت سبخة لا ينالها الماء. فقال لعلي اقبض أرضك فإنما اشتريتها إن رضيتها ولم أرضها فلا ينالها الماء فقال علي بل اشتريتها ورضيتها وقبضتها وعرفت حالها لا أقبلها منك ، ودعاه إلى أن يخاصمه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقال المغيرة أما محمد فلست آتيه ولا أحاكم إليه فإنه يبغضني وأنا أخاف أن يحيف علي فنزلت هذه الآية ، وقال الحسن نزلت هذه الآية في المنافقين الذين كانوا يظهرون الإيمان ويسرون الكفر.
المسألة الثانية : قوله : {مُّسْتَقِيمٍ * وَيَقُولُونَ ءَامَنَّا} إلى قوله : {وَمَآ أولئك بِالْمُؤْمِنِينَ} يدل على أن الإيمان لا يكون بالقول إذ لو كان به لما صح أن ينفي كونهم مؤمنين. وقد فعلوا ما هو إيمان في الحقيقة ، فإن قيل إنه تعالى حكى عن كلهم أنهم يقولون آمنا ، ثم حكى عن فريق منهم التولي / فكيف يصح أن يقول في جميعهم {وَمَآ أولئك بِالْمُؤْمِنِينَ} مع أن الذي تولى منهم هو البعض ؟
قلنا إن قوله : {وَمَآ أولئك بِالْمُؤْمِنِينَ} راجع إلى الذين تولوا لا إلى الجملة الأولى ، وأيضاً فلو رجع إلى الأول يصح ويكون معنى قوله : {ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم} أي يرجع هذا الفريق إلى الباقين منهم فيظهر بعضهم لبعض الرجوع عما أظهروه ، ثم بين سبحانه أنهم إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون ، وهذا ترك للرضا بحكم الرسول ، ونبه بقوله تعالى : {وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ} على أنهم إنما يعرضون متى عرفوا الحق لغيرهم أوشكوا فأما إذا عرفوه لأنفسهم عدلوا عن الإعراض بل سارعوا إلى الحكم وأذعنوا ببذل الرضا ، وفي ذلك دلالة على أنه ليس بهم اتباع الحق ، وإنما يريدون النفع المعجل ، وذلك أيضاً نفاق.
جزء : 24 رقم الصفحة : 406
(1/3356)

أما قوله تعالى : {أَفِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُه } ففيه سؤالات :
السؤال الأول : كلمة (أم) للاستفهام وهو غير جائز على الله تعالى والجواب : اللفظ استفهام ومعناه الخبر كما قال جرير :
ألستم خير من ركب المطايا
(وأندى العالمين بطون راح)
السؤال الثاني : أنهم لو خافوا أن يحيف الله عليهم فقد ارتابوا في الدين وإذ ارتابوا ففي قلوبهم مرض ، فالكل واحد ، فأي فائدة في التعديد ؟
الجواب : قوله : {أَفِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} إشارة إلى النفاق وقوله : {أَمِ ارْتَابُوا } إشارة إلى أنه حدث هذا الشك والريب بعد تقرير الإسلام في القلب ، وقوله : {أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} إشارة إلى أنهم بلغوا في حب الدنيا إلى حيث يتركون الدين بسببه.
السؤال الثالث : هب أن هذه الثلاثة متغايرة ولكنها متلازمة فكيف أدخل عليها كلمة (أم) ؟
الجواب : الأقرب أنه تعالى ذمهم على كل واحد من هذه الأوصاف فكان في قلوبهم مرض وهو النفاق ، وكان فيها شك وارتياب ، وكانوا يخافون الحيف من الرسول عليه الصلاة والسلام وكل واحد من ذلك كفر ونفاق ، ثم بين تعالى بقوله : {بَلْ أولئك هُمُ الظَّـالِمُونَ} بطلان ما هم عليه لأن الظلم يتناول كل معصية كما قال تعالى : {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} إذ المرء لا يخلو من أن يكون ظالماً لنفسه أو ظالماً لغيره ، ويمكن أن يقال أيضاً لما ذكر تعالى في الأقسام كونهم خائفين من الحيف ، أبطل ذلك بقوله : {بَلْ أولئك هُمُ الظَّـالِمُونَ} أي لا يخافون أن يحيف الرسول عليه الصلاة والسلام عليهم لمعرفتهم بأمانته وصيانته وإنما هم ظالمون يريدون أن يظلموا من له الحق عليهم وهم له جحود ، وذلك شيء لا يستطيعونه في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلّم ثم يأبون المحاكمة إليه.
جزء : 24 رقم الصفحة : 406
414
اعلم أنه تعالى لما حكى قول المنافقين وما قالوه وما فعلوه أتبعه بذكر ما كان يجب أن يفعلوه وما يجب أن يسلكه المؤمنون فقال تعالى : {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ} وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ الحسن {قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ} بالرفع ، والنصب أقوى لأن أولى الاسمين بكونه اسماً لكان أوغلهما في التعريف و{أَن يَقُولُوا } أوغل لأنه لا سبيل عليه للتنكير بخلاف {قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ} .
المسألة الثانية : قوله : {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ} معناه كذلك يجب أن يكون قولهم وطريقتهم إذا دعوا إلى حكم كتاب الله ورسوله أن يقولوا سمعنا وأطعنا ، فيكون إتيانهم إليه وانقيادهم له سمعاً وطاعة ، ومعنى {سَمِعْنَا} أجبنا على تأويل قول المسلمين سمع الله لمن حمده أي قبل وأجاب ، ثم قال : {وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَه } أي فيما ساءه وسره {وَيَخْشَ اللَّهَ} فيما صدر عنه من الذنوب في الماضي {وَيَتَّقْهِ} فيما بقي من عمره {فَ أولئك هُمُ الْمُفْلِحُونَ} وهذه الآية على إيجازها حاوية لكل ما ينبغي للمؤمنين أن يفعلوه.
أما قوله : {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـانِهِمْ لئن أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ } فقال مقاتل : من حلف بالله / فقد أجهد في اليمين ، ثم قال لما بين الله تعالى كراهية المنافقين لحكم رسول الله ، فقالوا والله لئن أمرتنا أن نخرج من ديارنا وأموالنا ونسائنا لخرجنا ، وإن أمرتنا بالجهاد جاهدنا ، ثم إنه تعالى أمر رسوله أن ينهاهم عن هذا القسم بقوله : {قُل لا تُقْسِمُوا } ولو كان قسمهم كما يجب لم يجز النهي عنه لأن من حلف على القيام بالبر والواجب لا يجوز أن ينهى عنه ، وإذا ثبت ذلك ثبت أن قسمهم كان لنفاقهم وأن باطنهم خلاف ظاهرهم ، ومن نوى الغدر لا الوفاء فقسمه لا يكون إلا قبيحاً.
جزء : 24 رقم الصفحة : 414
أما قوله : {طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ } فهو إما خبر مبتدأ محذوف ، أي المطلوب منكم طاعة معروفة لا أيمان كاذبة ، أو مبتدأ خبره محذوف أي طاعة معروفة أمثل من قسمكم بما لا تصدقون فيه ، وقيل معناه دعوا القسم ولا تغتروا به وعليكم طاعة معروفة فتمسكوا بها. وقرأ اليزيدي {طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ } بالنصب على معنى أطيعوا طاعة (الله) {إِنَّ اللَّهَ خَبِيرُا بِمَا تَعْمَلُونَ} أي بصير لا يخفى عليه شيء من سرائركم ، وإنه فاضحكم لا محالة ومجازيكم على نفاقكم.
(1/3357)

أما قوله : {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَا فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ } فاعلم أنه تعالى صرف الكلام عن الغيبة إلى الخطاب على طريقة الالتفات ، وهو أبلغ في تبكيتهم {فَإِن تَوَلَّوْا } يعني إن تولوا عن طاعة الله وطاعة رسوله فإنما على الرسول ما حمل من تبليغ الرسالة وعليكم ما حملتم من الطاعة {وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا } أي تصيبوا الحق وإن عصيتموه فما على الرسول إلا البلاغ المبين/ والبلاغ بمعنى التبليغ ، والمبين الواضح ، والموضح لما بكم إليه الحاجة ، وعن نافع أنه قرأ {فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ} بفتح الحاء والتخفيف أي فعليه إثم ما حمل من المعصية.
جزء : 24 رقم الصفحة : 414
415
/ اعلم أن تقدير النظم بلغ أيها الرسول وأطيعوه أيها المؤمنون ، فقد وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات أي الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح أن يستخلفهم في الأرض فيجعلهم الخلفاء والغالبين والمالكين كما استخلف عليها من قبلهم في زمن داود وسليمان عليهما السلام وغيرهما ، وأنه يمكن لهم دينهم وتمكينه ذلك هو أن يؤيدهم بالنصرة والإعزاز ويبدلهم من بعد خوفهم من العدو أمناً بأن ينصرهم عليهم فيقتلوهم ويأمنوا بذلك شرهم ، فيعبدونني آمنين لا يشركون بي شيئاً ولا يخافون {وَمَن كَفَرَ} أي من بعد هذا الوعد وارتد {فَ أولئك هُمُ الْفَـاسِقُونَ} .
واعلم أن هذه الآية مشتملة على بيان أكثر المسائل الأصولية الدينية فلنشر إلى معاقدها :
المسألة الأولى : قوله تعالى : {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنكُمْ} يدل على أنه سبحانه متكلم لأن الوعد نوع من أنواع الكلام والموصوف بالنوع موصوف بالجنس ، ولأنه سبحانه ملك مطاع والملك المطاع لا بد وأن يكون بحيث يمكنه وعد أوليائه ووعيد أعدائه فثبت أنه سبحانه متكلم.
المسألة الثانية : الآية تدل على أنه سبحانه يعلم الأشياء قبل وقوعها خلافاً لهشام بن الحكم ، فإنه قال لا يعلمها قبل وقوعها ووجه الاستدلال به أنه سبحانه أخبر عن وقوع شيء في المستقبل إخباراً على التفصيل وقد وقع المخبر مطابقاً للخبر ومثل هذا الخبر لا يصح إلا مع العلم.
المسألة الثالثة : الآية تدل على أنه سبحانه حي قادر على جميع الممكنات لأنه قال : {لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى الارْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِى ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنا بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا } وقد فعل كل ذلك وصدور هذه الأشياء لا يصح إلا من القادر على كل المقدورات.
جزء : 24 رقم الصفحة : 415
المسألة الرابعة : الآية تدل على أنه سبحانه هو المستحق للعبادة لأنه قال {يَعْبُدُونَنِى} ، وقالت المعتزلة الآية تدل على أن فعل الله تعالى معلل بالغرض لأن المعنى لكي يعبدوني وقالوا أيضاً الآية دالة على أنه سبحانه يريد العبادة من الكل ، لأن من فعل فعلاً لغرض فلا بد وأن يكون مريداً لذلك الغرض.
المسألة الخامسة : دلت الآية على أنه تعالى منزه عن الشريك لقوله : {لا يُشْرِكُونَ بِى شَيْـاًا } وذلك يدل على نفي الإله الثاني ، وعلى أنه لا يجوز عبادة غير الله تعالى سواء كان كوكباً كما تقوله الصابئة أو صنماً كما تقوله عبدة الأوثان.
المسألة السادسة : دلت الآية على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلّم لأنه أخبر عن الغيب في قوله : {لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى الارْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِى ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنا بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا } وقد وجد هذا المخبر موافقاً للخبر ومثل هذا الخبر معجز ، والمعجز دليل الصدق فدل على صدق محمد صلى الله عليه وسلّم.
المسألة السابعة : دلت الآية على أن العمل الصالح خارج عن مسمى الإيمان ، خلافاً للمعتزلة لأنه عطف العمل الصالح عن الإيمان والمعطوف خارج عن المعطوف عليه.
/
جزء : 24 رقم الصفحة : 415
(1/3358)

المسألة الثامنة : دلت الآية على إمامة الأئمة الأربعة وذلك لأنه تعالى وعد الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الحاضرين في زمان محمد صلى الله عليه وسلّم وهو المراد بقوله ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وأن يمكن لهم دينهم المرضي وأن يبدلهم بعد الخوف أمناً ، ومعلوم أن المراد بهذا الوعد بعد الرسول هؤلاء لأن استخلاف غيره لا يكون إلا بعده ومعلوم أنه لا نبي بعده لأنه خاتم الأنبياء ، فإذن المراد بهذا الاستخلاف طريقة الإمامة ومعلوم أن بعد الرسول الاستخلاف الذي هذا وصفه إنما كان في أيام أبي بكر وعمر وعثمان لأن في أيامهم كانت الفتوح العظيمة وحصل التمكين وظهور الدين والأمن ولم يحصل ذلك في أيام علي رضي الله عنه لأنه لم يتفرغ لجهاد الكفار لاشتغاله بمحاربة من خالفه من أهل الصلاة فثبت بهذا دلالة الآية على صحة خلافة هؤلاء ، فإن قيل الآية متروكة الظاهر لأنها تقتضي حصول الخلافة لكل من آمن وعمل صالحاً ولم يكن الأمر كذلك. نزلنا عنه ، لكن لم لا يجوز أن يكون المراد من قوله : {لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ} هو أنه تعالى يسكنهم الأرض ويمكنهم من التصرف لا أن المراد منه خلافة الله تعالى ومما يدل عليه قوله : {كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} واستخلاف من كان قبلهم لم يكن بطريق الإمامة فوجب أن يكون الأمر في حقهم أيضاً كذلك. نزلنا عنه ، لكن ههنا ما يدل على أنه لا يجوز حمله على خلافة رسول الله لأن من مذهبكم أنه عليه الصلاة والسلام لم يستخلف أحداً وروي عن علي عليه السلام أنه قال أترككم كما ترككم رسول الله. نزلنا عنه ، لكن لم لا يجوز أن يكون المراد منه علياً عليه السلام والواحد قد يعبر عنه بلفظ الجمع على سبيل التعظيم كقوله تعالى : {إِنَّآ أَنزَلْنَـاهُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ} (القدر : 1) وقال في حق علي عليه السلام : {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَواةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَواةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} (المائدة : 55) نزلنا عنه ، ولكن نحمله على الأئمة الإثني عشر والجواب عن الأول أن كلمة من للتبعيض فقوله : {مِنكُمُ} يدل على أن المراد بهذا الخطاب بعضهم وعن الثاني : أن الاستخلاف بالمعنى الذي ذكرتموه حاصل لجميع الخلق فالذكور ههنا في معرض البشارة لا بد وأن يكون مغايراً له.
وأما قوله تعالى : {كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} فالذين كانوا قبلهم كانوا خلفاء تارة بسبب النبوة وتارة بسبب الإمامة والخلافة حاصلة في الصورتين وعن الثالث : أنه وإن كان من مذهبنا أنه عليه الصلاة والسلام لم يستخلف أحداً بالتعيين ولكنه قد استخلف بذكر الوصف والأمر بالاختيار فلا يمتنع في هؤلاء الأئمة الأربعة أنه تعالى يستخلفهم وأن الرسول استخلفهم ، وعلى هذا الوجه قالوا في أبي بكر يا خليفة رسول الله ، فالذي قيل إنه عليه السلام لم يستخلف أريد به على وجه التعيين وإذا قيل استخلف فالمراد على طريقة الوصف والأمر وعن الرابع : أن حمل لفظ الجمع على الواحد مجاز وهو خلاف الأصل وعن الخامس : أنه باطل لوجهين : أحدهما : قوله تعالى : {مِنكُمُ} يدل على أن هذا الخطاب كان مع الحاضرين وهؤلاء الأئمة ما كانوا حاضرين الثاني : أنه تعالى وعدهم القوة والشوكة والنفاذ في العالم ولم يوجد ذلك فيه فثبت بهذا صحة إمامة الأئمة / الأربعة وبطل قول الرافضة الطاعنين على أبي بكر وعمر وعثمان وعلى بطلان قول الخوراج الطاعنين على عثمان وعلي ، ولنرجع إلى التفسير.
جزء : 24 رقم الصفحة : 415
أما قوله : {لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ} فلقائل أن يقول أين القسم المتلقى باللام والنون في {لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ} ، قلنا : هو محذوف تقديره : وعدهم الله(وأقسم) ليستخلفنهم أو نزل وعد الله في تحققه منزلة القسم فتلقى بما يتلقى به القسم كأنه قال اقسم الله ليستخلفنهم.
أما قوله : {كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} يعني {كَمَا اسْتَخْلَفَ} هارون ويوشع وداود وسليمان وتقدير النظم ليستخلفنهم استخلافاً كاستخلاف من قبلهم من هؤلاء الأنبياء عليهم السلام ، وقرىء كما استخلف بضم التاء وكسر اللام ، وقرىء بالفتح.
أما قوله تعالى : {وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِى ارْتَضَى لَهُمْ} فالمعنى أنه يثبت لهم دينهم الذي ارتضى لهم وهو الإسلام ، وقرأ ابن كثير وعاصم ويعقوب {وَلَيُبَدِّلَنَّهُم} ومن الإبدال بالتخفيف والباقون بالتشديد ، وقد ذكرنا الفرق بينهما في قوله تعالى : {بَدَّلْنَـاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا} (النساء : 56).
أما قوله : {يَعْبُدُونَنِى لا يُشْرِكُونَ بِى شَيْـاًا } ففيه دلالة على أن الذين عناهم لا يتغيرون عن عبادة الله تعالى إلى الشرك. وقال الزجاج يجوز أن يكون في موضع الحال على معنى : وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات في حال عبادتهم وإخلاصهم لله ليفعلن بهم كيت وكيت ويجوز أن يكون استئنافاً على طريق الثناء عليهم.
(1/3359)

أما قوله : {وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَالِكَ} أي جحد حق هذه النعم {فَ أولئك هُمُ الْفَـاسِقُونَ} أي العاصون.
جزء : 24 رقم الصفحة : 415
أما قوله : {لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ} فلقائل أن يقول أين القسم المتلقى باللام والنون في {لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ} ، قلنا : هو محذوف تقديره : وعدهم الله(وأقسم) ليستخلفنهم أو نزل وعد الله في تحققه منزلة القسم فتلقى بما يتلقى به القسم كأنه قال اقسم الله ليستخلفنهم.
أما قوله : {كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} يعني {كَمَا اسْتَخْلَفَ} هارون ويوشع وداود وسليمان وتقدير النظم ليستخلفنهم استخلافاً كاستخلاف من قبلهم من هؤلاء الأنبياء عليهم السلام ، وقرىء كما استخلف بضم التاء وكسر اللام ، وقرىء بالفتح.
أما قوله تعالى : {وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِى ارْتَضَى لَهُمْ} فالمعنى أنه يثبت لهم دينهم الذي ارتضى لهم وهو الإسلام ، وقرأ ابن كثير وعاصم ويعقوب {وَلَيُبَدِّلَنَّهُم} ومن الإبدال بالتخفيف والباقون بالتشديد ، وقد ذكرنا الفرق بينهما في قوله تعالى : {بَدَّلْنَـاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا} (النساء : 56).
أما قوله : {يَعْبُدُونَنِى لا يُشْرِكُونَ بِى شَيْـاًا } ففيه دلالة على أن الذين عناهم لا يتغيرون عن عبادة الله تعالى إلى الشرك. وقال الزجاج يجوز أن يكون في موضع الحال على معنى : وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات في حال عبادتهم وإخلاصهم لله ليفعلن بهم كيت وكيت ويجوز أن يكون استئنافاً على طريق الثناء عليهم.
أما قوله : {وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَالِكَ} أي جحد حق هذه النعم {فَ أولئك هُمُ الْفَـاسِقُونَ} أي العاصون.
جزء : 24 رقم الصفحة : 415
420
أما تفسير إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ، ولفظة لعل ولفظة الرحمة ، فالكل قد تقدم مراراً.
وأما قوله : {لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِى الارْضِ } فالمعنى لا تحسبن يا محمد الذين كفروا سابقين فائقين حتى يعجزونني عن إدراكهم. وقرىء {وَلا يَحْسَبَنَّ} بالياء المعجمة من تحتها ، وفيه أوجه : أحدها : أن يكون معجزين في الأرض هما المفعولان ، والمعنى لا يحسبن الذين / كفروا أحداً يعجز الله في الأرض حتى يطمعوا هم في مثل ذلك وثانيها : أن يكون فيه ضمير الرسول صلى الله عليه وسلّم لتقدم ذكره في قوله : {وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ } (النور : 54) والمعنى : لا يحسبن الذين كفروا معجزين وثالثها : أن يكون الأصل ولا يحسبنهم الذين كفروا معجزين ، ثم حذف الضمير الذي هو المفعول الأول.
وأما قوله : {وَمَأْوَاـاهُمُ النَّارُا وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ} فقال صاحب (الكشاف) : النظم لا يحتمل أن يكون متصلاً بقوله : {لا تَحْسَبَنَّ} لأن ذلك نفي وهذا إيجاب ، فهو إذن معطوف بالواو على مضمر قبله تقديره لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض بل هم مقهورون ومأواهم النار.
جزء : 24 رقم الصفحة : 420
423
/ اعلم أن في الآية مسائل :
المسألة الأولى : قال القاضي : قوله تعالى : { يَـا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لِيَسْتَـاْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـانُكُمْ} وإن كان ظاهره الرجال فالمراد به الرجال والنساء لأن التذكير يغلب على التأنيث فإذا لم يميز فيدخل تحت قوله : {الْمَصِيرُ * يَـا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لِيَسْتَـاْذِنكُمُ} الكل ويبين ذلك قوله تعالى : {الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـانُكُمْ} لأن ذلك يقال في الرجال والنساء والأولى عندي أن الحكم ثابت في النساء بقياس جلي ، وذلك لأن النساء في باب حفظ العورة أشد حالاً من الرجال ، فهذا الحكم لما ثبت في الرجال فثبوته في النساء بطريق الأولى ، كما أنا نثبت حرمة الضرب بالقياس الجلي على حرمة التأفيف.
(1/3360)

المسألة الثانية : ظاهر قوله : {الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـانُكُمْ} يدخل فيه البالغون والصغار ، وحكي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن المراد الصغار ، واحتجوا بأن الكبير من المماليك ليس له أن ينظر من المالك إلا إلى ما يجوز للحر أن ينظر إليه ، قال ابن المسيب : لا يغرنكم قوله : {وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَـانُكُمْ } لا ينبغي للمرأة أن ينظر عبدها إلى قرطها وشعرها وشيء من محاسنها ، وقال الآخرون : بل البالغ من المماليك له أن ينظر إلى شعر مالكته وما شاكله ، وظاهر الآية يدل على اختصاص عبيد المؤمنين والأطفال من الأحرار بإباحة ما حظره الله تعالى من قبل على جماعة المؤمنين بقوله : {لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ} (النور : 27) فإنه أباح لهم إلا في الأوقات الثلاثة وجوز دخولهم مع من لم يبلغ بغير إذن ودخول الموالي عليهم بقوله تعالى : {لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحُا بَعْدَهُنَّا طَواَّفُونَ عَلَيْكُم} أي يطوف بعضكم على بعض فيما عدا الأوقات الثلاثة ، وأكد ذلك بأن أوجب على من بلغ الحلم الجري على سنة من قبلهم من البالغين في الاستئذان في سائر الأوقات وألحقهم بمن دخل تحت قوله : {لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى ا أَهْلِهَا } .
جزء : 24 رقم الصفحة : 423
المسألة الثالثة : قوله : {لِيَسْتَـاْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـانُكُمْ} إن أريد به العبيد والإماء إذا كانوا بالغين فغير ممتنع أن يكون أمراً لهم في الحقيقة ، وإن أريد {وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ} لم يجز أن يكون أمراً لهم ، ويجب أن يكون أمراً لنا بأن نأمرهم بذلك ونبعثهم عليه كما أمرنا بأمر الصبي/ وقد عقل الصلاة أن يفعلها لا على وجه التكليف لهم ، لكنه تكليف لنا لما فيه من المصلحة لنا ولهم بعد البلوغ ، ولا يبعد أن يكون لفظ الأمر وإن كان في الظاهر متوجهاً عليهم إلا أنه يكون في الحقيقة متوجهاً على المولى كقولك للرجل : ليخفك أهلك وولدك ، فظاهر الأمر لهم وحقيقة الأمر له بفعل ما يخافون عنده.
المسألة الرابعة : قال ابن عباس رضي الله عنهما إن رسول الله صلى الله عليه وسلّم بعث غلاماً من الأنصار إلى عمر ليدعوه فوجده نائماً في البيت فدفع الباب وسلم فلم يستيقظ عمر فعاد ورد الباب / وقام من خلفه وحركه فلم يستيقظ فقال الغلام اللهم أيقظه لي ودفع الباب ثم ناداه فاستيقظ وجلس ودخل الغلام فانكشف من عمر شيء وعرف عمر أن الغلام رأى ذلك منه فقال وددت أن الله نهى أبناءنا ونساءنا وخدمنا أن يدخلوا علينا في هذه الساعات إلا بإذن ثم انطلق معه إلى الرسول صلى الله عليه وسلّم فوجده قد نزل عليه { يَـا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لِيَسْتَـاْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـانُكُمْ} فحمد الله تعالى عمر عند ذلك فقال عليه السلام وما ذاك يا عمر ؟
فأخبره بما فعل الغلام فتعجب رسول الله صلى الله عليه وسلّم من صنعه وتعرف اسمه ومدحه ، وقال : إن الله يحب الحليم الحي العفيف المتعفف ، ويبغض البذيء الجريء السائل الملحف" فهذه الآية إحدى الآيات المنزلة بسبب عمر. وقال بعضهم : نزلت في أسماء بنت أبي مرثد قالت إنا لندخل على الرجل والمرأة ولعلهما يكونان في لحاف واحد ، وقيل دخل عليها غلام لها كبير في وقت كرهت دخوله فيه فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقالت إن خدمنا وغلماننا يدخلون علينا في حال نكرهها فنزلت الآية.
المسألة الخامسة : قال ابن عمر ومجاهد قوله : {لِيَسْتَـاْذِنكُمُ} عنى به الذكور دون الإناث لأن قوله : {الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـانُكُمْ} صيغة الذكور لا صيغة الإناث ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما هي في الرجال والنساء يستأذنون على كل حال بالليل والنهار ، والصحيح أنه يجب إثبات هذا الحكم في النساء ، لأن الإنسان كما يكره اطلاع الذكور على أحواله فقد يكره أيضاً اطلاع النساء عليها ولكن الحكم يثبت في النساء بالقياس لا بظاهر اللفظ على ما قدمناه.
جزء : 24 رقم الصفحة : 423
المسألة السادسة : من العلماء من قال الأمر في قوله : {لِيَسْتَـاْذِنكُمُ} على الندب والاستحباب ومنهم من قال إنه على الإيجاب وهذا أولى ، لما ثبت أن ظاهر الأمر للوجوب.
أما قوله تعالى : {وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ} ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ ابن عمر {الْحُلُمَ} بالسكون.
(1/3361)

المسألة الثانية : اتفق الفقهاء على أن الاحتلام بلوغ واختلفوا إذا بلغ خمس عشرة سنة ولم يحتلم فقال أبو حنيفة رحمه الله لا يكون الغلام بالغاً حتى يبلغ ثماني عشرة سنة ويستكملها وفي الجارية سبع عشرة سنة ، وقال الشافعي وأبو يوسف ومحمد رحمهم الله في الغلام والجارية خمس عشرة سنة قال أبو بكر الرازي قوله تعالى : {وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ} يدل على بطلان قول من جعل حد البلوغ خمس عشرة إذا لم يحتلم لأن الله تعالى لم يفرق بين من بلغها وبين من قصر عنها بعد أن لا يكون قد بلغ الحلم ، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلّم من جهات كثيرة : "رفع القلم عن ثلاث عن النائم حتى يستيقظ ، وعن المجنون حتى يفيق ، وعن الصبي حتى يحتلم" ولم يفرق بين من بلغ خمس عشرة سنة وبين من لم يبلغها ، فإن قيل فهذا الكلام يبطل التقدير أيضاً بثماني عشرة سنة أجاب بأنا قد علمنا بأن العادة في البلوغ خمس عشرة سنة وكل ما كان مبنياً على طريق العادات فقد تجوز الزيادة فيه والنقصان منه/ وقد وجدنا من بلغ في اثنتي عشرة سنة ، وقد بينا أن الزيادة على / المعتاد جائزة كالنقصان منه فجعل أبو حنيفة رحمه الله الزيادة كالنقصان ، وهي ثلاث سنين ، وقد حكى عن أبي حنيفة رحمه الله تسع عشرة سنة للغلام ، وهو محمول على استكمال ثماني عشرة سنة والدخول في التاسعة عشرة. حجة الشافعي رحمه الله ما روى ابن عمر أنه عرض على النبي صلى الله عليه وسلّم يوم أحد وله أربع عشرة سنة فلم يجزه وعرض عليه يوم الخندق وله خمس عشرة سنة فأجازه اعترض أبو بكر الرازي عليه فقال هذا الخبر مضطرب لأن أحداً كان في سنة ثلاث والخندق في سنة خمس فكيف يكون بينهما سنة ؟
ثم مع ذلك فإن الإجازة في القتال لا تعلق لها بالبلوغ لأنه قد يرد البالغ لضعفه ويؤذن غير البالغ لقوته ولطاقته حمل السلاح ويدل على ذلك أنه عليه الصلاة والسلام ما سأله عن الاحتلام والسن.
جزء : 24 رقم الصفحة : 423
البحث الثاني : اختلفوا في الإنبات هل يكون بلوغاً ، فأبو حنيفة وأصحابه ما جعلوه بلوغاً والشافعي رحمه الله جعله بلوغاً ، قال أبو بكر الرازي رحمه الله ظاهر قوله : {وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ} ينفي أن يكون الإنبات بلوغاً إذا لم يحتلم كما نفى كون خمس عشرة سنة بلوغاً وكذلك قوله عليه السلام "وعن الصبي حتى يحتمل" حجة الشافعي رحمه الله تعالى ما روى عطية القرظي أن النبي صلى الله عليه وسلّم أمر بقتل من أنبت من قريظة واستحياء من لم ينبت قال فنظروا إلى فلم أكن قد أنبت فاستبقاني قال أبو بكر الرازي هذا الحديث لا يجوز إثبات الشرع به وبمثله لوجوه : أحدها : أن عطية هذا مجهول لا يعرف إلا من هذا الخبر لا سيما مع اعتراضه على الآية ، والخبر في نفي البلوغ إلا بالاحتلام وثانيها : أنه مختلف الألفاظ ففي بعضها أنه أمر بقتل من جرت عليه الموسى ، وفي بعضها من اخضر عذاره ومعلوم أنه لا يبلغ هذه الحال إلا وقد تقدم بلوغه ولا يكون قد جرت عليه الموسى إلا وهو رجل كبير ، فجعل الإنبات وجرى الموسى عليه كناية عن بلوغ القدر الذي ذكرنا من السن وهي ثماني عشرة سنة فأكثر وثالثها : أن الإنبات يدل على القوة البدنية فالأمر بالقتل لذاك لا للبلوغ ، قال الشافعي رحمه الله هذه الاحتمالات مردودة بما روي أن عثمان بن عفان رضي الله عنه سئل عن غلام فقال هل اخضر عذاره ؟
وهدا يدل على أن ذلك كان كالأمر المتفق عليه فيما بين الصحابة.
البحث الثالث : ويروى عن قوم من السلف أنهم اعتبروا في البلوغ أن يبلغ الإنسان في طوله خمسة أشبار ، روي عن علي عليه السلام أنه قال إذا بلغ الغلام خمسة أشبار فقد وقعت عليه الحدود ويقتص له ويقتص منه ، وعن ابن سيرين عن أنس قال أتى أبو بكر بغلام قد سرق فأمر به فشبر فنقص أنملة فخلى عنه ، وهذا المذهب أخذ به الفرزدق في قوله :
ما زال مذ عقدت يداه إزاره
وسما فأدرك خمسة الأشبار
وأكثر الفقهاء لا يقولون بهذا المذهب ، لأن الإنسان قد يكون دون البلوغ ويكون طويلاً ، وفوق البلوغ ويكون قصيراً فلا عبرة به.
(1/3362)

/ المسألة الثالثة : قال أبو بكر الرازي دلت هذه الآية على أن من لم يبلغ ، وقد عقل يؤمر بفعل الشرائع وينهى عن ارتكاب القبائح فإن الله أمرهم بالاستئذان في هذه الأوقات ، وقال عليه السلام : "مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم عليها وهم أبناء عشر" وعن ابن عمر رضي الله عنه قال نعلم الصبي الصلاة إذا عرف يمينه من شماله ، وعن زين العابدين أنه كان يأمر الصبيان أن يصلوا الظهر والعصر جميعاً والمغرب والعشاء جميعاً ، فقيل له يصلون الصلاة لغير وقتها فقال خير من أن يتناهوا عنها ، وعن ابن مسعود رض الله عنه إذا بلغ الصبي عشر سنين كتبت له الحسنات ولا تكتب عليه السيئات حتى يحتلم/ ثم قال أبو بكر الرازي إنما يؤمر بذلك على وجه التعليم وليعتاده ويتمرن عليه فيكون أسهل عليه بعد البلوغ وأقل نفوراً منه ، وكذلك يجنب شرب الخمر ولحم الخنزير وينهى عن سائر المحظورات لأنه لو لم يمنع منه في الصغر لصعب عليه الامتناع بعد الكبر ، وقال الله تعالى : {قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} (التحريم : 6) قيل في التفسير أدبوهم وعلموهم.
جزء : 24 رقم الصفحة : 423
المسألة الرابعة : قال الأخفش : يقال في الحلم حلم الرجل بفتح اللام ، يحلم حلماً بضم اللام ، ومن الحلم حلم بضم اللام ، يحلم حلماً بكسر اللام.
أما قوله تعالى : {ثَلَـاثَ مَراَّتٍا مِّن قَبْلِ صَلَواةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنا بَعْدِ صَلَواةِ الْعِشَآءِا ثَلَـاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قوله : {ثَلَـاثَ مَراَّتٍ } يعني ثلاث أوقات ، لأنه تعالى فسرهن بالأوقات ، وإنما قيل ثلاث مرات للأوقات لأنه أراد مرة في كل وقت من هذه الأوقات ، لأنه يكفيهم أن يستأذنوا في كل واحد من هذه الأوقات مرة واحدة ، ثم بين الأوقات فقال : {مِّن قَبْلِ صَلَواةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنا بَعْدِ صَلَواةِ الْعِشَآءِ } ، يعني الغالب في هذه الأوقات الثلاثة أن يكون الإنسان متجرداً عن الثياب مكشوف العورة.
المسألة الثانية : قوله : {ثَلَـاثُ عَوْرَاتٍ} قرأ أهل الكوفة : {ثَالِثُ} بالنصب على البدل من قوله : {ثَلَـاثَ مَراَّتٍ } وكأنه قال في أوقات ثلاث عورات لكم ، فلما حذف المضاف أعرب المضاف إليه بإعرابه وقراءة الباقين بالرفع أي : هي ثلاث عورات فارتفع لأنه خبر مبتدأ محذوف ، قال القفال فكأن المعنى ثلاث انكشافات والمراد وقت الانكشاف.
المسألة الثالثة : العورة الخلل ومنه أعور الفارس وأعور المكان والأعور المختل العين ، فسمى الله تعالى كل واحدة من تلك الأحوال عورة ، لأن الناس يختل حفظهم وتسترهم فيها.
المسألة الرابعة : الآية دالة على أن الواجب اعتبار العلل في الأحكام إذا أمكن لأنه تعالى نبه على العلة في هذه الأوقات الثلاثة من وجهين : أحدهما : بقوله تعالى : {ثَلَـاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ } والثاني : بالتنبيه على الفرق بين هذه الأوقات الثلاثة وبين ما عداها بأنه ليس ذاك إلا لعلة التكشف في هذه الأوقات الثلاثة ، وأنه لا يؤمن وقوع التكشف فيها وليس كذلك ما عدا هذه الأوقات.
/ المسألة الخامسة : من الناس من قال إن قوله تعالى : {كَرِيمٌ * يَـا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى ا أَهْلِهَا } (النور : 27) فهذا يدل على أن الاستئذان واجب في كل حال ، وصار ذلك منسوخاً بهذه الآية في غير هذه الأحوال الثلاثة ، ومن الناس من قال الآية الأولى أريد بها المكلف لأنه خطاب لمن آمن ، وما ذكره الله تعالى في هذه الآية فهو فيمن ليس بمكلف فقيل فيه إن في بعض الأحوال لا يدخل إلا بإذن ، وفي بعضها بغير إذن. فلا وجه لحمل ذلك على النسخ ، لأن ما تناولته الآية الأولى من المخاطبين لم تتناوله الآية الثانية أصلاً ، فإن قيل بتقدير أن يكون قوله تعالى : {الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـانُكُمْ} يدخل فيه من قد بلغ فالنسخ لازم ، قلنا لا يجب ذلك أيضاً ، لأن قوله : {كَرِيمٌ * يَـا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ} لا يدخل إلا من يملك البيوت لحق هذه الإضافة ، وإذا صح ذلك لم يدخل تحت العبيد والإماء ، فلا يجب النسخ أيضاً على هذا القول ، فأما إن حمل الكلام على صغار المماليك فالقول فيه أبين.
جزء : 24 رقم الصفحة : 423
(1/3363)

المسألة السادسة : قال أبو حنيفة رحمه الله : لم يصر أحد من العلماء إلى أن الأمر بالاستئذان منسوخ. وروى عطاء عن ابن عباس أنه قال : ثلاث آيات من كتاب الله تركهن الناس ولا أرى أحداً يعمل بهن ، قال عطاء حفظت اثنتين ونسيت واحدة ، وقرأ هذه الآية وقوله : { يَـا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَـاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى } (الحجرات : 13) وذكر سعيد بن جبير أن الآية الثالثة قوله : {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُوا الْقُرْبَى } (النساء : 8) الآية.
أما قوله تعالى : {لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحُا بَعْدَهُنَّا طَواَّفُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ } ففيه سؤالات :
السؤال الأول : أتقولون في قوله : {لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحُ } أنه يقتضي الإباحة على كل حال ؟
الجواب : قد بينا أن ذلك هو في الصغار خاصة ، فمباح لهم الدخول للخدمة بغير الإذن في غير الأوقات الثلاثة ، ومباح لنا تمكينهم من ذلك والدخول عليهم أيضاً.
السؤال الثاني : فهل يقتضي ذلك إباحة كشف العورة لهم ؟
الجواب : لا وإنما أباح الله تعالى ذلك من حيث كانت العادة أن لا تكشف العورة في غير تلك الأوقات ، فمتى كشفت المرأة عورتها مع ظن دخول الخدم إليها فذلك يحرم عليها ، فإن كان الخادم ممن يتناوله التكليف فيحرم عليه الدخول أيضاً إذا ظن أن هناك كشف عورة ، فإن قيل أليس من الناس من جوز للبالغ من المماليك أن ينظر إلى شعر مولاته ؟
قلنا من جوز ذلك أخرج الشعر من أن يكون عورة لحق الملك ، كما يخرج من أن يكون عورة لحق الرحم ، إذ العورة تنقسم ففيه ما يكون عورة على كل حال. وفيه ما يختلف حاله بالإضافة فيكون عورة مع الأجنبي غير عورة غيره على ما تقدم ذكره.
السؤال الثالث : أتقولون هذه الإباحة مقصورة على الخدم دون غيرهم ؟
الجواب : نعم / وفي قوله : {لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحُا بَعْدَهُنَّ } دلالة عى أن هذا الحكم يختص بالصغار دون البالغين على ما تقدم ذكره وقد نص تعالى على ذلك من بعد فقال : {وَإِذَا بَلَغَ الاطْفَـالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَـاْذِنُوا كَمَا اسْتَـاْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } والمراد من تجدد منه البلوغ يجب أن يكون بمنزلة من تقدم بلوغه في وجوب الاستئذان ، فهذا معنى قوله : {كَمَا اسْتَـاْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } وقد يجوز أن يظن ظان أن من خدم في حال الصغر ، فإذا بلغ يجوز له أن لا يستأذن ويفارق حاله حال من لم يخدم ولم يملك ، فبين تعالى أنه كما حظر على البالغين الدخول إلا بالاستئذان فكذلك على هؤلاء إذا بلغوا وإن تقدمت لهم خدمة أو ثبت فيهم ملك لهن.
جزء : 24 رقم الصفحة : 423
السؤال الرابع : الأمر بالاستئذان هل هو مختص بالمملوك ومن لم يبلغ الحلم أو يتناول الكل من ذوي الرحم ؟
والأجنبي أيضاً لو كان المملوك من ذوي الرحم هل يجب عليه الاستئذان ؟
الجواب : أما الصورة الأولى فنعم ، إما لعموم قوله تعالى : {لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا } (النور : 27) أو بالقياس على المملوك ، ومن لم يبلغ الحلم بطريق الأولى ، وأما الصورة الثانية فيجب عليه الاستئذان لعموم الآية.
السؤال الخامس : ما محل {لَيْسَ عَلَيْكُمْ} ؟
الجواب : إذا رفعت {ثَلَـاثُ عَوْرَاتٍ} كان ذلك في محل الرفع على الوصف ، والمعنى هن ثلاث عورات مخصوصة بالاستئذان ، وإذا نصبت لم يكن له محل ، وكان كلاماً مقرراً للأمر بالاستئذان في تلك الأحوال خاصة.
السؤال السادس : ما معنى قوله : {طَواَّفُونَ عَلَيْكُم} ؟
الجواب : قال الفراء والزجاج إنه كلام مستأنف كقولك في الكلام إنما هم خدمكم وطوافون عليكم ، والطوافون الذين يكثرون الدخول والخروج والتردد ، وأصله من الطواف ، والمعنى يطوف بعضكم على بعض بغير إذن.
السؤال السابع : بم ارتفع {بَعْضِكُم} ؟
الجواب : بالابتداء وخبره {عَلَى بَعْضٍ } على معنى طائف على بعض ، وإنما حذف لأن {طَواَّفُونَ} يدل عليه.
أما قوله : {وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَآءِ الَّـاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا} ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قال ابن السكيت : امرأة قاعد إذا قعدت عن الحيض والجمع قواعد ، وإذا أردت القعود قلت قاعدة ، وقال المفسرون : القواعد هن اللواتي قعدن عن الحيض والولد من الكبر ولا مطمع لهن في الأزواج ، والأولى أن لا يعتبر قعودهن عن الحيض لأن ذلك ينقطع والرغبة فيهن باقية ، فالمراد قعودهن عن حال الزوج ، وذلك لا يكون إلا إذا بلغن في السن بحيث لا يرغب فيهن الرجال.
المسألة الثانية : قوله تعالى في النساء : {لا يَرْجُونَ} كقوله : {إِلا أَن يَعْفُونَ} (البقرة : 237).
(1/3364)

المسألة الثالثة : لا شبهة أنه تعالى لم يأذن في أن يضعن ثيابهن أجمع لما فيه من كشف كل عورة ، فلذلك قال المفسرون : المراد بالثياب ههنا الجلباب والبرد والقناع الذي فوق الخمار ، وروي / عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأ {أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ} وعن السدي عن شيوخه (أن يضعن خمرهن رؤوسهن) وعن بعضهم أنه قرأ (أن يضعن من ثيابهن) ، وإنما خصهن الله تعالى بذلك لأن التهمة مرتفعة عنهن ، وقد بلغن هذا المبلغ فلو غلب على ظنهن خلاف ذلك لم يحل لهن وضع الثياب ولذلك قال : {وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ } وإنما جعل ذلك أفضل من حيث هو أبعد من المظنة وذلك يقتضي أن عند المظنة يلزمهن أن لا يضعن ذلك كما يلزم مثله في الشابة.
جزء : 24 رقم الصفحة : 423
المسألة الرابعة : حقيقة التبرج تكلف إظهار ما يجب إخفاؤه من قولهم سفينة بارج لا غطاء عليها ، والبرج سعة العين التي يرى بياضها محيطاً بسوادها كله ، لا يغيب منه شيء إلا أنه اختص بأن تنكشف المرأة للرجال بإبداء زينتها وإظهار محاسنها.
جزء : 24 رقم الصفحة : 423
428
اعلم أن في الآية مسائل :
المسألة الأولى : اختلفوا في المراد من رفع الحرج عن الأعمى والأعرج والمريض فقال / ابن زيد : المراد أنه لا حرج عليهم ولا إثم في ترك الجهاد ، وقال الحسن نزلت الآية في ابن أم مكتوم وضع الله الجهاد عنه وكان أعمى وهذا القول ضعيف لأنه تعالى عطف عليه قوله : {أَن تَأْكُلُوا } فنبه بذلك على أنه إنما رفع الحرج في ذلك ، وقال الأكثرون المراد منه أن القوم كانوا يحظرون الأكل مع هؤلاء الثلاثة وفي هذه المنازل ، فالله تعالى رفع ذلك الحظر وأزاله ، واختلفوا في أنهم لأي سبب اعتقدوا ذلك الحظر ، أما في حق الأعمى والأعرج والمريض فذكروا فيه وجوهاً : أحدها : أنهم كانوا لا يأكلون مع الأعمى لأنه لا يبصر الطعام الجيد فلا يأخذه ، ولا مع الأعرج لأنه لا يتمكن من الجلوس فإلى أن يأكل لقمة يأكل غيره لقمتين ، وكذا المريض لأنه لا يتأتى له أن يأكل كما يأكل الصحيح ، قال الفراء : فعلى هذا التأويل تكون (على) بمعنى في يعني ليس عليكم في مواكلة هؤلاء حرج وثانيها : أن العميان والعرجان والمرضى تركوا مواكلة الأصحاء ، أما الأعمى فقال إني لا أرى شيئاً فربما آخذ الأجود وأترك الأردأ ، وأما الأعرج والمريض فخافا أن يفسدا الطعام على الأصحاء لأمور تعتري المرضى ، ولأجل أن الأصحاء يتكرهون منهم ولأجل أن المريض ربما حمله الشره على أن يتعلق نظره وقلبه بلقمة الغير ، وذلك مما يكرهه ذلك الغير فلهذه الأسباب احترزوا عن مواكلة الأصحاء ، فالله تعالى أطلق لهم في ذلك وثالثها : روى الزهري عن سعيد بن المسيب وعبيد الله بن عبدالله في هذه الآية أن المسلمين كانوا إذا غزوا خلفوا زمناهم وكانوا يسلمون إليهم مفاتيح أبوابهم ويقولون لهم قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما في بيوتنا فكانوا يتحرجون من ذلك قالوا لا ندخلها وهم غائبون ، فنزلت هذه الآية رخصة لهم وهذا قول عائشة رضي الله عنها فعلى هذا معنى الآية نفي الحرج عن الزمنى في أكلهم من بيت من يدفع إليهم المفتاح إذا خرج إلى الغزو ورابعها : نقل عن ابن عباس ومقاتل بن حيان نزلت هذه الآية في الحارث بن عمرو وذلك أنه خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم غازياً وخلف بن مالك بن زيد على أهله فلما رجع وجده مجهوداً فسأله عن حاله فقال تحرجت أن آكل من طعامك بغير إذنك ، وأما في حق سائر الناس فذكروا وجهين : الأول : كان المؤمنون يذهبون بالضعفاء وذوي العاهات إلى بيوت أزواجهم وأولادهم وقراباتهم وأصدقائهم فيطعمونهم منها ، فلما نزل قوله تعالى :
جزء : 24 رقم الصفحة : 428
{لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَـاطِلِ إِلا أَن تَكُونَ تِجَـارَةً} (النساء : 29) أي بيعاً فعند ذلك امتنع الناس أن يأكل بعضهم من طعام بعض فنزلت هذه الآية الثاني : قال قتادة : كانت الأنصار في أنفسها قزازة وكانت لا تأكل من هذه البيوت إذا استغنوا/ قال السدي كان الرجل يدخل بيت أبيه أو بيت أخيه أو أخته فتتحفه المرأة بشيء من الطعام فيتحرج ، لأنه ليس ثم رب البيت. فأنزل الله تعالى هذه الرخصة.
المسألة الثانية : قال الزجاج الحرج في اللغة الضيق ومعناه في الدين الإثم.
(1/3365)

