القائمة الرئيسية:
 أقسام أخبار المستبصرين:
 أقسام المقالات:
 أقسام مكتبة الكتب:
 كتاب عشوائي:
 صورة عشوائية:
 القائمة البريدية:
البريد الإلكتروني:
 الأخبار
المسارالأخبار » حياة المستبصرين » محمد مرعي الأمين الأنطاكي

محمد مرعي الأمين الأنطاكي

القسم: حياة المستبصرين | 2009/08/17 - 04:55 PM | المشاهدات: 1487

محمد مرعي الأمين الأنطاكي
( سوريا ـ شافعي )


ولد عام 1314هـ. في سوريا بقرية تدعى "عنصو" التابعة إلى مدينة أنطاكية، ترعرع في أسرة تنتمي إلى المذهب الشافعي.

حياته العلمية:

لما بلغ الشيخ محمد مرعي سن الرشد وقع في نفسه حُبّ أهل العلم والعلماء، وكان حينئذ شيخ في قرية قرب قريته يُدعى الشيخ رجب، وهو

من أهل العلم، فسافر الشيخ محمد مرعي مع أخيه الشيخ أحمد اليها وبقيا عنده ما يقرب من ثلاث سنين.

بعد ذلك دخل المدرسة في انطاكية بواسطة شيخ يدعى الشيخ نظيف، حيث يقول الشيخ مرعي: فأخذنا بالدراسة عنده، وعند والده الشيخ

أحمد أفندي الطويل، وبقينا فيها مدة سبع سنين تقريباً.

ثم ارتحلنا إلى مصر، وكان السابق إليها أخي، ودخلنا الجامع الأزهر للدراسة، وتتلمذنا على أيدي جملة من الاساتذة في الأزهر، منهم العلامة

الشيخ مصطفى المراغي، شيخ الجامع الأزهر، ورئيس المجلس الإسلامي الأعلى.

ولما فرغنا من التحصيل، وحصلت لنا شهادات راقية، أردنا العودة إلى
 
بلادنا، طلب منّا بعض أعلام مصر، أن نبقى فيها لنكون من عداد المدرسين بالأزهر، غير أنّا وجدنا بلادنا أحوج إلينا من بقائنا في (مصر)،

فعدنا إلى البلاد، وأخذنا نمتهن إمامة الجماعة والجمعة، والتدريس والإفتاء، والخطابة، مدة طويلة، نحو خمسة عشر عاماً.


البحث حول الوهابية:

يقول الشيخ محمد مرعي: كنت أسمع عن الوهابيّة بأنهم يقيمون الحدود، ويجرون الأحكام الشرعية تماماً، فهاجرت إلى الحجاز، وتخلّلت

بينهم مدّة، فوجدت الأخبار التي وصلتني من القطر الحجازي كانت خلاف الواقع، فإنهم أضرّ على الإسلام من كل شيء، وقد شوّهوا سمعة

الإسلام بأعمالهم وأفعالهم، وبسوء فتاوى علمائهم، وبسوء صنيعهم بالعترة الطاهرة الأئمة الصالحين وغيرهم، وذلك بهدم قبورهم.

ولعمري! لقد أرادوا هدم ضريح النبيّ المقدس(صلى الله عليه وآله وسلم)، فعارضهم كثير من المؤمنين من شرق الأرض وغربها،

فتركوه خوف الفتنة والإثارة فانظر إلى غريب فتواهم.

وبالجملة، لما رأيت ما رأيت منهم، رجعت إلى بلادي، وعدت إلى ما كنت امتهن من ذي قبل.


التعرف على بعض علماء الشيعة:

يقول الشيخ محمد مرعي: ثم حدثت لي أسباب دعتني الى الاتصال بالطائفة الشيعية، فجرت بيني وبين بعض علماء الشيعة مناظرات كثيرة،

وفي حال المناظرة كنت أجد نفسي محجوجاً معهم، غير أني اتجلّد وأدافع دفاع المغلوب، مع ما أنا عليه بحمد الله تعالى من الاطلاع الواسع،

والعلم الغزير في مذهب السنّة
 
الشافعية، وغيره، إذ أنني تلمّذت حوالي ربع قرن على فطاحل العلماء والجهابذة في مشيخة الأزهر، حتى حصلت على شهادات راقية، وقد

طالت المناظرة بيننا زماناً طويلا، لا يقل عن ثلاث سنين تقريباً، وقد وقع في نفسي شيء من الريب في المذاهب الأربعة، لكثرة الخلاف فيها.