المسألة الثالثة : أنه سبحانه أباح الأكل للناس من هذه المواضع وظاهر الآية يدل على / أن إباحة الأكل لا تتوقف على الاستئذان ، واختلف العلماء فيه فنقل عن قتادة أن الأكل مباح ولكن لا يجمل ، وجمهور العلماء أنكروا ذلك ثم اختلفوا على وجوه : الأول : كان ذلك في صدر الإسلام ثم نسخ لك بقوله عليه الصلاة والسلام : "لا يحل مال امرىء مسلم إلا عن طيب نفس منه" ومما يدل على هذا النسخ قوله : {لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِىِّ إِلا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَـاظِرِينَ إِنَـاـاهُ} (الأحزاب : 53) وكان في أزواج النبي صلى الله عليه وسلّم من لهن الآباء والأخوة والأخوات ، فعم بالنهي عن ذهول بيوتهن إلا بعد الإذن في الدخول وفي الأكل ، فإن قيل إنما أذن تعالى في هذا لأن المسلمين لم يكونوا يمنعون قراباتهم هؤلاء من أن يأكلوا من بيوتهم حضروا أو غابوا ، فجاز أن يرخص في ذلك ، قلنا لو كان الأمر كذلك لم يكن لتخصيص هؤلاء الأقارب بالذكر معنى لأن غيرهم كهم في ذلك الثاني : قال أبو مسلم الأصفهاني : المراد من هؤلاء الأقارب إذا لم يكونوا مؤمنين ، وذلك لأنه تعالى نهى من قبل عن مخالطتهم بقوله : {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الاخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ اللَّهَ وَرَسُولَه } (المجادلة : 22) ثم إنه سبحانه أباح في هذه الآية ما حظره هناك ، قال ويدل عليه أن في هذه السورة أمر بالتسليم على أهل البيوت فقال : {حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى ا أَهْلِهَا } (النور : 27) وفي بيوت هؤلاء المذكورين لم يأمر بذلك ، بل أمر أن يسلموا على أنفسهم ، والحاصل أن المقصود من هذه الآية إثبات الإباحة في الجملة ، لا إثبات الإباحة في جميع الأقات الثالث : أنه لما علم بالعادة أن هؤلاء القوم تطيب أنفسهم بأكل من يدخل عليهم والعادة كالإذن في ذلك ، فيجوز أن يقال خصهم الله بالذكر ، لأن هذه العادة في الأغلب توجد فيهم ولذلك ضم إليهم الصديق ، ولما علمنا أن هذه الإباحة إنما حصلت في هذه الصورة لأجل حصول الرضا فيها ، فلا حاجة إلى القول بالنسخ.
جزء : 24 رقم الصفحة : 428
المسألة الرابعة : أن الله تعالى ذكر أحد عشر موضعاً في هذه الآية أولها : قوله : {وَلا عَلَى ا أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِنا بُيُوتِكُمْ} وفيه سؤال وهو أن يقال أي فائدة في إباحة أكل الإنسان طعامه في بيته ؟
وجوابه المراد في بيوت أزواجكم وعيالكم أضافه إليهم ، لأن بيت المرأة كبيت الزوج ، وهذا قول الفراء. وقال ابن قتيبة : أراد بيوت أولادهم فنسب بيوت الأولاد إلى الآباء لأن الولد كسب والده وماله كماله ، قال عليه السلام : "إن أطيب ما يأكل الرجل من كسبه ، وإن ولده من كسبه" والدليل على هذا أنه سبحانه وتعالى عدد الأقارب ولم يذكر الأولاد لأنه إذا كان سبب الرخصة هو القرابة كان الذي هو أقرب منهم أولى وثانيها : بيوت الآباء وثالثها : بيوت الأمهات ورابعها : بيوت الإخوان وخامسها : بيوت الأخوات وسادسها : بيوت الأعمام وسابعها : بيوت العمات وثامنها : بيوت الأخوال وتاسعها : بيوت الخالات وعاشرها : قوله تعالى : {أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَه } وقرىء وفيه وجوه : الأول : قال ابن عباس رضي الله عنهما : وكيل الرجل وقيمه في ضيعته وماشيته ، لا بأس عليه أن يأكل من ثمر / ضيعته ، ويشرب من لبن ماشيته ، وملك المفاتح كونها في يده وفي حفظه الثاني : قال الضحاك : يريد الزمنى الذين كانوا يحرسون للغزاة الثالث : المراد بيوت المماليك لأن مال العبد لمولاه قال الفضل المفاتح واحدها مفتح بفتح الميم ، وواحد المفاتيح مفتح بالكسر الحادي عشر : قوله : {مَّفَاتِحَه ا أَوْ صَدِيقِكُمْ } والمعنى أو بيوت أصدقائكم ، والصديق يكون واحداً وجمعاً ، وكذلك الخليط والقطين والعدو ويحكى عن الحسن أنه دخل داره وإذا حلقة من أصدقائه وقد (أخرجوا) سلالاً من تحت سريره فيها الخبيص وأطايب الأطعمة وهم مكبون عليها يأكلون ، فتهللت أسارير وجهه سروراً وضحك وقال هكذا وجدناهم يريد كبراء الصحابة. وعن ابن عباس رضي الله عنهما : الصديق أكثر من الوالدين ، لأن أهل الجنة لما استغاثوا لم يستغيثوا بالآباء والأمهات بل بالأصدقاء ، فقالوا مالنا من شافعين ولا صديق حميم ، وحكي أن أخاً للربيع بن خيثم في الله دخل منزله في حال غيبته فانبسط إلى جاريته حتى قدمت إليه ما أكل ، فلما عاد أخبرته بذلك ، فلسروره بذلك قال إن صدقت فأنت حرة.
المسألة الخامسة : احتج أبو حنيفة رحمه الله بهذه الآية على أن من سرق من ذي رحم محرم أنه لا يقطع لإباحة الله تعالى بهذه الآية الأكل من بيوتهم ودخولها بغير إذنهم ، فلا يكون ماله محرزاً منهم ، فإن قيل فيلزم أن لا يقطع إذا سرق من مال صديقه ، قلنا من أراد سرقة ماله لا يكون صديقاً له.
جزء : 24 رقم الصفحة : 428
(1/3366)

أما قوله تعالى : {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا } فقال أكثر المفسرين : نزلت الآية في بني ليث بن عمرو وهم حي من كنانة ، كان الرجل منهم لا يأكل وحده يمكث يومه فإن لم يجد من يؤاكله لم يأكل شيئاً ، وربما كانت معه الإبل الحفل فلا يشرب من ألبانها حتى يجد من يشاربه ، فأعلم الله تعالى أن الرجل إذا أكل وحده لا حرج عليه ، هذا قول ابن عباس رضي الله عنهما ، وقال عكرمة وأبو صالح رحمهما الله : كانت الأنصار إذا نزل بواحد منهم ضيف لم يأكل إلا وضيفه معه ، فرخص الله لهم أن يأكلوا كيف شاءوا مجتمعين ومتفرقين. وقال الكلبي : كانوا إذا اجتمعوا ليأكلوا طعاماً عزلوا للأعمى طعاماً على حدة ، وكذلك للزمن والمريض ، فبين الله لهم أن ذلك غير واجب ، وقال آخرون : كانوا يأكلون فرادى خوفاً من أن يحصل عند الجمعية ما ينفر أو يؤذي ، فبين الله تعالى أنه غير واجب وقوله : {جَمِيعًا} نصب على الحال جمع شت وشتى جمع شتيت وشتان تثنية شت قاله المفضل وقيل الشت مصدر بمعنى التفرق ثم يوصف به ويجمع.
أما قوله تعالى : {أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى ا أَنفُسِكُمْ} فالمعنى أنه تعالى جعل أنفس المسلمين كالنفس الواحدة على مثال قوله تعالى : {وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ } (النساء : 29) قال ابن عباس : فإن لم يكن أحد فعلى نفسه ليقل السلام علينا من قبل ربنا ، وإذا دخل المسجد فليقل السلام على رسول الله وعلينا من ربنا. قال قتادة : وحدثنا أن الملائكة ترد عليه. قال القفال : وإن كان في البيت أهل الذمة / فليقل السلام على من اتبع الهدى وقوله {تَحِيَّةً} نصب على المصدر ، كأنه قال : فحيوا تحية من عند الله ، أي مما أمركم الله به. قال ابن عباس رضي الله عنهما : من قال السلام عليكم معناه اسم الله عليكم وقوله : {مُبَـارَكَةً طَيِّبَةً } قال الضحاك : معنى البركة فيه تضعيف الثواب وقال الزجاج : أعلم الله سبحانه أن السلام مبارك ثابت لما فيه من الأجر والثواب وأنه إذا أطاع الله فيه أكثر خيره وأجزل أجره {كَذَالِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الايَـاتِ } أي يفصل الله شرائعه لكم {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} لتفهموا عن الله أمره ونهيه ، وروى حميد عن أنس قال : "خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلّم عشر سنين فما قال لي في شيء فعلته لم فعلته ولا قال لي في شيء تركته لم تركته/ وكنت واقفاً على رأس النبي صلى الله عليه وسلّم أصب الماء على يديه فرفع رأسه إلي وقال : ألا أعلمك ثلاث خصال تنتفع بهن ؟
قلت بأبي وأمي أنت يا رسول الله بلى ، فقال من لقيت من أمتي فسلم عليهم يطل عمرك ، وإذا دخلت بيتاً فسلم عليهم يكثر خير بيتك ، وصل صلاة الضحى فإنها صلاة (الأبرار) الأوابين".
جزء : 24 رقم الصفحة : 428
428
وفي الآية مسائل :
/ المسألة الأولى : قرىء {عَلَى ا أَمْرٍ جَامِعٍ} ثم ذكروا في قوله {عَلَى ا أَمْرٍ جَامِعٍ} وجوهاً : أحدها : أن الأمر الجامع هو الأمر الموجب للاجتماع عليه فوصف الأمر بالجمع على سبيل المجاز ، وذلك نحو مقاتلة عدو أو تشاور في خطب مهم أو الأمر الذي يعم ضرره ونفعه وفي قوله : {وَإِذَا كَانُوا مَعَه عَلَى ا أَمْرٍ جَامِعٍ} إشارة إلى أنه خطب جليل لا بد لرسول صلى الله عليه وسلّم من أرباب التجارب والآراء ليستعين بتجاربهم فمفارقة أحدهم في هذه الحالة مما يشق على قلبه وثانيها : عن الضحاك في أمر جامع الجمعة والأعياد وكل شيء تكون فيه الخطبة وثالثها : عن مجاهد في الحرب وغيره.
المسألة الثانية : اختلفوا في سبب نزوله قال الكلبي : كان صلى الله عليه وسلّم يعرض في خطبته بالمنافقين ويعيبهم فينظر المنافقون يميناً وشمالاً فإذا لم يرهم أحد انسلوا وخرجوا ولم يصلوا ، وإن أبصرهم أحد ثبتوا وصلوا خوفاً ، فنزلت هذه الآية فكان بعد نزول هذه الآية لا يخرج المؤمن لحاجته حتى يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلّم وكان المنافقون يخرجون بغير إذن.
المسألة الثالثة : قال الجبائي هذا يدل على أن استئذانهم الرسول من إيمانهم ، ولولا ذلك لجاز أن يكونوا كاملي الإيمان وإن تركوا الاستئذان ، وذلك يدل على أن كل فرض لله تعالى واجتناب محرم من الإيمان والجواب : هذا بناء على أن كلمة {إِنَّمَا} للحصر وأيضاً فالمنافقون إنما تركوا الاستئذان استخفافا ولا نزاع في أنه كفر.
جزء : 24 رقم الصفحة : 428
أما قوله تعالى : {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَـاْذِنُونَكَ} إلى قوله : {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} ففيه مسائل :
(1/3367)

المسألة الأولى : {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَـاْذِنُونَكَ} المعنى تعظيماً لك ورعاية للأدب {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَـاْذِنُونَكَ أولئك الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِه } أي يعملون بموجب الإيمان ومقتضاه ، قال الضحاك ومقاتل : المراد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وذلك لأنه استأذن في غزوة تبوك في الرجوع إلى أهله فأذن له وقال له انطلق فوالله ما أنت بمنافق يريد أن يسمع المنافقين ذلك الكلام ، فلما سمعوا ذلك قالوا ما بال محمد إذا استأذنه أصحابه أذن لهم ، وإذا استأذناه لم يأذن لنا فوالله ما نراه يعدل ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما إن عمر استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلّم في العمرة فأذن له ، ثم قال يا أبا حفص لا تنسنا من صالح دعائك ، وفي قوله : {وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ } وجهان : أحدهما : أن يستغفر لهم تنبيهاً على أن الأولى أن لا يقع الاستئذان منهم وإن أذن/ لأن الاستغفار يدل على الذنب وربما ذكر عند بعض الرخص الثاني : يحتمل أنه تعالى أمره بأن يستغفر لهم مقابلة على تمسكهم بآداب الله تعالى في الاستئذان.
المسألة الثانية : قال قتادة نسخت هذه الآية قوله تعالى : {لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} (التوبة : 43).
المسألة الثالثة : الآية تدل على أنه سبحانه فوض إلى رسوله بعض أمر الدين ليجتهد فيه برأيه.
أما قوله تعالى : {لا تَجْعَلُوا دُعَآءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُم بَعْضًا } ففيه وجوه : أحدها : وهو اختيار المبرد والقفال ، ولا تجعلوا أمره إياكم ودعاءه لكم كما يكون من بعضكم لبعض إذ كان / أمره فرضاً لازماً ، والذي يدل على هذا قوله عقيب هذا {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِه } وثانيها : لا تنادوه كما ينادي بعضكم بعضاً يا محمد ، ولكن قولوا يا رسول الله يا نبي الله ، عن سعيد بن جبير وثالثها : لا ترفعوا أصواتكم في دعائه وهو المراد من قوله : {إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ} (الحجرات : 3) عن ابن عباس ورابعها : احذروا دعاء الرسول عليكم إذا أسخطتموه فإن دعاءه موجب ليس كدعاء غيره ، والوجه الأول أقرب إلى نظم الآية.
جزء : 24 رقم الصفحة : 428
أما قوله تعالى : {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا } فالمعنى (يتسللون) قليلاً قليلاً ، ونظير تسلل تدرج وتدخل ، واللواذ : الملاوذة وهي أن يلوذ هذا بذاك وذاك بهذا ، يعني (يتسللون) عن الجماعة (على سبيل الخفية) واستتار بعضهم ببعض ، و(لواذاً) حال أي ملاوذين وقيل كان بعضهم يلوذ بالرجل إذا استأذن فيؤذن له فينطلق الذي لم يؤذن له معه ، وقرىء {لِوَاذًا } بالفتح ثم اختلفوا على وجوه : أحدها : قال مقاتل : كان المنافقون تثقل عليهم خطبة النبي صلى الله عليه وسلّم يوم الجمعة فيلوذون ببعض أصحابه ويخرجون من غير استئذان وثانيها : قال مجاهد يتسللون من الصف في القتال وثالثها : قال ابن قتيبة هذا كان في حفر الخندق ورابعها : يتسللون عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم وعن كتابه وعن ذكره ، وقوله : {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ} معناه التهديد بالمجازاة.
أما قوله : {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِه } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قال الأخفش (عن) صلة والمعنى يخالفون أمره وقال غيره معناه يعرضون عن أمره ويميلون عن سنته فدخلت (عن) لتضمين المخالفة معنى الإعراض.
المسألة الثانية : كما تقدم ذكر الرسول فقد تقدم ذكر الله تعالى لكن القصد هو الرسول فإليه ترجع الكناية ، وقال أبو بكر الرازي : الأظهر أنها لله تعالى لأنه يليه ، وحكم الكناية رجوعها إلى ما يليها دون ما تقدمها.
جزء : 24 رقم الصفحة : 428
(1/3368)

المسألة الثالثة : الآية تدل على أن ظاهر الأمر للوجوب ، ووجه الاستدلال به أن نقول : تارك المأمور به مخالف لذلك الأمر ومخالف الأمر مستحق للعقاب فتارك المأمور به مستحق للعقاب ولا معنى للوجوب إلا ذلك ، إنما قلنا إن تارك المأمور به مخالف لذلك الأمر ، لأن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه ، والمخالفة ضد الموافقة فكانت مخالفة الأمر عبارة عن الإخلال بمقتضاه فثبت أن تارك المأمور به مخالف ، وإنما قلنا إن مخالف الأمر مستحق للعقاب لقوله تعالى : {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِه أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} فأمر مخالف هذا الأمر بالحذر عن العقاب ، والأمر بالحذر عن العقاب إنما يكون بعد قيام المقتضى لنزول العقاب ، فثبت أن مخالف أمر الله تعالى أو أمر رسوله قد وجد في حقه ما يقتضي نزول العذاب ، فإن قيل لا نسلم أن تارك المأمور به مخالف للأمر قوله موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه ومخالفته عبارة عن الإخلال بمقتضاه/ قلنا لا نسلم أن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه ، فما الدليل عليه ؟
ثم / إنا نفسر موافقة الأمر بتفسيرين أحدهما : أن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بما يقتضيه الأمر على الوجه الذي يقتضيه الأمر فإن الأمر لو اقتضاه على سبيل الندب ، وأنت تأتي به على سبيل الوجوب كان ذلك مخالفة للأمر الثاني : أن موافقة الأمر عبارة عن الاعتراف بكون ذلك الأمر حقاً واجب القبول فمخالفته تكون عبارة عن إنكار كونه حقاً واجب القبول ، سلمنا أن ما ذكرته يدل على أن مخالفة الأمر عبارة عن ترك مقتضاه لكنه معارض بوجوه أخر ، وهو أنه لو كان ترك المأمور به مخالفة للأمر لكان ترك المندوب لا محالة مخالفة لأمر الله تعالى ، وذلك باطل وإلا لاستحق العقاب على ما بينتموه في المقدمة الثانية ، سلمنا أن تارك المأمور به مخالف للأمر فلم قلت إن مخالف الأمر مستحق للعقاب لقوله تعالى : {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِه } ؟
قلنا لا نسلم أن هذه الآية دالة على أمر من يكون مخالفاً للأمر بالحذر بل هي دالة على الأمر بالحذر عن مخالفة الأمر ، فلم لا يجوز أن يكون كذلك ؟
سلمنا ذلك لكنها دالة على أن المخالف عن الأمر يلزمه الحذر ، فلم قلت إن مخالف الأمر لا يلزمه الحذر ؟
فإن قلت لفظة (عن) صلة زائدة فنقول الأصل في الكلام لا سيما في كلام الله تعالى أن لا يكون زائداً ، سلمنا دلالة الآية على أن مخالف أمر الله تعالى مأمور بالحذر عن العذاب ، فلم قلت إنه يجب عليه الحذر عن العذاب ؟
أقصى ما في الباب أنه ورد الأمر به لكن لم قلت إن الأمر للوجوب ؟
وهذا أول المسألة ، فإن قلت هب أنه لا يدل على وجوب الحذر لكن لا بد وأن يدل على حسن الحذر ، وحسن الحذر إنما يكون بعد قيام المقتضي لنزول العذاب قلت : لا نسلم أن حسن الحذر مشروط بقيام المقتضي لنزول العذاب بل الحذر يحسن عند احتمال نزول العذاب ولهذا يحسن الاحتياط وعندنا مجرد الاحتمال قائم لأن هذه المسألة احتمالية لا قطعية ، سلمنا دلالة الآية على وجود ما يقتضي نزول العقاب ، لكن لا في كل أمر بل في أمر واحد لأن قوله
جزء : 24 رقم الصفحة : 428
(1/3369)

{عَنْ أَمْرِه } لا يفيد إلا أمراً واحداً ، وعندما أن أمراً واحداً يفيد الوجوب ، فلم قلت إن كل أمر كذلك ؟
سلمنا أن كل أمر كذلك ، لكن الضمير في قوله : {عَنْ أَمْرِه } يحتمل عوده إلى الله تعالى وعوده إلى الرسول ، والآية لا تدل إلا على أن الأمر للوجوب في حق أحدهما ، فلم قلتم إنه في حق الآخر كذلك ؟
الجواب : قوله لم قلتم إن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه ؟
قلنا الدليل عليه أن العبد إذا امتثل أمر السيد حسن أن يقال إن هذا العبد موافق للسيد ويجري على وفق أمره ، ولو لم يمتثل أمره يقال إنه ما وافقه بل خالفه ، وحسن هذا الإطلاق معلوم بالضرورة من أهل اللغة فثبت أن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه ، قوله الموافقة عبارة عن الإتيان بما يقتضيه الأمر على الوجه الذي يقتضيه الأمر ، قلنا لما سلمتم أن موافقة الأمر لا تحصل إلا عند الإتيان بمقتضى الأمر ، فنقول لا شك أن مقتضى الأمر هو الفعل لأن قوله : افعل لا يدل إلا على اقتضاء الفعل ، وإذا لم يوجد الفعل لم يوجد مقتضى الأمر ، فلا توجد الموافقة فوجب حصول المخالفة لأنه ليس بين الموافقة والمخالفة واسطة قوله : الموافقة عبارة عن اعتقاد كون ذلك / الأمر حقاً واجب القبول ، قلنا هذا لا يكون موافقة للأمر بل يكون موافقة للدليل الدال على أن ذلك الأمر حق ، فإن موافقة الشيء عبارة عن الإتيان بما يقتضي تقرير مقتضاه ، فإذا دل على حقية الشيء كان الاعتراف بحقيته يقتضي تقرير مقتضى ذلك الدليل ، أما الأمر فلما اقتضى دخول الفعل في الوجود كانت موافقته عبارة عما يقرر ذلك الدخول وإدخاله في الوجود يقتضي تقرير دخوله في الوجود فكانت موافقة الأمر عبارة عن فعل مقتضاه. قوله لو كان كذلك لكان تارك المندوب مخالفاً فوجب أن يستحق العقاب ، قلنا هذا الإلزام إنما يصح أن لو كان المندوب مأموراً به وهو ممنوع ، قوله لم لا يجوز أن يكون قوله : {فَلْيَحْذَرِ} أمراً بالحذر عن المخالف لا أمراً للمخالف بالحذر ؟
قلنا لو كان كذلك لصار التقدير فليحذر المتسللون لواذاً عن الذين يخالفون أمره وحينئذ يبقى قوله : {أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} ضائعاً لأن الحذر ليس فعلاً يتعدى إلى مفعولين. قوله كلمة (عن) ليست بزائدة ، قلنا ذكرنا اختلاف الناس فيها في المسألة الأولى. قوله لم قلتم إن قوله : {فَلْيَحْذَرِ} يدل على وجوب الحذر عن العقاب ؟
قلا لا ندعي وجوب الحذر ، ولكن لا أقل من جواز الحذر ، وذلك مشروط بوجود ما يقتضي وقوع العقاب. قوله لم قلت إن الآية تدل على أن كل مخالف للأمر يستحق العقاب ؟
قلنا لأنه تعالى رتب نزول العقاب على المخالفة فوجب أن يكون معللاً به ، فيلزم عمومه لعموم العلة. قوله هب أن أمر الله أو أمر رسوله للوجوب ، فلم قلتم إن الأمر كذلك ؟
قلنا لأنه لا قائل بالفرق والله أعلم.
جزء : 24 رقم الصفحة : 428
المسألة الرابعة : من الناس من قال لفظ الأمر مشترك بين الأمر القولي وبين الشأن والطريق ، كما يقال أمر فلان مستقيم. وإذا ثبت ذلك كان قوله تعالى : {عَنْ أَمْرِه } يتناول قول الرسول وفعله وطريقته ، وذلك يقتضي أن كل ما فعله عليه الصلاة والسلام يكون واجباً علينا ، وهذه المسألة مبنية على أن الكناية في قوله {عَنْ أَمْرِه } راجعة إلى النبي صلى الله عليه وسلّم ، أما لو كانت راجعة إلى الله تعالى فالبحث ساقط بالكلية ، وتمام تقرير ذلك ذكرناه في أصول الفقه ، والله أعلم.
أما قوله تعالى : {أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} فالمراد أن مخالفة الأمر توجب أحد هذين الأمرين ، والمراد بالفتنة العقوبة في الدنيا ، والعذاب الأليم عذاب الآخرة ، وإنما ردد الله تعالى حال ذلك المخالف بين هذين الأمرين لأن ذلك المخالف قد يموت من دون عقاب الدنيا وقد يعرض له ذلك في الدنيا ، فلهذا السبب أورده تعالى على سبيل الترديد ، ثم قال الحسن : الفتنة هي ظهور نفاقهم ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : القتل. وقيل : الزلازل والأهوال ، وعن جعفر بن محمد يسلط عليهم سلطان جائر.
أما قوله تعالى : {أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَالارْضِ } فذاك كالدلالة على قدرته تعالى عليهما / وعلى ما بينهما وما فيهما ، واقتداره على المكلف فيما يعامل به من المجازاة بثواب أو بعقاب ، وعلمه بما يخفيه ويعلنه ، وكل ذلك كالزجر عن مخالفة أمره.
أما قوله تعالى : {قَدْ يَعْلَمُ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ} فإنما أدخل {قَدْ} لتوكيد علمه بما هم عليه من المخالفة في الدين والنفاق. ويرجع توكيد العلم إلى توكيد الوعيد : وذلك لأن قد إذا أدخلت على المضارع كانت بمعنى ربما ، فوافقت ربما في خروجها إلى معنى التكثير. كما في قوله الشاعر :
فإن يمس مهجور الفناء فربما
أقام به بعد الوفود وفود

والخطاب والغيبة في قوله تعالى : {قَدْ يَعْلَمُ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ} يجوز أن يكونا جميعاً للمنافقين على طريق الالتفات ، ويجوز أن يكون ما أنتم عليه عاماً ويرجعون للمنافقين ، وقد تقدم في غير موضع أن الرجوع إليه هو الرجوع إلى حيث لا حكم إلا له فلا وجه لإعادته والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم
جزء : 24 رقم الصفحة : 428
431
(1/3370)

سورة الفرقان
سبع وسبعون آية مكية
جزء : 24 رقم الصفحة : 431
432
/ اعلم أن الله سبحانه وتعالى تكلم في هذه السورة في التوحيد والنبوة وأحوال القيامة ، ثم ختمها بذكر صفات العباد المخلصين الموقنين ، ولما كان إثبات الصانع وإثبات صفات جلاله يجب أن يكون مقدماً على الكل لا جرم افتتح الله هذه السورة بذلك فقال : {تَبَارَكَ الَّذِى نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِه } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قال الزجاج : تبارك : تفاعل من البركة ، والبركة كثرة الخير وزيادته وفيه معنيان : أحدهما : تزايد خيره وتكاثر ، وهو المراد من قوله : {وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَآ } (إبراهيم : 34) والثاني : تزايد عن كل شيء وتعالى عنه في ذاته وصفاته وأفعاله ، وهو المراد من قوله : {لَيْسَ كَمِثْلِه شَىْءٌ } (الشورى : 11) وأما تعاليه عن كل شيء في ذاته ، فيحتمل أن يكون المعنى جل بوجوب وجوده وقدمه عن جواز الفناء والتغير عليه ، وأن يكون المعنى جل بفردانيته ووحدانيته عن مشابهة شيء من الممكنات ، وأما تعاليه عن كل شيء في صفاته فيحتمل أن يكون المعنى جل أن يكون علمه ضرورياً أو كسبياً أو تصوراً أو تصديقاً وفي قدرته أن يحتاج إلى مادة ومدة ومثال وجلب غرض ومنال ، وأما في أفعاله فجل أن يكون الوجود والبقاء وصلاح حال الوجود إلا من قبله ، وقال آخرون : أصل الكلمة تدل على البقاء ، وهو مأخوذ من بروك البعير ، ومن بروك الطير على الماء ، وسميت البركة بركة لثبوت الماء فيها ، والمعنى أنه سبحانه وتعالى باق في ذاته أزلاً وأبداً ممتنع التغير وباق / في صفاته ممتنع التبدل ، ولما كان سبحانه وتعالى هو الخالق لوجوه المنافع والمصالح والمبقى لها وجب وصفه سبحانه بأنه تبارك وتعالى.
المسألة الثانية : قال أهل اللغة : كلمة (الذي) موضوعة للإشارة إلى الشيء عند محاولة تعريفه بقضية معلومة ، وعند هذا يتوجه الإشكال ، وهو أن القوم ما كانوا عالمين بأنه سبحانه هو الذي نزل الفرقان فكيف حسن ههنا لفظ (الذي) ؟
وجوابه : أنه لما قامت الدلالة على كون القرآن معجزاً ظهر بحسب الدليل كونه من عند الله ، فلقوة الدليل وظهوره أجراه سبحانه وتعالى مجرى المعلوم.
جزء : 24 رقم الصفحة : 432
المسألة الثالثة : لا نزاع أن الفرقان هو القرآن وصف بذلك من حيث إنه سبحانه فرق به بين الحق والباطل في نبوة محمد صلى الله عليه وسلّم وبين الحلال والحرام ، أو لأنه فرق في النزول كما قال : {وَقُرْءَانًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَه عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ} (الإسراء : 106) وهذا التأويل أقرب لأنه قال : {نَزَّلَ الْفُرْقَانَ} ولفظة (نزل) تدل على التفريق ، وأما لفظة (أنزل) فتدل على الجمع ، ولذلك قال في سورة آل عمران : {نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَا ةِ وَالانجِيلَ} (آل عمران : 3) واعلم أنه سبحانه وتعالى لما قال أولاً {تَبَارَكَ} ومعناه كثرة الخير والبركة ، ثم ذكر عقبه أمر القرآن دل ذلك على أن القرآن منشأ الخيرات وأعم البركات ، لكن القرآن ليس إلا منبعاً للعلوم والمعارف والحكم ، فدل هذا على أن العلم أشرف المخلوقات وأعظم الأشياء خيراً وبركة.
(1/3371)

المسألة الرابعة : لا نزاع أن المراد من العبد ههنا محمد صلى الله عليه وسلّم ، وعن ابن الزبير على عباده وهم رسول الله وأمته كما قال : {لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ} (الأنبياء : 10) ، {قُولُوا ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا} (البقرة : 136) ، وقوله : {لِيَكُونَ لِلْعَـالَمِينَ نَذِيرًا} فالمراد ليكون هذا العبد نذيراً للعالمين ، وقول من قال : إنه راجع إلى الفرقان فأضاف الإنذار إليه كما أضاف الهداية إليه في قوله : {إِنَّ هَـاذَا الْقُرْءَانَ يَهْدِى} (الأسراء : 9) فبعيد وذلك لأن المنذر والنذير من صفات الفاعل للتخويف ، وإذا وصف به القرآن فهو مجاز ، وحمل الكلام على الحقيقة إذا أمكن هو الواجب ، ثم قالوا هذه الآية تدل على أحكام : الأول : أن العالم كل ما سوى الله تعالى ويتناول جميع المكلفين من الجن والإنس والملائكة ، لكنا أجمعنا أنه عليه السلام لم يكن رسولاً إلى الملائكة فوجب أن يكون رسولاً إلى الجن والإنس جميعاً ، ويبطل بهذا قول من قال إنه كان رسولاً إلى البعض دون البعض الثاني : أن لفظ {الْعَـالَمِينَ} يتناول جميع المخلوقات فدلت الآية على أنه رسول للخلق إلى يوم القيامة ، فوجب أن يكون خاتم الأنبياء والرسل الثالث : قالت المعتزلة دلت الآية على أنه سبحانه أراد الإيمان وفعل الطاعات من الكل ، لأنه إنما بعثه إلى الكل ليكون نذيراً للكل ، وأراد من الكل الاشتغال بالحسن والإعراض عن القبيح وعارضهم أصحابنا بقوله تعالى : {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ} (لأعراف : 179) الآية ، الرابع : لقائل أن يقول إن قوله {تَبَـارَكَ} كما دل على كثرة الخير والبركة لا بد وأن يكون المذكور عقيبه ما يكون سبباً لكثرة الخير / والمنافع ، والإنذار يوجب الغم والخوف فكيف يليق هذا لهذا الموضع ؟
جوابه : أن هذا الإنذار يجري مجرى تأديب الولد ، وكما أنه كلما كانت المبالغة في تأديب الولد أكثر كان الإحسان إليه أكثر ، لما أن ذاك يؤدي في المستقبل إلى المنافع العظيمة ، فكذا ههنا كلما كان الإنذار كثيراً كان رجوع الخلق إلى الله أكثر ، فكانت السعادة الأخروية أتم وأكثر ، وهذا كالتنبيه على أنه لا التفات إلى المنافع العاجلة ، وذلك لأنه سبحانه لما وصف نفسه بأنه الذي يعطي الخيرات الكثيرة لم يذكر إلا منافع الدين ، ولم يذكر ألبتة شيئاً من منافع الدنيا.
جزء : 24 رقم الصفحة : 432
ثم إنه سبحانه وصف ذاته بأربع أنواع من صفات الكبرياء أولها : قوله : {الَّذِى لَه مُلْكُ السَّمَـاوَاتِ وَالارْضِ} وهذا كالتنبيه على الدلالة على وجوده سبحانه لأنه لا طريق إلى إثباته إلا بواسطة احتياج أفعاله إليه ، فكان تقديم هذه الصفة على سائر الصفات كالأمر الواجب وقوله : {لَّه مَا فِي السَّمَـاوَاتِ وَالارْضِ } إشارة إلى احتياج هذه المخلوقات إليه سبحانه بزمان حدوثها وزمان بقائها في ماهيتها وفي وجودها ، وأنه سبحانه هو المتصرف فيها كيف يشاء وثانيها : قوله : {وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا} فبين سبحانه أنه هو المعبود أبداً ، ولا يصح أن يكون غيره معبوداً ووارثاً للملك عنه فتكون هذه الصفة كالمؤكدة لقوله : {تَبَـارَكَ} ولقوله : {الَّذِى لَه مُلْكُ السَّمَـاوَاتِ وَالارْضِ} وهذا كالرد على النصارى وثالثها : قوله : {وَلَمْ يَكُن لَّه شَرِيكٌ فِى الْمُلْكِ} والمراد أنه هو المنفرد بالإلهية ، وإذا عرف العبد ذلك انقطع خوفه ورجاؤه عن الكل ، ولا يبقى مشغول القلب إلا برحمته وإحسانه. وفيه الرد على الثنوية والقائلين بعبادة النجوم والقائلين بعبادة الأوثان ورابعها : قوله : {وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ فَقَدَّرَه تَقْدِيرًا} وفيه سؤالات :
الأول : هل في قوله : {وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ} دلالة على أنه سبحانه خالق لأعمال العباد ؟
والجواب : نعم من وجهين : الأول : أن قوله : {وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ} يتناول جميع الأشياء فيتناول أفعال العباد ، والثاني : وهو أنه تعالى بعد أن نفى الشريك ذكر ذلك/ والتقدير أنه سبحانه لما نفى الشريك كأن قائلاً قال : ههنا أقوام يعترفون بنفي الشركاء والأنداد ، ومع ذلك يقولون إنهم يخلقون أفعال أنفسهم فذكر الله تعالى هذه الآية لتكون معينة في الرد عليهم ، قال القاضي الآية لا تدل عليه لوجوه : أحدها : أنه سبحانه صرح بكون العبد خالقاً في قوله : {وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْـاَةِ الطَّيْرِ} (المائدة : 110) وقال : {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَـالِقِينَ} (المؤمنون : 14) وثانيها : أنه سبحانه تمدح بذلك فلا يجوز أن يريد به خلق الفساد وثالثها : أنه سبحانه تمدح بأنه قدره تقديراً ولا يجوز أن يريد به إلا الحسن والحكمة دون غيره ، فثبت بهذه الوجوه أنه لا بد من التأويل لو دلت الآية بظاهرها عليه ، فكيف ولا دلالة فيها ألبتة ، لأن الخلق عبارة عن التقدير فهو لا يتناول إلا ما يظهر فيه التقدير ، وذلك إنما يظهر في الأجسام لا في الأعراض والجواب :
جزء : 24 رقم الصفحة : 432
(1/3372)

أما قوله : {وَإِذْ تَخْلُقُ} وقوله : {أَحْسَنُ الْخَـالِقِينَ} فهما معارضان بقوله : {اللَّهُ خَـالِقُ كُلِّ شَىْءٍ} (الزمر : 62) / وبقوله : {هَلْ مِنْ خَـالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ} (فاطر : 3) وأما قوله لا يجوز التمدح بخلق الفساد ، قلنا لم لا يجوز أن يقع التمدح به نظراً إلى تقادير القدرة وإلى أن صفة الإيجاد من العدم والإعدام من الوجود ليست إلا له ؟
وأما قوله : الخلق لا يتناول إلا الأجسام ، فنقول لو كان كذلك لكان قوله {خَـالِقُ كُلِّ شَىْءٍ} خطأ لأنه يقتضي إضافة الخلق إلى جميع الأشياء مع أنه لا يصح في العقل إضافته إليها.
السؤال الثاني : في الخلق معنى التقدير (فقوله) : {وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ فَقَدَّرَه تَقْدِيرًا} (معناه) وقدر كل شيء فقدره تقديراً ؟
والجواب : المعنى (أنه) أحدث كل شيء إحداثاً يراعي فيه التقدير والتسوية ، فقدره تقديراً وهيأه لما يصلح له ، مثاله أنه خلق الإنسان على هذا الشكل المقدر (المستوي) الذي تراه ، فقدره للتكاليف والمصالح المنوطة (به في باب) الدين والدنيا ، وكذلك كل حيوان وجماد جاء به على الجبلة المستوية المقدرة بأمثلة الحكمة والتدبير فقدره لأمر ما ومصلحة ما مطابقاً لما قدر (له) غير (متخلف) عنه.
السؤال الثالث : هل في قوله : {فَقَدَّرَه تَقْدِيرًا} دلالة على مذهبكم ؟
الجواب : نعم وذلك من وجوه : أحدها : أن التقدير في حقنا يرجع إلى الظن والحسبان ، أما في حقه سبحانه فلا معنى له إلا العلم به والإخبار عنه ، وذلك متفق عليه بيننا وبين المعتزلة ، فلما علم في الشيء الفلاني أنه لا يقع فلو وقع ذلك الشيء لزم انقلاب علمه جهلاً وانقلاب خبره الصدق كذباً ، وذلك محال والمفضي إلى المحال محال فإذن وقوع ذلك الشيء محال والمحال غير مراد فذلك الشيء غير مراد وإنه مأمور به ، فثبت أن الأمر والإرادة لا يتلازمان ، وظهر أن السعيد من سعد في بطن أمه ، والشقي من شقي في بطن أمه وثانيها : أنه عند حصول القدرة والداعية الخالصة إن وجب الفعل ، كان فعل العبد يوجب فعل الله تعالى ، وحينئذ يبطل قول المعتزلة ، وإن لم يجب فإن استغنى عن المرجح فقد وقع الممكن لا عن مرجح وتجويزه يسد باب إثبات الصانع وإن لم يستغن عن المرجح ، فالكلام يعود في ذلك المرجح ، ولا ينقطع إلا عند الانتهاء إلى واجب الوجود وثالثها : أن فعل العبد لو وقع بقدرته لما وقع إلا الشيء الذي أراد تكوينه وإيجاده ، لكن الإنسان لا يريد إلا العلم والحق فلا يحصل له إلا الجهل والباطل ، فلو كان الأمر بقدرته لما كان كذلك ، فإن قيل إنما كان لأنه اعتقد شبهة أوجبت له ذلك الجهل ، قلنا إن اعتقد تلك الشبهة لشبهة أخرى لزم التسلسل وهو محال فلا بد من الانتهاء إلى جهل أول ، ووقع في قلب الإنسان لا بسبب جهل سابق/ بل الإنسان أحدثه ابتداء من غير موجب ، وذلك محال لأن الإنسان قط لا يرضى لنفسه بالجهل ولا يحاول تحصيل الجهل لنفسه بل لا يحاول إلا العلم ، فوجب أن لا يحصل له إلا ما قصده وأراده ، وحيث لم يكن كذلك علمنا أن الكل بقضاء سار وقدر نافذ ، وهو المراد من قوله : {وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ فَقَدَّرَه تَقْدِيرًا} .
جزء : 24 رقم الصفحة : 432
435
اعلم أنه سبحانه وتعالى لما وصف نفسه بصفات الجلال والعزة والعلو أردف ذلك بتزييف مذهب عبدة الأوثان وبين نقصانها من وجوه : أحدها : أنها ليست خالقة للأشياء ، والإله يجب أن يكون قادراً على الخلق والإيجاد وثانيها : أنها مخلوقة والمخلوق محتاج ، والإله يجب أن يكون غنياً وثالثها : أنها لا تملك لأنفسها ضراً ولا نفعاً ، ومن كان كذلك فهو لا يملك لغيره أيضاً نفعاً ، ومن كان كذلك فلا فائدة في عبادته ورابعها : أنها لا تملك موتاً ولا حياة ولا نشوراً ، أي لا تقدر على الإحياء والإماتة في زمان التكليف وثانياً في زمان المجازاة ، ومن كان كذلك كيف يسمى إلهاً ؟
وكيف يحسن عبادته مع أن حق من يحق له العبادة أن ينعم بهذه النعم المخصوصة ، وههنا سؤالات :
الأول : قوله : {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِه ءَالِهَةً} هل يختص بعبدة الأوثان أو يدخل فيه النصارى وعبدة الكواكب وعبدة الملائكة ؟
والجواب : قال القاضي : بعيد أن يدخل فيه النصارى لأنهم لم يتخذوا من دون الله آلهة على الجمع ، فالأقرب أن المراد به عباد الأصنام ، ويجوز أن يدخل فيه من عبد الملائكة لأن لمعبودهم كثرة ، ولقائل أن يقول قوله {وَاتَّخَذُوا } صيغة جمع وقوله {ءَالِهَةً} جمع ، والجمع إذا قوبل بالجمع يقابل المفرد بالمفرد ، فلم يكن كون معبود النصارى واحداً مانعاً من دخوله تحت هذا اللفظ.
(1/3373)

السؤال الثاني : احتج بعض أصحابنا بقوله : {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِه ءَالِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْـاًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ} على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى فقال : إن الله تعالى عاب هؤلاء الكفار من حيث عبدوا ما لا يخلق شيئاً ، وذلك يدل على أن من خلق يستحق أن يعبد ، فلو كان العبد خالقاً لكان معبوداً إلهاً ، أجاب الكعبي عنه بأنا لا نطلق اسم الخالق إلا على الله تعالى. وقال بعض أصحابنا في الخلق إنه الإحداث لا بعلاج وفكر وتعب ، ولا يكون ذلك إلا لله تعالى ، ثم قال : وقد قال تعالى : {أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَآ } (الأعراف : 195) في وصف الأصنام أفيدل ذلك على أن كل من له رجل يستحق أن يعبد ؟
فإذا قالوا لا قيل فكذلك ما ذكرتم ، وقد قال تعالى : {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَـالِقِينَ} (المؤمنون : 14) هذا كله كلام الكعبي والجواب : قوله لا يطلق اسم الخالق على العبد ، قلنا بل يجب ذلك لأن الخلق في اللغة هو التقدير ، والتقدير يرجع إلى الظن والحسبان ، فوجب أن يكون اسم الخالق حقيقة في / العبد مجازاً في الله تعالى ، فكيف يمكنكم منع إطلاق لفظ الخالق على العبد ؟
أما قوله تعالى : {أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَآ } فالعيب إنما وقع عليهم بالعجز فلا جرم أن كل من تحقق العجز في حقه من بعض الوجوه لم يحسن عبادته. وأما قوله تعالى : {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَـالِقِينَ} فقد تقدم الكلام عليه.
جزء : 24 رقم الصفحة : 435
واعلم أن هذه الآية لا يقوى استدلال أصحابنا بها لاحتمال أن العيب لا يحصل إلا بمجموع أمرين : أحدهما أنهم ليسوا بخالقين ، والثاني أنهم مخلوقون ، والعبد وإن كان خالقاً إلا أنه مخلوق فلزم أن لا يكون إلهاً معبوداً.
السؤال الثالث : هل تدل هذه الآية على البعث ؟
الجواب : نعم لأنه تعالى ذكر النشور ومعناه أن المعبود يجب أن يكون قادراً على إيصال الثواب إلى المطيعين والعقاب إلى العصاة ، فمن لا يكون كذلك وجب أن لا يصلح للإلهية.
جزء : 24 رقم الصفحة : 435
439
/ اعلم أنه سبحانه تكلم أولاً في التوحيد ، وثانياً في الرد على عبدة الأوثان ، وثالثاً في هذه الآية تكلم في مسألة النبوة ، وحكى سبحانه شبههم في إنكار نبوة محمد صلى الله عليه وسلّم الشبهة الأولى : قولهم : {إِنْ هَـاذَآ إِلا إِفْكٌ افْتَرَاهُ} وأعانه عليه قوم آخرون ، ونظيره قوله تعالى : {إِنَّمَا يُعَلِّمُه بَشَرٌ } (النحل : 103) واعلم أنه يحتمل أن يريدوا به أنه كذب في نفسه ، ويحتمل أن يريدوا به أنه كذب في إضافته إلى الله تعالى ، ثم ههنا بحثان :
الأول : قال أبو مسلم : الافتراء افتعال من فريت ، وقد يقال في تقدير الأديم فريت الأديم ، فإذا أريد قطع الإفساد قيل أفريت وافتريت وخلقت واختلقت ، ويقال فيمن شتم امرءاً بما ليس فيه افترى عليه.
البحث الثاني : قال الكلبي ومقاتل : نزلت في النضر بن الحارث فهو الذي قال هذا القول {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ} يعني عداس مولى حويطب بن عبد العزى ويسار (غلام عامر) بن الحضرمي ، وجبر مولى عامر ، وهؤلاء الثلاثة كانوا من أهل الكتاب ، وكانوا يقرأون التوراة ويحدثون أحاديث منها فلما أسلموا وكان النبي صلى الله عليه وسلّم يتعهدهم ، فمن أجل ذلك قال النضر ما قال. واعلم أن الله تعالى أجاب عن هذه الشبهة بقوله : {فَقَدْ جَآءُو ظُلْمًا وَزُورًا} وفيه أبحاث :
الأول : أن هذا القدر إنما يكفي جواباً عن الشبهة المذكورة ، لأنه قد علم كل عاقل أنه عليه السلام تحداهم بالقرآن وهم النهاية في الفصاحة ، وقد بلغوا في الحرص على إبطال أمره كل غاية ، حتى أخرجهم ذلك إلى ما وصفوه به في هذه الآيات ، فلو أمكنهم أن يعارضوه لفعلوا ، ولكان ذلك أقرب إلى أن يبلغوا مرادهم فيه مما أوردوه في هذه الآية وغيرها ، ولو استعان محمد عليه السلام في ذلك بغيره لأمكنهم أيضاً أن يستعينوا بغيرهم ، لأن محمداً صلى الله عليه وسلّم كأولئك المنكرين في معرفة اللغة وفي المكنة من الاستعانة ، فلما لم يفعلوا ذلك والحالة هذه علم أن القرآن قد بلغ النهاية في الفصاحة وانتهى إلى حد الإعجاز ، ولما تقدمت هذه الدلالة مرات وكرات في القرآن وظهر بسببها سقوط هذا السؤال ، ظهر أن إعادة هذا السؤال بعد تقدم هذه الأدلة الواضحة لا يكون إلا للتمادي في الجهل والعناد ، فلذلك اكتفى الله في الجواب بقوله : {فَقَدْ جَآءُو ظُلْمًا وَزُورًا} .
جزء : 24 رقم الصفحة : 439
البحث الثاني : قال الكسائي : قوله تعالى : {فَقَدْ جَآءُو ظُلْمًا وَزُورًا} أي أتوا ظلماً وكذباً وهو كقوله : {لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْـاًا إِدًّا} فانتصب بوقوع المجيء عليه ، وقال الزجاج : انتصب بنزع الخافض ، أي جاءوا بالظلم والزور.
(1/3374)

البحث الثالث : أن الله تعالى وصف كلامهم بأنه ظلم وبأنه زور/ أما أنه ظلم فلأنهم نسبوا هذا الفعل القبيح إلى من كان مبرأ عنه ، فقد وضعوا الشيء في غير موضعه وذلك هو الظلم ، وأما الزور فلأنهم كذبوا فيه ، وقال أبو مسلم : الظلم تكذيبهم الرسول والرد عليه ، والزور كذبهم عليهم.
/ الشبهة الثانية لهم : قوله تعالى : {وَقَالُوا أَسَـاطِيرُ الاوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِىَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلا} وفيه أبحاث :
البحث الأول : الأساطير ما سطره المتقدمون كأحاديث رستم واسفنديار ، جمع أسطار أو أسطورة كأحدوثة {اكْتَتَبَهَا} انتسخها محمد من أهل الكتاب يعني عامراً ويساراً وجبراً ، ومعنى اكتتب ههنا أمر أن يكتب له كما يقال احتجم وافتصد إذا أمر بذلك {فَهِىَ تُمْلَى عَلَيْهِ} أي تقرأ عليه والمعنى أنها كتبت له وهو أمي فهي تلقي عليه من كتابه ليحفظها لأن صورة الإلقاء على الحافظ كصورة الإلقاء على الكاتب.
أما قوله : {بُكْرَةً وَأَصِيلا} قال الضحاك ما يملى عليه بكرة يقرؤه عليكم عشية ، وما يملى عليه عشية يقرؤه عليكم بكرة.
البحث الثاني : قال الحسن قوله : {فَهِىَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلا} كلام الله ذكره جواباً عن قولهم كأنه تعالى قال إن هذه الآيات تملى عليه بالوحي حالاً بعد حال ، فكيف ينسب إلى أنه أساطير الأولين ، وأما جمهور المفسرين فقد اتفقوا على أن ذلك من كلام القوم ، وأرادوا به أن أهل الكتاب أملوا عليه في هذه الأوقات هذه الأشياء ولا شك أن هذا القول أقرب لوجوه : أحدها : شدة تعلق هذا الكلام بما قبله ، فكأنهم قالوا اكتتب أساطير الأولين فهي تملى عليه وثانيها : أن هذا هو المراد بقولهم : {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ} وثالثها : أنه تعالى أجاب بعد ذلك عن كلامهم بقوله : {قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِى يَعْلَمُ السِّرَّ} قال صاحب "الكشاف" ، وقول الحسن إنما يستقيم أن لو فتحت الهمزة للاستفهام الذي في معنى الإنكار وحق الحسن أن يقف على {الاوَّلِينَ} ، وأجاب الله عن هذه الشبهة بقوله : {قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِى يَعْلَمُ السِّرَّ فِى السَّمَـاوَاتِ وَالارْضِا إِنَّه كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا} وفيه أبحاث :
جزء : 24 رقم الصفحة : 439
البحث الأول : في بيان أن هذا كيف يصلح أن يكون جواباً عن تلك الشبهة ؟
وتقريره ما قدمنا أنه عليه السلام تحداهم بالمعارضة وظهر عجزهم عنها ولو كان عليه السلام أتى بالقرآن بأن استعان بأحد لكان من الواجب عليهم أيضاً أن يستعينوا بأحد فيأتوا بمثل هذا القرآن ، فلما عجزوا عنه ثبت أنه وحي الله وكلامه ، فلهذا قال : {قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِى يَعْلَمُ السِّرَّ} وذلك لأن القادر على تركيب ألفاظ القرآن لا بد وأن يكون عالماً بكل المعلومات ظاهرها وخافيها من وجوه : أحدها : أن مثل هذه الفصاحة لا يتأتى إلا من العالم بكل المعلومات وثانيها : أن القرآن مشتمل على الإخبار عن الغيوب ، وذلك لا يتأتى إلا من العالم بكل المعلومات وثالثها : أن القرآن مبرأ عن النقص وذلك لا يتأتى إلا من العالم على ما قال تعالى : {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَـافًا كَثِيرًا} (النساء : 82) ورابعها : اشتماله على الأحكام التي هي مقتضية لمصالح العالم ونظام العباد ، وذلك لا يكون إلا من العالم بكل المعلومات وخامسها : اشتماله على أنواع العلوم وذلك لا يتأتى إلا من العالم بكل / المعلومات ، فلما دل القرآن من هذه الوجوه على أنه ليس إلا كلام بكل المعلومات لا جرم اكتفى في جواب شبههم بقوله : {قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِى يَعْلَمُ السِّرَّ} .
البحث الثاني : اختلفوا في المراد بالسر ، فمنهم من قال المعنى أن العالم بكل سر في السموات والأرض هو الذي يمكنه إنزال مثل هذا الكتاب/ وقال أبو مسلم : المعنى أنه أنزله من يعلم السر فلو كذب عليه لانتقم منه لقوله تعالى : {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الاقَاوِيلِ * لاخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ} (الحاقة : 44) وقال آخرون : المعنى أنه يعلم كل سر خفي في السموات والأرض ، ومن جملته ما تسرونه أنتم من الكيد لرسوله مع علمكم بأن ما يقوله حق ضرورة ، وكذلك باطن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلّم وبراءته مما تتهمونه به ، وهو سبحانه مجازيكم ومجازيه على ما علم منكم وعلم منه.
البحث الثالث : إنما ذكر الغفور الرحيم في هذا الموضع لوجهين : الأول : قال أبو مسلم المعنى أنه إنما أنزله لأجل الإنذار فوجب أن يكون غفوراً رحيماً غير مستعجل في العقوبة الثاني : أنه تنبيه على أنهم استوجبوا بمكايدتهم هذه أن يصب عليهم العذاب صباً ولكن صرف ذلك عنهم كونه غفوراً رحيماً يمهل ولا يعجل.
جزء : 24 رقم الصفحة : 439
(1/3375)

الشبهة الثالثة : وهي في نهاية الركاكة ذكروا له صفات خمسة فزعموا أنها تخل بالرسالة إحداها : قولهم : {مَالِ هَـاذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ} وثانيتها : قولهم : {وَيَمْشِى فِى الاسْوَاقِ } يعني أنه لما كان كذلك فمن أين له الفضل علينا وهو مثلنا في هذه الأمور وثالثتها : قولهم : {لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَه نَذِيرًا} يصدقه أو يشهد له ويرد على من خالفه ورابعتها : قولهم : {أَوْ يُلْقَى ا إِلَيْهِ كَنزٌ} أي من السماء فينفقه فلا يحتاج إلى التردد لطلب المعاش وخامستها : قولهم : {أَوْ تَكُونُ لَه جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا } قرأ حمزة والكسائي {نَّأْكُلَ مِنْهَا} بالنون وقرأ الباقون بالياء والمعنى إن لم يكن لك كنز فلا أقل من أن تكون كواحد من الدهاقين فيكون لك بستان تأكل منه وسادستها : قولهم : {إِن تَتَّبِعُونَ إِلا رَجُلا مَّسْحُورًا} وقد تقدمت هذه القصة في آخر سورة بني إسرائيل فأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة من وجوه : أحدها : قوله : {انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الامْثَـالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا} وفيه أبحاث :
الأول : أن هذا كيف يصلح أن يكون جواباً عن تلك الشبهة ؟
وبيانه أن الذي يتميز الرسول به عن غيره هو المعجزة وهذه الأشياء التي ذكروها لا يقدح شيء منها في المعجزة فلا يكون شيء منها قادحاً في النبوة ، فكأنه تعالى قال انظر كيف اشتغل القوم بضرب هذه الأمثال التي لا فائدة فيها لأجل أنهم لما ضلوا وأرادوا القدح في نبوتك لم يجدوا إلى القدح فيه سبيلاً ألبتة إذ الطعن عليه إنما يكون بما يقدح في المعجزات التي ادعاها لا بهذا الجنس من القول وفيه وجه آخر وهو أنهم لما ضلوا لم يبق فيهم استطاعة قبول الحق ، وهذا إنما يصح على مذهبنا وتقريره بالعقل ظاهر ، وذلك لأن الإنسان إما أن يكون مستوى الداعي إلى الحق والباطل ، وإما أن يكون داعيته إلى أحدهما أرجح من داعيته إلى الثاني ، فإن كان الأول فحال الاستواء ممتنع الرجحان فيمتنع الفعل / وإن كان الثاني فحال رجحان أحد الطرفين يكون حصول الطرف الآخر ممتنعاً ، فثبت أن حال رجحان الضلالة في قلبه استحال منه قبول الحق ، وما كان محالاً لم يكن عليه قدرة ، فثبت أنهم لما ضلوا ما كانوا مستطيعين.
جزء : 24 رقم الصفحة : 439
441
اعلم أن هذا هو الجواب الثاني عن تلك الشبهة فقوله : {تَبَارَكَ الَّذِى إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَالِكَ} أي من الله ذكروه من نعم الدنيا كالكنز والجنة وفسر ذلك الخير بقوله : {جَنَّـاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانْهَـارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورَا } نبه بذلك سبحانه على أنه قادر على أن يعطي الرسول كل ما ذكروه ، ولكنه تعالى يدبر عباده بحسب الصالح أو على وفق المشيئة ولا اعتراض لأحد عليه في شيء من أفعاله ، فيفتح على واحد أبواب المعارف والعلوم ، ويسد عليه أبواب الدنيا ، وفي حس الآخر بالعكس وما ذاك إلا أنه فعال لما يريد ، وههنا مسائل :
المسألة الأولى : قال ابن عباس : خير من ذلك مما عيروك بفقده الجنة ، لأنهم عيروك بفقد الجنة الواحدة وهو سبحانه قادر على أن يعطيك جنات كثيرة ، وقال في رواية عكرمة : {خَيْرًا مِّن ذَالِكَ} أي من المشي في الأسواق وابتغاء المعاش.
المسألة الثانية : قوله : {إِن شَآءَ} معناه أنه سبحانه قادر على ذلك لا أنه تعالى شاك لأن الشك لا يجوز على الله تعالى ، وقال قوم : {ءَانٍ} ههنا بمعنى إذا ، أي قد جعلنا لك في الآخرة جنات وبنينا لك قصوراً وإنما أدخل إن تنبيهاً للعباد على أنه لا ينال ذلك إلا برحمته ، وأنه معلق على / محض مشيئته وأنه ليس لأحد من العباد على الله حق لا في الدنيا ولا في الآخرة.
المسألة الثالثة : القصور جماعة قصر وهو المسكن الرفيع ويحتمل أن يكون لكل جنة قصر فيكون مسكناً ومتنزهاً ، ويجوز أن يكون القصور مجموعة والجنات مجموعة. وقال مجاهد : إن شاء جعل لك جنات في الآخرة وقصوراً في الدنيا.
المسألة الرابعة : اختلف الفراء في قوله {وَيَجْعَل} فرفع ابن كثير وابن عامر وعاصم اللام وجزمه الآخرون ، فمن جزم فلأن المعنى إن شاء يجعل لك جنات ويجعل لك قصوراً ومن رفع فعلى الاستئناف والمعنى سيجعل لك قصوراً ، هذا قول الزجاج : قال الواحدي وبين القراءتين فرق في المعنى ، فمن جزم فالمعنى إن شاء يجعل لك قصوراً في الدنيا ولا يحسن الوقوف على الأنهار ، ومن رفع حسن له الوقوف على الأنهار ، واستأنف أي ويجعل لك قصوراً في الآخرة. وفي مصحف أبي وابن مسعود : (تبارك الذي إن شاء يجعل).
جزء : 24 رقم الصفحة : 441
(1/3376)

المسألة الخامسة : عن طاوس عن ابن عباس قال : "بينما رسول الله صلى الله عليه وسلّم جالس وجبريل عليه السلام عنده قال جبريل عليه السلام هذا ملك قد نزل من السماء استأذن ربه في زيارتك فلم يلبث إلا قليلاً حتى جاء الملك وسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلّم وقال : "إن الله يخيرك بين أن يعطيك مفاتيح كل شيء لم يعطها أحداً قبلك ولا يعطيه أحداً بعدك من غير أن ينقصك مما ادخر لك شيئاً ، فقال عليه السلام بل يجمعها جميعاً لي في الآخرة ، فنزل قوله تبارك الذي إن شاء" الآية ، وعن ابن عباس قال عليه السلام "عرض عليَّ جبريل بطحاء مكة ذهباً فقلت بل شبعة وثلاث جوعات" وذلك أكثر لذكري ومسألتي لربي ، وفي رواية صفوان بن سليم عن عبد الوهاب قال عليه السلام : "أشبع يوماً وأجوع ثلاثاً/ فأحمدك إذا شبعت وأتضرع إليك إذا جعت" وعن الضحاك "لما عير المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلّم بالفاقة حزن رسول الله صلى الله عليه وسلّم لذلك فنزل جبريل عليه السلام معزياً له ، وقال إن الله يقرؤك السلام ويقول : {وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ} (الفرقان : 20) الآية ، قال فبينما جبريل عليه السلام والنبي صلى الله عليه وسلّم يتحدثان إذ فتح باب من أبواب السماء لم يكن فتح قبل ذلك ، ثم قال أبشر يا محمد هذا رضوان خازن الجنة قد أتاك بالرضا من ربك فسلم عليه وقال إن ربك يخيرك بين أن تكون نبياً ملكاً وبين أن تكون نبياً عبداً ومعه سفط من نور يتلألأ ثم قال هذه مفاتيح خزائن الدنيا فاقبضها من غير أن ينقصك الله مما أعد لك في الآخرة جناح بعوضة فنظر النبي صلى الله عليه وسلّم إلى جبريل كالمستشير فأومأ بيده أن تواضع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، بل نبياً عبداً" قال فكان عليه السلام بعد ذلك لم يأكل متكئاً حتى فارق الدنيا.
أما قوله تعالى : {بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِا وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا} فهذا جواب ثالث عن تلك الشبهة كأنه سبحانه قال ليس ما تعلقوا به شبهة عيلمة في نفس المسألة ، بل الذي حملهم على تكذيبك تكذيبهم بالساعة استثقالاً للاستعداد لها ، ويحتمل أن يكون المعنى أنهم يكذبون / بالساعة فلا يرجون ثواباً ولا عقاباً ولا يتحملون كلفة النظر والفكر ، فلهذا لا ينتفعون بما يورد عليهم من الدلائل ، ثم قال : {وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا} وفيه مسائل :
جزء : 24 رقم الصفحة : 441
المسألة الأولى : قال أبو مسلم : {وَأَعْتَدْنَا} أي جعلناها عتيداً ومعدة لهم ، والسعير النار الشديدة الاستعار ، وعن الحسن أنه اسم من أسماء جهنم.
المسألة الثانية : احتج أصحابنا على أن الجنة مخلوقة بقوله تعالى : {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} (آل عمران : 133) وعلى أن النار التي هي دار العقاب مخلوقة بهذه الآية وهي قوله : {وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا} وقوله : {أَعْتَدْنَا} إخبار عن فعل وقع في الماضي ، فدلت الآية على أن دار العقاب مخلوقة قال الجبائي يحتمل وأعتدنا النار في الدنيا وبها نعذب الكفار والفساق في قبورهم ويحتمل نار الآخرة ويكون معنى {وَأَعْتَدْنَا} أي سنعدها لهم كقوله : {وَنَادَى ا أَصْحَـابُ الْجَنَّةِ أَصْحَـابَ النَّارِ} (الأعراف : 44) واعلم أن هذا السؤال في نهاية السقوط لأن المراد من السعير ، إما نار الدنيا وإما نار الآخرة ، فإن كان الأول فإما أن يكون المراد أنه تعالى يعذبهم في الدنيا بنار الدنيا أو يعذبهم في الآخرة بنار الدنيا ، والأول باطل لأنه تعالى ما عذبهم بالنار في الدنيا ، والتالي أيضاً باطل لأنه لم يقل أحد من الأمة أنه تعالى يعذب الكفرة في الآخرة بنيران الدنيا ، فثبت أن المراد نار الآخرة وثبت أنها معدة ، وحمل الآية على أن الله سيجعلها معدة ترك للظاهر من غير دليل ، وعلى أن الحسن قال السعير اسم من أسماء جهنم فقوله : {وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا} صريح في أنه تعالى أعد جهنم.
المسألة الثالثة : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن السعيد من سعد في بطن أمه فقالوا إن الذين أعد الله تعالى لهم السعير وأخبر عن ذلك وحكم به أن صاروا مؤمنين من أهل الثواب انقلب حكم الله بكونهم من أهل السعير كذباً وانقلب بذلك علمه جهلاً ، وهذا الانقلاب محال والمؤدي إلى المحال محال فصيرورة أولئك مؤمنين من أهل الثواب محال ، فثبت أن السعيد لا ينقلب شقياً ، والشقي لا ينقلب سعيداً ، ثم إنه سبحانه وتعالى وصف السعير بصفات إحداها قوله : {إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا} وفيه مسائل :
المسألة الأولى : السعير مذكر ولكن جاء ههنا مؤنثاً لأنه تعالى قال : {رَأَتْهُم} وقال : {سَمِعُوا لَهَا} وإنما جاء مؤنثاً على معنى النار.
جزء : 24 رقم الصفحة : 441
(1/3377)

المسألة الثانية : مذهب أصحابنا أن البنية ليست شرطاً في الحياة ، فالنار على ما هي عليه يجوز أن يخلق الله الحياة والعقل والنطق فيها ، وعند المعتزلة ذلك غير جائز ، وهؤلاء المعتزلة ليس لهم في هذا الباب حجة إلا استقراء العادات ، ولو صدق ذلك لوجب التكذيب بانخراق العادات في حق الرسل ، فهؤلاء قولهم متناقض ، بل إنكار العادات لا يليق إلا بأصول الفلاسفة ، فعلى هذا قال أصحابنا قول الله تعالى في صفة النار : {إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا} يجب إجراؤه على الظاهر ، لأنه لا امتناع في أن تكون النار حية رائية مغتاظة على الكفار ، أما / المعتزلة فقد احتاجوا إلى التأويل وذكروا فيه وجوهاً : أحدها : قالوا معنى رأتهم ظهرت لهم من قولهم دورهم تتراءى وتتناظر ، وقال عليه السلام : "إن المؤمن والكافر لا تتراءى ناراهما" أي لا تتقابلان لما يجب على المؤمن من مجانبة الكافر والمشرك ، ويقال دور فلان متناظرة ، أي متقابلة وثانيها : أن النار لشدة اضطرامها وغليانها صارت ترى الكفار وتطلبهم وتتغيظ عليهم وثالثها : قال الجبائي : إن الله تعالى ذكر النار وأراد الخزنة الموكلة بتعذيب أهل النار ، لأن الرؤية تصح منهم ولا تصح من النار فهو كقوله : {وَسْـاَلِ الْقَرْيَةَ} (يوسف : 82) أراد أهلها.
المسألة الثالثة : لقائل أن يقول التغيظ عبارة عن شدة الغضب وذلك لا يكون مسموعاً ، فكيف قال الله تعالى : {سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا} ؟
والجواب عنه من وجوه : أحدها : أن التغيظ وإن لم يسمع فإنه قد يسمع ما يدل عليه من الصوت وهو كقوله : رأيت غضب الأمير على فلان إذا رأى ما يدل عليه ، وكذلك يقال في المحبة فكذا ههنا ، والمعنى سمعوا لها صوتاً يشبه صوت المتغيظ وهو قول الزجاج وثانيها : المعنى علموا لها تغيظاً وسمعوا لها زفيراً وهذا قول قطرب ، وهو كقول الشاعر : مقلداً سيفاً ورمحاً وثالثها : المراد تغيظ الخزنة.
المسألة الرابعة : قال عبيد بن عمير : إن جهنم لتزفر زفرة لا يبقى أحد إلا وترعد فرائصه حتى إن إبراهيم عليه السلام يجثو على ركبتيه ويقول نفسي نفسي.
الصفة الثانية للسعير : قوله تعالى : {وَإِذَآ أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُّقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا} واعلم أن الله سبحانه لما وصف حال الكفار حينما يكونون بالبعد من جهنم وصف حالهم عند ما يلقون فيها ، نعوذ بالله منه بما لا شيء أبلغ منه ، وفيه مسائل :
جزء : 24 رقم الصفحة : 441
المسألة الأولى : في {ضَيِّقًا} قراءتان التشديد والتخفيف وهو قراءة ابن كثير.
المسألة الثانية : نقل في تفسير الضيق أمور ، قال قتادة : ذكر لنا عبدالله بن عمر قال : "إن جهنم لتضيق على الكافر كضيق الزج على الرمح" وسئل النبي صلى الله عليه وسلّم عن ذلك فقال : "والذي نفسي بيده إنهم يستكرهون في النار كما يستكره الوتد في الحائط" قال الكلبي : الأسفلون يرفعهم اللهيب ، والأعلون يخفضهم الداخلون فيزدحمون في تلك الأبواب الضيقة ، قال صاحب "الكشاف" : الكرب مع الضيق ، كما أن الروح مع السعة ، ولذلك وصف الله الجنة بأن عرضها السموات والأرض ، وجاء في الأحاديث "إن لكل مؤمن من القصور والجنان كذا وكذا" ولقد جمع الله على أهل النار أنواع (البلاء حيث ضم إلى العذاب الشديد الضيق).
المسألة الثالثة : قالوا في تفسير قوله تعالى : {مُّقَرَّنِينَ فِى الاصْفَادِ} إن أهل النار مع ما هم فيه من العذاب الشديد والضيق الشديد/ يكونون مقرنين في السلاسل قرنت أيديهم إلى أعناقهم وقيل يقرن مع كل كافر شيطانه في سلسلة ، وفي أرجلهم الأصفاد ، ثم إنه سبحانه حكى عن أهل النار أنهم حين ما يشاهدون هذا النوع من العقاب الشديد دعوا ثبوراً ، والثبور الهلاك ، ودعاؤهم / أن يقولوا واثبوراه ، أي يقولوا يا ثبور هذا حينك وزمانك ، وروى أنس مرفوعاً : "أول من يكسى حلة من النار إبليس فيضعها على جانبيه ويسحبها من خلفه ذريته وهو يقول يا ثبوراه وينادون يا ثبورهم حتى يردوا النار".
أما قوله : {لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا} أي يقال لهم ذلك ، وهم أحقاء بأن يقال لهم ذلك وإن لم يكن ثم قول ، ومعنى {وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا} ، أنكم وقعتم فيما ليس ثبوركم منه واحداً ، إنما هو ثبور كثير ، إما لأن العذاب أنواع وألوان لكل نوع منها ثبور لشدته وفظاعته ، أو لأنهم كلما نضجت جلودهم بدلوا غيرها ، أو لأن ذلك العذاب دائم خالص عن الشوب فلهم في كل وقت من الأوقات التي لا نهاية لها ثبور ، أو لأنهم ربما يجدون بسبب ذلك القول نوعاً من الخفة ، فإن المعذب إذا صاحب وبكى وجد بسببه نوعاً من الخفة فيزجرون عن ذلك ، ويخبرون بأن هذا الثبور سيزداد كل يوم ليزداد حزنهم وغمهم نعوذ بالله منه ، قال الكلبي نزل هذا كله في حق أبي جهل والكفار الذين ذكروا تلك الشبهات.
جزء : 24 رقم الصفحة : 441
447
في الآية مسائل :
(1/3378)

المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما وصف حال العقاب المعد للمكذبين بالساعة أتبعه بما يؤكد الحسرة والندامة ، فقال لرسوله : {قُلْ أَذَالِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ} أن يلتمسوها بالتصديق والطاعة ، فإن قيل : كيف يقال العذاب خير أم جنة الخلد ، وهل يجوز أن يقول العاقل السكر أحلى أم الصبر ؟
قلنا هذا يحسن في معرض التفريع ، كما إذا أعطى السيد عبده مالاً فتمرد وأبى واستكبر فيضربه ضرباً وجيعاً ، ويقول على سبيل التوبيخ : هذا أطيب أم ذاك ؟
المسألة الثانية : احتج أصحابنا بقوله : {وُعِدَ الْمُتَّقُونَ } على أن الثواب غير واجب على الله تعالى ، لأن من قال السلطان وعد فلاناً أن يعطيه كذا ، فإنه يحمل ذلك على التفضيل ، فأما لو كان ذلك الإعطاء واجباً لا يقال إنه وعده به ، أما المعتزلة فقد احتجوا به أيضاً على مذهبهم قالوا لأنه سبحانه أثبت ذلك الوعد للموصوفين بصفة التقوى ، وترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية فكذا يدل هذا على أن ذلك الوعد إنما حصل معللاً بصفة التقوى ، والتفضيل غير مختص بالمتقين فوجب أن يكون المختص بهم واجباً.
المسألة الثالثة : قال أبو مسلم : جنة الخلد هي التي لا ينقطع نعيمها ، والخلد والخلود سواء ، كالشكر / والشكور قال الله تعالى : {لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلا شُكُورًا} (الإنسان : 9) فإن قيل : الجنة اسم لدار الثواب وهي مخلدة فأي فائدة في قوله : {جَنَّةُ الْخُلْدِ} ؟
قلنا الإضافة قد تكون للتمييز وقد تكون لبيان صفة الكمال ، كما يقال الله الخالق البارىء ، وما هنا من هذا الباب.
أما قوله : {كَانَتْ لَهُمْ جَزَآءً وَمَصِيرًا} ففيه مسائل :
المسألة الأولى : المعتزلة احتجوا بهذه الآية على إثبات الاستحقاق من وجهين : الأول : أن اسم الجزاء لا يتناول إلا المستحق ، فأما الوعد بمحض التفضيل فإنه لا يسمى جزاء ، والثاني : لو كان المراد من الجزاء الأمر الذي يصيرون إليه بمجرد الوعد فحينئذ لا يبقى بين قوله : {جَزَآءً} وبين قوله : {مَصِيرًا} تفاوت فيصير ذلك تكراراً من غير فائدة. قال أصحابنا رحمهم الله لا نزاع في كونه {جَزَآءً} ، إنما النزاع في أن كونه جزاء ثبت بالوعد أو بالاستحقاق ، وليس في الآية ما يدل على التعيين.
جزء : 24 رقم الصفحة : 447
المسألة الثانية : قالت المعتزلة الآية تدل على أن الله تعالى لا يعفو عن صاحب الكبيرة من وجهين : الأول : أن صاحب الكبيرة يستحق العقاب فوجب أن لا يكون مستحقاً للثواب ، لأن الثواب هو النفع الدائم الخالص عن شوب الضرر ، والعقاب هو الضرر الدائم الخالص عن شوب النفع ، والجمع بينهما محال ، وما كان ممتنع الوجود امتنع أن يحصل استحقاقه ، فإذن متى ثبت استحقاق العقاب وجب أن يزول استحقاق الثواب فنقول : لو عفا الله عن صاحب الكبيرة لكان إما أن يخرجه من النار ولا يدخله الجنة ، وذلك باطل بالإجماع لأنهم أجمعوا على أن المكلفين يوم القيامة ، إما أن يكونوا من أهل الجنة أو من أهل النار ، لأنه تعالى قال : {فَرِيقٌ فِى الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِى السَّعِيرِ} (الشورى : 7) وإما أن يخرجه من النار ويدخله الجنة وذلك باطل لأن الجنة حق المتقين لقوله تعالى : {كَانَتْ لَهُمْ جَزَآءً وَمَصِيرًا} فجعل الجنة لهم ومختصة بهم وبين أنها إنما كانت لهم لكونها جزاء لهم على أعمالهم فكانت حقاً لهم ، وإعطاء حق الإنسان لغيره لا يجوز/ ولما بطلت الأقسام ثبت أن العفو غير جائز أجاب أصحابنا لم لا يجوز أن يقال : المتقون يرضون بإدخال الله أهل العفو في الجنة ؟
فحينئذ لا يمتنع دخولهم فيها ، الوجه الثاني : قالوا : المتقي في عرف الشرع مختص بمن اتقى الكفر والكبائر ، وإن اختلفنا في أن صاحب الكبيرة هل يسمى مؤمناً أم لا ، لكنا اتفقنا على أنه لا يسمى متقياً ، ثم قال في وصف الجنة إنها كانت لهم جزاء ومصيراً وهذا للحصر ، والمعنى أنها مصير للمتقين لا لغيرهم ، وإذا كان كذلك وجب أن لا يدخلها صاحب الكبيرة ، قلنا أقصى ما في الباب أن هذا العموم صريح في الوعيد فتخصه بآيات الوعد.
المسألة الثالثة : لقائل أن يقول : إن الجنة ستصير للمتقين جزاء ومصيراً ، لكنها بعد ما صارت كذلك ، فلم قال الله تعالى : {كَانَتْ لَهُمْ جَزَآءً وَمَصِيرًا} ؟
جوابه من وجهين : الأول : أن ما وعد الله فهو في تحققه كأنه قد كان والثاني : أنه كان مكتوباً في اللوح قبل أن يخلقهم / الله تعالى بأزمنة متطاولة أن الجنة جزاؤهم ومصيرهم.
أما قوله تعالى : {لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ خَـالِدِينَ } فهو نطير قوله : {وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِى أَنفُسُكُمْ} (فصلت : 31) وفيه مسائل :
جزء : 24 رقم الصفحة : 447
(1/3379)

المسألة الأولى : لقائل أن يقول أهل الدرجات النازلة إذا شاهدوا الدرجات العالية لا بد وأن يريدوها ، فإذا سألوها ربهم ، فإن أعطاهم إياها لم يبق بين الناقص والكامل تفاوت في الدرجة ، وإن لم يعطها قدح ذلك في قوله : {لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ} وأيضاً فالأب إذا كان ولده في درجات النيران وأشد العذاب إذا اشتهى أن يخلصه الله تعالى من ذلك العذاب فلا بد وأن يسأل ربه أن يخلصه منه ، فإن فعل الله تعالى ذلك قدح في أن عذاب الكافر مخلد ، وإن لم يفعل قدح ذلك في قوله : {وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِى أَنفُسُكُمْ} وفي قوله : {لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ} وجوابه : أن الله تعالى يزيل ذلك الخاطر عن قلوب أهل الجنة بل يكون اشتغال كل واحد منهم بما فيه من اللذات شاغلاً عن الالتفات إلى حال غيره.
المسألة الثانية : شرط نعيم الجنة أن يكون دائماً ، إذ لو انقطع لكان مشوباً بضرب من الغم ولذلك قال المتنبي :
أشد الغم عندي في سرور
تيقن عنه صاحبه انتقالا
ولذلك اعتبر الخلود فيه فقال : {لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ خَـالِدِينَ } .
المسألة الثالثة : قوله تعالى : {لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ} كالتنبيه على أن حصول المرادات بأسرها لا يكون إلا في الجنة فأما في غيرها فلا يحصل ذلك ، بل لا بد في الدنيا من أن تكون راحاتها مشوبة بالجراحات ، ولذلك قال عليه السلام : "من طلب ما لم يخلق أتعب نفسه ولم يرزق ، فقيل وما هو يا رسول الله ؟
فقال سرور يوم".
أما قوله : {كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَّسْـاُولا} ففيه مسائل :
المسألة الأولى : كلمة (على) للوجوب قال عليه السلام : "من نذر وسمى فعليه الوفاء بما سمى" فقوله : {كَانَ عَلَى رَبِّكَ} يفيد أن ذلك واجب على الله تعالى ، والواجب هو الذي لو لم يفعل لاستحق تاركه بفعله الذم ، أو أنه الذي يكون عدمه ممتنعاً ، فإن كان الوجوب على التفسير الأول كان تركه محالاً ، لأن تركه لما استلزم استحقاق الذم واستحقاق الله تعالى الذم محال ، ومستلزم المحال محال كان ذلك الترك محالاً والمحال غير مقدور ، فلم يكن الله تعالى قادراً على أن لا يفعل فيلزم أن يكون ملجأ إلى الفعل ، وإن كان الوجوب على التفسير الثاني وهو أن يقال الواجب ما يكون عدمه ممتنعاً يكون القول بالإلجاء لازماً ، فلم يكن الله قادراً ، فإن قيل إنه ثبت بحكم الوعد/ فنقول لو لم يفعل لانقلب خبره الصدق كذباً وعلمه جهلاً وذلك محال ، والمؤدي إلى المحال محال فالترك محال فيلزم أن يكون ملجأ إلى الفعل والملجأ إلى الفعل لا يكون قادراً ، ولا يكون مستحقاً للثناء والمدح ، / تمام السؤال وجوابه : أن فعل الشيء متقدم على الإخبار عن فعله وعن العلم بفعله ، فيكون ذلك الفعل فعلاً لا على سبيل الإلجاء ، فكان قادراً ومستحقاً للثناء والمدح.
جزء : 24 رقم الصفحة : 447
المسألة الثانية : قوله : {وَعْدًا} يدل على أن الجنة حصلت بحكم الوعد لا بحكم الاستحقاق وقد تقدم تقريره.
المسألة الثالثة : قوله : {مَسْـاُولا} ذكروا فيه وجوهاً أحدها : أن المكلفين سألوه بقولهم : {رَبَّنَا وَءَاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ} (آل عمران : 194) ، وثانيها : أن المكلفين سألوه بلسان الحال لأنهم لما تحملوا المشقة الشديدة في طاعته كان ذلك قائماً مقام السؤال ، قال المتنبي :
وفي النفس حاجات وفيك فطانة
سكوتي كلام عندها وخطاب
وثالثها : الملائكة سألوا الله تعالى ذلك بقولهم : {رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّـاتِ عَدْنٍ} (غافر : 8) ورابعها : {إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْـاُولا} أي واجباً ، يقال لأعطينك ألفاً وعداً مسؤولاً أي واجباً وإن لم تسأل ، قال الفراء. وسائر الوجوه أقرب من هذا لأن سائر الوجوه أقرب إلى الحقيقة ، وما قاله الفراء مجاز وخامسها : مسؤولاً أي من حقه أن يكون مسؤولاً لأنه حق واجب ، إما بحكم الاستحقاق على قول المعتزلة ، أو بحكم الوعد على قول أهل السنة.
جزء : 24 رقم الصفحة : 447
452
/ اعلم أن قوله تعالى : {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ} راجع إلى قوله : {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِه ءَالِهَةً} (الفرقان : 3) ثم ههنا مسائل :
المسألة الأولى : {يَحْشُرُهُمْ} فنقول كلاهما بالنون والياء وقرىء {نَحْشُرُهُمْ} بكسر الشين.
(1/3380)

المسألة الثانية : ظاهر قوله : {وَمَا يَعْبُدُونَ} أنها الأصنام ، وظاهر قوله : {فَيَقُولُ ءَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِى} أنه من عبد من الأحياء كالملائكة والمسيح وغيرهما ، لأن الإضلال وخلافه منهم يصح فلأجل هذا اختلفوا ، فمن الناس من حمله على الأوثان ، فإن قيل لهم الوثن جماد فكيف خاطبه الله تعالى ، وكيف قدر على الجواب ؟
فعند ذلك ذكروا وجهين : أحدهما : أن الله تعالى يخلق فيهم الحياة ، فعند ذلك يخاطبهم فيردون الجواب وثانيها : أن يكون ذلك الكلام لا بالقول اللساني بل على سبيل لسان الحال كما ذكر بعضهم في تسبيح الموات وكلام الأيدي والأرجل ، وكما قيل : سل الأرض من شق أنهارك ، وغرس أشجارك ؟
فإن لم تجبك حواراً ، أجابتك اعتباراً! وأما الأكثرون فزعموا أن المراد هو الملائكة وعيسى وعزير عليهم السلام ، قالوا ويتأكد هذا القول بقوله تعالى : {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ للملائكة أَهَـا ؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ} (سبأ : 40) وإذا قيل لهم : لفظة (ما) لا تستعمل في العقلاء أجابوا عنه من وجهين : الأول : لا نسلم أن كلمة (ما) لما لا يعقل بدليل أنهم قالوا (من) لما لا يعقل والثاني : أريد به الوصف كأنه قيل (ومعبودهم) ، وقوله تعالى : {وَالسَّمَآءِ وَمَا بَنَـاـاهَا} (الشمس : 5) {وَلا أَنتُمْ عَـابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ} (لكافرون : 3) لا يستقيم إلا على أحد هذين الوجهين ، وكيف كان فالسؤال ساقط.
جزء : 24 رقم الصفحة : 452
المسألة الثالثة : حاصل الكلام أن الله تعالى يحشر المعبودين ، ثم يقول لهم أأنتم أوقعتم عبادي في الضلال عن طريق الحق ، أم هم ضلوا عنه بأنفسهم ؟
قالت المعتزلة : وفيه كسر بين لقول من يقول إن الله يضل عباده في الحقيقة لأنه لو كان الأمر كذلك لكان الجواب الصحيح أن يقولوا إلهنا ههنا قسم ثالث غيرهما هو الحق وهو أنك أنت أضلتهم ، فلما لم يقولوا ذلك بل نسبوا إضلالهم إلى أنفسهم ، علمنا أن الله تعالى لا يضل أحداً من عباده. فإن قيل لا نسلم أن المعبودين ما تعرضوا لهذا القسم بل ذكروه ، فإنهم قالوا : {وَلَـاكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَءَابَآءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ} وهذا تصريح بأن ضلالهم إنما حصل لأجل ما فعل الله بهم وهو أنه سبحانه وتعالى متعهم وآباءهم بنعيم الدنيا. قلنا : لو كان الأمر كذلك لكان يلزمهم أن يصير الله محجوباً في يد أولئك المعبودين ، ومعلوم أنه ليس الغرض ذلك بل الغرض أن يصير الكافر محجوجاً مفحماً ملزماً هذا تمام تقرير المعتزلة في الآية/ أجاب أصحابنا بأن القدرة على الضلال إن لم تصلح للاهتداء فالإضلال من الله تعالى ، وإن صلحت له لم تترجح مصدريتها للإضلال على مصدريتها للاهتداء إلا لمرجح من الله تعالى ، وعند / لذلك يعود السؤال ، وأما ظاهر هذه الآية فهو وإن كان لهم لكنه معارض بسائر الظواهر المطابقة لقولنا.
المسألة الرابعة : ظاهر الآية يدل على أن هذا السؤال من الله تعالى وإن احتمل أن يكون ذلك من الملائكة بأمر الله تعالى. بقي على الآية سؤالات.
الأول : ما فائدة أنتم وهم ؟
وهلا قيل أأضللتم عبادي هؤلاء أم ضلوا السبيل ؟
الجواب : ليس السؤال عن الفعل ووجوده ، لأنه لولا وجوده لما توجه هذا العتاب ، وإنما هو عن فاعله فلا بد من ذكره وإيلائه حرف الاستفهام حتى يعلم أنه المسؤول عنه.
السؤال الثاني : أنه سبحانه كان عالماً في الأزل بحال المسؤول عنه فما فائدة هذا السؤال ؟
الجواب : هذا استفهام على سبيل التقريع للمشركين كما قال لعيسى : {قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِى وَأُمِّىَ إِلَـاهَيْنِ مِن دُونِ اللَّه قَالَ} (المائدة : 116) ولأن أولئك المعبودين لما برؤا أنفسهم ، وأحالوا ذلك الضلال عليهم صار تبرؤ المعبودين عنهم أشد في حسرتهم وحيرتهم.
السؤال الثالث : قال تعالى : {أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ} والقياس أن يقال ضل عن السبيل ، الجواب : الأصل ذلك ، إلا أن الإنسان إذا كان متناهياً في التفريط وقلة الاحتياط ، يقال ضل السبيل.
جزء : 24 رقم الصفحة : 452
أما قوله : {سُبْحَـانَكَ} فاعلم أنه سبحانه حكى جوابهم ، وفي قوله : {سُبْحَـانَكَ} وجوه : أحدها : أنه تعجب منهم فقد تعجبوا مما قيل لهم لأنهم ملائكة وأنبياء معصومون فما أبعدهم عن الإضلال الذي هو مختص بإبليس وحزبه وثانيها : أنهم نطقوا بسبحانك ليدلوا على أنهم المسبحون (المقدسون المؤمنون) بذلك فكيف يليق بحالهم أن يضلوا عباده وثالثها : قصدوا به تنزيهه عن الأنداد ، سواء كان وثناً أو نبياً أو ملكاً ورابعها : قصدوا تنزيهه أن يكون مقصوده من هذا السؤال استفادة علم أو إيذاء من كان بريئاً عن الجرم ، بل إنه إنما سألهم تقريعاً للكفار وتوبيخاً لهم.
أما قوله : {مَا كَانَ يَنابَغِى لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ} ففيه مسائل :
(1/3381)

المسألة الأولى : القراءة المعروفة {أَن نَّتَّخِذَ} بفتح النون وكسر الخاء وعن أبي جعفر وابن عامر برفع النون وفتح الخاء على ما لم يسم فاعله ، قال الزجاج أخطأ من قرأ {أَن نَّتَّخِذَ} بضم النون لأن (من) إنما تدخل في هذا الباب في الأسماء إذا كان مفعولاً أولاً ولا تدخل على مفعول الحال تقول ما اتخذت من أحد ولياً ، ولا يجوز ما اتخذت أحداً من ولي ، قال صاحب "الكشاف" اتخذ يتعدى إلى مفعول واحد كقولك اتخذ ولياً ، وإلى مفعولين كقولك اتخذ فلاناً ولياً ، قال الله تعالى : {وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلا} (النساء : 125) والقراءة الأولى من المتعدي إلى واحد وهو {مِنْ أَوْلِيَآءَ} ، والأصل أن نتخذ أولياء فزيدت من لتأكيد معنى النفي ، والثانية من المتعدي إلى مفعولين ، فالأول ما بني له الفعل ، والثاني {مِنْ أَوْلِيَآءَ} من للتبعيض ، أي لا نتخذ بعض أولياء وتنكير أولياء من حيث إنهم أولياء مخصوصون وهم الجن والأصنام.
المسألة الثانية : ذكروا في تفسير هذه الآية وجوهاً : أولها : وهو الأصح الأقوى ، أن المعنى إذا كنا لا نرى أن نتخذ من دونك أولياء فكيف ندعو غيرنا إلى ذلك وثانيها : ما كان ينبغي لنا أن نكون أمثال الشياطين في توليهم الكفار كما يوليهم الكفار ، قال تعالى : {فَقَـاتِلُوا أَوْلِيَآءَ الشَّيْطَـانِ } (النساء : 76) يريد الكفرة ، وقال {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّـاغُوتُ} (البقرة : 257) عن أبي مسلم وثالثها : ما كان لنا أن نتخذ من دون رضاك من أولياء ، أي لما علمنا أنك لا ترضى بهذا ما فعلناه ، والحاصل أنه حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ورابعها : قالت الملائك إنهم عبيدك ، فلا ينبغي لعبيدك أن يتخذوا من دون إذنك ولياً ولا حبيباً ، فضلاً عن أن يتخذ عبد عبداً آخر إلهاً لنفسه وخامسها : أن على قراءة أبي جعفر الإشكال زائل ، فإن قيل هذه القراءة غير جائزة لأنه لا مدخل لهم في أن يتخذهم غيرهم أولياء ، قلنا : المراد إنا لا نصلح لذلك ، فكيف ندعوهم إلى عبادتنا وسادسها : أن هذا قول الأصنام ، وأنها قالت لا يصح منا أن نكون من العابدين ، فكيف يمكننا ادعاؤنا أنا من المعبودين.
جزء : 24 رقم الصفحة : 452
المسألة الثالثة : الآية تدل على أنه لا تجوز الولاية والعداوة إلا بإذن الله ، فكل ولاية مبنية على ميل النفس ونصيب الطبع فذاك على خلاف الشرع.
أما قوله تعالى : {وَلَـاكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَءَابَآءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمَا بُورًا} ففيه مسائل :
المسألة الأولى : معنى الآية أنك يا إلهنا أكثرت عليهم وعلى آبائهم من النعم وهي توجب الشكر والإيمان لا الإعراض والكفران ، والمقصود من ذلك بيان أنهم ضلوا من عند أنفسهم لا بإضلالنا ، فإنه لولا عنادهم الظاهر ، وإلا فمع ظهور هذه الحجة لا يمكن الإعراض عن طاعة الله تعالى وقال آخرون إن هذا الكلام كالرمز فيما صرح به موسى عليه السلام في قوله : {إِنْ هِىَ إِلا فِتْنَتُكَ} (الأعراف : 155) وذلك لأن المجيب قال : إلهي أنت الذي أعطيته جميع مطالبه من الدنيا حتى صار كالغريق في بحر الشهوات ، واستغراقه فيها صار صاداً له عن التوجه إلى طاعتك والاشتغال بخدمتك ، فإن هي إلا فتنتك.
المسألة الثانية : الذكر ذكر الله والإيمان به (و)القرآن والشرائع ، أو ما فيه حسن ذكرهم في الدنيا والآخرة.
المسألة الثالثة : قال أبو عبيدة : يقال رجل بور ورجلان بور ورجال بور ، وكذلك الأنثى ، ومعناه هالك ، وقد يقال رجل بائر وقوم بور ، وهو مثل هائر وهور ، والبوار الهلاك ، وقد احتج أصحابنا بهذه الآية في مسألة القضاء والقدر ، ولا شك أن المراد منه وكانوا من الذين حكم عليهم في الآخرة بالعذاب والهلاك ، فالذي حكم الله عليه بعذاب الآخرة وعلم ذلك وأثبته / في اللوح المحفوظ وأطلع الملائكة عليه ، لو صار مؤمناً لصار الخبر الصدق كذباً ، ولصار العلم جهلاً ولصارت الكتابة المثبتة في اللوح المحفوظ باطلة ، ولصار اعتقاد الملائكة جهلاً وكل ذلك محال ومستلزم المحال محال ، فصدور الإيمان منه محال ، فدل على أن السعيد لا يمكنه أن ينقلب شقياً ، والشقي لا يمكنه أن ينقلب سعيداً ، ومن وجه آخر هو أنهم ذكروا أن الله تعالى آتاهم أسباب الضلال وهو إعطاء المرادات في الدنيا واستغراق النفس فيها ، ودلت الآية على أن ذلك السبب بلغ مبلغاً يوجب البوار ، فإن ذكر البوار عقيب ذلك السبب يدل على أن البوار إنما حصل لأجل ذلك السبب ، فرجع حاصل الكلام إلى أنه تعالى فعل بالكافر ما صار معه بحيث لا يمكنه ترك الكفر ، وحينئذ ظهر أن السعيد لا ينقلب شقياً ، وأن الشقي لا ينقلب سعيداً.
جزء : 24 رقم الصفحة : 452
(1/3382)

أما قوله تعالى : {فَقَدْ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ} فاعلم أنه قرىء {يَقُولُونَ} بالياء والتاء ، فمعنى من قرأ بالتاء فقد كذبوكم بقولكم إنهم آلهة ، أي كذبوكم في قولكم إنهم آلهة ، ومن قرأ بالياء المنقوطة من تحت ، فالمعنى أنهم كذبوكم (بقولكم) {سُبْحَـانَكَ} ، ومثاله قولك كتبت بالقلم.
أما قوله : {فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلا نَصْرًا } فاعلم أنه قرىء {يَسْتَطِيعُونَ} بالياء والتاء أيضاً ، يعني فما تستطيعون أنتم يا أيها الكفار صرف العذاب عنكم ، وقيل الصرف التوبة/ وقيل الحيلة من قولهم إنه ليتصرف ، أي يحتال أو فما يستطيع آلهتكم أن يصرفوا عنكم العذاب (و)أن يحتالوا لكم.
أما قوله تعالى : {وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا} ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : قرىء بالياء وفيه ضمير الله تعالى أو ضمير (الظلم).
المسألة الثانية : أن المعتزلة تمسكوا بهذه الآية في القطع بوعيد أهل الكبائر ، فقالوا ثبت أن (من) للعموم في معرض الشرط ، وثبت أن الكافر ظالم لقوله : {بِاللَّه إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} (لقمان : 13) والفاسق ظالم لقوله : {وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَ أولئك هُمُ الظَّـالِمُونَ} (الحجرات : 11) فثبت بهذه الآية أن الفاسق لا يعفى عنه ، بل يعذب لا محالة والجواب : أنا لا نسلم أن كلمة (من) في معرض الشرط للعموم ، والكلام فيه مذكور في أصول الفقه ، سلمنا أنه للعموم ولكن قطعاً أم ظاهراً ؟
ودعوى القطع ممنوعة ، فإنا نرى في العرف العام المشهور استعمال صيغ العموم ، مع أن المراد هو الأكثر ، أو لأن المراد أقوام معينون ، والدليل عليه قوله تعالى : {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَا ءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ} (البقرة : 6) ثم إن كثيراً من الذين كفروا قد آمنوا فلا دافع له إلا أن يقال قوله : {الَّذِينَ كَفَرُوا } وإن كان يفيد العموم ، لكن المراد منه الغالب أو المراد منه أقوام مخصوصون ، وعلى التقديرين ثبت أن استعمال ألفاظ العموم في الأغلب عرف ظاهر ، وإذا كان كذلك كانت دلالة هذه الصيغ على العموم دلالة ظاهرة لا قاطعة ، وذلك لا ينفي تجويز العفو. سلمنا دلالته قطعاً ، ولكنا أجمعنا على أن قوله :
جزء : 24 رقم الصفحة : 452
{وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ} مشروط بأن لا يوجد ما يزيله ، وعند هذا نقول هذا مسلم ، لكن لم قلت بأن لم يوجد ما يزيله ؟
فإن العفو عندنا أحد الأمور التي تزيله ، وذلك هو أحد الثلاثة أول المسألة سلمنا / دلالته على ما قال ، ولكنه معارض بآيات الوعد كقوله : {إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّـالِحَـاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّـاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلا} (الكهف : 107) فإن قيل آيات الوعيد أولى لأن السارق يقطع على سبيل التنكيل ومن لم يكن مستحقاً للعقاب لا يجوز قطع يده على سبيل التنكيل ، فإذا ثبت أنه مستحق للعقاب ثبت أن استحقاق الثواب أحبط لما بينا أن الجمع بين الاستحقاقين محال. قلنا لا نسلم أن السارق يقطع على سبيل التنكيل ، ألا ترى أنه لو تاب فإنه يقطع لا على سبيل التنكيل بل على سبيل المحنة ، نزلنا عن هذه المقامات ، ولكن قوله تعالى : {وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ} إنه خطاب مع قوم مخصوصين معينين فهب أنه لا يعفو عنهم فلم قلت إنه لا يعفو عن غيرهم ؟
أما قوله تعالى : {وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِى الاسْوَاقِ } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : هذا جواب عن قولهم : {مَالِ هَـاذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِى فِى الاسْوَاقِ } (الفرقان : 7) بين الله تعالى أن هذه عادة مستمرة من الله في كل رسله فلا وجه لهذا الطعن.
المسألة الثانية : حق الكلام أن يقال : {إِلا إِنَّهُمْ} بفتح الألف لأنه متوسط والمكسورة لا تليق إلا بالابتداء ، فلأجل هذا ذكروا وجوهاً : أحدها : قال الزجاج : الجملة بعد (إلا) صفة لموصوف محذوف ، والمعنى وما أرسلنا قبلك أحداً من المرسلين إلا آكلين وماشين ، وإنما حذف لأن في قوله : {مِنَ الْمُرْسَلِينَ} دليلاً عليه ، ونظيره قوله تعالى : {وَمَا مِنَّآ إِلا لَه مَقَامٌ مَّعْلُومٌ} (الصافات : 164) على معنى وما منا أحد وثانيها : قال الفراء إنه صلة لاسم متروك اكتفى بقوله : {مِنَ الْمُرْسَلِينَ} عنه ، والمعنى إلا من أنهم كقوله : {وَمَا مِنَّآ إِلا لَه مَقَامٌ مَّعْلُومٌ} أي من له مقام معلوم ، وكذلك قوله : {وَإِن مِّنكُمْ إِلا وَارِدُهَا } (مريم : 71) أي إلا من يردها فعلى قول الزجاج : الموصوف محذوف ، وعلى قول الفراء : الموصول هو المحذوف ، ولا يجوز حذف الموصول وتبقية الصلة عند البصريين ، وثالثها : قال ابن الأنباري : تكسر إن بعد الاستثناء بإضمار واو على تقدير إلا وإنهم ورابعها : قال بعضهم المعنى إلا قيل إنهم.
جزء : 24 رقم الصفحة : 452
(1/3383)

المسألة الثالثة : قرىء {يَمْشُونَ} على البناء للمفعول أي تمشيهم حوائجهم أو الناس ، ولو قرىء {يَمْشُونَ} لكان أوجه لولا الرواية.
أما قوله تعالى : {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً} ففيه مسائل :
المسألة الأولى : فيه أقوال : أحدها : أن هذا في رؤساء المشركين وفقراء الصحابة ، فإذا رأى الشريف الوضيع قد أسلم قبله أنف أن يسلم فأقام على كفره لئلا يكون للوضيع السابقة والفضل عليه ، ودليله قوله تعالى : {لَوْ كَانَ خَيْرًا مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْه } (الأحقاف : 11) وهذا قول الكلبي والفراء والزجاج وثانيها : أن هذا عام في جميع الناس ، روى أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال : "ويل للعالم من الجاهل ، وويل للسلطان من الرعية ، وويل للرعية من السلطان ، وويل للمالك من / المملوك ، وويل للشديد من الضعيف ، وللضعيف من الشديد ، بعضهم لبعض فتنة" وقرأ هذه الآية وثالثها : أن هذا في أصحاب البلاء والعافية ، هذا يقول لم لم أجعل مثله في الخلق والخلق وفي العقل وفي العلم وفي الرزق وفي الأجل ؟
وهذا قول ابن عباس والحسن ورابعها : هذا احتجاج عليهم في تخصيص محمد بالرسالة مع مساواته إياهم في البشرية وصفاتها ، فابتلى المرسلين بالمرسل إليهم وأنواع أذاهم على ما قال : {وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَـابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا } (آل عمران : 186) والمرسل إليهم يتأذون أيضاً من المرسل بسبب الحسد وصيرورته مكلفاً بالخدمة وبذل النفس والمال بعد أن كان رئيساً مخدوماً ، والأولى حمل الآية على الكل لأن بين الجميع قدراً مشتركاً.
المسألة الثانية : قال أصحابنا الآية تدل على القضاء والقدر لأنه تعالى قال : {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً} قال الجبائي هذا الجعل هو بمعنى التعريف كما يقال فيمن سرق ، إن فلاناً لص جعله لصاً ، وهذا التأويل ضعيف لأنه تعالى أضاف الجعل إلى وصف كونه فتنة لا إلى الحكم بكونه كذلك ، بل العقل يدل على أن المراد غير ما ذكره وذلك لأن فاعل السبب فاعل للمسبب ، فمن خلقه الله تعالى على مزاج الصفراء والحرارة وخلق الغضب فيه ثم خلق فيه الإدراك الذي يطلعه على الشيء المغضب فمن فعل هذا المجموع كان هو الفاعل للغضب لا محالة ، وكذا القول في الحسد وسائر الأخلاق والأفعال ، وعند هذا يظهر أنه سبحانه هو الذي جعل البعض فتنة للبعض. سلمنا أن المراد ما قاله الجبائي أن المراد من الجعل هو الحكم ولكن المجعول إن انقلب لزم انقلابه انقلاب حكم الله تعالى من الصدق إلى الكذب وذلك محال ، فانقلاب ذلك الجعل محال ، فانقلاب المجعول أيضاً محال ، وعند ذلك يظهر القول بالقضاء والقدر.
جزء : 24 رقم الصفحة : 452
المسألة الثالثة : الوجه في تعلق هذه الآية بما قبلها أن القوم لما طعنوا في الرسول صلى الله عليه وسلّم بأنه يأكل الطعام ويمشي في الأسواق وبأنه فقير كانت هذه الكلمات جارية مجرى الخرافات ، فإنه لما قامت الدلالة على النبوة لم يكن لشيء من هذه الأشياء أثر في القدح فيها ، فكان النبي صلى الله عليه وسلّم يتأذى منهم من حيث إنهم كانوا يشتمونه ، ومن حيث إنهم كانوا يذكرون الكلام المعوج الفاسد وما كانوا يفهمون الجواب الجيد/ فلا جرم صبره الله تعالى على كل تلك الأذية ، وبين أنه جعل الخلق بعضهم فتنة للبعض.
أما قوله تعالى : {أَتَصْبِرُونَا وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا} ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قالت المعتزلة لو كان المراد من قوله : {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً} الخبر لما ذكر عقيبه {أَتَصْبِرُونَ } لأن أمر العاجز غير جائز.
المسألة الثانية : المعنى أتصبرون على البلاء فقد علمتم ما وعد الله الصابرين {وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا} أي هو العالم بمن يصبر ومن لا يصبر ، فيجازي كلاً منهم بما يستحقه من ثواب وعقاب.
/ المسألة الثالثة : قوله : {أَتَصْبِرُونَ } استفهام والمراد منه التقرير وموقعه بعد ذكر الفتنة موقع أيكم بعد الابتلاء في قوله : {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا } .
جزء : 24 رقم الصفحة : 452
455
(1/3384)

اعلم أن قوله تعالى : {وَقَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَـا اـاِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا } هو الشبهة الرابعة لمنكري نبوة محمد صلى الله عليه وسلّم وحاصلها : لم لم ينزل الله الملائكة حتى يشهدوا أن محمداً محق في دعواه {أَوْ نَرَى رَبَّنَا } حتى يخبرنا بأنه أرسله إلينا ؟
وتقرير هذه الشبهة أن من أراد تحصيل شيء ، وكان له إلى تحصيله طريقان ، أحدهما يفضي إليه قطعاً والآخر قد يفضي وقد لا يفضي ، فالحكيم يجب عليه في حكمته أن يختار في تحصيل ذلك المقصود الطريق الأقوى والأحسن ، ولا شك أن إنزال الملائكة ليشهدوا بصدق محمد صلى الله عليه وسلّم أكثر إفضاء إلى المقصود ، فلو أراد الله تعالى تصديق محمد صلى الله عليه وسلّم لفعل ذلك وحيث لم يفعل ذلك علمنا أنه ما أراد تصديقه هذا حاصل الشبهة ، ثم ههنا مسائل :
المسألة الأولى : قال الفراء قوله تعالى : {وَقَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا} معناه لا يخافون لقاءنا ووضع الرجاء في موضع الخوف لغة تهامية ، إذا كان معه جحد ، ومثله قوله تعالى : {مَّا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا} (نوح : 13) أي لا تخافون له عظمة ، وقال القاضي لا وجه لذلك ، لأن الكلام متى أمكن حمله على الحقيقة لم يجز حمله على المجاز ، ومعلوم أن من حال عباد الأصنام أنهم كما لا يخافون العقاب لتكذيبهم بالمعاد ، فكذلك لا يرجون لقاءنا ووعدنا على الطاعة من الجنة والثواب ، ومعلوم أن من / لا يرجو ذلك لا يخاف العقاب أيضاً ، فالخوف تابع لهذا الرجاء.
جزء : 24 رقم الصفحة : 455
المسألة الثانية : المجسمة تمسكوا بقوله تعالى : {لِقَآءَنَا} أنه جسم وقالوا اللقاء هو الوصول يقال هذا الجسم لقي ذلك أي وصل إليه واتصل به ، وقال تعالى : {فَالْتَقَى الْمَآءُ عَلَى ا أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ} (القمر : 12) فدلت الآية على أنه سبحانه جسم والجواب على طريقين الأول : طريق بعض أصحابنا قال المراد من اللقاء هو الرؤية ، وذلك لأن الرائي يصل برؤيته إلى حقيقة المرئي فسمى اللقاء أحد أنواع الرؤية والنوع الآخر الاتصال والمماسة ، فدلت الآية من هذا الوجه على جواز الرؤية الطريق الثاني : وهو كلام المعتزلة ، قال القاضي تفسير اللقاء برؤية البصر جهل باللغة ، فيقال في الدعاء لقاك الله الخير وقد يقول القائل لم ألق الأمير وإن رآه من بعد أو حجب عنه ، ويقال في الضرير لقي الأمير إذا أذن له ولم يحجب وقد يلقاه في الليلة الظلماء ، ولا يراه بل المراد من اللقاء ههنا هو المصير إلى حكمه حيث لا حكم لغيره في يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً لا أن رؤية البصر ، واعلم أن هذا الكلام ضعيف لأنا لا نفسر اللقاء برؤية البصر بل نفسره بمعنى مشترك بين رؤية البصر ، وبين الاتصال والمماسة وهو الوصول إلى الشيء ، وقد بينا أن الرائي يصل برؤيته إلى المرئي واللفظ الموضوع لمعنى مشترك بين معان كثيرة ، ينطلق على كل واحد من تلك المعاني فيصح قوله لقاك الخير ، ويصح قول الأعمى لقيت الأمير ، ويصح قول البصير لقيته بمعنى رأيته وما لقيته بمعنى ما وصلت إليه/ وإذا ثبت هذا فنقول قوله : {وَقَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا} مذكور في معرض الذم لهم ، فوجب أن يكون رجاء اللقاء حاصلاً ، ومسمى اللقاء مشترك بين الوصول المكاني ، وبين الوصول بالرؤية ، وقد تعذر الأول فتعين الثاني ، وقوله المراد من اللقاء الوصول إلى حكمه صرف للفظ عن ظاهره بغير دليل ، فثبت دلالة الآية على صحة الرؤية بل على وجوبها ، بل على أن إنكارها ليس إلا من دين الكفار.
المسألة الثالثة : قوله : {لَوْلا أُنزِلَ} معناه هلا أنزل ، قال الكلبي ومقاتل : نزلت هذه الآية في أبي جهل والوليد وأصحابهما الذين كانوا منكرين للنبوة والبعث.
أما قوله تعالى : {لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِى أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْ عُتُوًّا كَبِيرًا} فاعلم أن هذا هو الجواب عن تلك الشبهة ، وفيه مسائل :
جزء : 24 رقم الصفحة : 455
(1/3385)

المسألة الأولى : في تقرير كونه جواباً ، وذلك من وجوه : أحدها : أن القرآن لما ظهر كونه معجزاً فقد ثبتت دلالة نبوة محمد صلى الله عليه وسلّم ، فبعد ذلك يكون اقتراح أمثال هذه الآيات لا يكون إلا محض الاستكبار والتعنت وثانيها : أن نزول الملائكة لو حصل لكان أيضاً من جملة المعجزات ولا يدل على الصدق لخصوص كونه بنزول الملك ، بل لعموم كونه معجزاً ، فيكون قبول ذلك المعجز ورد ذلك المعجز الآخر ترجيحاً لأحد المثلين على الآخر من غير مزيد فائدة ومرجح ، وهو محض الاستكبار والتعنت وثالثها : أنهم بتقدير أن يروا الرب ويسألوه عن / صدق محمد صلى الله عليه وسلّم وهو سبحانه يقول نعم هو رسولي ، فذلك لا يزيد في التصديق على إظهار المعجز على يد محمد صلى الله عليه وسلّم ، لأنا بينا أن المعجز يقوم مقام التصديق بالقول إذ لا فرق وقد ادعى النبوة بين أن يقول اللهم إن كنت صادقاً فأحيى هذا الميت فيحييه الله تعالى والعادة لم تجر بمثله وبين أن يقول له صدقت ، وإذا كان التصديق الحاصل بالقول أو الحاصل بالمعجز..... في كونه تصديقاً للمدعى كان تعيين أحدهما محض الاستكبار والتعنت ورابعها : وهو أنا نعتقد أن الله سبحانه وتعالى يفعل بحسب المصالح على ما يقوله المعتزلة ، أن نقول إن الله تعالى يفعل بحسب المشيئة عى ما يقوله أصحابنا ، فإن كان الأول لم يجز لهم أن يعينوا المعجز إذ ربما كان إظهار ذلك المعجز مشتملاً على مفسدة لا يعرفها إلا الله تعالى ، وكان التعيين استكباراً وعتواً من حيث إنه لما ظنه مصلحة قطع بكونه مصلحة ، فمن قال ذلك فقد اعتقد في نفسه أنه عالم بكل المعلومات ، وذلك استكبار عظيم ، وإن كان الثاني وهو قول أصحابنا فليس للعبد أن يقترح على ربه فإنه سبحانه فعال لما يريد فكان الاقتراح استكباراً وعتواً وخروجاً عن حد العبودية إلى مقام المنازعة والمعارضة وخامسها : وهو أن المقصود من بعثة الأنبياء الإحسان إلى الخلق فالملك الكبير إذا أحسن إلى بعض الضعفاء رحمة عليه فأخذ ذلك الضعيف إلى اللجاج والنزاع ، ويقول لا أريد هذا بل أريد ذاك ، حسن أن يقال إن هذا المكدى قد استكبر في نفسه وعتا عتواً شديداً من حيث لا يعرف قدر نفسه ومنتهى درجته فكذا ههنا وسادسها : يمكن أن يكون المراد أن الله تعالى قال لو علمت أنهم ما ذكروا هذا السؤال لأجل الاستكبار والعتو الشديد لأعطيتهم مقترحهم ، ولكني علمت أنهم ذكروا هذا الاقتراح لأجل الاستكبار والتعنت فلو أعطيتهم مقترحهم لما انتفعوا به فلا جرم لا أعطيهم ذلك ، وهذا التأويل يعرف من اللفظ وسابعها : لعلهم سمعوا من أهل الكتاب أن الله تعالى لا يرى في الدنيا ، وأنه تعالى لا ينزل الملائكة في الدنيا على عوام الخلق ، ثم إنهم علقوا إيمانهم على ذلك على سبيل التعنت أو على سبيل الاستهزاء.
جزء : 24 رقم الصفحة : 455
المسألة الثانية : قالت المعتزلة : الآية دلت على أن الله تعالى لا تجوز رؤيته لأن رؤيته لو كانت جائزة لما كان سؤالها عتواً واستكباراً/ قالوا وقوله : {لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِى أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْ عُتُوًّا كَبِيرًا} ليس إلا لأجل سؤال الرؤية حتى لو أنهم اقتصروا على نزول الملائكة لما خوطبوا بذلك ، والدليل عليه أن الله تعالى ذكر أمر الرؤية في آية أخرى على حدة وذكر الاستعظام وهو قوله : {لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّـاعِقَةُ} (البقرة : 55) وذكر نزول الملائكة على حدة في آية أخرى فلم يذكر الاستعظام وهو قولهم : {لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَـا اـاِكَةُ} وهل نرى الملائكة فثبت بهذا أن الاستكبار والعتو في هذه الآية إنما حصل لأجل سؤال الرؤية.
واعلم أن الكلام على ذلك قد تقدم في سورة البقرة ، والذي نريده ههنا أنا بينا أن قوله / {وَقَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا} يدل على الرؤية ، وأما الاستكبار والعتو ، فلا يمكن أن يدل ذلك على أن الرؤية مستحيلة لأن من طلب شيئاً محالاً ، لا يقال إنه عتا واستكبر ، ألا ترى أنهم لما قالوا : {اجْعَل لَّنَآ إِلَـاهًا كَمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌ } لم يثبت لهم بطلب هذا المحال عتواً واستكباراً ، بل قال : {إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} (الأعراف : 138) بل العتو والاستكبار لا يثبت إلا إذا طلب الإنسان ما لا يليق به ممن فوقه أو كان لائقاً به ، ولكنه يطلبه على سبيل التعنت. وبالجملة فقد ذكرنا وجوهاً كثيرة في تحقيق معنى الاستكبار والعتو سواء كانت الرؤية ممتنعة أو ممكنة ، ومما يدل عليه أن موسى لما سأل الرؤية ما وصفه الله تعالى بالاستكبار والعتو ، لأنه عليه السلام طلب الرؤية شوقاً ، وهؤلاء طلبوها امتحاناً وتعنتاً ، لا جرم وصفهم بذلك فثبت فساد ما قاله المعتزلة.
(1/3386)

المسألة الثالثة : إنما قال {فِى أَنفُسِهِمْ} لأنهم أضمروا الاستكبار (عن الحق وهو الكفر والعناد) في قلوبهم واعتقدوه كما قال : {إِن فِى صُدُورِهِمْ إِلا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَـالِغِيه } (غافر : 56) وقوله : {وَعَتَوْ عُتُوًّا كَبِيرًا} أي تجاوزوا الحد في الظلم يقال عتا (عتا) فلان وقد وصف العتو بالكبر فبالغ في إفراطه ، يعني أنهم لم يجترئوا على هذا القول العظيم إلا لأنهم بلغوا غاية الاستكبار وأقصى العتو.
جزء : 24 رقم الصفحة : 455
أما قوله تعالى : {يَوْمَ يَرَوْنَ الملائكة لا بُشْرَى يَوْمَـاـاِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَّحْجُورًا} فهو جواب لقولهم : {لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَـا اـاِكَةُ} فبين تعالى أن الذي سألوه سيوجد ، ولكنهم يلقون منه ما يكرهون ، وههنا مسائل :
المسألة الأولى : ذكروا في انتصاب {يَوْمَ} وجهين : الأول : أن العامل ما دل عليه {لا بُشْرَى } أي يوم يرون الملائكة (يبغون البشرى) و{يَوْمَـاـاِذٍ} للتكرير الثاني : أن التقدير اذكر يوم يرون الملائكة.
المسألة الثانية : اختلفوا في ذلك اليوم ، فقال ابن عباس يريد عند الموت ، وقال الباقون يريد يوم القيامة.
المسألة الثالثة : إنما يقال للكافر لا بشرى لأن الكافر وإن كان ضالاً مضلاً إلا أنه يعتقد في نفسه أنه كان هادياً مهتدياً ، فكان يطمع في ذلك الثواب العظيم ، ولأنهم ربما عملوا ما رجوا فيه النفع كنصرة المظلوم وعطية الفقير وصلة الرحم ، ولكنه أبطلها بكفره فبين سبحانه أنهم في أول الأمر يشافهون بما يدل على نهاية اليأس والخيبة ، وذلك هو النهاية في الإيلام وهو المراد من قوله : {وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} (الزمر : 47).
المسألة الرابعة : حق الكلام أن يقال يوم يرون الملائكة لا بشرى لهم ، لكنه قال لا بشرى للمجرمين وفيه وجهان : أحدهما : أنه ظاهر في موضع ضمير والثاني : أنه عام فقد تناولهم بعمومه ، قالت المعتزلة تدل الآية على القطع بوعيد الفساق وعدم العفو لأن قوله : {لا بُشْرَى يَوْمَـاـاِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ} نكرة في سياق النفي فيعم جميع أنواع البشرى في جميع الأوقات بدليل أن من / أراد تكذيب هذه القضية قال بل له بشرى في الوقت الفلاني ، فلما كان ثبوت البشرى في وقت من الأوقات يذكر لتكذيب هذه القضية ، علمنا أن قوله تعالى : {لا بُشْرَى } يقتضي نفي جميع أنواع البشرى في كل الأوقات ، ثم إنه سبحانه أكد هذا النفي بقوله : {حِجْرًا مَّحْجُورًا} والعفو من الله من أعظم البشرى ، والخلاص من النار بعد دخولها من أعظم البشرى ، وشفاعة الرسول صلى الله عليه وسلّم من أعظم البشرى فوجب أن لا يثبت ذلك لأحد من المجرمين ، والكلام على التمسك بصيغ العموم قد تقدم غير مرة ، قال المفسرون المراد بالمجرمين ههنا الكفار بدليل قوله : {إِنَّه مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ} (المائدة : 72).
جزء : 24 رقم الصفحة : 455
المسألة الخامسة : في تفسير قوله : {حِجْرًا مَّحْجُورًا} ذكر سيبويه في باب المصادر غير المتصرفة المنصوبة بأفعال متروك إظهارها نحو معاذ الله وقعدك (الله) وعمرك (الله) ، وهذه كلمة كانوا يتكلمون بها عند لقاء عدو (موتور) أو هجوم نازلة ونحو ذلك يضعونها موضع الاستعاذة ، قال سيبويه : يقول الرجل للرجل (يفعل) كذا وكذا فيقول حجراً ، وهي من حجره إذا منعه لأن المستعيذ طالب من الله أن يمنع المكروه فلا يلحقه ، فكان المعنى أسأل الله أن يمنع ذلك منعاً ويحجره حجراً ومجيئه على فعل أو فعل في قراءة الحسن تصرف فيه لاختصاصه بموضع واحد ، فإن قيل : لما ثبت أنه من باب المصادر فما معنى وصفه بكونه محجوراً ؟
قلنا : جاءت هذه الصفة لتأكيد معنى الحجر كما قالوا (ذبل ذابل فالذبل) الهوان وموت مائت وحرام محرم.
(1/3387)

المسألة السادسة : اختلفوا في أن الذين يقولون حجراً محجوراً من هم ؟
على ثلاثة أقوال : القول الأول : أنهم هم الكفار وذلك لأنهم كانوا يطلبون نزول الملائكة ويقترحونه ، (ثم) إذا رأوهم عند الموت (و)يوم القيامة كرهوا لقاءهم وفزعوا منهم لأنهم لا يلقونهم إلا بما يكرهون ، فقالوا عند رؤيتهم ما كانوا يقولونه عند لقاء العدو (الموتور) ونزول الشدة القول الثاني : أن القائلين هم الملائكة ومعناه حراماً محرماً عليكم الغفران والجنة والبشرى ، أي جعل الله ذلك حراماً عليكم ، ثم اختلفوا على هذا القول فقال بعضهم إن الكفار إذا خرجوا من قبورهم ، قالت الحفظة لهم حجراً محجوراً ، وقال الكلبي الملائكة على أبواب الجنة يبشرون المؤمنين بالجنة ويقولون للمشركين حجراً محجوراً ، وقال عطية إذا كان يوم القيامة يلقى الملائكة المؤمنين بالبشرى فإذا رأى الكفار ذلك قالوا لهم بشرونا فيقولون حجراً محجوراً القول الثالث : وهو قول القفال والواحدي وروي عن الحسن أن الكفار يوم القيامة إذا شاهدوا ما يخافونه فيتعوذون منه ويقولون حجراً محجوراً ، فتقول الملائكة لا يعاذ من شر هذا اليوم.
أما قوله تعالى : {وَقَدِمْنَآ} فقد استدلت المجسمة بقوله : {وَقَدِمْنَآ} لأن القدوم لا يصح إلا على الأجسام ، وجوابه أنه لما قامت الدلالة على امتناع القدوم عليه لأن القدوم حركة والموصوف بالحركة محدث ، ولذلك استدل الخليل عليها السلام بأفول الكواكب على حدوثها وثبت أن الله عز / وجل لا يجوز أن يكون محدثاً ، فوجب تأويل لفظ القدوم وهو من وجوه : أحدها : {وَقَدِمْنَآ إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ} أي وقصدنا إلى أعمالهم ، فإن القادم إلى الشيء قاصد له ، فالقصد هو المؤثر في المقدوم إليه وأطلق المسبب على السبب مجازاً وثانيها : المراد قدوم الملائكة إلى موضع الحساب في الآخرة ، ولما كانوا بأمره يقدمون جاز أن يقول {وَقَدِمْنَآ} على سبيل التوسع ونظيره قوله : {فَلَمَّآ ءَاسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ} (الزخرف : 55) وثالثها : {إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا} (النمل : 34) فلما أباد الله أعمالهم وأفسدها بالكلية صارت شبيهة بالمواضع التي يقدمها الملك فلا جرم قال {وَقَدِمْنَآ} .
جزء : 24 رقم الصفحة : 455
أما قوله : {إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ} يعني الأعمال التي اعتقدوها براً وظنوا أنها تقربهم إلى الله تعالى ، والمعنى إلى ما عملوا من أي عمل كان.
أما قوله : {فَجَعَلْنَـاهُ هَبَآءً مَّنثُورًا} فالمراد أبطلناه وجعلناه بحيث لا يمكن الانتفاع به كالهباء المنثور الذي لا يمكن القبض عليه ونظيره قوله تعالى : {كَسَرَابا بِقِيعَةٍ} (النور : 39) {كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ} (إبراهيم : 18) {كَعَصْفٍ مَّأْكُول } (الفيل : 5) قال أبو عبيدة والزجاج : الهباء مثل الغبار يدخل من الكوة مع ضوء الشمس. وقال مقاتل : إنه الغبار الذي يستطير من حوافر الدواب.
أما قوله : {أَصْحَـابُ الْجَنَّةِ يَوْمَـاـاِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا} فاعلم أنه سبحانه لما بين حال الكفار في الخسار الكلي والخيبة التامة شرح وصف أهل الجنة تنبيهاً على أن الحظ كل الحظ في طاعة الله تعالى ، وههنا سؤالات :
الأول : كيف يكون أصحاب الجنة خيراً مستقراً من أهل النار ، ولا خير في النار ، ولا يقال في العسل هو أحل من الخل ؟
والجواب من وجوه : الأول : ما تقدم في قوله : {أَذَالِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ} (الفرقان : 15) والثاني : يجوز أن يريد أنهم في غاية الخير ، لأن مستقر خير من النار ، كقول الشاعر :
ف إن الذي سمك السماء بنى لنا
بيتاً دعائمه أعز وأطول
الثالث : التفاضل الذي ذكر بين المنزلتين إنما يرجع إلى الموضع ، والموضع من حيث إنه موضع لا شر فيه الرابع : هذا التفاضل واقع على هذا التقدير ، أي لو كان لهم مستقر فيه خير لكان مستقر أهل الجنة خيراً منه.
السؤال الثاني : الآية دلت على أن مستقرهم غير مقيلهم فكيف ذلك ؟
والجواب من وجوه : الأول : أن المستقر مكان الاستقرار ، والمقيل زمان القيلولة ، فهذا إشارة إلى أنهم من المكان في أحسن مكان ، ومن الزمان في أطيب زمان الثاني : أن مستقر أهل الجنة غير مقيلهم ، فإنهم يقيلون في الفردوس ، ثم يعودون إلى مستقرهم الثالث : أن بعد الفراغ من المحاسبة والذهاب إلى الجنة يكون الوقت وقت القيلولة ، قال ابن مسعود : "لا ينتصف النهار من يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة في الجنة ، وأهل النار في النار" وقرأ ابن مسعود : (ثم إن مقيلهم لإلى الجحيم). / وقال سعيد بن جبير : إن الله تعالى إذا أخذ في فصل القضاء قضى بينهم بقدر ما بين صلاة الغداة إلى انتصاف النهار ، فيقيل أهل الجنة في الجنة ، وأهل النار في النار. وقال مقاتل : يخفف الحساب على أهل الجنة حتى يكون بمقدار نصف يوم من أيام الدنيا ، ثم يقيلون من يومهم ذلك في الجنة.
جزء : 24 رقم الصفحة : 455
(1/3388)

السؤال الثالث : كيف يصح القيلولة في الجنة والنار ، وعندكم أن أهل الجنة في الآخرة لا ينامون ، وأهل النار أبداً في عذاب يعرفونه ، وأهل الجنة في نعيم يعرفونه ؟
والجواب : قال الله تعالى : {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} (مريم : 62) وليس في الجنة بكرة وعشى ، لقوله تعالى : {لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا} (الإنسان : 13) ولأنه إذا لم يكن هناك شمس لم يكن هناك نصف النهار ولا وقت القيلولة ، بل المراد منه بيان أن ذلك الموضع أطيب المواضع وأحسنها ، كما أن موضع القيلولة يكون أطيب المواضع والله أعلم.
جزء : 24 رقم الصفحة : 455
456
اعلم أن هذا الكلام مبني على ما استدعوه من إنزال الملائكة فبين سبحانه أنه يحصل ذلك في يوم له صفات :
الصفة الأولى : أن في ذلك اليوم تشقق السماء بالغمام ، وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قوله : {إِذَا السَّمَآءُ انفَطَرَتْ} (الانفطار : 1) يدل على التشقق وقوله : {هَلْ يَنظُرُونَ إِلا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ} (البقرة : 210) يدل على الغمام فقوله : {تَشَقَّقُ السَّمَآءُ بِالْغَمَـامِ} جامع لمعنى الآيتين ونظيره قوله تعالى : {وَفُتِحَتِ السَّمَآءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا} (النبأ : 19) وقوله : {فَهِىَ يَوْمَـاـاِذٍ وَاهِيَةٌ} (الحاقة : 16).
/ المسألة الثانية : قرأ أبو عمرو وأهل الكوفة بتخفيف الشين ههنا وفي سورة ق ، والباقون بالتشديد ، قال أبو عبيدة : الاختيار التخفيف كما يخفف تساءلون ومن شدد فمعناه تتشقق.
المسألة الثالثة : قال الفراء : المراد من قوله : {بِالْغَمَـامِ} أي عن الغمام ، لأن السماء لا تتشقق بالغمام بل عن الغمام ، وقال القاضي : لا يمتنع أن يجعل تعالى الغمام بحيث تشقق السماء باعتماده عليه وهو كقوله : {السَّمَآءُ مُنفَطِرُا بِه } (المزمل : 18).
المسألة الرابعة : لا بد من أن يكون لهذا التشقق تعلق بنزول الملائكة ، فقيل الملائكة في أيام الأنبياء عليهم السلام كانوا ينزلون من مواضع مخصوصة والسماء على اتصالها ، ثم في ذلك اليوم تتشقق السماء فإذا انشقت خرج من أن يكون حائلاً بين الملائكة وبين الأرض فنزلت الملائكة إلى الأرض.
المسألة الخامسة : قوله : {وَنُزِّلَ الْمَلَـا اـاِكَةُ} صيغة عموم فيتناول الكل ، ولأن السماء مقر الملائكة فإذا تشقق وجب أن ينزلوا إلى الأرض ، ثم قال مقاتل : تشقق سماء الدنيا فينزل أهلها وهم أكثر من سكان الدنيا ، كذلك تتشقق سماء سماء ، ثم ينزل الكروبيون وحملة العرش ، ثم ينزل الرب تعالى. وروى الضحاك عن ابن عباس : قال تتشقق كل سماء وينزل سكانها فيحيطون بالعالم ويصيرون سبع صفوف حول العالم ، واعلم أن نزول الرب بالذات باطل قطعاً ، لأن النزول حركة والموصوف بالحركة محدث والإله لا يكون محدثاً. وأما نزول الملائكة إلى الأرض فعليه سؤال ، وذلك لأنه ثبت أن الأرض بالقياس إلى سماء الدنيا كحلقة في فلاة ، فكيف بالقياس إلى الكرسي والعرش فملائكة هذه المواضع بأسرها كيف تتسع لهم الأرض جميعاً ؟
فلعل الله تعالى يزيد في طول الأرض وعرضها ويبلغها مبلغاً يتسع لكل هؤلاء ، ومن المفسرين من قال : الملائكة يكونون في الغمام منه ، والله تعالى يسكن الغمام فوق أهل القيامة ويكون ذلك الغمام مقر الملائكة. قال الحسن : والغمام سترة بين السماء والأرض تعرج الملائكة فيه بنسخ أعمال بني آدم والمحاسبة تكون في الأرض.
جزء : 24 رقم الصفحة : 456
المسألة السادسة : أما نزول الملائكة فظاهر ، ومعنى {تَنزِيلا} توكيد للنزول ودلالة على إسراعهم فيه.
المسألة السابعة : الألف واللام في الغمام ليس للعموم فهو للمعهود ، والمراد ما ذكروه في قوله : {هَلْ يَنظُرُونَ إِلا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَـا اـاِكَةُ} (البقرة : 210).
المسألة الثامنة : قرىء : {نُنَزِّلُ الملائكة } ، {نُنَزِّلُ الملائكة } ، {وَنُزِّلَ الْمَلَـا اـاِكَةُ} ، {وَنُزِّلَ الْمَلَـا اـاِكَةُ} {وَنُزِّلَ الْمَلَـا اـاِكَةُ} على حذف النون الذي هو فاء الفعل من ننزل قراءة أهل مكة.
(1/3389)

الصفة الثانية لذلك اليوم : قوله : {الْمُلْكُ يَوْمَـاـاِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَـانِ } قال الزجاج الحق صفة للملك وتقديره الملك الحق يومئذ للرحمن ، ويجوز الحق بالنصب على تقدير أعني ولم يقرأ به ومعنى / وصفه بكونه حقاً أنه لا يزول ولا يتغير ، فإن قيل : مثل هذا الملك لم يكن قط إلا للرحمن فما الفائدة في قوله {يَوْمَـاـاِذٍ} ؟
قلنا : لأن في ذلك اليوم لا مالك سواه لا في الصورة ولا في المعنى ، فتخضع له الملوك وتعنو له الوجوه وتذل له الجبابرة بخلاف سائر الأيام ، واعلم أن هذه الآية دالة على فساد قول المعتزلة في أنه يجب على الله الثواب والعوض وذلك لأنه لو وجب لاستحق الذم بتركه فكان خائفاً من أن لا يفعل فلم يكن ملكاً مطلقاً وأيضاً فقوله : {الْمُلْكُ يَوْمَـاـاِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَـانِ } يفيد أنه ليس لغيره ملك وذلك لا يتم على قول المعتزلة ، لأن كل من استحق عليه شيئاً فإنه يكون مالكاً له ، ولا يكون هو سبحانه مالكاً لذلك المستحق ، لأنه سبحانه إذا استحق على أحد شيئاً أمكنه أن يعفو عنه ، أما غيره إذا استحق عليه شيئاً فإنه لا يصح إبراؤه عنه ، فكانت العبودية ههنا أتم ، ولأن من كفر بالله إلى آخر عمره ثم في آخر عمره عرف الله لحظة ومات فهو سبحانه لو أعطاه ألف ألف سنة أنواع الثواب وأراد بعد ذلك أن لا يعطيه لحظة واحدة صار سفيهاً ، وهذا نهاية العبودية والذل فكيف يليق بمن هذا حاله أن يقال له : {الْمُلْكُ يَوْمَـاـاِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَـانِ } وأيضاً فكل من فعل فعلاً لو لم يفعله لكان مستوجباً للذم وكان بذلك الفعل مكتسباً للكمال وبتركه مكتسباً للنقصان فلم يكن ملكاً بل فقيراً مستحقاً ، فثبت أن قوله سبحانه : {الْمُلْكُ يَوْمَـاـاِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَـانِ } غير لائق بأصول المعتزلة.
جزء : 24 رقم الصفحة : 456
الصفة الثالثة : قوله : {وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَـافِرِينَ عَسِيرًا} فالمعنى ظاهر لأنه تعالى عالم بالأحوال قادر على كل ما يريده وأما غيره فالكل في ربقة العجز ولجام القهر ، فكان في نهاية العسر على الكافر.
الصفة الرابعة : قوله : {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ} وفيه مسائل :
المسألة الأولى : الألف واللام في الظالم فيه قولان : أحدهما : أنه للعموم والثاني : أنه للمعهود ، والقائلون بالمعهود على قولين : الأول : قال ابن عباس المراد عقبة بن أبي معيط بن أمية بن عبد شمس كان لا يقدم من مقر إلا صنع طعاماً يدعو إليه جيرته من أهل مكة ويكثر مجالسة الرسول ويعجبه حديثه فصنع طعاماً ودعا الرسول فقال صلى الله عليه وسلّم ما آكل من طعامك حتى تأتي بالشهادتين ففعل فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلّم من طعامه فبلغ أمية بن خلف فقال صبوت يا عقبة وكان خليله فقال إنما ذكرت ذلك ليأكل من طعامي فقال لا أرضى أبداً حتى تأتيه فتبزق في وجهه وتطأ على عنقه ففعل ، فقال عليه السلام لا ألقاك خارجاً من مكة إلا علوت رأسك بالسيف فنزل {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ} ندامة يعني عقبة يقول : يا ليتني لم أتخذ أمية خليلاً لقد أضلني عن الذكر. أي صرفني عن الذكر وهو القرآن والإيمان بعد إذ جاءني مع محمد صلى الله عليه وسلّم فأسر عقبة يوم بدر فقتل صبراً ولم يقتل يومئذ من الأسارى غيره وغير النضر بن الحارث الثاني : قالت الرافضة : هذا الظالم هو رجل بعينه وإن المسلمين غيروا اسمه / وكتموه وجعلوا فلاناً بدلاً من اسمه/ وذكروا فاضلين من أصحاب رسول الله ، واعلم أن إجراء اللفظ على العموم ليس لنفس اللفظ ، لأنا بينا في أصول الفقه أن الألف واللام إذا دخل على الاسم المفرد لا يفيد العموم بل إنما يفيده للقرينة من حيث إن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بعلية الوصف ، فدل ذلك على أن المؤثر في العض على اليدين كونه ظالماً وحينئذ يعم الحكم لعموم علته وهذا القول أولى من التخصيص بصورة واحدة لأن هذا الذي ذكرناه يقتضي العموم ، ونزوله في واقعة أخرى خاصة لا ينافي أن يكون المراد هو العموم حتى يدخل فيه تلك الصورة وغيرها ولأن المقصود من الآية زجر الكل عن الظلم وذلك لا يحصل إلا بالعموم ، وأما قول الرافضة فذلك لا يتم إلا بالطعن في القرآن وإثبات أنه غير وبدل ولا نزاع في أنه كفر.
جزء : 24 رقم الصفحة : 456
المسألة الثانية : استدلت المعتزلة بقوله : {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ} قالوا الظالم يتناول الكافر والفاسق ، فدل على أن الله تعالى لا يعفو عن صاحب الكبيرة والكلام عليه تقدم.
المسألة الثالثة : قوله : {يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ} قال الضحاك : يأكل يديه إلى المرفق ثم تنبت فلا يزال كذلك كلما أكلها نبتت ، وقال أهل التحقيق هذه اللفظة مشعرة بالتحسر والغم ، يقال عض أنامله وعض على يديه.
(1/3390)

المسألة الرابعة : كما بينا أن الظالم غير مخصوص بشخص واحد بل يعم جميع الظلمة فكذا المراد بقوله فلاناً ليس شخصاً واحداً بل كل من أطيع في معصية الله ، واستشهد القفال بقوله : {وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّه ظَهِيرًا} (الفرقان : 55) ، {وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَـالَيْتَنِى كُنتُ تُرَابَا } (النبأ : 40) يعني به جماعة الكفار.
المسألة الخامسة : قرىء بالياء وهو الأصل لأن الرجل ينادي ويلته وهي هلكته يقول لها : تعالى فهذا أوانك ، وإنما قلبت الياء ألفاً كما في صحارى و(عذارى).
المسألة السادسة : قوله : {لَّقَدْ أَضَلَّنِى عَنِ الذِّكْرِ} أي عن ذكر الله أو القرآن وموعظة الرسول ويجوز أن يريد نطقه بشهادة الحق (وغيرته) على الإسلام والشيطان إشارة إلى خليله سماه شيطاناً لأنه أضله كما يضل الشيطان ثم خذله ولم ينفعه في العاقبة ، أو أراد إبليس فإنه هو الذي حمله على أن صار خليلاً لذلك المضل ومخالفة الرسول ثم خذله أو أراد الجنس وكل من تشيطن من الجن والإنس ، ويحتمل أن يكون {وَكَانَ الشَّيْطَـانُ} حكاية كلام الظالم وأن يكون كلام الله.
جزء : 24 رقم الصفحة : 456
458
/ اعلم أن الكفار لما أكثروا من الاعتراضات الفاسدة ووجوه التعنت ضاق صدر الرسول صلى الله عليه وسلّم وشكاهم إلى الله تعالى وقال : {الرَّسُولُ يَـارَبِّ إِنَّ قَوْمِى اتَّخَذُوا } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : أكثر المفسرين أنه قول واقع من الرسول صلى الله عليه وسلّم وقال أبو مسلم بل المراد أن الرسول عليه السلام يقوله في الآخرة وهو كقوله : {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةا بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَـا ؤُلاءِ شَهِيدًا} (النساء : 41) والأول أولى لأنه موافق للفظ ولأن ما ذكره الله تعالى من قوله : {وَكَذَالِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِىٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ } (الفرقان : 31) تسلية للرسول صلى الله عليه وسلّم ولا يليق إلا إذا كان وقع ذلك القول منه.
المسألة الثانية : ذكروا في المهجور قولين : الأول : أنه من الهجران أي تركوا الإيمان به ولم يقبلوه وأعرضوا عن استماعه الثاني : أنه من أهجر أي مهجورا فيه ثم حذف الجار ويؤكده قوله تعالى : {مُسْتَكْبِرِينَ بِه سَـامِرًا تَهْجُرُونَ} (المؤمنون : 67) ثم هجرهم فيه أنهم كانوا يقولون إنه سحر وشعر وكذب وهجر أي هذيان ، وروى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال : "من تعلم القرآن (وعلمه) وعلق مصحفاً لم يتعهده ولم ينطر فيه جاء يوم القيامة متعلقاً به يقول يا رب العالمين عبدك هذا اتخذني مهجوراً ، اقض بيني وبينه" ثم إنه تعالى قال مسلياً لرسوله عليه الصلاة والسلام ومعزياً له {وَكَذَالِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِىٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ } وبين بذلك أن له أسوة بسائر الرسل ، فليصبر على ما يلقاه من قومه كما صبروا ثم فيه مسائل :
جزء : 24 رقم الصفحة : 458
المسألة الأولى : احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى خلق الخير والشر لأن قوله تعالى : {جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِىٍّ عَدُوًّا} يدل على أن تلك العداوة من جعل الله ولا شك أن تلك العداوة كفر قال الجبائي : المراد من الجعل التبيين ، فإنه تعالى لما بين أنهم أعداؤه ، جاز أن يقول : جعلناهم أعداءه ، كما إذا بين الرجل أن فلاناً لص يقال جعله لصاً كما يقال في الحاكم عدل فلاناً وفسق فلاناً وجرحه ، قال الكعبي : إنه تعالى لما أمر الأنبياء بعداوة الكفار وعداوتهم للكفار تقتضي عداوة الكفار لهم ، فلهذا جاز أن يقول : {وَكَذَالِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِىٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ } لأنه سبحانه هو الذي حمله ودعاه إلى ما استعقب تلك العداوة ، وقال أبو مسلم : يحتمل في العدو أنه البعيد لا القريب إذ المعاداة المباعدة كما أن النصر القرب والمظاهرة ، وقد باعد الله تعالى بين المؤمنين والكافرين والجواب عن الأول : أن التبيين لا يسمونه ألبتة جعلاً لأن من بين لغيره وجود الصانع وقدمه لا يقال إنه جعل الصانع وجعل قدمه والجواب عن الثاني : أن الذي أمره الله تعالى به هل له تأثير في وقوع العداوة في قلوبهم أو ليس له تأثير ؟
فإن كان الأول فقد تم الكلام لأن عداوتهم للرسول صلى الله عليه وسلّم كفر فإذا أمر الله الرسول بما له أثر في تلك العداوة فقد أمره بما له أثر في وقوع الكفر وإن لم يكن فيه تأثير ألبتة كان منقطعاً عنه بالكلية فيمتنع إسناده إليه ، وهذا هو الجواب عن قول أبي مسلم.
(1/3391)

المسألة الثانية : لقائل أن يقول إن قول محمد عله السلام : {لِلانسَـانِ خَذُولا * وَقَالَ الرَّسُولُ يَـارَبِّ إِنَّ قَوْمِى اتَّخَذُوا } في المعنى كقول نوح عليه السلام {قَالَ رَبِّ إِنِّى دَعَوْتُ قَوْمِى لَيْلا وَنَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَآءِى إِلا فِرَارًا} (نوح : 5 ، 6) وكما أن المقصود من هذا إنزال العذاب فكذا ههنا فكيف يليق هذا بمن وصفه الله بالرحمة في قوله : {وَمَآ أَرْسَلْنَـاكَ إِلا رَحْمَةً لِّلْعَـالَمِينَ} (الأنبياء : 107) ؟
جوابه : أن نوحاً عليه السلام لما ذكر ذلك دعا عليهم ، وأما محمد عليه الصلاة والسلام فلما ذكر هذا ما دعا عليهم بل انتظر فلما قال تعالى : {وَكَذَالِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِىٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ } كان ذلك كالأمر له بالصبر على ذلك وترك الدعاء عليهم فظهر الفرق.
جزء : 24 رقم الصفحة : 458
المسألة الثالثة : قوله {جَعَلْنَا} صيغة العظماء والتعظيم إذا ذكر نفسه في كل معرض من التعظيم وذكر أنه يعطي فلا بد وأن تكون تلك العطية عظيمة كقوله : {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَـاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي} (الحجر : 87) وقوله : {إِنَّآ أَعْطَيْنَـاكَ الْكَوْثَرَ} (الكوثر : 1) فكيف يليق بهذه الصيغة أن تكون تلك العطية هي العداوة التي هي منشأ الضرر في الدين والدنيا ؟
وجوابه : أن خلق العداوة سبب لازدياد المشقة التي هي موجبة لمزيد الثواب والله أعلم.
المسألة الرابعة : يجوز أن يكون العدو واحداً وجمعاً كقوله : {فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّى } (الشعراء : 77) وجاء في التفسير أن عدو الرسول صلى الله عليه وسلّم أبو جهل.
أما قوله : {وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا} فقال الزجاج الباء زائدة يعني كفى ربك وهادياً ونصيراً منصوبان على الحال هادياً إلى مصالح الدين والدنيا ، ونصيراً على الأعداء ، ونظيره {حَكِيمٌ * يَـا أَيُّهَا النَّبِىُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} . (الأنفال : 64)
جزء : 24 رقم الصفحة : 458
459
اعلم أن هذا هو الشبهة الخامسة لمنكري نبوة محمد صلى الله عليه وسلّم ، وأن أهل مكة قالوا تزعم أنك رسول من عند الله أفلا تأتينا بالقرآن جملة واحدة كما أنزلت التوراة جملة على موسى والإنجيل على عيسى / والزبور على داود ، وعن ابن جريج بين أوله وآخره اثنتان أو ثلاث وعشرون سنة وأجاب الله بقوله : {كَذَالِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ } وبيان هذا الجواب من وجوه : أحدها : أنه عليه السلام لم يكن من أهل القراءة والكتابة فلو نزل عليه ذلك جملة واحدة كان لا يضبطه ولجاز عليه الغلط والسهو ، وإنما نزلت التوراة جملة لأنها مكتوبة يقرؤها موسى وثانيها : أن من كان الكتاب عنده ، فربما اعتمد على الكتاب وتساهل في الحفظ فالله تعالى ما أعطاه الكتاب دفعة واحدة بل كان ينزل عليه وظيفة ليكون حفظه له أكمل فيكون أبعد له عن المساهلة وقلة التحصيل وثالثها : أنه تعالى لو أنزل الكتاب جملة واحدة على الخلق لنزلت الشرائع بأسرها دفعة واحدة على الخلق فكان يثقل عليهم ذلك ، أما لما نزل مفرقاً منجماً لا جرم نزلت التكاليف قليلاً قليلاً فكان تحملها أسهل ورابعها : أنه إذا شاهد جبريل حالاً بعد حال يقوى قلبه بمشاهدته فكان أقوى على أداء ما حمل ، وعلى الصبر على عوارض النبوة وعلى احتماله أذية قومه وعلى الجهاد وخامسها : أنه لما تم شرط الإعجاز فيه مع كونه منجماً ثبت كونه معجزاً ، فإنه لو كان ذلك في مقدور البشر لوجب أن يأتوا بمثله منجماً مفرقاً وسادسها : كان القرآن ينزل بحسب أسئلتهم والوقائع الواقعة لهم فكانوا يزدادون بصيرة ، لأن بسبب ذلك كان ينضم إلى الفصاحة الإخبار عن الغيوب وسابعها : أن القرآن لما نزل منجماً مفرقاً وهو عليه السلام كان يتحداهم من أول الأمر فكأنه تحداهم بكل واحد من نجوم القرآن فلما عجزوا عنه كان عجزهم عن معارضة الكل أولى فبهذا الطريق ثبت في فؤاده أن القوم عاجزون عن المعارضة لا محالة وثامنها : أن السفارة بين الله تعالى وبين أنبيائه وتبليغ كلامه إلى الخلق منصب عظيم فيحتمل أن يقال إنه تعالى لو أنزل القرآن على محمد صلى الله عليه وسلّم دفعة واحدة لبطل ذلك المنصب على جبريل عليه السلام فلما أنزله مفرقاً منجماً بقي ذلك المنصب العالي عليه فلأجل ذلك جعله الله سبحانه وتعالى مفرقاً منجماً.
جزء : 24 رقم الصفحة : 459
(1/3392)

أما قوله : {كَذَالِكَ} ففيه وجهان : الأول : أنه من تمام كلام المشركين أي جملة واحدة كذلك أي كالتوراة والإنجيل ، وعلى هذا لا يحتاج إلى إضمار في الآية وهو أن يقول : أنزلناه مفرقاً لتثبت به فؤادك الثاني : أنه كلام الله تعالى ذكره جواباً لهم أي كذلك أنزلناه مفرقاً فإن قيل : ذلك في {كَذَالِكَ} يجب أن يكون إشارة إلى شيء تقدمه والذي تقدم فهو إنزاله جملة (واحدة) فكيف فسر به كذلك أنزلناه مفرقاً ؟
قلنا لأن قولهم {لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْءَانُ جُمْلَةً وَاحِدَةً } معناه لم نزل مفرقاً فذلك إشارة إليه.
أما قوله تعالى : {وَرَتَّلْنَـاهُ تَرْتِيلا} فمعنى الترتيل في الكلام أن يأتي بعضه على أثر بعض على تؤدة وتمهل وأصل الترتيل في الأسنان وهو تفلجها يقال ثغر رتل وهو ضد المتراص ، ثم إنه سبحانه وتعالى لما بين فساد قولهم بالجواب الواضح قال : {وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ} من الجنس الذي تقدم ذكره من الشبهات إلا جئناك بالحق الذي يدفع قولهم ، كما قال تعالى : {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَـاطِلِ فَيَدْمَغُه فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ } (الأنبياء : 18) وبين أن الذي يأتي به أحسن تفسيراً لأجل ما فيه من المزية في البيان والظهور ، ولما كان التفسير هو الكشف عما يدل عليه الكلام وضع موضع معناه ، فقالوا تفسير هذا الكلام كيت وكيت كما قيل معناه كذا وكذا.
أما قوله : {الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ} ففيه مسائل :
المسألة الأولى : عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم : "يحشر الناس على ثلاثة أصناف صنف على الدواب وصنف على الأقدام وصنف على الوجوه" وعنه عليه السلام : "إن الذي أمشاهم على أرجلهم قادر على أن مشيهم على وجوههم".
المسألة الثانية : الأقرب أنه صفة للقوم الذين أوردوا هذه الأسئلة على سبيل التعنت ، وإن كان غيرهم من أهل النار يدخل معهم.
المسألة الثالثة : حمله بعضهم على أنهم يمشون في الآخرة مقلوبين ، وجوههم إلى القرار وأرجلهم إلى فوق ، روي ذلك عن الرسول صلى الله عليه وسلّم وقال آخرون المراد أنهم يحشرون ويسحبون على وجوههم ، وهذا أيضاً مروي عن الرسول عليه الصلاة والسلام وهو أولى ، وقال الصوفية : الذين تعلقت قلوبهم بما سوى الله فإذا ماتوا بقي ذلك التعلق فعبر عن تلك الحالة بأنهم يحشرون على وجوههم إلى جهنم ، ثم بين تعالى أنهم شر مكاناً من أهل الجنة وأضل سبيلاً وطريقاً ، والمقصود منه الزجر عن طريقهم والسؤال عليه كما ذكرناه على قوله : {أَصْحَـابُ الْجَنَّةِ يَوْمَـاـاِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا} (الفرقان : 24) وقد تقدم الجواب عنه.
جزء : 24 رقم الصفحة : 459
واعلم أنه تعالى بعد أن تكلم في التوحيد ونفي الأنداد وإثبات النبوة والجواب عن شبهات المنكرين لها وفي أحوال القيامة شرع في ذكر القصص على السنة المعلومة.
القصة الأولى ـ قصة موسى عليه السلام
جزء : 24 رقم الصفحة : 459
459
اعلم أنه تعالى لما قال : {وَكَذَالِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِىٍّ عَدُوًّا} (الفرقان : 31) أتبعه بذكر جماعة من الأنبياء وعرفه بما نزل بمن كذب من أممهم فقال : {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَـابَ وَجَعَلْنَا مَعَه ا أَخَاهُ هَـارُونَ وَزِيرًا} والمعنى : لست يا محمد بأول من أرسلناه فكذب ، وآتيناه الآيات فرد ، فقد آتينا موسى التوراة وقوينا عضده بأخيه هرون ومع ذلك فقد رد ، وفيه مسائل :
/ المسألة الأولى : كونه وزيراً لا يمنع من كونه شريكاً له في النبوة ، فلا وجه لقول من قال في قوله : {فَقُلْنَا اذْهَبَآ} إنه خطاب لموسى عليه السلام وحده بل يجري مجرى قوله : {اذْهَبَآ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّه طَغَى } (طه : 43) فإن قيل إن كونه وزيراً كالمنافي لكونه شريكاً بل يجب أن يقال إنه لما صار شريكاً خرج عن كونه وزيراً ، قلنا لا منافاة بين الصفتين لأنه لا يمتنع أن يشركه في النبوة ويكون وزيراً وظهيراً ومعيناً له.
المسألة الثانية : قال الزجاج الوزير في اللغة الذي يرجع إليه ويتحصن برأيه والوزر ما يعتصم به ومنه {كَلا لا وَزَرَ} (القيامة : 11) أي لا منجى ولا ملجأ ، قال القاضي : ولذلك لا يوصف تعالى بأن له وزيراً ولا يقال فيه أيضاً بأنه وزير لأن الالتجاء إليه في المشاورة والرأي على هذا الحد لا يصح.
المسألة الثالثة : {دَمَّرْنَـاهُمْ} أهلكناهم إهلاكاً فإن قيل : الفاء للتعقيب والإهلاك لم يحصل عقيب ذهاب موسى وهرون إليهم بل بعد مدة مديدة ، قلنا : التعقيب محمول ههنا على الحكم لا على الوقوع ، وقيل : إنه تعالى أراد اختصار القصة فذكر حاشيتيها أولها وآخرها لأنهما المقصود من القصة بطولها أعني إلزام الحجة ببعثة الرسل واستحقاق التدمير بتكذيبهم.
(1/3393)

المسألة الرابعة : قوله تعالى : {اذْهَبَآ إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِـاَايَـاتِنَا} إن حملنا تكذيب الآيات على تكذيب آيات الإلهية فلا إشكال ، وإن حملناه على تكذيب آيات النبوة فاللفظ ، وإن كان للماضي إلا أن المراد هو المستقبل.
القصة الثانية ـ قصة نوح عليه السلام
جزء : 24 رقم الصفحة : 459
461
اعلم أنه تعالى إنما قال : {كَذَّبُوا الرُّسُلَ} إما لأنهم كانوا من البراهمة المنكرين لكل الرسل أو لأنه كان تكذيبهم لواحد منهم تكذيباً للجميع ، لأن تكذيب الواحد منهم لا يمكن إلا بالقدح في المعجز ، وذلك يقتضي تكذيب الكل ، أو لأن المراد بالرسل وإن كان نوحاً عليه السلام وحده ولكنه كما يقال فلان يركب الأفراس.
أما قوله : {أَغْرَقْنَـاهُمْ} فقال الكلبي : أمظر الله عليهم السماء أربعين يوماً وأخرج ماء الأرض أيضاً في تلك الأربعين فصارت الأرض بحراً واحداً {وَجَعَلْنَـاهُمْ} أي وجعلنا إغراقهم أو قصتهم آية ، {وَأَعْتَدْنَا لِلظَّـالِمِينَ} أي لكل من سلك سبيلهم في تكذيب الرسل عذاباً أليماً ، ويحتمل أن يكون المراد قوم نوح.
/ القصة الثالثة ـ قصة عاد وثمود وأصحاب الرس
جزء : 24 رقم الصفحة : 461
461
المسألة الأولى : عطف {عَادًا} على (هم) في {وَجَعَلْنَـاهُمْ} أو على (الظالمين) لأن المعنى ووعدنا الظالمين.
المسألة الثانية : قرىء و{ثَمُودُ} على تأويل القبيلة ، وأما على المنصرف فعلى تأويل الحي أو لأنه اسم للأب الأكبر.
المسألة الثالثة : قال أبو عبيدة الرس هو البئر غير المطوية ، قال أبو مسلم : في البلاد موضع يقال له الرس فجائز أن يكون ذلك الوادي سكناً لهم ، والرس عند العرب الدفن ، ويسمى به الحفر يقال رس الميت إذا دفن وغيب في الحفرة ، وفي التفسير أنه البئر ، وأي شيء كان فقد أخبر الله تعالى عن أهل الرس بالهلاك انتهى.
المسألة الرابعة : ذكر المفسرون في أصحاب الرس وجوهاً : أحدها : كانوا قوماً من عبدة الأصنام أصحاب آبار ومواش ، فبعث الله تعالى إليهم شعيباً عليه السلام فدعاهم إلى الإسلام فتمادوا في طغيانهم وفي إيذائه فبينما هم حول الرس خسف الله بهم وبدارهم وثانيها : الرس قرية بفلج اليمامة قتلوا نبيهم فهلكوا وهم بقية ثمود وثالثها : أصحاب النبي حنظلة بن صفوان كانوا مبتلين بالعنقاء ، وهي أعظم ما يكون من الطير سميت بذلك لطول عنقها وكانت تسكن جبلهم الذي يقال له فتح وهي تنقض على صبيانهم فتخطفهم إن أعوزها الصيد فدعا عليها حنظلة فأصابتها الصاعقة ، ثم إنهم قتلوا حنظلة فأهلكوا ورابعها : هم أصحاب الأخدود ، والرس هو الأخدود وخامسها : الرس أنطاكية قتلوا فيها حبيباً النجار ، وقيل (كذبوه) ورسوه في بئر أي دسوه فيها وسادسها : عن علي عليه السلام أنهم كانوا قوماً يعبدون شجرة الصنوبر وإنما سموا بأصحاب الرس لأنهم رسوا نبيهم في الأرض وسابعها : أصحاب الرس قوم كانت لهم قرى على شاطىء نهر يقال له الرس من بلاد المشرق فبعث الله تعالى إليهم نبياً من ولد يهودا بن يعقوب فكذبوه فلبث فيهم زمناً فشكى إلى الله تعالى منهم فحفروا بئراً ورسوه فيها وقالوا نرجو أن يرضى عنا إلهنا وكانوا عامة يومهم يسمعون أنين نبيهم يقول : إلهي وسيدي ترى ضيق مكاني وشدة كربي وضعف قلبي وقلة حيلتي فعجل قبض روحي حتى مات ، فأرسل الله تعالى ريحاً / عاصفة شديدة الحمرة فصارت الأرض من تحتهم حجر كبريت متوقد وأظلتهم سحابة سوداء فذابت أبدانهم كما يذوب الرصاص وثامنها : روى ابن جرير عن الرسول صلى الله عليه وسلّم أن الله بعث نبياً إلى أهل قرية فلم يؤمن به من أهلها أحد إلا عبد أسود ثم عدوا على الرسول فحفروا له بئراً فألقوه فيها ، ثم أطبقوا عليه حجراً ضخماً ، وكان ذلك العبد يحتطب فيشتري له طعاماً وشراباً ويرفع الصخرة ويدليه إليه فكان ذلك ما شاء الله فاحتطب يوماً فلما أراد أن يحملها وجد نوماً فاضطجع فضرب الله على أذنه سبع سنين نائماً ، ثم انتبه وتمطى وتحول لشقه الآخر فنام سبع سنين أخرى ، ثم هب فحمل حزمته فظن أنه نام ساعة من نهار فجاء إلى القرية فباع حزمته واشترى طعاماً وشراباً وذهب إلى الحفرة فلم يجد أحداً ، وكان قومه قد استخرجوه وآمنوا به وصدقوه ، وكان ذلك النبي يسألهم عن الأسود ، فيقولون لا ندري حاله حتى قبض الله النبي وقبض ذلك الأسود ، فقال عليه السلام : "إن ذلك الأسود لأول من يدخل الجنة" واعلم أن القول ما قاله أبو مسلم وهو أن شيئاً من هذه الروايات غير معلوم بالقرآن ، ولا بخبر قوي الإسناد ، ولكنهم كيف كانوا فقد أخبر الله تعالى عنهم أنهم أهلكوا بسبب كفرهم.
جزء : 24 رقم الصفحة : 461
المسألة الخامسة : قال النخعي : القرن أربعون سنة/ وقال علي عليه السلام : بل سبعون سنة ، وقيل مائة وعشرون.
(1/3394)

المسألة السادسة : قوله بين ذلك أي {بَيْنَ ذَالِكَ} المذكور وقد يذكر الذاكر أشياء مختلفة ثم يشير إليها بذلك ويحسب الحاسب أعداداً متكاثرة ، ثم يقول فذلك كيت وكيت على معنى فذلك المحسوب أو المعدود.
أما قوله : {وَكُلا ضَرَبْنَا لَهُ الامْثَـالَ } فالمراد بينا لهم وأزحنا عللهم فلما كذبوا تبرناهم تتبيراً ويحتمل {وَكُلا ضَرَبْنَا لَهُ الامْثَـالَ } بأن أجبناهم عما أوردوه من الشبه في تكذيب الرسل كما أورده قومك يا محمد ، فلما لم ينجع فيه تبرناهم تتبيراً ، فحذر تعالى بذلك قوم محمد صلى الله عليه وسلّم في الاستمرار على تكذيبه لئلا ينزل بهم مثل الذي نزل بالقوم عاجلاً وآجلاً.
المسألة السابعة : (كلاً) الأول منصوب بما دل عليه {ضَرَبْنَا لَهُ الامْثَـالَ } وهو أنذرنا أو حذرنا ، والثاني بتبرنا لأنه فارغ له.
المسألة الثامنة : التتبير التفتيت والتكسير ، ومنه التبر وهو كسارة الذهب والفضة والزجاج.
القصة الرابعة ـ قصة لوط عليه السلام
جزء : 24 رقم الصفحة : 461
464
/ واعلم أنه تعالى أراد بالقرية سدوم من قرى قوم لوط عليه السلام وكانت خمساً أهلك الله تعالى أربعاً بأهلها وبقيت واحدة ، و(مطر السوء) الحجارة يعني أن قريشاً مروا مراراً كثيرة في متاجرهم إلى الشأم على تلك القرية التي أهلكت بالحجارة من السماء ، {أَفَلَمْ يَكُونُوا } في (مرار) مرورهم ينظرون إلى آثار عذاب الله تعالى ونكاله (ويذَّكرون) {بَلْ كَانُوا } قوماً كفرة {لا يَرْجُونَ نُشُورًا} وذكروا في تفسير {يَرْجُونَ} وجوها : أحدها : وهو الذي قاله القاضي وهو الأقوى أنه محمول على حقيقة الرجاء لأن الإنسان لا يتحمل متاعب التكاليف ومشاق النظر والاستدلال إلا لرجاء ثواب الآخرة فإذا لم يؤمن بالآخرة لم يرج ثوابها فلا يتحمل تلك المشاق والمتاعب وثانيها : معناه لا يتوقعون نشوراً (وعاقبة) ، فوضع الرجاء موضع التوقع لأنه إنما يتوقع العاقبة من يؤمن ، وثالثها : معناه لا يخافون على اللغة التهامية ، وهو ضعيف والأول هو الحق.
جزء : 24 رقم الصفحة : 464
473
اعلم أنه سبحانه لما بين مبالغة المشركين في إنكار نبوته وفي إيراد الشبهات في ذلك ، بين بعد ذلك أنهم إدا رأوا الرسول اتخذوه هزواً فلم يقتصروا على ترك الإيمان به بل زادوا عليه بالاستهزاء والاستحقار ، ويقول بعضهم لبعض {أَهَـاذَا الَّذِى بَعَثَ اللَّهُ رَسُولا} وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قال صاحب "الكشاف" (إنْ) الأولى نافية والثانية مخففة من الثقيلة ، واللام هي الفارقة بينهما.
/ المسألة الثانية : جواب (إذا) هو ما أضمر من القول يعني وإذا رأوك مستهزئين قالوا أبعث الله هذا رسولاً ، وقوله : {إِن يَتَّخِذُونَكَ} جملة اعترضت بين (إذا) وجوابها.
المسألة الثالثة : اتخذوه هزواً في معنى استهزؤا به والأصل اتخذوه موضع هزء أو مهزوءاً به.
جزء : 24 رقم الصفحة : 473
(1/3395)

المسألة الرابعة : اعلم أن الله تعالى أخبر عن المشركين أنهم متى رأوا الرسول أتوا بنوعين من الأفعال أحدهما أنهم يستهزئون به ، وفسر ذلك الاستهزاء بقوله : {أَهَـاذَا الَّذِى بَعَثَ اللَّهُ رَسُولا} وذلك جهل عظيم لأن الاستهزاء إما أن يقع بصورته أو بصفته. أما الأول فباطل لأنه عليه الصلاة والسلام كان أحسن منهم صورة وخلقة ، وبتقدير أنه لم يكن كذلك ، لكنه عليه السلام ما كان يدعي التمييز عنهم بالصورة بل بالحجة. وأما الثاني فباطل لأنه عليه السلام ادعى التميز عنهم في ظهور المعجز عليه دونهم ، وأنهم ما قدروا على القدح في حجته ودلالته ، ففي الحقيقة هم الذين يستحقون أن يهزأ بهم ، ثم إنهم لوقاحتهم قلبوا القضية واستهزؤا بالرسول عليه السلام ، وذلك يدل على أنه ليس للمبطل في كل الأوقات إلا السفاهة والوقاحة. وثانيهما أنهم كانوا يقولون فيه : {إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ ءَالِهَتِنَا لَوْلا أَن صَبَرْنَا عَلَيْهَا } وذلك يدل على أمور : الأول : أنهم سموا ذلك إضلالاً ، وذلك يدل على أنهم كانوا مبالغين في تعظيم آلهتهم وفي استعظام صنيعه صلى الله عليه وسلّم في صرفهم عنه ، وذلك يدل على أنهم كانوا يعتقدون أن هذا هو الحق ، فمن هذا الوجه يبطل قول أصحاب المعارف في أنه لا يكفر إلا من يعرف الدلائل لأنهم جهلوه ، ثم نسبهم الله تعالى إلى الكفر واضلال ، وقولهم : {لَوْلا أَن صَبَرْنَا عَلَيْهَا } يدل أيضاً على ذلك الثاني : يدل هذا القول منهم على جد الرسول عليه السلام واجتهاده في صرفهم عن عبادة الأوثان ، ولولا ذلك لما قالوا : {إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ ءَالِهَتِنَا لَوْلا أَن صَبَرْنَا عَلَيْهَا } وهكذا كان عليه السلام فإنه في أول الأمر بالغ في إيراد الدلائل والجواب عن الشبهات وتحمل ما كانوا يفعلونه من أنواع السفاهة وسوء الأدب الثالث : أن هذا يدل على اعتراف القوم بأنهم لم يعترضوا ألبتة على دلائل الرسول صلى الله عليه وسلّم وما عارضوها إلا بمحض الجحود والتقليد لأن قولهم : {لَوْلا أَن صَبَرْنَا عَلَيْهَا } إشارة إلى الجحود والتقليد ، ولو ذكروا اعتراضاً على دلائل الرسول عليه السلام لكان ذكر ذلك أولى من ذكر مجرد الجحود والإصرار الذي هو دأب الجهال/ وذلك يدل على أن القوم كانوا مقهورين تحت حجته عليه السلام ، وأنه ما كان في أيديهم إلا مجرد الوقاحة الرابع : الآية تدل على أن القوم صاروا في ظهور حجته عليه السلام عليهم كالمجانين لأنهم استهزؤا به أولاً ، ثم وصفوه بأنه كاد يضلنا عن آلهتنا لولا أن قابلناه بالجحود والإصرار ، فهذا الكلام الأخير يدل على أن القوم سلموا له قوة الحجة وكمال العقل والكلام الأول وهو السخرية والاستهزاء لا يليق إلا بالجاهل العاجز ، فالقوم لما جمعوا بين هذين الكلامين دل ذلك على أنهم كانوا كالمتحيرين في أمره ، فتارة بالوقاحة يستهزئون منه ، وتارة يصفونه بما لا يليق إلا بالعالم الكامل ، ثم إنه سبحانه لما حكى عنهم هذا / الكلام زيف طريقتهم في ذلك من ثلاثة أوجه أولها : قوله :
جزء : 24 رقم الصفحة : 473
{وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلا} لأنهم لما وصفوه بالإضلال في قولهم : {إِن كَانَ} بين تعالى أنه سيظهر لهم من المضل ومن الضال عند مشاهدة العذاب الذي لا مخلص لهم منه فهو وعيد شديد لهم على التعامي والإعراض عن الاستدلال والنظر وثانيها : قوله تعالى : {سَبِيلا * أَرَءَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَـاهَه هَوَاـاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلا} والمعنى أنه سبحانه بين أن بلوغ هؤلاء في جهالتهم وإعراضهم عن الدلائل إنما كان لاستيلاء التقليد عليهم وأنهم اتخذوا أهواءهم آلهة ، فكل ما دعاهم الهوى إليه انقادوا له ، سواء منع الدليل منه أو لم يمنع ، ثم ههنا أبحاث :
الأول : قوله : {أَرَءَيْتَ} كلمة تصلح للإعلام والسؤال ، وههنا هي تعجيب من جهل من هذا وصفه ونعته.
الثاني : قوله : {اتَّخَذَ إِلَـاهَه هَوَاـاهُ} معناه اتخذ إلهه ما يهواه أو إلهاً يهواه ، وقيل هو مقلوب ومعناه اتخذ هواه إلهه وهذا ضعيف ، لأن قوله : {اتَّخَذَ إِلَـاهَه هَوَاـاهُ} يفيد الحصر ، أي لم يتخذ لنفسه إلهاً إلا هواه ، وهذا المعنى لا يحصل عند القلب. قال ابن عباس : الهوى إله يعبد ، وقال سعيد بن جبير : كان الرجل من المشركين يعبد الصنم فإذا رأى أحسن منه رماه واتخذ الآخر وعبده.
الثالث : قوله : {أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلا} أي حافظاً تحفظه من اتباع هواه أي لست كذلك.
(1/3396)

الرابع : نظير هذه الآية قوله تعالى : {لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ} (الغاشية : 22) وقوله : {وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ } (ق : 45) وقوله : {لا إِكْرَاهَ فِى الدِّينِ } (البقرة : 256) قال الكلبي : نسختها آية القتال وثالثها : قوله : {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ } أم ههنا منقطعة ، معناه بل تحسب ، وذلك يدل على أن هذه المذمة أشد من التي تقدمتها حتى حقت بالإضراب عنها إليها ، وهي كونهم مسلوبي الأسماع والعقول ، لأنهم لشدة عنادهم لا يصغون إلى الكلام ، وإذا سمعوه لا يتفكرون فيه ، فكأنه ليس لهم عقل ولا سمع ألبتة ، فعند ذلك شبههم بالأنعام في عدم انتفاعهم بالكلام وعدم إقدامهم على التدبر والتفكر وإقبالهم على اللذات الحاضرة الحسية وإعراضهم عن طلب السعادات الباقية العقلية وها هنا سؤالات :
جزء : 24 رقم الصفحة : 473
السؤال الأول : لم قال : {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ} فحكم بذلك على الأكثر دون الكل ؟
والجواب : لأنه كان فيهم من يعرف الله تعالى ويعقل الحق ، إلا أنه ترك الإسلام لمجرد حب الرياسة لا للجهل.
السؤال الثاني : لم جعلوا أضل من الأنعام ؟
الجواب : من وجوه : أحدها : أن الأنعام تنقاد لأربابها وللذي يعلفها ويتعهدها وتميز بين من يحسن إليها وبين من يسيء إليها ، وتطلب ما ينفعها وتجتنب ما يضرها ، وهؤلاء لا ينقادون لربهم ولا يميزون بين إحسانه إليهم وبين إساءة الشيطان إليهم الذين هو عدو لهم ، ولا يطلبون الثواب الذي هو أعظم المنافع/ ولا يحترزون من العقاب الذي هو أعظم المضار وثانيها : أن قلوب الأنعام كما أنها تكون خالية عن العلم فهي / خالية عن الجهل الذي هو اعتقاد المعتقد على خلاف ما هو عليه مع التصميم. وأما هؤلاء فقلوبهم كما خلت عن العلم فقد اتصفت بالجهل فإنهم لا يعلمون ولا يعلمون أنهم لا يعلمون ، بل هم مصرون على أنهم يعلمون وثالثها : أن عدم علم الأنعام لا يضر بأحد أما جهل هؤلاء فإنه منشأ للضرر العظيم ، لأنهم يصدون الناس عن سبيل الله ويبغونها عوجاً ورابعها : أن الأنعام لا تعرف شيئاً ولكنهم عاجزون عن الطلب وأما هؤلاء الجهال فإنهم ليسوا عاجزين عن الطلب ، والمحروم عن طلب المراتب العالية إذا عجز عنه لا يكون في استحقاق الذم كالقادر عليه التارك له لسوء اختياره وخامسها : أن البهائم لا تستحق عقاباً على عدم العلم ، أما هؤلاء فإنهم يستحقون عليه أعظم العقاب وسادسها : أن البهائم تسبح الله تعالى على مذهب بعض الناس على ما قال {وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدَه } (الأسراء : 44) وقال : {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَه مَن فِى السَّمَـاوَاتِ} إلى قوله : {وَالدَّوَآبِّ} (الحج : 18) وقال : {وَالطَّيْرُ صَـا فَّـاتٍا كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَه وَتَسْبِيحَه } (النور : 41) وإذا كان كذلك فضلال الكفار أشد وأعظم من ضلال هذه الأنعام.
السؤال الثالث : أنه سبحانه لما نفى عنهم السمع والعقل ، فكيف ذمهم على الإعراض عن الدين وكيف بعث الرسول إليهم فإن من شرط التكليف العقل ؟
الجواب : ليس المراد أنهم لا يعقلون بل إنهم لا ينتفعون بذلك العقل ، فهو كقول الرجل لغيره إذا لم يفهم إنما أنت أعمى وأصم.
جزء : 24 رقم الصفحة : 473
474
/ اعلم أنه تعالى لما بين جهل المعرضين عن دلائل الله تعالى وفساد طريقهم في ذلك ذكر بعده أنواعاً من الدلائل الدالة على وجود الصانع.
النوع الأول : الاستدلال بحال الظل في زيادته ونقصانه وتغيره من حال إلى حال ، وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قوله : {أَلَمْ تَرَ} فيه وجهان : أحدهما : أنه من رؤية العين والثاني : أنه من رؤية القلب يعني العلم ، فإن حلمناه على رؤية العين فالمعنى أم تر إلى الظل كيف مده ربك وإن كان تخريج لفظه على عادة العرب أفصح وإن حملناه على العلم وهو اختيار الزجاج ، فالمعنى ألم تعلم وهذا أولى وذلك أن الظل إذا جعلناه من المبصرات فتأثير قدرة الله تعالى في تمديده غير مرئي بالاتفاق ، ولكنه معلوم من حيث إن كل متغير جائز فله مؤثر فحمل هذا اللفظ على رؤية القلب أولى من هذا الوجه.
المسألة الثانية : المخاطب بهذا الخطاب وإن كان هو الرسول عليه السلام بحسب ظاهر اللفظ ولكن الخطاب عام في المعنى ، لأن المقصود من الآية بيان نعم الله تعالى بالظل ، وجميع المكلفين مشتركون في أنه يجب تنبههم لهذه النعمة وتمكنهم من الاستدلال بها على وجود الصانع.
المسألة الثالثة : الناس أكثروا في تأويل هذه الآية والكلام الملخص يرجع إلى وجهين :
جزء : 24 رقم الصفحة : 474
(1/3397)

الأول : أن الظل هو الأمر المتوسط بين الضوء الخالص وبين الظلمة الخالصة وهو ما بين ظهور الفجر إلى طلوع الشمس ، وكذا الكيفيات الحاصلة داخل السقف وأفنية الجدران وهذه الحالة أطيب الأحوال لأن الظلمة الخالصة يكرهها الطبع وينفر عنها الحس ، وأما الضوء الخالص وهو الكيفية الفائضة من الشمس فهي لقوتها تبهر الحس البصري وتفيد السخونة القوية وهي مؤذية ، فإذن أطيب الأحوال هو الظل ولذلك وصف الجنة به فقال : {وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ} (الواقعة : 30) وإذا ثبت هذا فنقول إنه سبحانه بين أنه من النعم العظيمة والمنافع الجليلة ، ثم إن الناظر إلى الجسم الملون وقت الظل كأنه لا يشاهد شيئاً سوى الجسم وسوى اللون ، ونقول الظل ليس أمراً ثالثاً ، ولا يعرف به إلا إذا طلعت الشمس ووقع ضوؤها على الجسم زال ذلك الظل فلولا الشمس ووقوع ضوئها على الأجرام لما عرف أن للظل وجوداً وماهية لأن الأشياء إنما تعرف بأضدادها ، فلولا الشمس لما عرف الظل ، ولولا الظلمة لما عرف النور ، فكأنه سبحانه وتعالى لما طلع الشمس على الأرض وزال الظل ، فحينئذ ظهر للعقول أن الظل كيفية زائدة على الجسم واللون ، فلهذا قال سبحانه {ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلا} أي خلقنا الظل أولاً بما فيه من المنافع واللذات ثم إنا هدينا العقول إلى معرفة وجوده بأن أطلعنا الشمس فكانت الشمس دليلاً على وجود هذه النعمة ، ثم قبضناه أي أزلنا الظل لا دفعة بل يسيراً يسيراً فإن كلما ازداد ارتفاع الشمس ازداد نقصان الظل في جانب المغرب ، ولما كان الحركات المكانية لا توجد دفعة بل يسيراً يسيراً فكذا زوال الإظلال لا يكون / دفعة بل يسيراً يسيراً ، ولأن قبض الظل لو حصل دفعة لاختلت المصالح/ ولكن قبضها يسيراً يسيراً يفيد معه أنواع مصالح العالم ، والمراد بالقبض الإزالة والإعدام هذا أحد التأويلين.
التأويل الثاني : وهو أنه سبحانه وتعالى لما خلق الأرض والسماء وخلق الكواكب والشمس والقمر وقع الظل على الأرض ، ثم إنه سبحانه خلق الشمس دليلاً عليه وذلك لأن بحسب حركات الأضواء تتحرك الأظلال فإنهما متعاقبان متلازمان لا واسطة بينهما فبمقدار ما يزداد أحدهما ينقص الآخر ، وكما أن المهتدي يهتدي بالهادي والدليل ويلازمه ، فكذا الأظلال كأنها مهتدية وملازمة للأضواء فلهذا جعل الشمس دليلاً عليها.
وأما قوله : {ثُمَّ قَبَضْنَـاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا} فأما أن يكون المراد منه انتهاء الأظلال يسيراً يسيراً إلى غاية نقصاناتها ، فسمى إزالة الأظلال قبضاً لها أو يكون المراد من قبضها يسيراً قبضها عند قيام الساعة ، وذلك بقبض أسبابها وهي الأجرام التي تلقي الأظلال وقوله : {يَسِيرًا} هو كقوله : {ذَالِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ} (ق : 44) فهذا هو التأويل الملخص.
جزء : 24 رقم الصفحة : 474
المسألة الرابعة : وجه الاستدلال به على وجود الصانع المحسن أن حصول الظل أمر نافع للأحياء والعقلاء ، وأما حصول الضوء الخالص ، أو الظلمة الخالصة ، فهو ليس من باب المنافع ، فحصول ذلك الظل ، إما أن يكون من الواجبات أو من الجائزات ، والأول باطل وإلا لما تطرق التغير إليه ، لأن الواجب لا يتغير فوجب أن يكون من الجائزات ، فلا بد له في وجوده بعد العدم ، وعدمه بعد الوجود ، من صانع قادر مدبر محسن يقدره بالوجه النافع ، وما ذاك إلا من يقدر على تحريك الأجرام العلوية وتدبير الأجسام الفلكية وترتيبها على الوصف الأحسن والترتيب الأكمل ، وما هو إلا الله سبحانه وتعالى. فإن قيل : الظل عبارة عن عدم الضوء عما شأنه أن يضيء ، فكيف استدل بالأمر العدمي على ذاته ، وكيف عده من النعم ؟
قلنا : الظل ليس عدماً محضاً ، بل هو أضواء مخلوطة بظلم ، والتحقيق أن الظل عبارة عن الضوء الثاني وهو أمر وجودي ، وفي تحقيقه وبسطه كلام دقيق يرجع فيه إلى كتبنا العقلية.
(1/3398)

النوع الثاني : قوله تعالى : {وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا} اعمل أنه تعالى شبه الليل من حيث إنه يستر الكل ويغطي باللباس الساتر للبدن ، ونبه على ما لنا فيه من النفع بقوله : {وَالنَّوْمَ سُبَاتًا} والسبات هو الراحة وجعل النوم سباتاً لأنه سبب للراحة قال أبو مسلم : السبات الراحة ومنه يوم السبت لما جرت به العادة من الاستراحة فيه ، ويقال للعليل إذا استراح من تعب العلة مسبوت ، وقال صاحب "الكشاف" السبات الموت والمسبوت الميت لأنه مقطوع الحياة قال : وهذا كقوله : {وَهُوَ الَّذِى يَتَوَفَّـاـاكُم بِالَّيْلِ} (الأنعام : 60) وإنما قلنا إن تفسيره بالموت أولى من تفسيره بالراحة ، لأن النشور في مقابلته يأباه ، قال أبو مسلم : وجعل النهار نشوراً} هو بمعنى الانتشار والحركة كما سمى تعالى نوم الإنسان وفاة ، فقال : هو بمعنى الانتشار والحركة كما سمى تعالى نوم الإنسان وفاة ، فقال : {اللَّهُ يَتَوَفَّى الانفُسَ حِينَ مَوْتِهَا} (الزمر : 42) والتي لم تمت في منامها كذلك وفق بين القيام من النوم والقيام من الموت في التسمية بالنشور ، وهذه الآية مع دلالتها على قدرة الخالق فيها إظهار لنعمه على خلقه ، لأن الاحتجاب بستر الليل كم فيه لكثير من الناس من فوائد دينية ودنيوية ، والنوم واليقظة شبههما بالموت والحياة ، وعن لقمان أنه قال لابنه : كما تنام فتوقظ ، كذلك تموت فتنشر.
جزء : 24 رقم الصفحة : 474
النوع الثالث : قوله : {وَهُوَ الَّذِى أَرْسَلَ الرِّيَـاحَ بُشْرَا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِه } وقد تقدم تفسيره في سورة الأعراف/ ثم فيه مسائل :
المسألة الأولى : قرىء (الريح) و(الرياح) ، قال الزجاج : وفي (نشراً) خمسة أوجه بفتح النون وبضمها وبضم النون والشين وبالباء الموحدة مع ألف والمؤنث وبشراً بالتنوين ، قال أبو مسلم في قرأ (بشراً) أراد جمع بشير مثل قوله تعالى : {وَمِنْ ءَايَـاتِه أَن يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ} (الروم : 46) وأما بالنون فهو في معنى قوله : {وَالنَّـاشِرَاتِ نَشْرًا} (المرسلات : 3) وهي الرياح ، والرحمة الغيث والماء والمطر.
المسألة الثانية : قوله : {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءً طَهُورًا} نص في أنه تعالى ينزل الماء من السماء ، لا من السحاب. وقول من يقول السحاب سماء ضعيف لأن ذاك بحسب الاشتقاق ، وأما بحسب وضع اللغة فالسماء اسم لهذا السقف المعلوم فصرفه عنه ترك للظاهر.
المسألة الثالثة : اختلفوا في أن الطهور ما هو ؟
قال كثير من العلماء الطهور ما يتطهر به كالفطور ما يفطر به ، والسحور ما يتسحر به وهو مروي أيضاً عن ثعلب ، وأنكر صاحب "الكشاف" ذلك ، وقال ليس فعول من التفعيل في شيء والطهور على وجهين في العربية : صفة واسم غير صفة فالصفة قولك : ماء طهور كقولك طاهر ، والاسم قولك طهور لما يتطهر به كالوضوء والوقود لما يتوضأ به ويوقد به النار. حجة القول الأول قوله عليه السلام : "التراب طهور المسلم ولو لم يجد الماء عشر حجج" ولو كان معنى الطهور الطاهر لكان معناه التراب طاهر للمسلم وحينئذ لا ينتظم الكلام ، وكذا قوله عليه السلام : "طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسله سبعاً" ولو كان الطهور الطاهر لكان معناه طاهر إناء أحدكم وحينئذ لا ينتظم الكلام ، ولأنه تعالى قال : {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَآءِ مَآءً لِّيُطَهِّرَكُم بِه } (الأنفال : 11) فبين أن المقصود من الماء إنما هو التطهر به فوجب أن يكون المراد من كونه طهوراً أنه هو المطهر به لأنه تعالى ذكره في معرض الإنعام ، فوجب حمله على الوصف الأكمل ولا شك أن المطهر أكمل من الطاهر.
المسألة الرابعة : اعلم أن الله تعالى ذكر من منافع الماء أمرين : أحدهما : ما يتعلق بالنبات والثاني : ما يتعلق بالحيوان ، أما أمر النبات فقوله : {لِّنُحْـاِىَ بِه بَلْدَةً مَّيْتًا} وفيه سؤالات :
جزء : 24 رقم الصفحة : 474
السؤال الأول : لم قال {لِّنُحْـاِىَ بِه بَلْدَةً} ميتاً ولم يقل ميتة ؟
الجواب : لأن البلدة في معنى البلد في قوله : {فَسُقْنَـاهُ إِلَى بَلَدٍ مَّيِّتٍ} (فاطر : 9).
السؤال الثاني : ما المراد من حياة البلد وموتها ؟
الجواب : الناس يسمون ما لا عمارة فيه من الأرض مواتاً ، وسقيها المقتضي لعمارتها إحياء لها.
/ السؤال الثالث : أن جماعة الطبائعيين وكذا الكعبي من المعتزلة قالوا إن بطبع الأرض والماء وتأثير الشمس فيهما يحصل النبات وتمسكوا بقوله تعالى : {لِّنُحْـاِىَ بِه بَلْدَةً مَّيْتًا} فإن الباء في (به) تقتضي أن للماء تأثيراً في ذلك الجواب : الظاهر وإن دل عليه لكن المتكلمون تركوه لقيام الدلالة على فساد الطبع وأما أمر الحيوان فقوله سبحانه : {وَنُسْقِيَه مِمَّا خَلَقْنَآ أَنْعَـامًا وَأَنَاسِىَّ كَثِيرًا} وفيه سؤالات :
(1/3399)

السؤال الأول : لم خص الإنسان والأنعام ههنا بالذكر دون الطير والوحش مع انتفاع الكل بالماء ؟
الجواب : لأن الطير والوحش تبعد في طلب الماء فلا يعوزها الشرب بخلاف الأنعام لأنها قنية الأناسي وعامة منافعهم متعلقة بها فكأن الإنعام عليهم بسقي أنعامهم كالإنعام عليهم بسقيهم.
السؤال الثاني : ما معنى تنكير الأنعام والأناسى ووصفهما بالكثرة ؟
الجواب : معناه أن أكثر الناس يجتمعون في البلاد القريبة من الأودية والأنهار (ومنافع) المياه فهم في غنية (في شرب المياه عن المطر)/ وكثير منهم نازلون في البوادي فلا يجدون المياه للشرب إلا عند نزول المطر وذلك قوله : {لِّنُحْـاِىَ بِه بَلْدَةً مَّيْتًا} يريد بعض بلاد هؤلاء المتباعدين عن مظان الماء ويحتمل في (كثير) أن يرجع إلى قوله : {وَنُسْقِيَه } لأن الحي يحتاج إلى الماء حالاً بعد حال وهو مخالف للنبات الذي يكفيه من الماء قدر معين ، حتى لو زيد عليه بعد ذلك لكان إلى الضرر أقرب ، والحيوان يحتاج إليه حالاً بعد حال ما دام حياً.
السؤال الثالث : لم قدم إحياء الأرض وسقي الأنعام على سقي الأناسي الجواب : لأن حياة الأناسي بحياة أرضهم وحياة أنعامهم ، فقدم ما هو سبب حياتهم ومعيشتهم على سقيهم لأنهم إذا ظفروا بما يكون سقيا لأرضهم ومواشيهم فقد ظفروا أيضاً بسقياهم وأيضاً فقوله تعالى : {وَلَقَدْ صَرَّفْنَـاهُ بَيْنَهُمْ} (الفرقان : 50) يعني صرف المطر كل سنة إلى جانب آخر ، وإذا كان كذلك فلا يسقي الكل منه بل يسقي كل سنة أناسي كثيراً منه.
جزء : 24 رقم الصفحة : 474
السؤال الرابع : ما الأناسي ؟
الجواب : قال الفراء والزجاج : الإنسي والأناسي كالكرسي والكراسي ، ولم يقل كثيرين لأنه قد جاء فعيل مفرداً ويراد به الكثرة كقوله : {وَقُرُونَا بَيْنَ ذَالِكَ كَثِيرًا} (الفرقان : 38) {وَحَسُنَ أُوالَـا ئِكَ رَفِيقًا} (النساء : 69).
واعلم أن الفقهاء قد استنبطوا أحكام المياه من قوله تعالى : {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءً طَهُورًا} ونحن نشير إلى معاقد تلك المسائل فنقول ههنا نظران : أحدهما : أن الماء مطهر والثاني : أن غير الماء هل هو مطهر أم لا ؟
النظر الأول : أن نقول الماء إما أن لا يتغير أو يتغير القسم الأول وهو الذي لا يتغير فهو طاهر في ذاته مطهر لغيره ، إلا الماء المستعمل / فإنه عند الشافعي طاهر وليس بمطهر ، وقال مالك والثوري يجوز الوضوء به ، وقال أبو حنيفة في رواية أبي يوسف إنه نجس فههنا مسائل :
المسألة الأولى : في بيان أنه ليس بمطهر ، ودليلنا قوله عليه السلام : "لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب" ولو بقي الماء كما كان طاهراً مطهراً لما كان للمنع منه معنى ، ومن وجه القياس أن الصحابة كانوا يتوضؤون في الأسفار وما كانوا يجمعون تلك المياه مع علمهم باحتياجهم بعد ذلك إلى الماء ، ولو كان ذلك الماء مطهراً لحملوه ليوم الحاجة ، واحتج مالك بالآية والخبر والقياس. أما الآية فمن وجهين : الأول : قوله تعالى : {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءً طَهُورًا} وقوله : {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَآءِ مَآءً لِّيُطَهِّرَكُم بِه } (الأنفال : 11) فدلت الآية على حصول وصف المطهرية للماء ، والأصل في الثابت بقاؤه ، فوجب الحكم ببقاء هذه الصفة للماء بعد صيرورته مستعملاً ، وأيضاً قوله : {طَهُورًا} يقتضي جواز التطهر به مرة بعد أخرى والثاني : أنه أمر بالغسل مطلقاً في قوله : {فاغْسِلُوا } (المائدة : 6) واستعمال كل المائعات غسل ، لأنه لا معنى للغسل إلا إمرار الماء على العضو ، قال الشاعر :
فياحسنها إذ يغسل الدمع كحلها
فمن اغتسل بالماء المستعمل فقد أتى بالغسل ، فوجب أن يكون مجزئاً له لأنه أتى بما أمر به فوجب أن يخرج عن العهدة وأما السنة فما روي أنه عليه السلام "توضأ فمسح رأسه بفضل ما في يده" وعنه عليه السلام : "أنه توضأ فأخذ من بلل لحيته فمسح به رأسه" وعن ابن عباس أنه عليه السلام : "اغتسل فرأى لمعة في جسده لم يصبها الماء ، فأخذ شعرة عليها بلل فأمرها على تلك اللمعة". وأما القياس فإنه ماء طاهر لقي جسداً طاهراً فأشبه ما إذا لقي حجارة أو حديداً ، وكذا الماء المستعمل في الكرة الرابعة والمستعمل في التبرد والتنظيف ، ولأنه لا خلاف أنه إذا وضع الماء على أعلى وجهه وسقط به فرض ذلك الموضع/ ثم نزل ذلك الماء بعينه إلى بقية الوجه فإنه يجزيه مع أن ذلك الماء صار مستعملاً في أعلى الوجه.
جزء : 24 رقم الصفحة : 474
(1/3400)

المسألة الثانية : الدليل على أن الماء المستعمل طاهر قوله تعالى : {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءً طَهُورًا} ومن السنة أنه عليه السلام : أخذ من بلل لحيته ومسح به رأسه ، وقال : "خلق الماء طهوراً لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو ريحه أو لونه" وقال الشافعي : إنه عليه السلام توضأ ولا شك أنه أصابه ما تساقط منه ، ولم ينقل أنه غير ثوبه ولا أنه غسله ، ولا أحد من المسلمين فعل ذلك ، فثبت أنهم أجمعوا على أنه ليس بنجس ، ولأنه ماء طاهر لقي جسماً طاهراً فأشبه ما إذا لاقى حجارة.
المسألة الثالثة : الماء المستعمل إما أن يكون مستعملاً في أعضاء الوضوء أو في غسل الثياب ، أما المستعمل في أعضاء الوضوء فإما أن يكون مستعملاً فيما كان فرضاً وعبادة ، أو فيما كان فرضاً ولا يكون عبادة ، أو فيما كان عبادة ولا يكون فرضاً ، أو فيما لا يكون فرضاً ولا عبادة.
أما القسم الأول : وهو المستعمل فيما كان فرضاً وعبادة فهو غير مطهر باتفاق أصحاب الشافعي.
وأما القسم الثاني : فهو كالماء الذي استعملته الذمية التي تحت الزوج المسلم ، أي في غسل / حيضها ليحل للزوج غشيانها. وأما القسم الثالث : فهو كالماء المستعمل في الكرة الثانية والثالثة ، والماء المستعمل في تجديد الوضوء ، والماء المستعمل في الأغسال المسنونة ، فلأصحاب الشافعي في هذين القسمين وجهان : وأما القسم الرابع : فهو كالماء المستعمل في الكرة الرابعة ، وفي التبرد والتنظف ، فذاك باتفاق أصحاب الشافعي غير مستعمل ، وهو طاهر مطهر ، أما الماء المستعمل في غسل الثياب ، فإذا غسل ثوباً من نجاسة وطهر بغسلة واحدة ، يستحب أن يغسله ثلاثاً فالمنفصل في الكرة الثانية والثالثة مطهر على الأصح القسم الثاني : الماء الذي يتغير فنقول الماء إذا تغير ، فإما أن يتغير بنفسه أو بغيره ، أما الأول فكالمتغير بطول المكث فيجوز الوضوء به ، لأنه عليه السلام كان يتوضأ من بئر (قضاعة) ، وكان ماؤها كأنه نقاعة الحناء ، وأما المتغير بسبب غيره فذلك الغير إما أن لا يكون متصلاً به أو يكون متصلاً به. أما الذي لا يكون متصلاً به فهو كما لو وقع بقرب الماء جيفة فصار الماء منتناً بسببها فهو أيضاً مطهر ، وأما إذا تغير بسبب شيء متصل به فذلك المتصل إما أن يكون طاهراً أو نجساً القسم الأول : إذا كان طاهراً فهو إما أن لا يخالطه أو يخالطه ، فإن لم يخالطه فهو كالماء المتغير بسبب وقوع الدهن والطيب والعود والعنبر والكافور الصلب فيه وهذا أيضاً مطهر كما لو كان بقرب الماء جيفة ، ولأن الطهورية ثبتت بقوله :
جزء : 24 رقم الصفحة : 474
{وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءً طَهُورًا} والأصل في الثابت بقاؤه ، وأما المتغير بسبب شيء يخالطه ، فذلك المخالط إما أن لا يمكن صون الماء عنه أو يمكن ، أما الذي لا يمكن فكالمتغير بالتراب والحمأة والأوراق التي تقع فيه والطحلب الذي يتولد فيه ، وهذا أيضاً مطهر ، لأن الطهورية ثبتت بالآية والاحتراز عن ذلك عسير ، فيكون مرفوعاً لقوله : {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } (الحج : 78) وكذا لو جرى الماء في طريقه على معدن زرنيخ أو نورة أو كحل أو وقع شيء منها فيه أو نبع من معادنها ، أما إذا تغير الماء بسبب مخالطة ما يستغنى الماء عن جنسه نظر إن كان التغير قليلاً ، بحيث لا يضاف الماء إليه بأن وقع فيه زعفران فاصفر قليلاً ، أو دقيق فابيض قليلاً ، جاز الوضوء به على الصحيح من المذهب ، لأنه لم يسلبه إطلاق اسم الماء ، وأما إن كان التغير كثيراً فإن استحدث اسماً جديداً كالمرقة لم يجز الوضوء به بالاتفاق ، وإن لم يستحدث اسماً جديدا فعند الشافعي لا يجوز الوضوء به/ وعند أبي حنيفة يجوز.
حجة الشافعي من وجوه : أحدها : أنه عليه السلام توضأ ثم قال : "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به" فذلك الوضوء إن كان واقعاً بالماء المتغير وجب أن لا يجوز إلا به ، وبالاتفاق ليس الأمر كذلك ، فثبت أنه كان بماء غير متغير وهو المطلوب وثانيها : أنه إذا اختلط ماء الورد بالماء ثم توضأ الإنسان به ، فيحتمل أن بعض الأعضاء قد انغسل بماء الورد دون الماء ، وإذا كان كذلك فقد وقع الشك في حصول الوضوء وكان تيقن الحدث قائماً ، والشك لا يعارض اليقين فوجب أن يبقى على الحدث ، بخلاف ما إذا كان قليلاً لا يظهر أثره فإنه صار كالمعدوم ، / أما إذا ظهر أثره علمنا أنه باق فيتوجه ما ذكرناه وثالثها : أن الوضوء تعبد لا يعقل معناه ، فإنه لو توضأ بماء الورد لا يصح وضوؤه ولو توضأ بالماء الكدر المتعفن صح وضوؤه. وما لا يعقل معناه وجب الاقتصار فيه على مورد النص وترك القياس.
جزء : 24 رقم الصفحة : 474
(1/3401)

حجة أبي حنيفة وجوه : أحدها : قوله تعالى : {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءً طَهُورًا} دلت الآية على كون الماء مطهراً والأصل في الثابت بقاؤه ، فوجب بقاء هذه الصفة بعد التغير بالمخالطة وثانيها : قوله تعالى : {فاغْسِلُوا } (المائدة : 6) أمر بمطلق الغسل وقد أتى به فوجب أن يخرج عن العهدة وقد بينا تقرير هذا الوجه فيما تقدم وثالثها : قوله تعالى : {فَلَمْ تَجِدُوا مَآءً فَتَيَمَّمُوا } (النساء : 43) علق جواز التيمم بعدم وجدان الماء وواجد هذا الماء المتغير واجد للماء لأن الماء المتغير ماء مع صفة التغير ، والموصوف موجود حال وجود الصفة ، فوجب أن لا يجوز له التيمم ورابعها : قوله عليه السلام في البحر : "هو الطهور ماؤه" ظاهره يقتضي جواز الطهارة به وإن خالطه غيره ، لأن النبي صلى الله عليه وسلّم أطلق ذلك وخامسها : أنه عليه السلام أباح الوضوء بسؤر الهرة وسؤر الحائض وإن خالطه شيء من لعابهما وسادسها : لا خلاف في الوضوء بماء المدر والسيول مع تغير لونه بمخالطة الطين وما يكون في الصحارى من الحشيش والنبات ، ومن أجل مخالطة ذلك له يرى تارة متغيراً إلى السواد وأخرى إلى الحمرة والصفرة فصار ذلك أصلاً في جميع ما خالط الماء إذا لم يغلب عليه فيسلبه اسم الماء القسم الثاني : إذا كان المخالط للماء شيئاً نجساً فمن الناس من زعم أن الماء لا ينجس ما لم يتغير بالنجاسة سواء كان قليلاً أو كثيراً وهو قول الحسن البصري والنخعي ومالك وداود ، وإليه مال الشيخ الغزالي في كتاب "الإحياء" ، وقال أبو بكر الرازي مذهب أصحابنا أن كل ما تيقنا فيه جزأ من النجاسة أو غلب على الظن ذلك لم يجز استعماله ولا يختلف على هذا الحد ماء البحر وماء البئر والغدير والراكد والجاري ، لأن ماء البحر لو وقعت فيه نجاسة لم يجز استعمال الماء الذي فيه النجاسة وكذلك الماء الجاري ، وأما اعتبار أصحابنا للغدير الذي إذا حرك أحد طرفيه لم يتحرك الطرف الآخر ، فإنما هو كلام في جهة تغليب الظن في بلوغ النجاسة الواقعة في أحد طرفيه إلى الطرف الآخر ، وليس هو كلامنا في أن بعض المياه الذي فيه النجاسة قد يجوز استعمالها ، وبعضها لا يجوز استعماله هذا كله كلام أبي بكر وأقول : من الناس من فرق بين القليل والكثير فعن عبدالله بن عمر : "إذا كان الماء أربعين قلة لم ينجسه شيء" وعن ابن عباس رضي الله عنهما : "الحوض لا يغتسل فيه جنب إلا أن يكون فيه أربعون غرباً" وهو قول محمد بن كعب القرظي ، وقال مسروق وابن سيرين : إذا كان الماء كثيراً لا ينجسه شيء ، وقال سعيد بن جبير : الماء الراكد لا ينجسه شيء إذا كان قدر ثلاث قلال وقال الشافعي : إذا كان الماء قلتين بقلال هجر لم ينجسه إلا ما غير طعمه أو ريحه أو لونه ، وإن كان أقل ينجس لظهور النجاسة فيه.
جزء : 24 رقم الصفحة : 474
(1/3402)

واعلم أنه يمكن التمسك لنصرة قول مالك بوجوه : أحدها : قوله تعالى : {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءً طَهُورًا} ترك العمل به في الماء الذي تغير لونه أو طعمه أو ريحه لظهور النجاسة فيه فيبقى فيما عداه على الأصل وثانيها : قوله عليه السلام : "خلق الله الماء طهوراً لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه" وهو نص في الباب وثالثها : قوله تعالى : {فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} (المائدة : 6) المتوضىء بهذا الماء قد غسل وجهه فيكون آتياً بما أمر به فيخرج عن العهدة ورابعها : أن من شأن كل مختلطين كان أحدهما غالباً على الآخر أن يتكيف المغلوب بكيفية الغالب فالقطرة من الخل لو وقعت في الماء الكثير بطلت صفة الخلية عنها واتصفت بصفة الماء ، وكون أحدهما غالباً على الآخر إنما يعرف بغلبة الخواص والآثار المحسوسة وهي الطعم أو اللون أو الريح ، فلا جرم مهما ظهر طعم النجاسة أو لونها أو ريحها كانت النجاسة غالبة على الماء وكان الماء مستهلكاً فيها ، فلا جرم يغلب حكم النجاسة فإذا لم يظهر شيء من ذلك كان الغالب هو الماء وكانت النجاسة مستهلكة فيه فيغلب حكم الطهارة وخامسها : ما روي عن عمر (أنه) توضأ من جرة نصرانية ، مع أن نجاسة أواني النصارى معلومة بظن قريب من العلم ، وذلك يدل على أن عمر لم يعول إلا على عدم التغير وسادسها : أن تقدير الماء بمقدار معلوم ولو كان معتبراً كالقلتين عند الشافعي وعشر في عشر عند أبي حنيفة رضي الله عنه لكان أولى المواضع بالطهارة مكة والمدينة لأنه لا تكثر المياه هناك لا الجارية وإلا الراكدة الكثيرة ومن أول عصر الرسول صلى الله عليه وسلّم إلى آخر عصر الصحابة لم ينقل أنهم خاضوا في تقدير المياه بالمقادير المعينة ، ولا أنهم سألوا عن كيفية حفظ المياه عن النجاسات وكانت أواني مياههم يتعاطاها الصبيان والإماء الذين لا يحترزون عن النجاسات وسابعها : إصغاء رسول الله صلى الله عليه وسلّم الإناء للهرة وعدم منعهم الهرة من شرب الماء من أوانيهم بعد أن كانوا يرون أنه تأكل الفأرة ولم يكن في بلادهم حياض تلغ السنانير فيها وكانت لا تنزل إلى الآبار وثامنها : أن الشافعي نص على أن غسالة النجاسات طاهرة إذا لم تتغير ونجسة إذا تغيرت ، وأي فرق بين أن يلاقي الماء النجاسة بالورود عليها أو بورودها عليه ؟
وأي معنى لقول القائل إن قوة الورود تدفع النجاسة مع أن قوة الورود لم تمنع المخالطة
جزء : 24 رقم الصفحة : 474
(1/3403)

وتاسعها : أنهم كانوا يستنجون على أطراف المياه الجارية القليلة ، ولا خلاف أن مذهب الشافعي إذا وقع بول في ماء جار ولم يتغير أنه يجوز الوضوء به وإن كان قليلاً ، وأي فرق بين الجاري والراكد ؟
وليت شعري الحوالة على عدم التغير أولى أو على قوة الماء بسبب الجريان ؟
وعاشرها : إذا وقع بول في قلتين ثم فرقتا فكل كوز يؤخذ منه فهو ظاهر على قول الشافعي ومعلوم أن البول منتشر فيه وهو قليل ، فأن فرق بينه إذا وقع ذلك القليل في ذلك القدر من الماء ابتداء ، وبينه إذا وصل إليه عند اتصال غيره به ؟
وحادي عشرها : أن الحمامات لم تزل في الأعصار الخالية يتوضأ فيها المتقشفون ويغمسون الأيدي والأواني في ذلك القليل من الماء من تلك الحياض مع علمهم بأن الأيدي الطاهرة والنجسة كانت تتوارد عليها ولو كان التقدير بالقلتين معتبراً لاشتهر ذلك ولبلغ ذلك إلى حد التواتر ، لأن الأمر الذي تشتد حاجة / الجمهور إليه يجب بلوغ نقله إلى حد التواتر لما لم يكن كذلك علمنا أنه غير معتبر وثاني عشرها : أنا لو حكمنا بنجاسة الماء فلا يمكننا أن نحكم بنجاسة الماء إن كان في غاية الكثرة مثل ماء الأودية العظيمة والغدران الكبار ، فإن ذلك بالإجماع باطل ، فلا بد من التقدير بمقدار معين ، وقد نقلنا عن الناس تقديرات مختلفة فليس بعضها أولى من بعض فوجب التعارض والتساقط/ أما تقدير أبي حنيفة بعشر في عشر فمعلوم أنه مجرد تحكم ، وأما تقدير الشافعي بالقلتين بناء على قوله عليه السلام : "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثاً" فضعيف أيضاً لأن الشافعي لما روى هذا الخبر ، قال أخبرني رجل فيكون الراوي مجهولاً ، ويكون الحديث مرسلاً وهو عنده ليس بحجة ، وأيضاً زعم كثير من المحدثين أنه موقوف على ابن عمر رضي الله عنه ، سلمنا صحة الرواية لكنه إحالة مجهول على مجهول لأن القلة غير معلومة فإنها تصلح للكوز والجرة ولكل ما نقل باليد ، وهو أيضاً اسم لهامة الرجل ولقلة الجبل ، سلمنا كون القلة معلومة لكن في متن الخبر اضطراب فإنه روي "إذا بلغ الماء قلتين" ، وروي "إذا بلغ قلة" ، وروي "أربعين قلة" ، وروي "إذا بلغ قلتين أو ثلاثاً" ، وروي "إذا بلغ كوزين" سلمنا صحة المتن ولكنه متروك الظاهر لأن قوله "لم يحمل خبثاً" لا يمكن إجراؤه على ظاهره ، فإن الخبث إذا ورد عليه فقد حمله ، سلمنا إمكان إجرائه على ظاهره لكن الخبث على قسمين خبث شرعي وخبث حقيقي ، والاسم إذا دار بين المسمى اللغوي والمسمى الشرعي ، كان حمله على المسمى اللغوي أولى ، لأن الاسم حقيقة في المسمى اللغوي مجاز في المسمى الشرعي ، دفعاً للاشتراك والنقل ، وإذا كان كذلك وجب حمله عليه ، والمسمى اللغوي للخبث المستقذر بالطبع قال عليه السلام : "ما استخبثته العرب فهو حرام" إذا ثبت هذا فنقول : معنى قوله "لم يحمل خبثاً" أي لا يصير مستقذراً طبعاً ، ونحن نقول بموجبه لكن لم قلت إنه لا ينجس شرعاً ، سلمنا أن المراد من الخبث النجاسة الشرعية لكن قوله "لم يحمل خبثاً" أي يضعف عن حمله ومعنى الضعف تأثره به ، فيكون هذا دليلاً على صيرورته نجساً لا على بقائه طاهراً. لا يقال : الجواب عن هذه الأسئلة أن يقال إن الشافعي وإن لم يذكر اسم الراوي في بعض المواضع فقد ذكره في سائر المواضع فخرج عن كونه مرسلاً ، ولأن سائر المحدثين قد عينوا اسم الراوي. قوله إنه موقوف على ابن عمر ، قلنا لا نسلم فإن يحيى بن معين قال إنه جيد الإسناد فقيل له إن ابن علية وقفه على ابن عمر ، فقال إن كان ابن علية وقفه فحماد بن سلمة رفعه وقوله القلة مجهولة قلنا لا نسلم لأن ابن جريج قال في روايته "بقلال هجر". ثم قال : وقد شاهدت قلال هجر فكانت القلة تسع قربتين أو قربتين وشيئاً. قوله في متنه اضطراب قلنا لا نسلم لأنا وأنتم توافقنا على أن سائر المقادير غير معتبرة فيبقى ما ذكرناه معتبراً. قوله إنه متروك الظاهر قلنا إذا حملناه على الخبث الشرعي اندفع ذلك ، وذلك أولى لأن حمل كلام الشرع على الفائدة الشرعية أولى من حمله على المعنى العقلي ، لا سيما وفي حمله على المعنى العقلي يلزم التعطيل ، قوله المراد أنه يضعف عن حمله قلنا صح في بعض الروايات أنه قال : "إذا كان الماء قلتين لم ينجس" ، ولأنه عليه السلام جعل القلتين شرطاً لهذا الحكم ، والمعلق على الشرط عدم / عند عدم الشرط وعلى ما ذكروه لا يبقى للقلتين فائدة لأنا نقول : لا شك أن هذا الخبر بتقدير الصحة يقتضي تخصيص عموم قوله تعالى :
جزء : 24 رقم الصفحة : 474
(1/3404)

{وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءً طَهُورًا} وعموم قوله : {وَلَـاكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ} (المائدة : 6) وعموم قوله : {فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} (المائدة : 6) وعموم قوله صلى الله عليه وسلّم : "خلق الماء طهوراً لا ينجسه شيء" وهذا المتخصص لا بد وأن يكون بعيداً عن الاحتمال والاشتباه وقلال هجر مجهولة وقول ابن جريج القلة تسع قربتين أو قربتين وشيئاً ليس بحجة ، لأن القلة كما أنها مجهولة فكذا القربة مجهولة فإنها قد تكون كبيرة ، وقد تكون صغيرة ، ولأن الروايات أيضاً مختلفة فتارة قال "إذا بلغ الماء قلتين" ، وتارة "أربعين قلة" ، وتارة كرين فإذا تدافعت وتعارضت لم يجز تخصيص عموم الكتاب والسنة الظاهرة البعيدة عن الاحتمال بمثل هذا الخبر. هذا تمام الكلام في نصرة قول مالك ، واحتج من حكم بنجاسة الماء الذي تقع النجاسة فيه بوجوه : أولها : قوله تعالى : {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَـا ئِثَ} (الأعراف : 157) والنجاسات من الخبائث ، وقال تعالى : {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ} (النحل : 115) ، وقال في الخمر : {رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَـانِ فَاجْتَنِبُوهُ} (المائدة : 90) ومر عليه السلام بقبرين فقال : "إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير إن أحدهما كان لا يستبرىء من البول والآخر كان يمشي بالنميمة" فحرم الله هذه الأشياء تحريماً مطلقاً ، ولم يفرق بين حال انفرادها واختلاطها بالماء ، فوجب تحريم استعمال كل ما يبقى فيه جزء من النجاسة أكثر ما في الباب أن الدلائل الدالة على كون الماء مطهراً تقتضي جواز الطهارة به ، ولكن تلك الدلائل مبيحة والدلائل التي ذكرناها حاظرة والمبيح والحاظر إذا اجتمعا فالغلبة للحاظر ، ألا ترى أن الجارية بين رجلين لو كان لأحدهما منها مائة جزء وللآخر جزء واحد ، أن جهة الحظر فيها أولى من جهة الإباحة ، وأنه غير جائز لواحد منهما وطؤها فكذا ههنا وثانيها : قوله عليه السلام : "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل فيه من الجنابة" ذكره على الإطلاق من غير فرق بين القليل والكثير وثالثها : قوله عليه السلام : "إذا استيقظ أحدكم من منامه فليغسل يده ثلاثاً قبل أن يدخلها الإناء فإنه لا يدري أين باتت يده" فأمر بغسل اليد احتياطاً من نجاسة قد أصابته من موضع الاستنجاء ، ومعلوم أن مثلها إذا أدخلت الماء لم تغيره ولولا أنها تفسده ما كان للأمر بالاحتياط منها معنى ورابعها : قوله عليه السلام : "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثاً" يدل بمفهومه على أنه إذا لم يبلغ قلتين وجب أن يحمل الخبث. أجاب مالك عن الوجه الأول فقال لا نزاع في أنه يحرم استعمال النجاسة ولكن الجزء القليل من النجاسة المائعة إذا وقع في الماء لم يظهر فيه لونه ولا طعمه ولا رائحته ، فلم قلتم إن تلك النجاسة بقيت ، ولم لا يجوز أن يقال إنها انقلبت عن صفتها ؟
وتقريره ما قدمناه. وأما قوله عليه السلام : "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم" فلم قلتم إن هذا النهي ليس إلا لما ذكرتموه ، بل لعل النهي إنما كان لأنه ربما شربه إنسان وذلك مما ينفر طبعه عنه ، وليس الكلام في نفرة الطبع ، وأما قوله : "إذا استيقظ أحدكم من منامه فليغسل يده ثلاثاً" فقد أجمعنا على أن هذا الأمر استحباب ، فالمرتب عليه كيف يكون أمر / إيجاب ثم بتقدير أن يكون أمر إيجاب ، فلم قلتم إنه لم يوجه ذلك الإيجاب إلا لما ذكرتموه ؟
وأما قوله عليه السلام : "إذا بلغ الماء قلتين" فقد سبق الكلام عليه ، ثم بعد النزول عن كل ما قلناه فهو تمسك بالمفهوم والنصوص التي ذكرناها منطوقة والمنطوق راجح على المفهوم ، والله أعلم.
جزء : 24 رقم الصفحة : 474
النظر الثاني : في أن غير الماء هل هو طهور أم لا ؟
فقال الأصم والأوزاعي يجوز الوضوء بجميع المائعات ، وقال أبو حنيفة يجوز الوضوء بنبيذ التمر في السفر ، وقال أيضاً تجوز إزالة النجاسة بجميع المائعات التي تزيل أعيان النجاسات ، وقال الشافعي رضي الله عنه الطهورية مختصة بالماء على الإطلاق ودليله في صورة الحدث قوله تعالى : {فَلَمْ تَجِدُوا مَآءً فَتَيَمَّمُوا } (النساء : 43) أوجب التيمم عند عدم الماء ، ولو جاز الوضوء بالخل أو نبيذ التمر لما وجب التيمم عند عدم الماء ، وأما في صورة الخبث ، فلأن الخل لو أفاد طهارة الخبث لكان طهوراً لأنه لا معنى للطهور إلا المطهر ولو كان طهوراً لوجب أن يجوز به طهارة الحدث لقوله عليه السلام : "لا يقبل الله صلاة أحدكم حتى يضع الطهور مواضعه" وكلمة (حتى) لانتهاء الغاية فوجب انتهاء عدم القبول عند استعمال الطهور وانتهاء عدم القبول يكون بحصول القبول/ فلو كان الخل طهوراً لحصل باستعماله قبول الصلاة ، وحيث لم يحصل علمنا أن الطهورية في الخبث أيضاً مختصة بالماء.
جزء : 24 رقم الصفحة : 474
475
(1/3405)

المسألة الأولى : اعلم أنهم اختلفوا في أن الهاء في قوله : {وَلَقَدْ صَرَّفْنَـاهُ} إلى أي شيء يرجع وذكروا فيه ثلاثة أوجه : أحدها : وهو الذي عليه الجمهور أنه يرجع إلى المطر ، ثم من هؤلاء من قال معنى (صرفناه) أنا أجريناه في الأنهار حتى انتفعوا بالشرب وبالزراعات وأنواع المعاش به ، وقال آخرون معناه أنه سبحانه ينزله في مكان دون مكان وفي عام دون عام ، ثم في العام الثاني يقع بخلاف ما وقع في العام الأول ، قال ابن عباس ما عام بأكثر مطراً من عام ، ولكن الله يصرفه في الأرض ، ثم قرأ هذه الآية ، وروى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال : "ما من عام بأمطر من عام ، ولكن إذا عمل قوم بالمعاصي حول الله ذلك إلى غيرهم ، فإذا عصوا جميعاً صرف الله ذلك إلى الفيافي" وثانيها : وهو قول أبي مسلم : أن قوله : {صَرَّفْنَـاهُ} راجع إلى المطر والرياح والسحاب والأظلال وسائر ما ذكر الله تعالى من الأدلة وثالثها : {وَلَقَدْ صَرَّفْنَـاهُ} أي هذا القول بين الناس في القرآن وسائر الكتب والصحف التي أنزلت على / رسل وهو ذكر إنشاء السحاب وإنزال القطر ليتفكروا ويستدلوا به على الصانع ، والوجه الأول أقرب لأنه أقرب المذكورات إلى الضمير.
المسألة الثانية : قال الجبائي قوله تعالى : {لِيَذَّكَّرُوا } يدل على أنه تعالى مريد من الكل أن يتذكروا ويشكروا ولو أراد منهم أن يكفروا ويعرضوا لما صح ذلك ، وذلك يبطل قول من قال إن الله تعالى مريد للكفر ممن يكفر ، قال ودل قوله : {فَأَبَى ا أَكْثَرُ النَّاسِ إِلا كُفُورًا} على قدرتهم على فعل هذا التذكر إذ لو لم يقدروا لما جاز أن يقال أبوا أن يفعلوه كما لا يقال في الزَّمن أبى أن يسعى ، وقال الكعبي قوله : {وَلَقَدْ صَرَّفْنَـاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا } حجة على من زعم أن القرآن وبال على الكافرين وأنه لم يرد بإنزاله أن يؤمنوا لأن قوله : {لِيَذَّكَّرُوا } عام في الكل ، وقوله : {فَأَبَى ا أَكْثَرُ النَّاسِ} يقتضي أن يكون هذا الأكثر داخلاً في ذلك العام لأنه لا يجوز أن يقال أنزلناه على قريش ليؤمنوا ، فأبى أكثر ـ بني تميم ـ إلا كفوراً. واعلم أن الكلام عليه قد تقدم مراراً.
جزء : 24 رقم الصفحة : 475
المسألة الثالثة : قوله : {فَأَبَى ا أَكْثَرُ النَّاسِ إِلا كُفُورًا} المراد كفران النعمة وجحودها من حيث لا يتفكرون فيها ولا يستدلون بها على وجود الصانع وقدرته وإحسانه ، وقيل المراد من الكفور هو الكفر وذلك الكفر إنما حصل لأنهم يقولون مطرنا بنوء كذا لأن من جحد كون النعم صادرة من المنعم ، وأضاف شيئاً من هذه النعمة إلى الأفلاك والكواكب فقد كفر ، واعلم أن التحقيق أن من جعل الأفلاك والكواكب مستقلة باقتضاء هذه الأشياء فلا شك في كفره ، وأما من قال الصانع تعالى جبلها على خواص وصفات تقتضي هذه الحوادث ، فلعله لا يبلغ خطؤه إلى حد الكفر.
المسألة الرابعة : قالوا الآية دلت على أن خلاف معلوم الله مقدور له لأن كلمة لو دلت على أنه تعالى ما شاء أن يبعث في كل قرية نذيراً ، ثم إنه تعالى أخبر عن كونه قادراً على ذلك فدل ذلك على أن خلاف معلوم الله مقدور له.
أما قوله تعالى : {وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِى كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيرًا} فالأقوى أن المراد من ذلك تعظيم النبي صلى الله عليه وسلّم وذلك لوجوه : أحدها : كأنه تعالى بين له أنه مع القدرة على بعثة رسول ونذير في كل قرية خصه بالرسالة وفضله بها على الكل ولذلك أتبعه بقوله : {فَلا تُطِعِ الْكَـافِرِينَ} أي لا توافقهم وثانيها : المراد ولو شئنا لخففنا عنك أعباء الرسالة إلى كل العالمين ولبعثنا في كل قرية نذيراً ولكنا قصرنا الأمر عليك وأجللناك وفضلناك على سائر الرسل ، فقابل هذا الإجلال بالتشدد في الدين وثالثها : أن الآية تقتضي مزج اللطف بالعنف لأنها تدل على القدرة على أن يبعث في كل قرية نذيراً مثل محمد ، وأنه لا حاجة بالحضرة الإلهية إلى محمد ألبتة ، وقوله : {وَلَوْ} يدل على أنه سبحانه لا يفعل ذلك ، فبالنظر إلى الأول يحصل التأديب ، وبالنظر إلى الثاني يحصل الإعزاز.
/ أما قوله : {فَلا تُطِعِ الْكَـافِرِينَ} فالمراد نهيه عن طاعتهم ، ودلت هذه الآية على أن النهي عن الشيء لا يقتضي كون المنهي عنه مشتغلاً به.
وأما قوله : {وَجَـاهِدْهُم بِه جِهَادًا كَبِيرًا} فقال بعضهم : المراد بذل الجهد في الأداء ، والدعاء وقال بعضهم : المراد القتال ، وقال آخرون : كلاهما ، والأقرب الأول لأن السورة مكية ، والأمر بالقتال ورد بعد الهجرة بزمان وإنما قال : {جِهَادًا كَبِيرًا} لأنه لو بعث في كل قرية نذيراً لوجب على كل نذير مجاهدة قريته ، فاجتمعت على رسول الله تلك المجاهدات وكثر جهاده من أجل ذلك وعظم فقال له : {وَجَـاهِدْهُم} بسبب كونك نذير كافة القرى {جِهَادًا كَبِيرًا} جامعاً لكل مجاهدة.
جزء : 24 رقم الصفحة : 475
475
(1/3406)

اعلم أن هذا هو النوع الرابع من دلائل التوحيد وقوله : {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ} أي خلاهما وأرسلهما يقال : مرجت الدابة إذا خليتها ترعى ، وأصل المرج الإرسال والخلط ، ومنه قوله تعالى : {فَهُمْ فِى أَمْرٍ مَّرِيجٍ} (ق : 5) سمى الماءين الكبيرين الواسعين بحرين. قال ابن عباس : مرج البحرين ، أي أرسلهما في مجاريهما كما ترسل الخيل في المرج وهما يلتقيان ، وقوله : {هَـاذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} والمقصود من الفرات البليغ في العذوبة حتى (يصير) إلى الحلاوة ، والأجاج نقيضه ، وأنه سبحانه بقدرته يفصل بينهما ويمنعهما التمازج ، وجعل من عظيم اقتداره برزخاً حائلاً من قدرته ، وههنا سؤالات :
السؤال الأول : ما معنى قوله : {وَحِجْرًا مَّحْجُورًا} ؟
الجواب : هي الكلمة التي يقولها المتعوذ وقد فسرناها ، وهي ههنا واقعة على سبيل المجاز ، كأن كل واحد من البحرين يتعوذ من صاحبه ويقول له حجراً محجوراً ، كما قال : {لا يَبْغِيَانِ} (الرحمن : 20) أي لا يبغي أحدهما على صاحبه بالممازجة فانتفاء البغي (ثمة) كالتعوذ ، وههنا جعل كل واحد منهما في صورة الباغي على صاحبه ، فهو يتعوذ منه وهي من أحسن الاستعارات.
السؤال الثاني : لا وجود للبحر العذب ، فكيف ذكره الله تعالى ههنا ؟
لا يقال : هذا مدفوع من وجهين : الأول : أن المراد منه الأودية العظام كالنيل وجيحون الثاني : لعله جعل في البحار موضعاً يكون أحد جانبيه عذباً والآخر ملحاً ، لأنا نقول : أما الأول فضعيف لأن هذه الأودية ليس فيها ملح ، والبحار ليس فيها ماء عذب ، فلم يحصل ألبتة موضع التعجب وأما / الثاني فضعيف ، لأن موضع الاستدلال لا بد وأن يكون معلوماً ، فأما بمحض التجويز فلا يحسن الاستدلال ، لأنا نقول المراد من البحر العذب هذه الأودية ، ومن الأجاج البحار الكبار ، وجعل بينهما برزخاً ، أي حائلاً من الأرض ، ووجه الاستدلال ههنا بين ، لأن العذوبة والملوحة إن كانت بسبب طبيعة الأرض أو الماء ، فلا بد من الاستواء ، وإن لم يكن كذلك فلا بد من قادر حكيم يخص كل واحد من الأجسام بصفة خاصة معينة.
جزء : 24 رقم الصفحة : 475
477
واعلم أن هذا هو النوع الخامس من دلائل التوحيد وفيه بحثان :
الأول : ذكروا في هذا الماء قولين : أحدهما : أنه الماء الذي خلق منه أصول الحيوان ، وهو الذي عناه بقوله : {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ } (النور : 45) والثاني : أن المراد النطفة لقوله : {خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ} (الطارق : 6) ، {مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ} (المرسلات : 20).
البحث الثاني : المعنى أنه تعالى قسم البشر قسمين ذوي نسب ، أي ذكوراً ينسب إليهم ، فيقال فلان بن فلان ، وفلانة بنت فلان ، وذوات صهر ، أي إناثاً (يصاهرن) ونحوه ، قوله تعالى : {فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالانثَى } (القيامة : 39) ، {وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا} حيث خلق من النطفة الواحدة نوعين من البشر الذكر والأنثى.
جزء : 24 رقم الصفحة : 477
479
واعلم أنه تعالى لما شرح دلائل التوحيد عاد إلى تهجين سيرتهم في عبادة الأوثان ، وفي الآية مسائل :
/ المسألة الأولى : قيل المراد بالكافر أبو جهل لأن الآية نزلت فيه ، والأولى حمله على العموم ، لأن خصوص السبب لا يقدح في عموم اللفظ ، ولأنه أوفق بظاهر قوله : {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ} .
المسألة الثانية : ذكروا في الظهير وجوهاً : أحدها : أن الظهير بمعنى المظاهر ، كالعوين بمعنى المعاون ، وفعيل بمعنى مفاعل غير (غريب) ، والمعنى أن الكافر يظاهر الشيطان على ربه بالعداوة. فإن قيل كيف يصح في الكافر أن يكون معاوناً للشيطان على ربه بالعداوة ؟
قلنا إنه تعالى ذكر نفسه وأراد رسوله كقوله : {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ} (الأحزاب : 57) وثانيها : يجوز أن يريد بالظهير الجماعة ، كقوله : {وَالْمَلَـا اـاِكَةُ بَعْدَ ذَالِكَ ظَهِيرٌ} (التحريم : 4) كما جاء الصديق والخليط ، وعلى هذا التفسير يكون المراد بالكافر الجنس ، وأن بعضهم مظاهر لبعض على إطفاء نور (دين) الله تعالى ، قال تعالى : {وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِى الْغَىِّ} (الأعراف : 202) ، وثالثها : قال أبو مسلم الأصفهاني : الظهير من قولهم : ظهر فلان بحاجتي إذا نبذها وراء ظهره ، وهو من قوله تعالى : {وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيًّا } (هود : 92) ويقال فيمن يستهين بالشيء : نبذه وراء ظهره ، وقياس العربية أن يقال مظهور ، أي مستخف به متروك وراء الظهر ، فقيل فيه ظهير في معنى مظهور ، ومعناه هين على الله أن يكفر الكافر وهو تعالى مستهين بكفره.
(1/3407)

أما قوله تعالى : {وَمَآ أَرْسَلْنَـاكَ إِلا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} فتعلق ذلك بما تقدم ، هو أن الكفار يطلبون العون على الله تعالى وعلى رسوله ، والله تعالى بعث رسوله لنفعهم ، لأنه بعثه ليبشرهم على الطاعة ، وينذرهم على المعصية ، فيستحقوا الثواب ويحترزوا عن العقاب ، فلا جهل أعظم من جهل من استفرغ جهده في إيذاء شخص استفرغ جهده في إصلاح مهماته ديناً ودنيا ، ولا يسألهم على ذلك ألبتة أجراً.
جزء : 24 رقم الصفحة : 479
أما قوله : {إِلا مَن شَآءَ} فذكروا فيه وجوهاً متقاربة أحدها : لا يسألهم على الأداء والدعاء أجراً إلا أن يشاءوا أن يتقربوا بالإنفاق في الجهاد وغيره ، فيتخذوا به سبيلاً إلى رحمة ربهم ونيل ثوابه وثانيها : قال القاضي : معناه لا أسألكم عليه أجراً لنفسي وأسألكم أن تطلبوا الأجر لأنفسكم باتخاذ السبيل إلى ربكم وثالثها : قال صاحب "الكشاف" : مثال قوله : {إِلا مَن شَآءَ} والمراد إلا فعل من شاء ، واستثناؤه عن الأجر قول ذي شفقة عليك قد سعى لك في تحصيل مال ما أطلب منك ثواباً على ما سعيت ، إلا أن تحفظ هذا المال ولا تضيعه ، فليس حفظك المال لنفسك من جنس الثواب ، ولكن صوره هو بصورة الثواب وسماه باسمه فأفاد فائدتين إحداهما قلع شبهة الطمع في الثواب من أصله كأنه يقول لك إن كان حفظك لمالك ثواباً ، فإني أطلب الثواب ، والثانية إظهار الشفقة البالغة ، وأن حفظك لمالك يجري مجرى الثواب العظيم الذي توصله إلي ، ومعنى اتخاذهم إلى الله سبيلاً ، تقربهم إليه وطلبهم عنده الزلفى بالإيمان والطاعة ، وقيل المراد التقرب بالصدقة والنفقة في سبيل الله.
/ أما قوله : {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَىِّ الَّذِى لا يَمُوتُ} فالمعنى أنه سبحانه لما بين أن الكفار متظاهرون على إيذائه ، فأمره بأن لا يطلب منهم أجراً ألبتة ، أمره بأن يتوكل عليه في دفع جميع المضار ، وفي جلب جميع المنافع ، وإنما قال : {عَلَى الْحَىِّ الَّذِى لا يَمُوتُ} لأن من توكل على الحي الذي يموت ، فإذا مات المتوكل عليه صار المتوكل ضائعاً ، أما هو سبحانه وتعالى فإنه حي لا يموت فلا يضيع المتوكل عليه ألبتة.
أما قوله : {وَسَبِّحْ بِحَمْدِه } فمنهم من حمله على نفس التسبيح بالقول ، ومنهم من حمله على الصلاة ، ومنهم من حمله على التنزيه لله تعالى عما لا يليق به في توحيده وعدله وهذا هو الظاهر ثم قال : {وَكَفَى بِه بِذُنُوبِ عِبَادِه خَبِيرًا} وهذه كلمة يراد بها المبالغة يقال : كفى بالعلم جمالاً ، وكفى بالأدب مالاً وهو بمعنى حسبك ، أي لا تحتاج معه إلى غيره لأنه خبير بأحوالهم قادر على مكافأتهم وذلك وعيد شديد ، كأنه قال إن أقدمتم على مخالفة أمره كفاكم علمه في مجازاتكم بما تستحقون من العقوبة.
جزء : 24 رقم الصفحة : 479
480
اعلم أنه سبحانه لما أمر الرسول بأن يتوكل عليه وصف نفسه بأمور : أولها : بأنه حي لا يموت وهو قوله : {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَىِّ الَّذِى لا يَمُوتُ} (الفرقان : 58) وثانيها : أنه عالم بجميع المعلومات وهو قوله : {وَكَفَى بِه بِذُنُوبِ عِبَادِه خَبِيرًا} (الفرقان : 58) وثالثها : أنه قادر على كل الممكنات وهو المراد من قوله : {الَّذِى خَلَقَ السَّمَـاوَاتِ وَالارْضَ} فقوله : {الَّذِى خَلَقَ} متصل بقوله : {الْحَىِّ الَّذِى لا يَمُوتُ} لأنه سبحانه لما كان هو الخالق للسموات والأرضين ولكل ما بينهما ثبت أنه هو القادر على جميع وجوه المنافع ودفع المضار ، وأن النعم كلها من جهته فحينئذ لا يجوز التوكل إلا عليه. وفي الآية سؤالات :
السؤال الأول : الأيام عبارة عن حركات الشمس في السموات فقبل السموات لا أيام ، فكيف قال الله خلقها في ستة أيام ؟
الجواب : يعني في مدة مقدارها هذه المدة لا يقال الشيء الذي يتقدر بمقدار محدود ويقبل الزيادة والنقصان والتجزئة لا يكون عدماً محضاً ، بل لا بد وأن يكون موجوداً فيلزم من وجوده وجود مدة قبل وجود العالم وذلك يقتضي قدم الزمان ، لأنا نقول هذا / معارض بنفس الزمان ، لأن المدة المتوهمة المحتملة لعشرة أيام لا تحتمل خمسة أيام ، والمدة المتوهمة التي تحتمل خمسة أيام لا تحتمل عشرة أيام ، فيلزم أن يكون للمدة مدة أخرى ، فلما لم يلزم هذا لم يلزم ما قلتموه وعلى هذا نقول لعل الله سبحانه خلق المدة أولاً ثم السموات والأرض فيها بمقدار ستة أيام ، ومن الناس من قال في ستة أيام من أيام الآخرة وكل يوم ألف سنة وهو بعيد لأن التعريف لا بد وأن يكون بأمر معلوم لا بأمر مجهول.
(1/3408)

السؤال الثاني : لم قدر الخلق والإيجاد بهذا التقدير ؟
الجواب : أما على قولنا فالمشيئة والقدرة كافية في التخصيص ، قالت المعتزلة بل لا بد من داعي حكمة وهو أن تخصيص خلق العالم بهذا المقدار أصلح للمكلفين وهذا بعيد لوجهين : أحدهما : أن حصول تلك الحكمة ، إما أن يكون واجباً لذاته أو جائزاً فإن كان واجباً وجب أن لا يتغير فيكون حاصلاً في كل الأزمنة ، فلا يصلح أن يكون سبباً لتخصيص زمان معين وإن كان جائزاً افتقر حصول تلك الحكمة في ذلك الوقت إلى مخصص آخر ويلزم التسلسل والثاني : أن التفاوت بين كل واحد مما لا يصل إليه خاطر المكلف وعقله ، فحصول ذلك التفاوت لما لم يكن مشعوراً به كيف يقدح في حصول المصالح.
جزء : 24 رقم الصفحة : 480
واعلم أنه يجب على المكلف سواء كان على قولنا أو على قول المعتزلة أن يقطع الطمع عن أمثال هذه الأسئلة ، فإنه بحر لا ساحل له. من ذلك تقدير الملائكة الذين هم أصحاب النار بتسعة عشر وحملة العرش بالثمانية وشهور السنة باثني عشر والسموات السبع وكذا الأرض وكذا القول في عدد الصلوات ومقادير النصب في الزكوات وكذا مقادير الحدود والكفارات فالإقرار بأن كل ما قاله الله تعالى حق هو الدين ، وترك البحث عن هذه الأشياء هو الواجب وقد نص عليه تعالى في قوله : {وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَـابَ النَّارِ إِلا ملائكة ا وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَـابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ} ثم قال : {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ } (المدثر : 31) وهذا هو الجواب أيضاً في أنه لم يخلقها في لحظة وهو قادر على ذلك وعن سعيد بن جبير أنه إنما خلقها في ستة أيام وهو يقدر على أن يخلقها في لحظة تعليماً لخلقه الرفق والتثبت ، قيل تم خلقها يوم الجمعة فجعلها الله تعالى عيداً للمسلمين.
السؤال الثالث : ما معنى قوله : {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ } ؟
ولا يجوز حمله على الاستيلاء والقدرة ، لأن الاستيلاء والقدرة في أوصاف الله لم تزل ولا يصح دخول (ثم) فيه والجواب : الاستقرار غير جائز ، لأنه يقتضي التغير الذي هو دليل الحدوث ، ويقتضي التركيب والبعضية وكل ذلك على الله محال بل المراد ثم خلق العرش ورفعه وهو مستول كقوله تعالى : {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ} (محمد : 31) فإن المراد حتى يجاهد المجاهدون ونحن بهم عالمون ، فإن قيل فعلى هذا التفسير يلزم أن يكون خلق العرش بعد خلق السموات وليس كذلك لقوله تعالى : {وَكَانَ عَرْشُه عَلَى الْمَآءِ} (هود : 7) قلنا : كلمة (ثم) / ما دخلت على خلق العرش ، بل على رفعه على السموات.
السؤال الرابع : كيف إعراب قوله : {الَّذِى خَلَقَ السَّمَـاوَاتِ وَالارْضَ} ؟
الجواب : {الَّذِى خَلَقَ} مبتدأ و{الرَّحْمَـانِ} خبره ، أو هو صفة للحي ، والرحمن خبر مبتدأ محذوف ولهذا أجاز الزجاج وغيره أن يكون الوقف على قوله {عَلَى الْعَرْشِ } ثم يبتدىء بالرحمن أي هو الرحمن الذي لا ينبغي السجود والتعظيم إلا له ، ويجوز أن يكون الرحمن مبتدأ وخبره قوله : {الَّذِى خَلَقَ السَّمَـاوَاتِ} .
جزء : 24 رقم الصفحة : 480
السؤال الخامس : ما معنى قوله : {الَّذِى خَلَقَ السَّمَـاوَاتِ} ؟
الجواب : ذكروا فيه وجوهاً أحدها : قال الكلبي معناه فاسأل خبيراً به وقوله : {بِه } يعود إلى ما ذكرنا من خلق السماء والأرض والاستواء على العرش والباء من صلة الخبير وذلك الخبير هو الله عز وجل لأنه لا دليل في العقل على كيفية خلق الله السموات والأرض فلا يعلمها أحد إلا الله تعالى وعن ابن عباس أن ذلك الخبير هو جبريل عليه السلام وإنما قدم لرؤوس الآي وحسن النظم وثانيها : قال الزجاج قوله : {بِه } معناه عنه والمعنى فاسأل عنه خبيراً ، وهو قول الأخفش ، ونظيره قوله : {سَأَلَ سَآاـاِلُا بِعَذَابٍ وَاقِعٍ} (المعارج : 1) وقال علقمة بن عبدة :
فإن تسألوني بالنساء فإنني
بصير بأدواء النساء طبيب
وثالثها : قال ابن جرير الباء في قوله : {بِه } صلة والمعنى فسله خبيراً ، وخبيراً نصب على الحال ورابعها : أن قوله {بِه } يجري مجرى القسم كقوله : {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِى تَسَآءَلُونَ بِه } (النساء : 1).
(1/3409)

أما قوله : {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَـانِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَـانُ} فهو خبر عن قوم قالوا هذا القول. ويحتمل أنهم جهلوا الله تعالى ، ويحتمل أنهم إن عرفوه لكنهم جحدوه ، ويحتمل أنهم وإن اعترفوا به لكنهم جهلوا أن هذا الاسم من أسماء الله تعالى وكثير من المفسرين على هذا القول الأخير قالوا الرحمن اسم من أسماء الله مذكور في الكتب المتقدمة ، والعرب ما عرفوه قال مقاتل : إن أبا جهل قال إن الذي يقوله محمد شعر ، فقال عليه السلام الشعر غير هذا إن هذا إلا كلام الرحمن فقال أبو جهل بخ بخ لعمري والله إنه لكلام الرحمن الذي باليمامة هو يعلمك فقال عليه السلام : "الرحمن الذي هو إله السماء ومن عنده يأتيني الوحي" فقال يا آل غالب من يعذرني من محمد يزعم أن الله واحد ، وهو يقول الله يعلمني والرحمن ، ألستم تعلمون أنهما إلهان ثم قال ربكم الله الذي خلق هذه الأشياء ، أما الرحمن فهو مسيلمة. قال القاضي والأقرب أن المراد إنكارهم لله لا للاسم/ لأن هذه اللفظة عربية ، وهم كانوا يعلمون أنها تفيد المبالغة في الإنعام ، ثم إن قلنا بأنهم كانوا منكرين لله كان قولهم : {وَمَا الرَّحْمَـانُ} سؤال طالب عن الحقيقة ، وهو يجري مجرى قول فرعون {وَمَا رَبُّ الْعَـالَمِينَ} (الشعراء : 23) وإن قلنا بأنهم كانوا مقرين بالله لكنهم جهلوا كونه تعالى مسمى بهذا الاسم كان قولهم {وَمَا الرَّحْمَـانُ} سؤالاً عن الاسم.
جزء : 24 رقم الصفحة : 480
أما قوله : {أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا} فالمعنى للذي تأمرنا بسجوده على قوله أمرتك بالخير ، أو لأمرك / لنا ، وقرىء بالياء كأن بعضهم قال لبعض أنسجد لما يأمرنا محمد أو يأمرنا المسمى بالرحمن ولا نعرف ما هو ، وزادهم أمره نفوراً ، ومن حقه أن يكون باعثاً على الفعل والقبول. قال الضحاك : فسجد رسول الله صلى الله عليه وسلّم وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي عثمان بن مظعون وعمرو بن عنبسة ، ولما رآهم المشركون يسجدون تباعدوا في ناحية المسجد مستهزئين. فهذا هو المراد من قوله : {تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا } أي فزادهم سجودهم نفوراً.
جزء : 24 رقم الصفحة : 480
483
اعلم أنه سبحانه لما حكى عن الكفار مزيد النفرة عن السجود ذكر ما لو تفكروا فيه لعرفوا وجوب السجود والعباد للرحمن فقال : {تَبَارَكَ الَّذِى جَعَلَ فِى السَّمَآءِ بُرُوجًا} أما تبارك فقد تقدم القول فيه ، وأما البروج فهي منازل السيارات وهي مشهورة سميت بالبروج التي هي القصور العالية لأنها لهذه الكواكب كالمنازل لسكانها ، واشتقاق البروج من التبرج لظهوره ، وفيه قول آخر عن ابن عباس رضي الله عنهما أن البروج هي الكواكب العظام والأول أولى لقوله تعالى : {وَجَعَلَ فِيهَا} أي في البروج فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون قوله {فِيهَا} راجعاً إلى السماء دون البروج ؟
قلنا لأن البروج أقرب فعود الضمير إليها أولى. والسراج الشمس لقوله تعالى : {وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا} (نوح : 16) وقرىء وهي الشمس والكواكب الكبار فيها وقرأ الحسن والأعمش {سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا} وهي جمع ليلة قمراء كأنه قيل وذا قمراً منيراً ، لأن الليالي تكون قمراء بالقمر فأضافه إليها ، ولا يبعد أن يكون القمر بمعنى القمر كالرشد والرشد والعرب والعرب. وأما الخلفة ففيها قولان : الأول : أنها عبارة عن كون الشيئين بحيث أحدهما يخلف الآخر ويأتي خلفه ، يقال بفلان خلفة واختلاف ، إذا اختلف كثيراً إلى متبرزه ، والمعنى جعلهما ذوي خلفة أي ذوي عقبة يعقب هذا ذاك وذاك هذا. قال ابن عباس رضي الله عنهما جعل كل واحد منهما يخلف صاحبه فيما يحتاج أن يعمل فيه فمن فرط في عمل في أحدهما قضاه في الآخر ، قال أنس بن مالك قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم لعمر بن الخطاب وقد فاتته قراءة القرآن بالليل : "يا ابن الخطاب لقد أنزل الله فيك آية وتلا : {وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ} ما فاتك من النوافل بالليل فاقضه في نهارك ، وما فاتك من النهار فاقضه في ليلك" القول الثاني : وهو قول مجاهد وقتادة والكسائي يقال لكل شيئين اختلفا هما خلفان فقوله {خِلْفَةً} أي مختلفين وهذا أسود وهذا أبيض وهذا طويل وهذا قصير ، والقول الأول أقرب.
/
جزء : 24 رقم الصفحة : 483
(1/3410)

أما قوله تعالى : {أَن يَذَّكَّرَ} فقراءة العامة بالتشديد وقراءة حمزة بالتخفيف وعن أبي بن كعب (يتذكر) ، والمعنى لينظر الناظر في اختلافهما فيعلم أنه لا بد في انتقالهما من حال إلى حال (وتغيرهما) من ناقل ومغير وقوله : {أَن يَذَّكَّرَ} راجع إلى كل ما تقدم من النعم ، بين تعالى أن الذين قالوا وما الرحمن لو تفكروا في هذه النعم وتذكروها لاستدلوا بذلك على عظيم قدرته ، ولشكر الشاكرين على النعمة فيهما من السكون بالليل والتصرف بالنهار كما قال تعالى : {وَمِن رَّحْمَتِه جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبتَغُوا مِن فَضْلِه } (القصص : 73) أو ليكونا وقتين للمتذكرين والشاكرين ، من فاته في أحدهما ورد من العبادة قام به في الآخر ، والشكور مصدر شكر يشكر شكوراً.
جزء : 24 رقم الصفحة : 483
485
اعلم أن قوله : {وَعِبَادُ الرَّحْمَـانِ} مبتدأ خبره في آخر السورة كأنه قيل وعباد الرحمن الذين هذه صفاتهم أولئك يجزون الغرفة ، ويجوز أن يكون خبره {الَّذِينَ يَمْشُونَ} ، واعلم أنه سبحانه خص اسم العبودية بالمشتغلين بالعبودية ، فدل ذلك على أن هذه الصفة من أشرف صفات المخلوفات ، وقرىء {وَعِبَادُ الرَّحْمَـانِ} واعلم أنه سبحانه وصفهم بتسعة أنواع من الصفات :
الصفة الأولى : قوله : {الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الارْضِ هَوْنًا} وهذا وصف سيرتهم بالنهار وقرىء {يَمْشُونَ} {هَوْنًا} حال أو صفة للمشي بمعنى هينين أو بمعنى مشياً هيناً ، إلا أن في وضع المصدر موضع الصفة مبالغة ، والهون الرفق واللين ومنه الحديث "أحبب حبيبك هوناً ما" وقوله : "المؤمنون هينون لينون" والمعنى أن مشيهم يكون في لين وسكينة ووقار وتواضع ، ولا يضربون بأقدامهم (ولا يخفقون بنعالهم) أشراً وبطراً ، ولا يتبخترون لأجل الخيلاء كما قال : {وَلا تَمْشِ فِى الارْضِ مَرَحًا } (الإسراء : 37) وعن زيد بن / أسلم التمست تفسير {هَوْنًا} فلم أجد ، فرأيت في النوم فقيل لي هم الذين لا يريدون الفساد في الأرض ، وعن ابن زيد لا يتكبرون ولا يتجبرون ولا يريدون علواً في الأرض.
الصفة الثانية : قوله تعالى : {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَـاهِلُونَ قَالُوا سَلَـامًا} معناه لا نجاهلكم ولا خير بيننا ولا شر أي نسلم منكم تسليماً ، فأقيم السلام مقام التسليم ، ثم يحتمل أن يكون مرادهم طلب السلامة والسكوت ، ويحتمل أن يكون المراد التنبيه على سوء طريقتهم لكي يمتنعوا ، ويحتمل أن يكون مرادهم العدول عن طريق المعاملة ، ويحتمل أن يكون المراد إظهار الحلم في مقابلة الجهل ، قال الأصم : {قَالُوا سَلَـامًا} أي سلام توديع لا تحية ، كقول إبراهيم لأبيه : {سَلَـامٌ عَلَيْكَ } (مريم : 47) ثم قال الكلبي وأبو العالية نسختها آية القتال ولا حاجة إلى ذلك لأن الإغضاء عن السفهاء وترك المقابلة مستحسن في العقل والشرع وسبب لسلامة العرض والورع.
جزء : 24 رقم الصفحة : 485
الصفة الثالثة : قوله : {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَـامًا} واعلم أنه تعالى لما ذكر سيرتهم في النهار من وجهين : أحدهما : ترك الإيذاء ، وهو المراد من قوله : {يَمْشُونَ عَلَى الارْضِ هَوْنًا} والآخر تحمل التأذي ، وهو المراد من قوله : {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَـاهِلُونَ قَالُوا سَلَـامًا} فكأنه شرح سيرتهم مع الخلق في النهار ، فبين في هذه الآيات سيرتهم في الليالي عند الاشتغال بخدمة الخالق وهو كقوله : {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ} (السجدة : 16) ثم قال الزجاج : كل من أدركه الليل قيل بات وإن لم ينم كما يقال بات فلان قلقاً ، ومعنى {يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ} أن يكونوا في لياليهم مصلين ، ثم اختلفوا فقال بعضهم : من قرأ شيئاً من القرآن في صلاة وإن قل ، فقد بات ساجداً وقائماً ، وقيل ركعتين بعد المغرب وأربعاً بعد العشاء الأخيرة ، والأولى أنه وصف لهم بإحياء الليل أو أكثره يقال فلان يظل صائماً ويبيت قائماً ، قال الحسن يبيتون لله على أقدمهم ويفرشون له وجوههم تجري دموعهم على خدودهم خوفاً من ربهم.
(1/3411)

الصفة الرابعة : قوله : {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَا إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا} قال ابن عباس رضي الله عنهما يقولون في سجودهم وقيامهم هذا القول ، وقال الحسن خشعوا بالنهار وتعبوا بالليل فرقاً من عذاب جهنم ، وقوله : {غَرَامًا} أي هلاكاً وخسراناً ملحاً لازماً ، ومنه الغريم لإلحاحه وإلزامه ، ويقال فلان مغرم بالنساء إذا كان مولعاً بهن ، وسأل نافع بن الأزرق ابن عباس عن الغرام فقال هو الموجع ، وعن محمد بن كعب في {غَرَامًا} أنه سأل الكفار ثمن نعمه فما أدوها إليه فأغرمهم فأدخلهم النار ، واعلم أنه تعالى وصفهم بإحياء الليل ساجدين وقائمين ، ثم عقبه بذكر دعوتهم هذه إيذاناً بأنهم مع اجتهادهم خائفون مبتهلون إلى الله في صرف العذاب عنهم كقوله : {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} (المؤمنون : 60).
جزء : 24 رقم الصفحة : 485
أما قوله تعالى : {إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا} فقوله : {سَآءَتْ} في حكم بئست وفيها ضمير مبهم تفسيره (مستقراً) ، والمخصوص بالذم محذوف معناه ساءت مستقراً ومقاماً هي (وهذا الضمير هو الذي ربط الجملة باسم إن وجعلها خبراً ، لها ، ويجوز أن يكون ساءت بمعنى أحزنت ، وفيها ضمير اسم إن) ومستقراً حال أو / تمييز ، فإن قيل دلت الآية على أنهم سألوا الله تعالى أن يصرف عنهم عذاب جهنم لعلتين : إحداهما أن عذابها كان غراماً ، وثانيهما : أنها ساءت مستقراً ومقاماً ، فما الفرق بين الوجهين ؟
وأيضاً فما الفرق بين المستقر والمقام ؟
قلنا المتكلمون ذكروا أن عقاب الكافر يجب أن يكون مضرة خالصة عن شوائب النفع دائمة ، فقوله : {إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا} إشارة إلى كونه مضرة خالصة عن شوائب النفع ، وقوله : {إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا} إشارة إلى كونها دائمة ، ولا شك في المغايرة ، أما الفرق بين المستقر والمقام فيحتمل أن يكون المستقر للعصاة من أهل الإيمان فإنهم يستقرون في النار ولا يقيمون فيها ، وأم الإقامة فللكفار ، واعلم أن قوله : {إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا} يمكن أن يكون من كلام الله تعالى ويمكن أن يكون حكاية لقولهم.
جزء : 24 رقم الصفحة : 485
الصفة الخامسة : قوله : {وَالَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَالِكَ قَوَامًا} قرىء {يَقْتُرُوا } بكسر التاء وضمها ويقتروا بضم الياء وتخفيف القاف وكسر التاء وأيضاً بضم الباء وفتح القاف وكسر التاء وتشديدها وكلها لغات. والقتر والإقتار والتقتير التضييق الذي هو نقيض الإسراف ، والإسراف مجاوزة الحد في النفقة. وذكر المفسرون في الإسراف والتقتير وجوهاً : أحدها : وهو الأقوى أنه تعالى وصفهم بالقصد الذي هو بين الغلو والتقصير وبمثله أمر رسوله صلى الله عليه وسلّم بقوله : {وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ} (الإسراء : 29) وعن وهيب بن الورد قال لعالم : ما البناء الذي لا سرف فيه ؟
قال : ما سترك عن الشمس وأكنك من المطر ، فقال له فما الطعام الذي لا سرف فيه ؟
قال ما سد الجوعة ، فقال له في اللباس ، قال ما ستر عورتك ووقاك من البرد ، وروي أن رجلاً صنع طعاماً في إملاك فأرسل إلى الرسول عليه السلام فقال : "حق فأجيبوا" ثم صنع الثانية فأرسل إليه فقال : "حق فمن شاء فليجب وإلا فليقعد" ثم صنع الثالثة فأرسل إليه فقال : "رياء ولا خير فيه" وثانيها : وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك أن الإسراف الإنفاق في معصية الله تعالى ، والإقتار منع حق الله تعالى ، قال مجاهد : لو أنفق رجل مثل أبي قبيس ذهباً في طاعة الله تعالى لم يكن سرفاً ولو أنفق صاعاً في معصية الله تعالى كان سرفاً/ وقال الحسن لم ينفقوا في معاصي الله ولم يمسكوا عما ينبغي ، وذلك قد يكون في الإمساك عن حق الله ، وهو أقبح التقتير ، وقد يكون عما لا يجب ، ولكن يكون مندوباً مثل الرجل الغني الكثير المال إذا منع الفقراء من أقاربه وثالثها : المراد بالسرف مجاوزة الحد في التنعم والتوسع في الدنيا ، وإن كان من حلال ، فإن ذلك مكروه لأنه يؤدي إلى الخيلاء ، والإقتار هو التضييق فالأكل فوق الشبع بحيث يمنع النفس عن العبادة سرف وإن أكل بقدر الحاجة فذاك إقتار ، وهذه الصفة صفة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلّم كانوا لا يأكلون طعاماً للتنعم واللذة ، ولا يلبسون ثوباً للجمال والزينة ، ولكن كانوا يأكلون ما يسد جوعهم ويعينهم على عبادة ربهم ، ويلبسون ما يستر عوراتهم ويصونهم من الحر والبرد ، وههنا مسألتان :
(1/3412)

/ المسألة الأولى : القوام قال ثعلب : القوام بالفتح العدل والاستقامة ، وبالكسر ما يدوم عليه الأمر ويستقر ، قال صاحب "الكشاف" : القوام العدل بين الشيئين لاستقامة الطرفين واعتدالهما ، ونظير القوام من الاستقامة السواء من الاستواء ، وقرىء {قَوَامًا} بالكسر وهو ما يقام به الشيء ، يقال أنت قوامنا ، يعني ما يقام به الحاجة لا يفضل عنه ولا ينقص.
جزء : 24 رقم الصفحة : 485
المسألة الثانية : المنصوبان أعني {بَيْنَ ذَالِكَ قَوَامًا} جائز أن يكونا خبرين معاً ، وأن يجعل بين ذلك لغواً وقواماً مستقراً ، وأن يكون الظرف خبراً وقواماً حالاً مؤكدة ، قال الفراء : وإن شئت جعلت {بَيْنَ ذَالِكَ} اسم كان ، كما تقول كان دون هذا كافياً ، تريد أقل من ذلك ، فيكون معنى {بَيْنَ ذَالِكَ} ، أي كان الوسط من ذلك قواماً ، أي عدلاً ، وهذا التأويل ضعيف ، لأن القوام هو الوسط فيصير التأويل ، وكان الوسط وسطاً وهذا لغو.
الصفة السادسة
جزء : 24 رقم الصفحة : 485
486
اعلم أنه سبحانه وتعالى ذكر أن من صفة عباد الرحمن الاحتراز عن الشرك والقتل الزنا ، ثم ذكر بعد ذلك حكم من يفعل هذه الأشياء من العقاب ، ثم استثنى من جملتهم التائب ، وههنا سؤالات :
السؤال الأول : أنه تعالى قبل ذكر هذه الصفة نزه عباد الرحمن عن الأمور الخفيفة ، فكيف يليق بعد ذلك أن يطهرهم عن الأمور العظيمة مثل الشرك والقتل والزنا ، أليس أنه لو كان الترتيب بالعكس منه كان أولى ؟
الجواب : أن الموصوف بتلك الصفات السالفة قد يكون / متمسكاً بالشرك تديناً ومقدماً على قتل الموءودة تديناً وعلى الزنا تديناً ، فبين تعالى أن المرء لا يصير بتلك الخصال وحدها من عباد الرحمن ، حتى يضاف إلى ذلك كونه مجانباً لهذه الكبائر ، وأجاب الحسن رحمه الله من وجه آخر فقال : المقصود من ذلك التنبيه على الفرق بين سيرة المسلمين وسيرة الكفار ، كأنه قال : وعباد الرحمن هم الذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر وأنت تدعون {وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ} وأنتم تقتلون الموءودة ، {وَلا يَزْنُونَ } وأنتم تزنون.
السؤال الثاني : ما معنى قوله : {وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ} ومعلوم أنه من يحل قتله لا يدخل في النفس المحرمة فكيف يصح هذا الاستثناء ؟
الجواب : المقتضى لحرمة القتل قائم أبداً ، وجواز القتل إنما ثبت بالمعارض فقوله : {حَرَّمَ اللَّهُ} إشارة إلى المقتضى وقوله {إِلا بِالْحَقِّ} إشارة إلى المعارض.
السؤال الثالث : بأي سبب يحل القتل ؟
الجواب : بالردة وبالزنا بعد الإحصان ، وبالقتل قوداً على ما في الحديث ، وقيل وبالمحاربة وبالبينة ، وإن لم يكن لما شهدت به حقيقة.
جزء : 24 رقم الصفحة : 486
السؤال الرابع : منهم من فسر قوله : {وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ} بالردة فهل يصح ذلك ؟
الجواب : لفظ القتل عام فيتناول الكل. وعن ابن مسعود "قلت يا رسول الله أي الذنب أعظم ؟
قال أن تجعل لله نداً وهو خلقك ، قلت ثم أي ؟
قال أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك ، قلت ثم أي ؟
قال أن تزني بحليلة جارك" فأنزل الله تصديقه.
السؤال الخامس : ما الأثام ؟
الجواب : فيه وجوه : أحدها : أن الأثام جزاء الإثم ، بوزن الوبال والنكال وثانيها : وهو قول أبي مسلم : أن الأثام والإثم واحد ، والمراد ههنا جزاء الأثام فأطلق اسم الشيء على جزائه وثالثها : قال الحسن : الأثام اسم من أسماء جهنم وقال مجاهد : {أَثَامًا} واد في جهنم ، (وقرأ ابن مسعود {أَثَامًا} أي شديداً ، يقال يوم ذو أثام لليوم العصيب).
أما قوله : {يُضَـاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَـامَةِ وَيَخْلُدْ فِيه مُهَانًا} ففيه مسائل :
المسألة الأولى : {يُضَـاعَفْ} بدل من {يَلْقَ} لأنهما في معنى واحد ، وقرىء (يضعف) و(نضعف له العذاب) بالنون ونصب العذاب ، وقرىء بالرفع على الاستئناف أو على الحال ، وكذلك (يخلد) (وقرىء) (ويخلد) على البناء للمفعول مخففاً ومثقلاً من الإخلاد والتخليد/ وقرىء (وتخلد) بالتاء على الالتفات.
المسألة الثانية : سبب تضعيف العذاب أن المشرك إذا ارتكب المعاصي مع الشرك عذب على الشرك وعلى المعاصي جميعاً ، فتضاعف العقوبة لمضاعفة المعاقب عليه ، وهذا يدل على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع.
(1/3413)

المسألة الثالثة : قال القاضي : بين الله تعالى أن المضاعفة والزيادة يكون حالهما في الدوام كحال الأصل ، فقوله : {وَيَخْلُدْ فِيه } أي ويخلد في ذلك التضعيف ، ثم إن ذلك التضعيف إنما حصل بسبب العقاب على المعاصي ، فوجب أن يكون عقاب هذه المعاصي في حق الكافر دائماً ، / وإذا كان كذلك وجب أن يكون في حق المؤمن كذلك ، لأن حاله فيما يستحق به لا يتغير سواء فعل مع غيره أو منفرداً والجواب : لم لا يجوز أن يكون للإتيان بالشيء مع غيره أثر في مزيد القبح ، ألا ترى أن الشيئين قد يكون كل واحد منهما في نفسه حسناً وإن كان الجمع بينهما قبيحاً ، وقد يكون كل واحد منهما قبيحاً ، ويكون الجمع بينهما أقبح ، فكذا ههنا.
جزء : 24 رقم الصفحة : 486
المسألة الرابعة : قوله : {وَيَخْلُدْ فِيه مُهَانًا} إشارة إلى ما ثبت أن العقاب هو المضرة الخالصة المقرونة بالإذلال والإهانة ، كما أن الثواب هو المنفعة الخالصة المقرونة بالتعظيم.
أما قوله تعالى : {إِلا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَـالِحًا فَ أولئك يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّـاَاتِهِمْ حَسَنَـاتٍا وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} ففيه مسائل :
المسألة الأولى : دلت الآية على أن التوبة مقبولة ، والاستثناء لا يدل على ذلك لأنه أثبت أنه يضاعف له العذاب ضعفين ، فيكفي لصحة هذا الاستثناء أن لا يضاعف للتائب العذاب ضعفين ، وإنما الدال عليه قوله : {فَ أولئك يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّـاَاتِهِمْ حَسَنَـاتٍ } .
المسألة الثانية : نقل عن ابن عباس أنه قال : توبة القاتل غير مقبولة ، وزعم أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى : {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا} (النساء : 93) وقالوا نزلت الغليظة بعد اللينة بمدة يسيرة ، وعن الضحاك ومقاتل بثمان سنين ، وقد تقدم الكلام في ذلك في سورة النساء.
المسألة الثالثة : فإن قيل : العمل الصالح يدخل فيه التوبة والإيمان ، فكان ذكرهما قبل ذكر العمل الصالح حشواً ، قلنا : أفردهما بالذكر لعلو شأنهما ، ولما كان لا بد معهما من سائر الأعمال لا جرم ذكر عقيبهما العمل الصالح.
المسألة الرابعة : اختلفوا في المراد بقوله : {فَ أولئك يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّـاَاتِهِمْ حَسَنَـاتٍ } على وجوه : أحدها : قول ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة : إن التبديل إنما يكون في الدنيا ، فيبدل الله تعالى قبائح أعمالهم في الشرك بمحاسن الأعمال في الإسلام فيبدلهم بالشرك إيماناً ، وبقتل المؤمنين قتل المشركين ، وبالزنا عفة وإحصاناً ، فكأنه تعالى يبشرهم بأنه يوفقهم لهذه الأعمال الصالحة فيستوجبوا بها الثواب وثانيها : قال الزجاج : السيئة بعينها لا تصير حسنة ، ولكن التأويل أن السيئة تمحى بالتوبة وتكتب الحسنة مع التوبة والكافر يحبط الله عمله ويثبت عليه السيئات. وثالثها : قال قوم : إن الله تعالى يمحو السيئة عن العبد ويثبت له بدلها الحسنة بحكم هذه الآية ، وهذا قول سعيد بن المسيب ومكحول ، ويحتجون بما روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال : "ليتمنين أقوام أنهم أكثروا من السيئات ، قيل من هم يا رسول الله ؟
قال الذين يبدل الله سيئاتهم حسنات" وعلى هذا التبديل في الآخرة ورابعها : قال القفال والقاضي : أنه تعالى يبدل العقاب بالثواب فذكرهما وأراد ما يستحق بهما ، وإذا حمل على ذلك كانت الإضافة إلى الله حقيقة لأن الإثابة لا تكون إلا من الله تعالى.
جزء : 24 رقم الصفحة : 486
أما قوله تعالى : {وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَـالِحًا فَإِنَّه يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا} ففيه سؤالان :
/ السؤال الأول : ما فائدة هذا التكرير ؟
الجواب : من وجهين : الأول : أن هذا ليس بتكرير لأن الأول لما كان في تلك الخصال بين تعالى أن جميع الذنوب بمنزلتها في صحة التوبة منها الثاني : أن التوبة الأولى رجوع عن الشرك والمعاصي ، والتوبة الثانية رجوع إلى الله تعالى للجزاء والمكافأة كقوله تعالى : {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ} (الرعد : 30) أي مرجعي.
السؤال الثاني : هل تكون التوبة إلا إلى الله تعالى فما فائدة قوله : {فَإِنَّه يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا} ؟
الجواب : من وجوه : الأول : ما تقدم من أن التوبة الأولى الرجوع عن المعصية والثانية الرجوع إلى حكم الله تعالى وثوابه الثاني : معناه أن من تاب إلى الله فقد أتى بتوبة مرضية لله مكفرة للذنوب محصلة للثواب العظيم الثالث : قوله : {وَمَن تَابَ} يرجع إلى الماضي فإنه سبحانه ذكر أن من أتى بهذه التوبة في الماضي على سبيل الإخلاص فقد وعده بأنه سيوفقه للتوبة في المستقبل ، وهذا من أعظم البشارات.
الصفة السابعة
جزء : 24 رقم الصفحة : 486
486
فيه مسائل :
(1/3414)

المسألة الأولى : الزور يحتمل إقامة الشهادة الباطلة ، ويكون المعنى أنهم لا يشهدون شهادة الزور فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ويحتمل حضور مواضع الكذب كقوله تعالى : {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِى حَدِيثٍ غَيْرِه } (الأنعام : 68) ويحتمل حضور كل موضع يجري فيه ما لا ينبغي ويدخل فيه أعياد المشركين ومجامع الفساق ، لأن من خالط أهل الشر ونظر إلى أفعالهم وحضر مجامعهم فقد شاركهم في تلك المعصية ، لأن الحضور والنظر دليل الرضا به ، بل هو سبب لوجوده والزيادة فيه ، لأن الذي حملهم على فعله استحسان النظارة ورغبتهم في النظر إليه ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما المراد مجالس الزور التي يقولون فيها الزور على الله تعالى وعلى رسوله ، وقال محمد بن الحنفية الزور الغناء ، واعلم أن كل هذه الوجوه محتملة ولكن استعماله في الكذب أكثر.
المسألة الثانية : الأصح أن اللغو كل ما يجب أن يلغى ويترك ، ومنهم من فسر اللغو بكل ما ليس بطاعة ، وهو ضعيف لأن المباحات لا تعد لغواً فقوله : {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ} أي بأهل اللغو.
المسألة الثالثة : لا شبهة فى أن قوله : {مَرُّوا كِرَامًا} معناه أنهم يكرمون أنفسهم عن مثل حال اللغو وإكرامهم لها لا يكون إلا بالإعراض وبالإنكار وبترك المعاونة والمساعدة ، ويدخل فيه الشرك واللغو في القرآن وشتم الرسول ، والخوض فيما لا ينبغي وأصل الكلمة من قولهم ناقة كريمة إذا كانت تعرض عند الحلب تكرماً ، كأنها لا تبالي بما يحلب منها للغزارة ، / فاستعير ذلك للصفح عن الذنب ، وقال الليث يقال تكرم فلان عما يشينه إذا تنزه وأكرم نفسه عنه ونظير هذه الآية قوله : {وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَآ أَعْمَـالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَـالُكُمْ سَلَـامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِى الْجَـاهِلِينَ} (القصص : 55) وعن الحسن لم تسفههم المعاصي وقيل إذا سمعوا من الكفار الشتم والأذى أعرضوا ، وقيل إذا ذكر النكاح كنوا عنه.
الصفة الثامنة
جزء : 24 رقم الصفحة : 486
487
قال صاحب "الكشاف" قوله : {لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا} ليس بنفي للخرور ، وإنما هو إثبات له ونفي للصمم والعمى كما يقال لا يلقاني زيد مسلماً ، هو نفي للسلام لا للقاء ، والمعنى أنهم إذا ذكروا بها أكبوا عليها حرصاً على استماعها ، وأقبلوا على المذكر بها ، وهم في إكبابهم عليها سامعون بآذان واعية ، مبصرون بعيون راعية ، لا كالذين يذكرون بها فتراهم مكبين عليها مقبلين على من يذكر بها مظهرين الحرص الشديد على استماعها وهم كالصم والعميان حيث لا (يفهمونها ولا يبصرون) ما فيها كالمنافقين.
الصفة التاسعة
جزء : 24 رقم الصفحة : 487
488
وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ نافع وابن كثير وابن عامر وحفص عن عاصم بألف الجمع وحذفها الباقون على التوحيد والذرية تكون واحداً وجمعاً.
المسألة الثانية : أنه لا شبهة أن المراد أن يكون قرة أعين لهم في الدين لا في الأمور الدنيوية من المال والجمال ثم ذكروا فيه وجهان : أحدهما : أنهم سألوا أزواجاً وذرية في الدنيا يشاركونهم فأحبوا أن يكونوا معهم في التمسك بطاعة الله فيقوى طمعهم في أن يحصلوا معهم في الجنة فيتكامل سرورهم في الدنيا بهذا الطمع وفي الآخرة عند حصول الثواب والثاني : أنهم سألوا أن يلحق الله أزواجهم وذريتهم بهم في الجنة ليتم سرورهم بهم.
المسألة الثالثة : فإن قيل : (من) في قوله : {لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا} ما هي ؟
قلنا : يحتمل أن تكون بيانية كأنه قيل : هب لنا قرة أعين ثم بينت القرة وفسرت بقوله : {مِنْ أَزْوَاجِنَا} وهو من قولهم : / رأيت منك أسداً أي أنت أسد ، وأن تكون ابتدائية على معنى هب لنا من جهتهم ما تقر به عيوننا من طاعة وصلاح ، فإن قيل لم قال {قُرَّةَ أَعْيُنٍ} فنكر وقلل ؟
قلنا أما التنكير فلأجل تنكير القرة لأن المضاف لا سبيل إلى تنكيره إلا بتنكير المضاف إليه كأنه قال : هب لنا منهم سروراً وفرحاً وإنما قال (أعين) دون عيون لأنه أراد أعين المتقين وهي قليلة بالإضافة إلى عيون غيرهم ، قال تعالى : {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ} (سبأ : 13).
المسألة الرابعة : قال الزجاج أقر الله عينك أي صادف فؤادك ما يحبه ، وقال المفضل في قرة العين ثلاثة أقوال : أحدها : يرد دمعتها وهي التي تكون مع الضحك والسرور ودمعة الحزن حارة والثاني : نومها لأنه يكون مع ذهاب الحزن والوجع والثالث : حضور الرضا.
المسألة الخامسة : قوله : {وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} الأقرب أنهم سألوا الله تعالى أن يبلغهم في الطاعة المبلغ الذي يشار إليهم ويقتدى بهم ، قال بعضهم في الآية ما يدل على أن الرياسة في الدين يجب أن تطلب ويرغب فيها قال الخليل عليه الصلاة والسلام : {وَاجْعَل لِّى لِسَانَ صِدْقٍ فِى الاخِرِينَ} (الشعراء : 84) وقيل نزلت هذه الآيات في العشرة المبشرين بالجنة.
(1/3415)

جزء : 24 رقم الصفحة : 488
المسألة السادسة : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى ، قالوا لأن الإمامة في الدين لا تكون إلا بالعلم والعمل ، فدل على أن العلم والعمل إنما يكون بجعل الله تعالى وخلقه ، وقال القاضي المراد من السؤال الألطاف التي إذا كثرت صاروا مختارين لهذه الأشياء فيصيرون أئمة والجواب : أن تلك الألطاف مفعولة لا محالة فيكون سؤالها عبثاً.
المسألة السابعة : قال الفراء : قال (إماماً) ، ولم يقل أئمة كما قال للاثنين {إِنِّى رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (الزخرف : 46) ويجوز أن يكون المعنى اجعل كل واحد منا إماماً كما قال : {يُخْرِجُكُمْ طِفْلا} (غافر : 67) وقال الأخفش : الإمام جمع واحده آم كصائم وصيام. وقال القفال وعندي أن الإمام إذا ذهب به مذهب الاسم وحد كأنه قيل اجعلنا حجة للمتقين ، ومثله البينة يقال هؤلاء بينة فلان. واعلم أنه سبحانه وتعالى لما عدد صفات المتقين المخلصين بين بعد ذلك أنواع إحسانه إليهم وهي مجموعة في أمرين المنافع والتعظيم.
جزء : 24 رقم الصفحة : 488
488
أما المنافع : فهي قوله :
والمراد أولئك يجزون الغرفات والدليل عليه قوله : {وَهُمْ فِى الْغُرُفَاتِ ءَامِنُونَ} (سبأ : 37) وقال : {لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ} (الزمر : 20) والغرفة في اللغة العلية وكل بناء عال فهو غرفة والمراد به الدرجات العالية. وقال المفسرون الغرفة اسم الجنة ، فالمعنى يجزون الجنة وهي جنات كثيرة ، وقرأ بعضهم : (أولئك يجزون في الغرفة) وقوله : {بِمَا صَبَرُوا } فيه بحثان :
البحث الأول : احتج بالآية من ذهب إلى أن الجنة بالاستحقاق فقال الباء في قوله : {بِمَا صَبَرُوا } تدل على ذلك ولو كان حصولها بالوعد لما صدق ذلك.
البحث الثاني : ذكر الصبر ولم يذكر المصبور عنه ، ليعم كل نوع فيدخل فيه صبرهم على مشاق التفكر والاستدلال في معرفة الله تعالى ، وعلى مشاق الطاعات ، وعلى مشاق ترك الشهوات وعلى مشاق أذى المشركين وعلى مشاق الجهاد والفقر ورياضة النفس فلا وجه لقول من يقول المراد الصبر على الفقر خاصة ، لأن هذه الصفات إذا حصلت مع الغنى استحق من يختص بها الجنة كما يستحقه بالفقر.
وثانيهما التعظيم : وهو قوله تعالى :
(ويلقون فيها تحية وسلاماً) :
قرىء {يُلْقُون} كقوله : {وَلَقَّا هُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا} (الأنسان : 11) و{يُلْقُون} كقوله : {يَلْقَ أَثَامًا} (الفرقان : 68) ، والتحية الدعاء بالتعمير والسلام الدعاء بالسلامة ، فيرجع حاصل التحية إلى كون نعيم الجنة باقياً غير منقطع ، ويرجع السلام إلى كون ذلك النعيم خالصاً عن شوائب الضرر ، ثم هذه التحية والسلام يمكن أن يكون من الله تعالى لقوله : {سَلَامٌ قَوْلا مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ} (يس : 58) ويمكن أن يكون من الملائكة لقوله : {وَالْمَلَا ا ِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلَامٌ عَلَيْكُم} (الرعد : 23 ، 24) ويمكن أن يكون من بعضهم على بعض. أماقوله :
جزء : 24 رقم الصفحة : 488
490
فالمراد أنه سبحانه لما وعد بالمنافع أولاً وبالتعظيم ثانياً ، بين أن من صفتهما الدوام وهو المراد من قوله : {خَالِدِينَ فِيهَا} ومن صفتهما الخلوص أيضاً وهو المراد من قوله : {حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا} وهذا في مقابلة قوله : {سَآءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا} أي ما أسوأ ذلك وما أحسن هذا. أما قوله :
جزء : 24 رقم الصفحة : 490
490
فاعلم أنه سبحانه لما شرح صفات المتقين ، وشرح حال ثوابهم أمر رسوله أن يقول : {قُلْ مَا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّى لَوْلا دُعَآؤُكُمْ } فدل بذلك على أنه تعالى غني عن عبادتهم ، وأنه تعالى إنما كلفهم لينتفعوا بطاعتهم وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قال الخليل ما أعبأ بفلان أي ما أصنع به كأنه (يستقله) ويستحقره ، وقال أبو عبيدة ما أعبأ به أي وجوده وعدمه عندي سواء ، وقال الزجاج معناه أي لا وزن لكم عند ربكم ، والعبء في اللغة الثقل ، وقال أبو عمرو بن العلاء ما يبالي بكم ربي.
المسألة الثانية : في {مَآ} قولان أحدهما أنها متضمنة لمعنى الاستفهام وهي في محل النصب وهي عبارة عن المصدر ، كأنه قيل وأي عبء يعبأ بكم لولا دعاؤكم ، والثاني أن تكون ما نافية.

/ المسألة الثالثة : ذكروا في قوله : {لَوْلا دُعَآؤُكُمْ } وجهين : أحدهما : لولا دعاؤه إياكم إلى الدين والطاعة والدعاء على هذا مصدر مضاف إلى المفعول وثانيهما : أن الدعاء مضاف إلى الفاعل وعلى هذا التقدير ذكروا فيه وجوهاً : أحدها : لولا دعاؤكم لولا إيمانكم وثانيها : لولا عبادتكم وثالثها : لولا دعاؤكم إياه في الشدائد كقوله : {فَإِذَا رَكِبُوا فِى الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ} (العنكبوت : 65) ورابعها : دعاؤكم يعني لولا شكركم له على إحسانه لقوله : {مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ} (النساء : 147) وخامسها : ما خلقتكم وبي إليكم حاجة إلا أن تسألوني فأعطيكم وتستغفروني فأغفر لكم.
أما قوله : {فَقَدْ كَذَّبْتُمْ} فالمعنى أني إذا أعلمتكم أن حكمي أني لا أعتد بعبادي إلا لعبادتهم فقد خالفتم بتكذيبكم حكمي فسوف يلزمكم أثر تكذيبكم وهو عقاب الآخرة ، ونظيره أن يقول الملك لمن استعصى عليه : إن من عادتي أن أحسن إلى من يطيعني ، وقد عصيت فسوف ترى ما أحل بك بسبب عصيانك. فإن قيل إلى من يتوجه هذا الخطاب ؟
قلنا إلى الناس على الإطلاق ، ومنهم (مؤمنون) عابدون ومكذبون عاصون ، فخوطبوا بما وجد في جنسهم من العبادة والتكذيب ، وقرىء (فقد كذب الكافرون) (فسوف) يكون العذاب لزاماً ، وقرىء {لِزَامَا } بالفتح بمعنى اللزوم كالثبات والثبوت ، والوجه أن ترك اسم كان غير منطوق به بعد ما علم أنه مما توعد به لأجل الإبهام ويتناول ما لا يحيط به الوصف ، ثم قيل هذا العذاب في الآخرة ، وقيل كان يوم بدر وهو قول مجاهد رحمه الله ، والله أعلم.
جزء : 24 رقم الصفحة : 490
تم تفسير هذه السورة والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام
على سيدنا محمد النبي الأمي وآله وصحبه أجمعين
جزء : 24 رقم الصفحة : 490
491
(1/3416)

سورة الشعراء
مكية إلا أربع آيات فإنها مدنية وهي {وَالشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ} إلى آخرها
وهي مايتان أو ست أو سبع وعشرون آية
جزء : 24 رقم الصفحة : 491
492
/ الطاء إشارة إلى طرب قلوب العارفين ، والسين سرور المحبين ، والميم مناجاة المريدين ، وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ قتادة {بَاخِعٌ نَّفْسَكَ} على الإضافة ، وقرىء {فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا} .
المسألة الثانية : البخع أن يبلغ بالذبح البخاع ، وهو الخرم النافذ في ثقب الفقرات وذلك أقصى حد الذابح ، ولعل للإشفاق.
المسألة الثالثة : قوله : {طسام * تِلْكَ ءَايَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ} معناه : آيات هذه السورة تلك آيات الكتاب المبين ، وتمام تقريره ما مر في قوله تعالى : {ذَلِكَ الْكِتَابُ} (البقرة : 2) ولا شبهة في أن المراد بالكتاب هو القرآن والمبين وإن كان في الحقيقة هو المتكلم فقد يضاف إلى الكلام من حيث يتبين به عند النظر فيه ، فإن قيل القوم لما كانوا كفاراً فكيف تكون آيات القرآن مبينة لهم ما يلزمهم ، وإنما يتبين بذلك الأحكام ؟
قلنا ألفاظ القرآن من حيث تعذر عليهم أن يأتوا بمثله يمكن أن يستدل به على فاعل مخالف لهم كما يستدل بسائر ما لا يقدر العباد على مثله ، فهو دليل التوحيد من هذا الوجه ودليل النبوة من حيث الإعجاز ، ويعلم به بعد ذلك أنه إذا كان من عند الله / تعالى فهو دلالة الأحكام أجمع ، وإذا ثبت هذا صارت آيات القرآن كافية في كل الأصول والفروع أجمع ، ولما ذكر الله تعالى أنه بين الأمور قل بعده : {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} منبهاً بذلك على أن الكتاب وإن بلغ في البيان كل غاية فغير مدخل لهم في الإيمان لما أنه سبق حكم الله بخلافه ، فلا تبالغ في الحزن والأسف على ذلك لأنك إن بالغت فيه كنت بمنزلة من يقتل نفسه ثم لا ينتفع بذلك أصلاً فصبره وعزاه وعرفه أن غمه وحزنه لا نفع فيه كما أن وجود الكتاب على بيانه ووضوحه لا نفع لهم فيه ، ثم بين تعالى أنه قادر على أن ينزل آية يذلون عندها ويخضعون ، فإن قيل : كيف صح مجيء {خَاضِعِينَ} خبراً عن الأعناق ؟
قلنا أصل الكلام : فظلوا لها خاضعين ، فذكرت الأعناق لبيان موضع الخضوع ، ثم ترك الكلام على أصله ، ولما وصفت بالخضوع الذي هو للعقلاء ، قيل {خَاضِعِينَ} كقوله : {لِى سَاجِدِينَ} (يوسف : 4) ، وقيل أعناق الناس رؤساؤهم ومقدموهم شبهوا بالأعناق كما يقال هم الرؤوس والصدور ، وقيل هم جماعات الناس ، يقال جاءنا عنق من الناس لفوج منهم.
جزء : 24 رقم الصفحة : 492
المسألة الرابعة : نظير هذه الآية قوله تعالى في سورة الكهف : {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ} وقوله : {فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ } (فاطر : 8).
جزء : 24 رقم الصفحة : 492
493
(1/3417)

المسألة الأولى : قوله : {وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ الرَّحْمَـن ِ مُحْدَثٍ إِلا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ} من تمام قوله : {إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم} (الشعراء : 4) فنبه تعالى على أنه مع قدرته على أن يجعلهم مؤمنين بالإلجاء رحيم بهم من حيث يأتيهم حالاً بعد حال بالقرآن ، وهو الذكر ويكرره عليهم وهم مع ذلك على حد واحد في الإعراض والتكذيب والاستهزاء ، ثم عند ذلك زجر وتوعد لأن المرء إذا استمر على كفره فليس ينفع فيه إلا الزجر الشديد فلذلك قال : {فَقَدْ كَذَّبُوا } أي بلغوا النهاية / في رد آيات الله تعالى {فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنابَـا ؤُا مَا كَانُوا } وذلك إما عند نزول العذاب عليهم في الدنيا أو عند المعاينة أو في الآخرة ، فهو كقوله تعالى : {وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَه بَعْدَ حِين } وقد جرت العادة فيمن يسيء أن يقال له سترى حالك من بعد على وجه الوعيد ، ثم إنه تعالى بين أنه مع إنزاله القرآن حالاً بعد حال قد أظهر أدلة تحدث حالاً بعد حال فقال : {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الارْضِ كَمْ أَنابَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ} والزوج هو الصنف (من النبات) والكريم صفة لكل ما يرضى ويحمد في بابه ، يقال وجه كريم إذا كان مرضياً في حسنه وجماله. وكتاب كريم إذا كان مرضياً في فوائده ومعانيه ، والنبات الكريم هو المرضي فيما يتعلق به من المنافع ، وفي وصف الزوج بالكريم وجهان : أحدهما : أن النبات على نوعين نافع وضار ، فذكر سبحانه كثرة ما أنبت في الأرض من جميع أصناف النبات النافع وترك ذكر الضار والثاني : أنه عم جميع النبات نافعه وضاره ووصفهما جميعاً بالكرم ، ونبه على أنه ما أنبت شيئاً إلا وفيه فائدة وإن غفل عنها الغافلون.
جزء : 24 رقم الصفحة : 493
أما قوله : {إِنَّ فِي ذَالِكَ لايَةًا وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ} فهو كقوله : {هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} (البقرة : 2) والمعنى أن في ذلك دلالة لمن يتفكر ويتدبر وما كان أكثرهم مؤمنين أي مع كل ذلك يستمر أكثرهم على كفرهم ، فأما قوله : {وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} فإنما قدم ذكر العزيز على ذكر الرحيم لأنه لو لم يقدمه لكان ربما قيل إنه رحمهم لعجزه عن عقوبتهم ، فأزال هذا الوهم بذكر العزيز وهو الغالب القاهر ، ومع ذلك فإنه رحيم بعباده ، فإن الرحمة إذا كانت عن القدرة الكاملة كانت أعظم وقعاً. والمراد أنهم مع كفرهم وقدرة الله على أن يعجل عقابهم لا يترك رحمتهم بما تقدم ذكره من خلق كل زوج كريم من النبات ، ثم من إعطاء الصحة والعقل والهداية.
المسألة الثانية : أنه تعالى وصف الكفار بالإعراض أولاً وبالتكذيب ثانياً وبالاستهزاء ثالثاً وهذه درجات من أخذ يترقى في الشقاوة ، فإنه يعرض أولاً ثم يصرح بالتكذيب والإنكار إلى حيث يستهزىء به ثالثاً.
المسألة الثالثة : فإن قلت ما معنى الجمع بين كم وكل ، ولم لم يقل كم أنبتنا فيها من زوج كريم ؟
قلت : قد دل كل على الإحاطة بأزواج النبات على سبيل التفصيل وكم على أن هذا المحيط متكاثر مفرط الكثرة ، فهذا معنى الجمع (رتبه) على كمال قدرته ، فإن قلت : فحين ذكر الأزواج ودل عليها بكلمتي الكثرة والإحاطة وكانت بحيث لا يحصيها إلا عالم الغيب فكيف قال : {إِنَّ فِى ذَالِكَ لايَةً } وهلا قال لآيات ؟
قلت فيه وجهان : أحدهما : أن يكون ذلك مشاراً به إلى مصدر أنبتنا ، فكأنه قال إن في ذلك الإنبات لآية أي آية والثاني : أن يراد أن في كل واحد من تلك الأزواج لآية.
المسألة الرابعة : احتجت المعتزلة على خلق القرآن بقوله تعالى : {وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ الرَّحْمَـن ِ مُحْدَثٍ} فقالوا الذكر هو القرآن لقوله تعالى : {وَهَـاذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ} (الأنبياء : 50) وبين في هذه الآية أن الذكر محدث فيلزم من هاتين الآيتين أن القرآن محدث ، وهذا الاستدلال بقوله تعالى : {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَـابًا} (الزمر : 23) وبقوله : {فَبِأَيِّ حَدِيثا بَعْدَه يُؤْمِنُونَ} (المرسلات : 50) وإذا ثبت أنه محدث فله خالق فيكون مخلوقاً لا محالة والجواب : أن كل ذلك يرجع إلى هذه الألفاظ ونحن نسلم حدوثها إنما ندعي قدم أمر آخر وراء هذه الحروف ، وليس في الآية دلالة على ذلك.
جزء : 24 رقم الصفحة : 493
495
(1/3418)

اختلف أهل السنة في النداء الذي سمعه موسى عليه السلام من الله تعالى ، هل هو كلامه القديم أو هو ضرب من الأصوات ، فقال أبو الحسن الأشعري : المسموع هو الكلام القديم ، وكما أن ذاته تعالى لا تشبه سائر الأشياء ، مع أن الدليل دل على أنها معلومة ومرتبة فكذا كلامه منزه عن مشابهة الحروف والأصوات مع أنه مسموع ، وقال أبو منصور الماتريدي : الذي سمعه موسى عليه السلام كان نداء من جنس الحروف والأصوات ، وذلك لأن الدليل لما دل على أنا رأينا الجوهر والعرض ، ولا بد من علة مشتركة بينهما لصحة الرؤية ، ولا علة إلا الوجود ، حكمنا بأن كل موجود يصح أن يرى ، ولم يثبت عندنا أنا نسمع الأصوات والأجسام حتى يحكم بأنه لا بد من مشترك بين الجسم والصوت ، فلم يلزم صحة كون كل موجود مسموعاً فظهر الفرق ، أما المعتزلة فقد اتفقوا على أن ذلك المسموع ما كان إلا حروفاً وأصواتاً ، فعند هذا قالوا إن ذلك النداء وقع على وجه علم به موسى عليه السلام أنه من قبل الله تعالى ، فصار معجزاً علم به أن الله مخاطب له فلم يحتج مع ذلك إلى واسطة ، وكفى في الوقت أن يحمله الرسالة التي هي {أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّـالِمِينَ} لأن في بدء البعثة يجب أن يأمره بالدعاء إلى التوحيد ، ثم بعده يأمره بالأحكام ، ولا يجوز أن يأمره تعالى بذلك إلا وقد عرفه أنه ستظهر عليه المعجزات إذا طولب بذلك.
أما قوله تعالى : {أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّـالِمِينَ} فالمعنى أنه تعالى سجل عليهم بالظلم ، وقد استحقوا هذا الاسم من وجهين من وجه ظلمهم أنفسهم بكفرهم ، ومن وجه ظلمهم لبني إسرائيل.
أما قوله : {قَوْمَ فِرْعَوْنَ } فقد عطف (قوم فرعون) على (القوم الظالمين) عطف بيان ، كأن القوم الظالمين وقوم فرعون لفظان يدلان على معنى واحد.
وأما قوله : {أَلا يَتَّقُونَ} فقرىء (ألا يتقون) بكسر النون ، بمعنى ألا يتقونني ، فحذفت النون لاجتماع النونين والياء للاكتفاء بالكسرة ، وقوله : {أَلا يَتَّقُونَ} كلام مستأنف أتبعه تعالى إرساله إليهم للإنذار والتسجيل عليهم بالظلم ، تعجيباً لموسى عليه السلام من حالهم (التي شفت) في الظلم والعسف ، ومن أمنهم العواقب وقلة خوفهم (وحذرهم من أيام الله)(1) ، ويحتمل أن يكون {أَلا يَتَّقُونَ} حالاً من الضمير في (الظالمين) / أي يظلمون غير متقين الله وعقابه ، فأدخلت همزة الإنكار على الحال ، ووجه ثالث وهو أن يكون المعنى ألا يا ناس اتقون ، كقوله : (ألا يسجدوا). وأما من قرأ (ألا تتقون) على الخطاب ، فعلى طريقة الالتفات إليهم وصرف وجوههم بالإنكار والغضب عليهم ، كما يرى من يشكو ممن ركب جناية والجاني حاضر ، فإذا اندفع في الشكاية وحمى غضبه ، قطع مباثة صاحبه وأقبل على الجاني يوبخه ويعنفه به ، ويقول له ألا تتقي الله ألا تستحي من الناس ، فإن قلت : فما الفائدة في هذا الالتفات والخطاب مع موسى عليه السلام في وقت المناجاة ، والملتفت إليهم غائبون لا يشعرون ؟
قلت : إجراء ذلك في تكليم المرسل إليهم في معنى إجرائه بحضرتهم وإلقائه إلى مسامعهم ، لأنه (مبلغهم)(2) ومنهيه إليهم ، وله فيه لطف وحث على زيادة التقوى ، وكم من آية نزلت في شأن الكافرين وفيها أوفر نصيب للمؤمنين تدبراً لها واعتباراً بمواردها.
جزء : 24 رقم الصفحة : 495
495
وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أن الله تعالى لما أمر موسى عليه السلام بالذهاب إلى قوم فرعون ، طلب موسى عليه السلام أن يبعث معه هرون إليهم ، ثم ذكر الأمور الداعلية له إلى ذلك السؤال وحاصلها أنه لو لم يكن هرون ، لاختلت المصلحة المطلوبة من بعثة موسى عليه السلام ، وذلك من وجهين : الأول : أن فرعون ربما كذبه ، والتكذيب سبب لضيق القلب ، وضيق القلب سبب لتعسر الكلام على من يكون في لسانه حبسة ، لأن عند ضيق القلب تنقبض الروح والحرارة الغريزية إلى باطن القلب ، وإذا انقبضا إلى الداخل وخلا منهما الخارج ازدادت الحبسة في اللسان ، فالتأذي من التكذيب سبب لضيق القلب ، وضيق القلب سبب للحبسة ، فلهذا السبب بدأ بخوف التكذيب ، ثم ثنى بضيق الصدر ، ثم ثلث بعدم انطلاق اللسان. وأما هرون فهو أفصح لساناً مني وليس في حقه هذا المعنى ، فكان إرساله لائقاً الثاني : أن لهم عندي ذنباً فأخاف أن يبادروا إلى قتلي ، وحينئذ لا يحصل المقصود من البعثة. وأما هرون فليس كذلك فيحصل المقصود من البعثة.
(1/3419)

المسألة الثانية : قرىء (يضيق) و(ينطلق) بالرفع ، لأنهما معطوفان على خبر (إن) ، وبالنصب لعطفهما على صلة أن ، والمعنى : أخاف أن يكذبون ، وأخاف أن يضيق صدري ، وأخاف أن لا ينطلق لساني ، والفرق أن الرفع يفيد ثلاث علل في طلب إرسال هرون ، والنصب يفيد علة / واحدة ، وهي الخوف من هذه الأمور الثلاثة ، فإن قلت : الخوف غم يحصل لتوقع مكروه سيقع وعدم انطلاق اللسان كان حاصلاً ، فكيف جاز تعلق الخوف به ؟
قلت : قد بينا أن التكذيب الذي سيقع يوجب ضيق القلب ، وضيق القلب يوجب زيادة الاحتباس ، فتلك الزيادة ما كانت حاصلة في الحال بل كانت متوقعة ، فجاز تعليق الخوف عليها.
أما قوله تعالى : {فَأَرْسِلْ إِلَى هَـارُونَ} فليس في الظاهر ذكر من الذي يرسل إليه ، وفي الخبر أن الله تعالى أرسل موسى عليه السلام إليه ، قال السدي : إن موسى عليه السلام سار بأهله إلى مصر والتقى بهرون وهو لا يعرفه ، فقال أنا موسى ، فتعارفا وأمره أن ينطلق معه إلى فرعون لأداء الرسالة ، فصاحت أمهما لخوفهما عليهما فذهبا إليه ، ويحتمل أن يكون المراد أرسل إليه جبريل ، لأن رسول الله إلى الأنبياء جبريل عليه السلام ، فلما كان هو متعيناً لهذا الأمر حذف ذكره لكونه معلوماً ، وأيضاً ليس في الظاهر أنه يرسل لماذا ، لكن فحوى الكلام يدل على أنه طلبه للمعونة فيما سأل ، كما يقال إذا نابتك نائبة ، فأرسل إلى فلان أي ليعينك فيها وليس في الظاهر أنه التمس كون هرون نبياً معه ، لكن قوله : {فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَـالَمِينَ} يدل عليه.
جزء : 24 رقم الصفحة : 495
أما قوله : {وَلَهُمْ عَلَىَّ ذَنابٌ} فأراد بالذنب قتله القبطي ، وقد ذكر الله تعالى هذه القصة مشروحة في سورة القصص.
واعلم أنه ليس في التماس موسى عليه السلام ، أن يضم إليه هرون ما يدل على أنه استعفى من الذهاب إلى فرعون بل مقصوده فيما سأل أن يقع ذلك الذهاب على أقوى الوجوه في الوصول إلى المراد ، واختلفوا فقال بعضهم إنه وإن كان نبياً فهو غير عالم بأنه يبقى حتى يؤدي الرسالة لأنه إنما أمر بذلك بشرط التمكين ، وهذا قول الكعبي وغيره من البغداديين لأنهم يجوزون دخول الشرط في تكليف الله تعالى العبد ، والذي ذهب إليه الأكثرون أن ذلك لا يجوز لأنه تعالى إذا أمر فهو عالم بما يتمكن منه المأمور وبأوقات تمكنه ، فإذا علم أنه غير متمكن منه فإنه لا يأمره به/ وإذا صح ذلك فالأقرب في الأنبياء أنهم يعلمون إذا حملهم الله تعالى الرسالة أنه تعالى يمكنهم من أدائها وأنهم سيبقون إلى ذلك الوقت ، ومثل ذلك لا يكون إغراء في الأنبياء وإن جاز أن يكون إغراء في غيرهم.
المسألة الثالثة : لقائل أن يقول قول موسى عليه السلام : {وَلَهُمْ عَلَىَّ ذَنابٌ} هل يدل على صدور الذنب منه ؟
جوابه : لا والمراد لهم عليَّ ذنب في زعمهم.
جزء : 24 رقم الصفحة : 495
496
/ اعلم أن موسى عليه السلام طلب أمرين : الأول : أن يدفع عنه شرهم والثاني : أن يرسل معه هرون فأجابه الله تعالى إلى الأول بقوله : {كَلا } ومعناه ارتدع يا موسى عما تظن وأجابه إلى الثاني بقوله : {فَاذْهَبَا} أي اذهب أنت والذي طلبته وهو هرون فإن قيل علام عطف قوله : {فَاذْهَبَا} قلنا على الفعل الذي يدل عليه (كلا) كأنه قال : ارتدع يا موسى عما تظن فاذهب أنت وهرون.
وأما قوله : {إِنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ} فمن مجاز الكلام يريد أنا لكما ولعدوكما كالناصر الظهير لكما عليه إذاً أحضر وأستمع ما يجري بينكما فأظهركما عليه وأعليكما وأكسر شوكته عنكما ، وإنما جعلنا الاستماع مجازاً لأن الاستماع عبارة عن الإصغاء وذلك على الله تعالى محال.
وأما قوله : {إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَـالَمِينَ} ففيه سؤال وهو أنه هلا ثنى الرسول كما ثنى في قوله : {إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ} جوابه من وجوه : أحدها : أن الرسول اسم للماهية من غير بيان أن تلك الماهية واحدة أو كثيرة والألف واللام لا يفيدان إلا الوحدة لا الاستغراق ، بدليل أنك تقول الإنسان هو الضحاك ولا تقول كل إنسان هو الضحاك ولا أيضاً هذا الإنسان هو الضحاك ، وإذا ثبت أن لفظ الرسول لا يفيد إلا الماهية وثبت أن الماهية محمولة على الواحد وعلى الاثنين ثبت صحة قوله : {إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَـالَمِينَ} وثانيها : أن الرسول قد يكون بمعنى الرسالة قال الشاعر :
لقد كذب الواشون ما فهت عندهم
بسر ولا أرسلتهم برسول
فيكون المعنى إنا ذو رسالة رب العالمين وثالثها : أنهما لاتفاقهما على شريعة واحدة واتحادهما بسبب الأخوة كأنهما رسول واحد ورابعها : المراد كل واحد منا رسول وخامسها : ما قاله بعضهم أنه إنما قال ذلك لا بلفظ التثنية لكونه هو الرسول خاصة وقوله : {أَنَا } فكما في قوله تعالى : {إِنَّآ أَنزَلْنَـاهُ} (يوسف : 2) وهو ضعيف.
جزء : 24 رقم الصفحة : 496
(1/3420)

وأما قوله : {أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِى إسرائيل } فالمراد من هذا الإرسال التخلية والإطلاق كقولك أرسل البازي ، يريد خلهم يذهبوا معنا.
جزء : 24 رقم الصفحة : 496
497
/ اعمل أن في الكلام حذفاً وهو أنهما أتياه وقالا ما أمر الله به فعند ذلك قال فرعون ما قال ، يروى أنهما انطلقا إلى باب فرعون فلم يؤذن لهما سنة حتى قال البواب : إن ههنا إنساناً يزعم أنه رسول رب العالمين ، فقال ائذن له لعلنا نضحك منه ، فأديا إليه الرسالة فعرف موسى عليه السلام فعدد عليه نعمه أولاً ، ثم إساءة موسى إليه ثانياً ، أما النعم فهي قوله : {أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا} والوليد : الصبي لقرب عهده من الولادة {وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ} وعن أبي عمرو بسكون الميم {سِنِينَ} قيل لبث عندهم ثلاثين سنة وقيل وكز القبطي وهو ابن اثنتي عشرة سنة وفر منهم (على أثرها)والله أعلم بصحيح ذلك ، وعن الشعبي {فَعْلَتَكَ} بالكسر وهي قتله القبطي لأنه قتله بالوكز وهو ضرب من القتل ، وأما الفعلة فلأنها (كانت)(1) وكزة واحدة عدد عليه نعمه من تربيته وتبليغه مبلغ الرجال ووبخه بما جرى على يده من قتل خبازه وعظم ذلك (وفظعه)(1) بقوله : {وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِى فَعَلْتَ} .
وأما قوله : {وَأَنتَ مِنَ الْكَـافِرِينَ} ففيه وجوه : أحدها : يجوز أن يكون حالاً أي قتلته وأنت بذاك من الكافرين بنعمتي وثانيها : وأنت إذ ذاك ممن تكفرهم الساعة وقد افترى عليه أو جهل أمره لأنه كان (يعاشرهم) بالتقية فإن الكفر غير جائز على الأنبياء قبل النبوة وثالثها : {وَأَنتَ مِنَ الْكَـافِرِينَ} معناه وأنت ممن عادته كفران النعم ومن كان هذا حاله لم يستبعد منه قتل خواص ولي نعمته ورابعها : {وَأَنتَ مِنَ الْكَـافِرِينَ} بفرعون وإلهيته أو من الذين (كانوا) يكفرون في دينهم فقد كانت لهم آلهة يعبدونها ، يشهد بذلك قوله تعالى : {وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَ } (الأعراف : 127).
جزء : 24 رقم الصفحة : 497
501
(1/3421)

اعلم أن فرعون لما دكر التربية وذكر القتل وقد كانت تربيته له معلومة ظاهرة ، لا جرم أن موسى عليه السلام ما أنكرها ، ولم يشتغل بالجواب عنها ، لأنه تقرر في العقول أن الرسول إلى الغير إذا كان معه معجز وحجة لم يتغير حاله بأن يكون المرسل إليه أنعم عليه أو لم يفعل ذلك ، فصار قول فرعون لما قاله غير مؤثر ألبتة ، ومثل هذا الكلام الإعراض عنه أولى ولكن أجاب عن القتل بما لا شيء أبلغ منه في الجواب وهو قوله : {فَعَلْتُهَآ إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّآلِّينَ} والمراد بذلك الذاهلين عن معرفة ما يؤول إليه من القتل لأنه فعل الوكزة على وجه التأديب ، ومثل ذلك ربما / حسن وإن أدى إلى القتل فبين له أنه فعله على وجه لا يجوز معه أن يؤاخذ به أو يعد منه كافراً أو كافراً لنعمه ، فأما قوله : {فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ} فالمراد أني فعلت ذلك الفعل وأنا ذاهل عن كونه مهلكاً وكان مني في حكم السهو ، فلم أستحق التخويف الذي يوجب الفرار ومع ذلك فررت منكم عند قولكم : {إِنَّ الْمَلا يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ} (القصص : 20) فبين بذلك أنه لا نعمة له عليه في باب تلك الفعلة ، بل بأن يكون مسيئاً فيه أقرب من حيث خوف تخويفاً أوجب الفرار ، ثم بين نعمة الله تعالى عليه بعد الفرار ، فكأنه قال أسأتم وأحسن الله إلي بأن وهب لي حكماً وجعلني من المرسلين ، واختلفوا في الحكم والأقرب أنه غير النبوة لأن المعطوف غير المعطوف عليه ، والنبوة مفهومة من قوله : {وَجَعَلَنِى مِنَ الْمُرْسَلِينَ} فالمراد بالحكم العلم ويدخل في العلم العقل والرأي والعلم بالدين الذي هو التوحيد ، وهذا أقرب لأنه لا يجوز أن يبعثه تعالى إلا مع كماله في العقل والرأي والعلم بالتوحيد وقوله : {فَوَهَبَ لِى رَبِّى حُكْمًا} كالتنصيص على أن ذلك الحكم من خلق الله تعالى ، وقالت المعتزلة : المراد منه الألطاف وهو ضعيف جداً لأن الألطاف مفعولة في حق الكل من غير بخس ولا تقصير ، فالتخصيص لا بد فيه من فائدة ، فأما قوله : {وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَىَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِى إسرائيل } فهو جواب قوله : {أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا} يقال عبدت الرجل وأعبدته إذا اتخذته عبداً ، فإن قيل كيف يكون ذلك جوابه ولا تعلق بين الأمرين ؟
قلنا بيان التعلق من وجوه : أحدها : أنه إنما وقع في يده وفي تربيته لأنه قصد تعبيد بني إسرائيل وذبح أبنائهم ، فكأنه عليه السلام قال له كنت مستغنياً عن تربيتك لو لم يكن منك ذلك الظلم المتقدم علينا وعلى أسلافنا وثانيها : أن هذا الإنعام المتأخر صار معاضاً بذلك الظلم العظيم على أسلافنا وإذا تعارضا تساقطا وثالثها : ما قاله الحسن : إنك استعبدتهم وأخذت أموالهم ومنها أنفقت علي فلا نعمة لك بالتربية ورابعها : المراد أن الذي تولى تربيتي هم الذين قد استعبدتهم فلا نعمة لك علي لأن التربية كانت من قبل أمي وسائر من هو من قومي ليس لك إلا أنك ما قتلتني ، ومثل هذا لا يعد إنعاماً وخامسها : أنك كنت تدعي أن بني إسرائيل عبيدك ولا منة للمولى على العبد في أن يطعمه ويعطيه ما يحتاج إليه.
جزء : 24 رقم الصفحة : 501
واعلم أن في الآية دلالة على أن كفر الكافر لا يبطل نعمته على من يحسن إليه ولا يبطل منته لأن موسى عليه السلام إنما أبطل ذلك بوجه آخر على ما بينا ، واختلف العلماء فقال بعضهم إذا كان كافراً لا يستحق الشكر على نعمه على الناس إنما يستحق الإهانة بكفره/ فلو استحق الشكر بإنعامه والشكر لا يوجد إلا مع التعظيم فيلزم كونه مستحقاً للإهانة وللتعظيم معاً ، واستحقاق الجمع بين الضدين محال ، وقال آخرون لا يبطل الشكر بالكفر وإنما يبطل بالكفر الثواب والمدح الذي يستحقه على الإيمان ، والآية تدل على هذا القول الثاني.
المسألة الثانية : قال صاحب "الكشاف" إنما جمع الضمير في {مِنكُمْ} و{خِفْتُكُمْ} مع إفراده في و{أَنْ عَبَّدتَّ} لأن الخوف والفرار لم يكونا منه وحده ولكن منه ومن ملائه المؤتمرين بقتله ، بدليل / قوله : {إِنَّ الْمَلا يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ} (القصص : 20) وأما الامتنان فمنه وحده وكذلك التعبيد ، فإن قلت : {تِلْكَ} إشارة إلى ماذا و{أَنْ عَبَّدتَّ} ما محلها من الإعراب ؟
قلت : (تلك) إشارة إلى خصلة شنعاء مبهمة لا يدرى ما هي إلا بتفسيرها وهي {أَنْ عَبَّدتَّ} فإن {أَنْ عَبَّدتَّ} عطف بيان ونظيره قوله تعالى : {وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَالِكَ الامْرَ أَنَّ دَابِرَ هَـا ؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ} (الحجر : 66) والمعنى تعبيدك بني إسرائيل نعمة تمنها علي ، وقال الزجاج : ويحوز أن يكون (أن) في موضع نصب ، والمعنى إنما صارت نعمة علي ، لأن عبدت بني إسرائيل أي لو لم تفعل ذلك لكفاني أهلي.
جزء : 24 رقم الصفحة : 501
502
(1/3422)

اعلم أن فرعون لم يقل لموسى {وَمَا رَبُّ الْعَـالَمِينَ} ، إلا وقد دعاه موسى إلى طاعة رب العالمين ، يبين ذلك ما تقدم من قوله : {فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَـالَمِينَ} (الشعراء : 16) فلا بد عند دخولهما عليه أنهما قالا ذلك ، فعند ذلك قال فرعون : {وَمَا رَبُّ الْعَـالَمِينَ} ثم ههنا بحثان :
الأول : أن فرعون يحتمل أن يقال إنه كان عارفاً بالله ، ولكنه قال ما قال طلباً للملك والرياسة ، وقد ذكر الله تعالى في كتابه ما يدل على أنه كان عارفاً بالله ، وهو قوله : {قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَـا ؤُلاءِ إِلا رَبُّ السَّمَـاوَاتِ وَالارْضِ} (الإسراء : 102) فإذا قرىء بفتح التاء من {عَلِمَتِ} فالمراد أن فرعون علم ذلك ، وذلك يدل على أنه كان عارفاً بالله ، لكنه كان يستأكل قومه بما يظهره من / إلهيته ، والقراءة الأخرى برفع التاء من {عَلِمَتِ} فهي تقتضي أن موسى عليه السلام هو الذي عرف ذلك ، وأيضاً فإن فرعون إن لم يكن عاقلاً لم يجز من الله تعالى بعثة الرسول إليه ، وإن كان عاقلاً فهو يعلم بالضرورة أنه ما كان موجوداً ولا حياً ولا عاقلاً ثم صار كذلك ، وبالضرورة يعلم أن كل ما كان كذلك فلا بد له من مؤثر ، فلا بد وأن يتولد له من هذين العلمين علم ثالث بافتقاره في تركيبه وفي حياته وعقله إلى مؤثر موجد ، ويحتمل أن يقال إنه كان على مذهب الدهرية من أن الأفلاك واجبة الوجود في ذواتها ومتحركة لذواتها ، وأن حركاتها أسباب لحصول الحوادث في هذا العالم ، أو يقال إنه كان من الفلاسفة القائلين بالعلة الموجبة لا بالفاعل المختار ، ثم اعتقد أنه بمنزلة الإله لأهل إقليمه من حيث استعبدهم وملك ذماتهم وزمام أمرهم ، ويحتمل أن يقال إنه كان على مذهب الحلولية ، القائلين بأن ذات الإله يتدرع بجسد إنسان معين ، حتى يكون الإله سبحانه لذلك الجسد بمنزلة روح كل إنسان بالنسبة إلى جسده ، وبهذه التقديرات كان يسمي نفسه إلهاً.
جزء : 24 رقم الصفحة : 502
(1/3423)

البحث الثاني : وهو أنه قال لموسى عليه السلام : {وَمَا رَبُّ الْعَـالَمِينَ} ؟
واعلم أن السؤال بما طلب لتعريف حقيقة الشيء ، وتعريف حقيقة الشيء إما أن يكون بنفس تلك الحقيقة أو بشيء من أجزائها أو بأمر خارج عنها أو بما يتركب من الداخل والخارج. أما تعريفها بنفسها فمحال ، لأن المعرف معلوم قبل المعرف ، فلو عرف الشيء بنفسه لزم أن يكون معلوماً قبل أن يكون معلوماً وهو محال. وأما تعريفها بالأمور الداخلة فيها فههنا في حق واجب الوجود محال ، لأن التعريف بالأمور الدخلة لا يمكن إلا إذا كان المعرف مركباً ، وواجب الوجود يستحيل أن يكون مركباً ، لأن كل مركب فهو محتاج إلى كل واحد من أجزائه ، وكل واحد من أجزائه فهو غيره ، فكل مركب محتاج إلى غيره ، وكل ما احتاج إلى غيره فهو ممكن لذاته ، وكل مركب فهو ممكن ، فما ليس بممكن يستحيل أن يكون مركباً ، فواجب الوجود ليس بمركب ، وإذا لم يكن مركباً استحال تعريفه بأجزائه/ ولما بطل هذان القسمان ثبت أنه لا يمكن تعريف ماهية واجب الوجود إلا بلوازمه وآثاره ، ثم إن اللوازم قد تكون خفية ، وقد تكون جلية ، ولا يجوز تعريف الماهية باللوازم الخفية بل لا بد من تعريفها باللوازم الجلية ، وأظهر آثار ذات واجب الوجود هو هذا العالم المحسوس وهو السموات والأرض وما بينهما فقد ثبت أنه لا جواب ألبتة لقول فرعون {وَمَا رَبُّ الْعَـالَمِينَ} إلا ما قاله موسى عليه السلام ، وهو أنه رب السموات والأرض وما بينهما ، فأما قوله : {إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ} فمعناه : إن كنتم موقنين بإسناد هذه المحسوسات إلى موجود واجب الوجود فاعرفوا أنه لا يمكن تعريفه إلا بما ذكرته لأنكم لما سلمتم انتهاء هذه المحسوسات إلى الواجب لذاته ، ثبت أن الواجب لذاته فرد مطلق ، وثبت أن الفرد المطلق لا يمكن تعريفه إلا بآثاره ، وثبت أن تلك الآثار لا بد وأن تكون أظهر آثاره ، وأبعدها عن الخفاء وما ذاك إلا السموات / والأرض وما بينهما ، فإن أيقنتم بذلك لزمكم أن تقطعوا بأنه لا جواب عن ذلك السؤال إلا هذا الجواب ، ولما ذكر موسى عليه السلام هذا الجواب الحق قال فرعون لمن حوله ألا تستمعون وإنما ذكر ذلك على سبيل التعجب من جواب موسى ، يعني أنا أطلب منه الماهية وخصوصية الحقيقة ، وهو يجيبني بالفاعلية والمؤثرية ، وتمام الإشكال أن تعريف الماهية بلوازمها لا يفيد الوقوف على نفس تلك الماهية ، وذلك لأنا إذا قلنا في الشيء إنه الذي يلزمه اللازم الفلاني ، فهذا المذكور ، إما أن يكون معروفاً لمجرد كونه أمراً ما يلزمه ذلك اللازم أو لخصوصية تلك الماهية التي عرضت لها هذه الملزومية ، والأول محال لأن كونه أمراً يلزمه ذلك اللازم جعلناه كاشفاً فلو كان المكشوف هو هذا القدر لزم كون الشيء معروفاً لنفسه وهو محال ، والثاني محال لأن العلم بأنه أمر ما يلزمه اللازم الفلاني لا يفيد العلم بخصوصية تلك الماهية الملزومة ، لأنه لا يمتنع في العقل اشتراك الماهيات المختلفة في لوازم متساوية فثبت أن التعريف بالوصف الخارجي لا يفيد معرفة نفس الحقيقة فلم يكن كونه رباً للسموات والأرض وما بينهما جواباً عن قوله :
جزء : 24 رقم الصفحة : 502
(1/3424)

{وَمَا رَبُّ الْعَـالَمِينَ} فأجاب موسى عليه السلام : بأن {قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَابَآاـاِكُمُ الاوَّلِينَ} وكأنه عدل عن التعريف بخالقية السماء والأرض إلى التعريف بكونه تعالى خالقاً لنا ولآبائنا ، وذلك لأنه لا يمتنع أن يعتقد أحد أن السموات والأرضين واجبة لذواتها فهي غنية عن الخالق والمؤثر ، ولكن لا يمكن أن يعتقد العاقل في نفسه وأبيه وأجداده كونهم واجبين لذواتهم ، لم أن المشاهدة دلت على أنهم وجدوا بعد العدم ثم عدموا بعد الوجود ، وما كان كذلك استحال أن يكون واجباً لذاته ، وما لم يكن واجباً لذاته استحال وجوده إلا لمؤثر ، فكان التعريف بهذا الأثر أظهر فلهذا عدل موسى عليه السلام من الكلام الأول إليه فقال فرعون : {إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ} يعني المقصود من سؤال ما طلب الماهية وخصوصية الحقيقة والتعريف بهذه الآثار الخارجية لا يفيد ألبتة تلك الخصوصية ، فهذا الذي يدعي الرسالة مجنون لا يفهم السؤال فضلاً عن أن يجيب عنه ، فقال موسى عليه السلام : {رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَآا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ} فعدل إلى طريق ثالث أوضح من الثاني ، وذلك لأنه أراد بالمشرق طلوع الشمس وظهور النهار ، وأراد بالمغرب غروب الشمس وزوال النهار ، والأمر ظاهر في أن هذا التدبير المستمر على الوجه العجيب لا يتم إلا بتدبير مدبر وهذا بعينه طريقة إبراهيم عليه السلام مع نمروذ ، فإنه استدل أولاً بالإحياء والإماتة وهو الذي ذكره موسى عليه السلام ههنا بقوله : {رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَابَآاـاِكُمُ الاوَّلِينَ} فأجابه نمروذ بقوله : {أَلَمْ تَرَ إِلَى} (البقرة : 258) فقال : {فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِى بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِى كَفَرَ } (البقرة : 258) وهو الذي ذكره موسى عليه السلام ههنا بقوله : {رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ} .
وأما قوله : {إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ} فكأنه عليه السلام قال إن كنت من العقلاء عرفت أنه لا جواب عن سؤالك إلا ما ذكرت لأنك طلبت مني تعريف حقيقته بنفس حقيقته ، وقد ثبت / أنه لا يمكن تعريف حقيقته بنفس حقيقته ولا بأجزاء حقيقته ، فلم يبق إلا أن أعرف حقيقته بآثار حقيقته ، وأنا قد عرفت حقيقته بآثار حقيقته فقد ثبت أن كل من كان عاقلاً يقطع بأنه لا جواب عن هذا السؤال إلا ما ذكرته.
جزء : 24 رقم الصفحة : 502
واعلم أنا قد بينا في سورة الأنعام (18) في تفسير قوله تعالى : {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِه } أن حقيقة الإله سبحانه من حيث هي هي غير معقولة للبشر ، وإذا كان كذلك استحال من موسى عليه السلام أن يذكر ما تعرف به تلك الحقيقة ، إلا أن عدم العلم بتلك الخصوصية لا يقدح في صحة الرسالة فكان حاصل كلام موسى عليه السلام أن ادعاء رسالة رب العالمين تتوقف صحته على إثبات أن للعالمين رباً وإلهاً ولا تتوقف على العلم بخصوصية الرب تعالى وماهيته المعينة ، فكأن موسى عليه السلام يقيم الدلالة على إثبات القدر المحتاج إليه في صحة دعوى الرسالة ، وفرعون يطالبه ببيان الماهية ، وموسى عليه السلام كان يعرض عن سؤاله لعلمه بأنه لا تعلق لذلك السؤال نفياً ولا إثباتاً في هذا المطلوب ، فهذا تمام القول في هذا البحث والله أعلم ، ثم إن موسى عليه السلام لما خشن في آخر الكلام بقوله : {إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ} فعند ذلك قال فرعون : {لَـاـاِنِ اتَّخَذْتَ إِلَـاهًَا غَيْرِى لاجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ} فإنه لما عجز عن الحجاج عدل إلى التخويف ، فعند ذلك ذكر موسى عليه السلام كلاماً مجملاً ليعلق قلبه به فيعدل عن وعيده فقال : {أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَىْءٍ مُّبِينٍ} ؟
أي هل تستجيز أن تسجنني مع اقتداري على أن آتيك بأمر بين في باب الدلالة على وجود الله تعالى وعلى أني رسوله ؟
فعند ذلك قال : {فَأْتِ بِه إِن كُنتَ مِنَ الصَّـادِقِينَ} وههنا فروع : الفرع الأول : الآية تدل على أنه تعالى ليس بجسم لأنه لو كان جسماً وله صورة لكان جواب موسى عليه السلام بذكر حقيقته ولكان كلام فرعون لازماً له لعدوله عن الجواب الحق الثاني : الواجب على من يدعو غيره إلى الله تعالى أن لا يجيب عن السفاهة لأن موسى عليه السلام لما قال له فرعون إنه مجنون لم يعدل عن ذكر الدلالة وكذلك لما توعده أن يسجنه الثالث : أنه يجوز للمسؤول أن يعدل في حجته من مثال إلى مثال لإيضاح الكلام ولا يدل ذلك على الانقطاع الرابع : إن قيل : كيف قطع الكلام بما لا تعلق له بالأول وهو قوله : {قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَىْءٍ مُّبِينٍ} والمعجز لا يدل على الله تعالى كدلالة سائر ما تقدم ؟
قلنا بل يدل ما أراد أن يظهره من انقلاب العصا حية على الله تعالى وعلى توحيده ، وعلى أنه صادق في الرسالة فالذي ختم به كلامه أقوى من كل ما تقدم وأجمع الخامس : فإن قيل كيف قال :
جزء : 24 رقم الصفحة : 502
(1/3425)

{رَبُّ السَّمَـاوَاتِ وَالارْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ } على التثنية والمرجوع إليه مجموع ؟
جوابه أريد ما بين الجهتين ، فإن قيل : ذكر السموات والأرض وما بينهما قد استوعب الخلائق كلهم ، فما معنى ذكرهم وذكر آبائهم بعد ذلك وذكر المشرق والمغرب ؟
جوابه : قد عمم أولاً ثم خصص من العام للبيان أنفسهم وآباءهم لأن أقرب الأشياء من العاقل نفسه ومن ولد منه وما شاهد من انتقاله من وقت ميلاده إلى وقت وفاته من حالة إلى / حالة أخرى/ ثم خصص المشرق والمغرب لأن طلوع الشمس من أحد الخافقين وغروبها على تقدير مستقيم في فصول السنة من أظهر الدلائل السادس : فإن قيل لم قال : {لاجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ} ولم يقل لأسجننك مع أنه أخصر ؟
جوابه : لأنه لو قال لأسجننك لا يفيد إلا صيرورته مسجوناً. أما قوله : {لاجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ} فمعناه أني أجعلك واحداً ممن عرفت حالهم في سجوني ، وكان من عادته أن يأخذ من يريد أن يسجنه فيطرحه في بئر عميقة فرداً لا يبصر فيها ولا يسمع فكان ذلك أشد من القتل السابع : الواو في قوله : {أَوَلَوْ جِئْتُكَ} واو الحال دخلت عليها همزة الاستفهام معناه أتفعل بي ذلك ولو جئتك بشيء مبين أي جائياً بالمعجزة.
جزء : 24 رقم الصفحة : 502
502
وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ الأعمش : {بِكُلِّ سَـاحِرٍ عَلِيمٍ} .
المسألة الثانية : اعلم أن قوله : {أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَىْءٍ مُّبِينٍ} (الشعراء : 30) يدل على أن الله تعالى قبل أن ألقى العصا عرفه بأنه يصيرها ثعباناً ، ولولا ذلك لما قال ما قال : فلما ألقى عصاه ظهر ما وعده الله به فصار ثعباناً مبيناً ، والمراد أنه تبين للناظرين أنه ثعبان بحركاته وبسائر العلامات ، روي أنه لما انقلبت حية ارتفعت في السماء قدر ميل ثم انحطت مقبلة إلى فرعون وجعلت تقول يا موسى مرني بما شئت ، ويقول فرعون يا موسى أسألك بالذي أرسلك إلا أخذتها فعادت عصا فإن قيل كيف قال ههنا : {ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ} وفي آية أخرى : {فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ تَسْعَى } (طه : 20) وفي آية ثالثة : {كَأَنَّهَا جَآنٌّ} (القصص : 31) والجان مائل إلى الصغر والثعبان مائل إلى الكبر ؟
جوابه : أما الحية فهي اسم الجنس ثم إنها لكبرها صارت ثعباناً ، وشبهها بالجان لخفتها وسرعتها فصح الكلامان ، ويحتمل أنه شبهها بالشيطان لقوله تعالى : {وَالْجَآنَّ خَلَقْنَـاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ} (الحجر : 27) ويحتمل أنها كانت أولاً صغيرة كالجان ثم عظمت / فصارت ثعباناً ، ثم إن موسى عليه السلام لما أتى بهذه الآية قال له فرعون هل غيرها ؟
قال نعم فأراه يده ثم أدخلها جيبه ثم أخرجها فإذا هي بيضاء يضيء الوادي من شدة بياضها من غير برص لها شعاع كشعاع الشمس ، فعند هذا أراد فرعون تعمية هذه الحجة على قومه فذكر فيها أموراً ثلاثة : أحدها : قوله : {إِنَّ هَـاذَا لَسَـاحِرٌ عَلِيمٌ} وذلك لأن الزمان كان زمان السحرة وكان عند كثير منهم أن الساحر قد يجوز أن ينتهي بسحره إلى هذا الحد فلهذا روج عليهم هذا القول وثانيها : قوله :
جزء : 24 رقم الصفحة : 502
{يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِه } وهذا يجري مجرى التنفير عنه لئلا يقبلوا قوله ، والمعنى يريد أن يخرجكم من أرضكم بما يلقيه بينكم من العداوات فيفرق جمعكم ، ومعلوم أن مفارقة الوطن أصعب الأمور فنفرهم عنه بذلك ، وهذا نهاية ما يفعله المبطل في التنفير عن المحق وثالثها : قوله لهم : {فَمَاذَا تَأْمُرُونَ} أي فما رأيكم فيه وما الذي أعمله ، يظهر من نفسه أني متبع لرأيكم ومنقاد لقولكم ، ومثل هذا الكلام يوجب جذب القلوب وانصرافها عن العدو فعند هذه الكلمات اتفقوا على جواب واحد وهو قوله : {أَرْجِهْ} قرىء (أرجئه) و(أرجه) بالهمز والتخفيف ، وهما لغتان يقال : أرجأته وأرجيته إذا أخرته ، والمعنى أخره ومناظرته لوقت اجتماع السحرة ، وقيل احبسه وذلك محتمل ، لأنك إذا حبست الرجل عن حاجته فقد أخرته. روي أن فرعون أراد قتله ولم يكن يصل إليه ، فقالوا له لا تفعل ، فإنك إن قتلته أدخلت على الناس في أمره شبهة ، ولكن أرجئه وأخاه إلى أن تحشر السحرة ليقاوموه فلا يثبت له عليك حجة ، ثم أشاروا عليه بإنفاذ حاشرين يجمعون السحرة ، ظناً منهم بأنهم إذا كثروا غلبوه وكشفوا حاله وعارضوا قوله : {إِنَّ هَـاذَا لَسَـاحِرٌ عَلِيمٌ} بقولهم : {بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ} فجاءوا بكلمة الإحاطة وبصيغة المبالغة ليطيبوا قلبه وليسكنوا بعض قلقه ، قال صاحب "الكشاف" فإن قلت : قوله تعالى : {قَالَ لِلْمَلا حَوْلَه } ما العامل في (حوله) ؟
قلت : هو منصوب نصبين نصب في اللفظ ونصب في المحل والعامل في النصب اللفظي ما يقدر في الظرف ، والعامل في النصب المحلي هو النصب على الحال.
جزء : 24 رقم الصفحة : 502
504
وفيه مسألتان :
(1/3426)

/ المسألة الأولى : اليوم المعلوم يوم الزينة وميقاته وقت الضحى ، لأنه الوقت الذي وقته لهم موسى عليه السلام من يوم الزينة في قوله : {مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى} (طه : 59) والميقات ما وقت به أي حدد من مكان وزمان ومنه مواقيت الإحرام.
المسألة الثانية : اعلم أن القوم لما أشاروا بتأخير أمره وبأن يجمع له السحرة ليظهر عند حضورهم فساد قول موسى عليه السلام ، رضي فرعون بما قالوه وعمي عما شاهده وحب الشيء يعمي ويصم فجمع السحرة ثم أراد أن تقع تلك المناظرة يوم عيد لهم ليكون ذلك بمحضر الخلق العظيم وكان موسى عليه السلام يطلب ذلك لتظهر حجته عليهم عند الخلق العظيم وكان هذا أيضاً من لطف الله تعالى في ظهور أمر موسى عليه السلام.
أما قوله : {وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُم مُّجْتَمِعُونَ} فالمراد أنهم بعثوا على الحضور ليشاهدوا ما يكون من الجانبين.
وأما قوله : {لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ} فالمراد إنا نرجو أن يكون الغلبة لهم فنتبعهم فلما جاء السحرة ابتدأوا بطلب الجزاء ، وهو إما المال وإما الجاه فبذل لهم ذلك وأكده بقوله : {وَإِنَّكُمْ إِذًا لَّمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} لأن نهاية مطلوبهم منه البذل ورفع المنزلة فبذل كلا الأمرين.
جزء : 24 رقم الصفحة : 504
505
اعلم أنهم لما اجتمعوا كان لا بد من أن يبدأ موسى أو يبدأوا ثم إنهم تواضعوا له فقدموه على أنفسهم ، وقالوا : {إِمَّآ أَن تُلْقِىَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى } (طه : 65) فلما تواضعوا له تواضع هو أيضاً لهم فقدمهم على نفسه ، وقال : {أَلْقُوا مَآ أَنتُم مُّلْقُونَ} فإن قيل كيف جاز لموسى عليه السلام أن يأمر السحرة بإلقاء الحبال والعصي وذلك سحر وتلبيس وكفر والأمر بمثله لا يجوز الجواب : لا شبهة في أن ذلك ليس بأمر لأن مراد موسى عليه السلام منهم كان أن يؤمنوا به ولا يقدموا على ما يجري / مجرى المغالبة ، وإذا ثبت هذا وجب تأويل صيغة الأمر وفيه وجوه : أحدها : ذلك الأمر كان مشروطاً والتقدير ألقوا ما أنتم ملقون إن كنتم محقين كما في قوله : {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِه وَادْعُوا شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَـادِقِينَ} (البقرة : 23) وثانيها : لما تعين ذلك طريقاً إلى كشف الشبهة صار جائزاً وثالثها : أن هذا ليس بأمر بل هو تهديد ، أي إن فعلتم ذلك أتينا بما تبطله ، كقول القائل لئن رميتني لأفعلن ولأصنعن ثم يفوق له السهم فيقول له ارم فيكون ذلك منه تهديداً ورابعها : ما ذكرنا أنهم لما تواضعوا له وقدموه على أنفسهم فهو قدمهم على نفسه على رجاء أن يصير ذلك التواضع سبباً لقبول الحق ولقد حصل ببركة ذلك التواضع ذلك المطلوب ، وهذا تنبيه على أن اللائق بالمسلم في كل الأحوال التواضع ، لأن مثل موسى عليه السلام لما لم يترك التواضع مع أولئك السحرة ، فبأن يفعل الواحد منا أولى.
أما قوله تعالى : {فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ} فروي عن ابن عباس أنهم لما ألقوا حبالهم وعصيهم وقد كانت الحبال مطلية بالزئبق والعصي مجوفة مملوءة من الزئبق فلما حميت اشتدت حركتها فصارت كأنها حيات تدب من كل جانب من الأرض فهاب موسى عليه السلام ذلك ، فقيل له ألق ما في يمينك فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ثم فتحت فاها فابتلعت كل ما رموه من حبالهم وعصيهم حتى أكلت الكل ثم أخد موسى عصاه ، فإذا هي كما كانت فلما رأت السحرة ذلك قالت لفرعون كنا نساحر الناس فإذا غلبناهم بقيت الحبال والعصي ، وكذلك إن غلبونا ولكن هذا حق فسجدوا وآمنوا برب العالمين.
جزء : 24 رقم الصفحة : 505
واعلم أن في الآثار اختلافاً فمنهم من كثر الحبال والعصي ، ومنهم من توسط والله أعلم بعدد ذلك ، والذي يدل القرآن عليه أنها كثيرة من حيث حشروا من كل بلد ، ولأن الأمر بلغ عند فرعون وقومه في العظم مبلغاً يبعد أن يدخر عنه ما يمكن من جمع السحرة.
وأما قوله : {وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَونَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَـالِبُونَ} فالمراد أنهم أظهروا ما يجري مجرى القطع على أنهم يغلبون ، وكل ذلك لما ظهر كان أقوى لأمر موسى عليه السلام.
أما قوله : {فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ} فالمراد من قوله : {مَا يَأْفِكُونَ} ما يقلبونه عن وجهه وحقيقته بسحرهم وكيدهم (ويزورونه) فيخيلون في حبالهم وعصيهم أنها حيات تسعى ، (بالتمويه على الناظرين أو إفكهم) وسمى تلك الأشياء إفكاً مبالغة.
(1/3427)

أما قوله : {فَأُلْقِىَ السَّحَرَةُ سَـاجِدِينَ} فالمراد خروا سجداً لأنهم كانوا في الطبقة العالية من علم السحر/ فلا جرم كانوا عالمين بمنتهى السحر ، فلما رأوا ذلك وشاهدوه خارجاً عن حد السحر علموا أنه ليس بسحر ، وما كان ذلك إلا ببركة تحقيقهم في علم السحر ، ثم إنهم عند ذلك لم يتمالكوا أن رموا بأنفسهم إلى الأرض ساجدين كأنهم أخذوا فطرحوا طرحاً ، فإن قيل فاعل الإلقاء ما هو لو صرح به ؟
جوابه : هو الله تعالى بما (حصل في قلوبهم من الدواعي الجازمة الخالية عن المعارضات / ولكن الأولى) أن لا نقدر فاعلاً لأن ألقى بمعنى خر وسقط.
أما قوله : {رَبِّ مُوسَى وَهَـارُونَ} فهو عطف بيان لرب العالمين لأن فرعون كان يدعي الربوبية فأرادوا عزله ومعنى إضافته إليهما في ذلك المقام أنه الذي دعا موسى وهرون عليهما السلام إليه.
جزء : 24 رقم الصفحة : 505
507
اعلم أنهم لما آمنوا بأجمعهم لم يأمن فرعون أن يقول الناس إن هؤلاء السحرة على كثرتهم وتظاهرهم لم يؤمنوا إلا عن معرفة بصحة أمر موسى عليه السلام فيسلكون مثل طريقهم فلبس على القوم وبالغ في التنفير عن موسى عليه السلام من وجوه : أولها : قوله : {قَالَ ءَامَنتُمْ لَه قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ} وهذا فيه إيهام أن مسارعتكم إلى الإيمان به دالة على أنكم كنتم مائلين إليه ، وذلك يطرق التهمة إليهم فلعلهم قصروا في السحر حياله وثانيها : قوله : {إِنَّه لَكَبِيرُكُمُ الَّذِى عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ} وهذا تصريح بما رمز به أولاً ، وغرضه منه أنهم فعلوا ذلك عن مواطأة بينهم وبين موسى عليه السلام وقصروا في السحر ليظهر أمر موسى عليه السلام ، وإلا ففي قوة السحرة أن يفعلوا مثل ما فعل موسى عليه السلام ، وهذه شبهة قوية في تنفير من يقبل قوله وثالثها : قوله : {فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } وهو وعيد مطلق وتهديد شديد ورابعها : قوله : {لاقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَـافٍ وَلاصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ} وهذا هو الوعيد المفصل وقطع اليد والرجل من خلاف هو قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى والصلب معلوم ، وليس في الإهلاك أقوى من ذلك وليس في الآية أنه فعل ذلك أو لم يفعل ، ثم إنه أجابوا عن هذه الكلمات من وجهين : الأول : قولهم : {لا ضَيْرَا إِنَّآ إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ} الضر والضير واحد ، وليس المراد أن ذلك إن وقع لم يضر وإنما عنوا بالإضافة إلى ما عرفوه من دار الجزاء.
واعلم أن قولهم : {إِنَّآ إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ} فيه نكتة شريفة وهي أنهم قد بلغوا في حب / الله تعالى أنهم ما أرادوا شيئاً سوى الوصول إلى حضرته ، وأنهم ما آمنوا رغبة في ثواب أو رهبة من عقاب ، وإنما مقصودهم محض الوصول إلى مرضاته والاستغراق في أنوار معرفته ، وهذا أعلى درجات الصديقين الجواب الثاني : قولهم : {إِنَّا نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَـايَـانَآ} فهو إشارة منهم إلى الكفر والسحر وغيرهما ، والطمع في هذا الموضع يحتمل اليقين كقول إبراهيم {وَالَّذِى أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِى ئَتِى يَوْمَ الدِّينِ} (الشعراء : 82) ويحتمل الظن لأن المرء لا يعلم ما سيجيء من بعد.
جزء : 24 رقم الصفحة : 507
أما قوله : {أَن كُنَّآ أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ} فالمراد لأن كنا أول المؤمنين من الجماعة الذين حضروا ذلك الموقف ، أو يكون المراد من السحرة خاصة ، أو من رعية فرعون أو من أهل زمانهم ، وقرىء (إن كنا) بالكسر ، وهو من الشرط الذي يجيء به المدل (بأمره لصحته وهم كانوا متحققين أنهم أول المؤمنين) ، ونظيره قول (القائل) لمن يؤخر جعله : إن كنت عملت لك فوفني حقي.
جزء : 24 رقم الصفحة : 507
509
قرىء {أَسْرِ} بقطع الهمزة ووصلها وسر. لما ظهر أمر موسى عليه السلام بما شاهدوه من الآية ، أمره الله تعالى بأن يخرج ببني إسرائيل لما كان في المعلوم من تدبير الله تعالى في موسى وتخليصه من القوم وتمليكه بلادهم وأموالهم ، ولم يأمن وقد جرت تلك الغلبة الظاهرة أن يقع من فرعون ببني إسرائيل ما يؤدي إلى الاستئصال ، فلذلك أمره الله تعالى أن يسري ببني إسرائيل ، / وهم الذين آمنوا وكانوا من قوم موسى ، ولا شبهة أن في الكلام حذفاً وهو أنه أسرى بهم كما أمره الله تعالى ، ثم إن قوم موسى عليه السلام قالوا لقوم فرعون إن لنا في هذه الليلة عيداً ، ثم استعاروا منهم حليهم وحللهم بهذا السبب ، ثم خرجوا بتلك الأموال في الليل إلى جانب البحر ، فلما سمع ذلك فرعون أرسل في المدائن حاشرين ، ثم إنه قوى نفسه ونفس أصحابه بأن وصف قوم موسى بوصفين من أوصاف الذم ، ووصف قوم نفسه بصفة المدح أما وصف قوم موسى عليه السلام بالذم.
(1/3428)

فالصفة الأولى : قوله : {إِنَّ هَـا ؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ} والشرذمة الطائفة القليلة ، ومنه قولهم ثوب شراذم للذي بلي ، وتقطع قطعاً ذكرهم بالاسم الدال على القلة ، ثم جعلهم قليلاً بالوصف ، ثم جمع القليل فجعل كل حزب منهم قليلاً واختار جمع السلامة الذي هو للقلة (وقد يجمع القليل على أقلة وقلل) ، ويجوز أن يريد بالقلة الذلة (والقماءة) لا قلة العدد ، والمعنى أنهم لقلتهم لا يبالي بهم ولا يتوقع غلبتهم وعلوهم ، ثم اختلف المفسرون في عدد تلك الشرذمة ، فقال ابن عباس رضي الله عنهما : كانوا ستمائة ألف مقاتل لا شاب فيهم دون عشرين سنة ، ولا شيخ يوفي على الستين سوى الحشم ، وفرعون يقللهم لكثرة من معه ، وهذا الوصف قد يستعمل في الكثير عند الإضافة إلى ما هو أكثر منه ، فروي أن فرعون خرج على فرس أدهم حصان وفي عسكره على لون فرسه ثلثمائة ألف.
جزء : 24 رقم الصفحة : 509
الصفة الثانية : قوله : {وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَآاـاِظُونَ} يعني يفعلون أفعالاً تغيظنا وتضيق صدورنا ، واختلفوا في تلك الأفعال على وجوه : أحدها : ما تقدم من أمر الحلي وغيره وثانيها : خروج بني إسرائيل عن عبودية فرعون واستقلالهم بأنفسهم وثالثها : مخالفتهم لهم في الدين وخروجهم عليهم ورابعها : ليس إلا أنهم لم يتخذوا فرعون إلهاً. أما الذي وصف فرعون به قومه فهو قوله : {وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَـاذِرُونَ} وفيه ثلاث قراءات (حذرون) و(حاذرون) و(حادرون) بالدال غير المعجمة.
واعلم أن الصفة إذا كانت جارية على الفعل وهي اسم الفاعل واسم المفعول كالضارب والمضروب أفادت الحدوث ، وإذا لم تكن كذلك وهي الشبهة أفادت الثبوت ، فمن قرأ {حَـاذِرُونَ} ذهب إلى إنا قوم من عادتنا الحذر واستعمال الحزم ، ومن قرأ {حَـاذِرُونَ} فكأنه ذهب إلى معنى إنا قوم ما عهدنا أن نحذر إلا عصرنا هذا. وأما من قرأ بالدال غير المعجمة فكأنه ذهب إلى نفي الحذر أصلاً ، لأن الحادر هو المشمر ، فأراد إنا قوم أقوياء أشداء ، أو أراد إنا مدججون في السلاح/ والغرض من هذه المعاذير أن لا يتوهم أهل المدائن أنه منكسر من قوم موسى أو خائف منهم.
أما قوله تعالى : {فَأَخْرَجْنَـاهُم} فالمراد إنا جعلنا في قلوبهم داعية الخروج فاستوجبت الداعية الفعل ، فكان الفعل مضافاً إلى الله تعالى لا محالة.
وأما قوله : {مِّن جَنَّـاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ} فقال مجاهد : سماها كنوزاً ، لأنهم لم ينفقوا منها في / طاعة الله تعالى ، والمقام الكريم يريد المنازل الحسنة والمجالس البهية ، والمعنى إنا أخرجناهم من بساتينهم التي فيها عيون الماء وكنوز الذهب والفضة ، والمواضع التي كانوا يتنعمون فيها لنسلمها إلى بني إسرائيل. أما قوله كذلك فيحتمل ثلاثة أوجه : النصب على أخرجناهم مثل ذلك الإخراج الذي وصفناه ، والجر على أنه وصف لمقام كريم ، أي مقام كريم مثل ذلك المقام الذي كان لهم ، والرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف ، أي الأمر كذلك.
أما قوله : {فَأَتْبَعُوهُم} أي فلحقوهم ، وقرىء (فاتبعوهم) {مُّشْرِقِينَ} داخلين في وقت الشروق من أشرقت الشمس شروقاً إذا طلعت.
أما قوله : {فَلَمَّا تَرَا ءَا الْجَمْعَانِ} أي رأى بعضهم بعضاً ، قال أصحاب موسى : {إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} أي لملحقون {قَالُوا أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِنا بَعْدِ مَا جِئْتَنَا } كانوا يذبحون أبناءنا ، من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا يدركوننا ، أي في الساعة فيقتلوننا ، وقرىء {فَلَمَّا تَرَآءَتِ الْفِئَتَانِ} {إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} بتشديد الدال وكسر الراء من أدرك الشيء إذا تتابع ففنى ، ومنه قوله تعالى : {بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِى الآخِرَةِ } (النمل : 66) قال الحسن : جهلوا علم الآخرة ، والمعنى إنا لمتتابعون في الهلاك على أيديهم حتى لا يبقى منا أحد ، فعند ذلك قال لهم كلا وذلك كالمنع مما توهموه ، ثم قوى نفوسهم بأمرين : أحدهما : {إِنَّ مَعِىَ رَبِّى} وهذا دلالة النصرة والتكفل بالمعونة والثاني : قوله : {سَيَهْدِينِ} والهدى هو طريق النجاة والخلاص ، وإذا دله على طريق نجاته وهلاك أعدائه ، فقد بلغ النهاية في النصرة.
جزء : 24 رقم الصفحة : 509
511
(1/3429)

اعلم أنه تعالى لما حكى عن موسى عليه السلام قوله : {إِنَّ مَعِىَ رَبِّى سَيَهْدِينِ} (الشعراء : 62) بين تعالى بعده كيف هداه ونجاه ، وأهلك أعداءه بذلك التدبير الجامع لنعم الدين والدنيا ، فقال : {فَأَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَى ا أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَا فَانفَلَقَ} ولا شبهة في أن المراد فضرب فانفلق لأنه كالمعلوم من الكلام إذ لا يجوز أن ينفلق من غير ضرب ومع ذلك يأمره بالضرب لأنه كالعبث ولأنه تعالى جعله من معجزاته التي ظهرت بالعصا ولأن انفلاقه بضربه أعظم في النعمة عليه ، وأقوى لعلمهم أن ذلك إنما حصل لمكان موسى عليه السلام ، واختلفوا في البحر ، روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن موسى عليه السلام لما انتهى إلى البحر مع بني إسرائيل أمرهم أن يخوضوا البحر فامتنعوا إلا يوشع بن نون فإنه ضرب دابته وخاض في البحر حتى عبر ثم رجع إليهم فأبوا أن يخوضوا فقال موسى للبحر انفرق لي فقال ما أمرت بذلك ولا يعبر عن العصاة ، فقال موسى يا رب قد أبى البحر أن ينفرق ، فقيل له اضرب بعصاك البحر فضربه فانفرق فكان كل فرق كالطود العظيم أي كالجبل العظيم وصار فيه اثنا عشر طريقاً لكل سبط منهم طريق فقال كل سبط قتل أصحابنا فعند ذلك دعا موسى عليه السلام ربه فجعلها مناظر كهيئة الطبقات حتى نظر بعضهم إلى بعض على أرض يابسة ، وعن عطاء بن السائب أن جبريل عليه السلام كان بين بني إسرائيل وبين آل فرعون وكان يقول لبني إسرائيل ليلحق آخركم بأولكم ، ويستقبل القبط فيقول رويدكم ليلحق آخركم ، وروي أن موسى عليه السلام قال عند ذلك : "يا من كان قبل كل شيء والمكون لكل شيء والكائن بعد كل شيء".
فأما قوله : {فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ} فالفرق الجزء المنفرق منه ، وقرىء (كل فلق) والمعنى واحد والطود الجبل المتطاول أي المرتفع في السماء وهو معجز من وجوه : أحدها : أن تفرق ذلك الماء معجز وثانيها : أن اجتماع ذلك الماء فوق كل طرف منه حتى صار كالجبل من المعجزات أيضاً لأنه كان لا يمتنع في الماء الذي أزيل بذلك التفريق أن يبدده الله تعالى حتى يصير كأنه لم يكن فلما جمع على الطرفين صار مؤكداً لهذا الإعجاز وثالثها : أنه إن ثبت ما روي في الخبر أنه تعالى أرسل على فرعون وقومه من الرياح والظلمة ما حيرهم فاحتبسوا القدر الذي يتكامل معه عبور بني إسرائيل فهو معجز ثالث ورابعها : أن جعل الله في تلك الجدران المائية كوى ينظر منها بعضهم إلى بعض فهو معجز رابع وخامسها : أن أبقى الله تعالى تلك المسالك حتى قرب منها آل فرعون وطمعوا أن يتخلصوا من البحر كما تخلص قوم موسى عليه السلام فهو معجز خامس.
جزء : 24 رقم الصفحة : 511
أما قوله تعالى : {وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الاخَرِينَ} ففيه بحثان :
البحث الأول : قال ابن عباس وابن جريج وقتادة والسدي {وَأَزْلَفْنَا} أي وقربنا ثم أي حيث انفلق البحر للآخرين قوم فرعون ثم فيه ثلاثة أوجه : أحدها : قربناهم من بني إسرائيل وثانيها : قربنا بعضهم من بعض وجمعناهم حتى لا ينجو منهم أحد وثالثها : قدمناهم إلى البحر ومن الناس من قال : {وَأَزْلَفْنَا} أي حبسنا فرعون وقومه عنذ طلبهم موسى عليه السلام بأن أظلمنا عليهم الدنيا بسحابة وقفت عليهم فوقفوا حيارى/ وقرىء بالقاف أي أزللنا أقدامهم / والمعنى أذهبنا عزهم ويحتمل أن يجعل الله طريقهم في البحر على خلاف ما جعله لبني إسرائيل يبساً وأزلقهم.
البحث الثاني : أنه تعالى أضاف ذلك الإزلاف إلى نفسه مع أن اجتماعهم هنالك في طلب موسى كفر أجاب الجبائي عنه من وجهين : الأول : أن قوم فرعون تبعوا بني إسرائيل وبنو إسرائيل إنما فعلوا ذلك بأمر الله تعالى فلما كان مسيرهم بتدبيره وهؤلاء تبعوا ذلك أضافه إلى نفسه توسعاً وهذا كما يتعب أحدنا في طلب غلام له فيجوز أن يقول أتعبني الغلام لما حدث ذلك فعله الثاني : قيل : {الْعَظِيمِ * وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الاخَرِينَ} أي أزلفناهم إلى الموت لأجل أنهم في ذلك الوقت قربوا من أجلهم وأنشد :
وكل يوم مضى أو ليلة سلفت
فيها النفوس إلى الآجال تزدلف
(1/3430)