الظفر بكتاب المراجعات:

يقول الشيخ محمد مرعي: عثرت ذات يوم على كتاب جليل وهو كتاب (المراجعات) للسيد عبدالحسين شرف الدين الموسوي العاملي

(قدس الله روحه الطاهرة، وأسكنه فسيح جنّته) فأخذت الكتاب، وبدأت أتصفحه، وأتدبّر مقالاته بدقة وإمعان، فأدهشتني بلاغته، وسبك

جمله، وعذوبة ألفاظه، وحسن معانيه التي قلّ أنْ يأتي كاتب بمثلها، فقمت أفكّر في هذا الأثر القيّم، والسفر العظيم، وما فيه من الحكميات

والمحاكمات بين مؤلفه المفدّى، وبين الشيخ الأكبر، الشيخ سليم البشري، شيخ الجامع الأزهر، وذلك بأدلته القاطعة وحججه البالغة، مما يفحم

الخصم، ويقطع عليه حجّته.

وقد رأيت مؤلفه العظيم لم يعتمد في احتجاجه على الخصم من كتب الشيعة، بل كان اعتماده على كتب السنّة والجماعة ليكون أبلغ في الردّ

على الخصم، فبذلك زدت إعجاباً على إعجاب مما جرى به قلمه الشريف.

هذا ولم يمض عليّ الليل، إلاّ وأنا مقتنع تماماً بأنَّ الحق والصواب مع الشيعة، وأنهم على المذهب الحق الثابت عن رسول الله(صلى الله عليه

وآله وسلم)، عن أهل بيته الطاهرين(عليهم السلام)، ولم يبق لي أدنى شبهة البتة، واعتقدت بأنهم على خلاف ما يقال فيهم من المطاعن

والأقاويل المفتعلة الباطلة.

الانتماء إلى مذهب أهل البيت(عليهم السلام):

يضيف الشيخ محمد مرعي: ثم في صبيحة تلك الليلة، عرضت الكتاب الشريف على أخي وشقيقي، فضيلة العلامة الفذ، الحافظ، الشيخ أحمد

أمين الأنطاكي، حفظه الله.

فقال لي: ما هذا؟

قلت: كتاب شيعي لمؤلف شيعي.

فقال: أبعده عنّي (ثلاثاً)، فإنه من كتب الضلال، وليس لي به حاجة، وإني أكره الشيعة، وما هم عليه.

فقلت: خذه واقرأه، ولا تعمل به، وماذا يضرك إن قرأته؟

فأخذ الكتاب ودرسه وطالعه بدقّة وإمعان، وحصل له ما حصل لي من الاعتراف بأحقّية المذهب الشيعي، وقال: إن الشيعة على الحق

والصواب، وغيرهم خاطؤون.

ثم تركت أنا وأخي المذهب الشافعي، واعتنقنا المذهب الشيعي الجعفري الإمامي، وذلك لقيام الأدلة الكثيرة الواضحة، والبراهين الرصينة

الناصعة، فاستراح ضميري بهذا التمسّك بالمذهب الجعفري، وهو مذهب آل بيت النبوّة ـ عليهم صلوات الله وسلامه ـ أبداً ما دام الليل والنهار،

لعلمي أني قد حصلت على أقصى غاية ما أُريد بأخذ مذهب العترة الطاهرة.

وبذلك أعتقد يقيناً لا يشوبه شك أني قد نجوت من عذاب الله تعالى، وأحمد الله تعالى ثانياً على نجاة عائلتي كلها، وكثير من أقربائي وأصدقائي

وغيرهم، وهذا فضل ونعمة من الله لا يقدر قدرها إلاّ هو، وهي ولاية آل الرسول،
 
فإنه لا نجاة إلاّ بولايتهم، والحديث متّفق عليه سُنّة وشيعة، وهو قول رسول الله(صلى الله عليه وآله): "مثل أهل بيتي كسفينة نوح، من

ركبها نجا، ومن تخلّف عنها غرق وهلك".

ثم تشيّع معي وكذلك مع أخي، خلق كثير جداً من إخواننا السنة من (سورية)، و(لبنان) و(تركية)، وغيرها من البلاد، والحمد لله الذي

هدانا لهذا، وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا الله.

وقد اشتهر هذا الأمر في البلاد، وذاع وشاع، وملأ الأسماع، حتى أخذ الناس يتراكضون إليهما يسألونهما عن السبب الذي دعاهما إلى الأخذ

بمذهب أهل البيت(عليهم السلام)، مذهب الحق، وترك المذهب الشافعي.

فيقول الشيخ محمد مرعي: وكنا نجيبهم بأنّ الأدلة قامت لدينا، فمن أراد منكم أن نوضّح له المذهب الحق فليأت إلينا.

وفي هذه الفترة القصيرة التي هدانا الله تعالى خلالها، كانوا يأتون إلينا من كل حدب وصوب، ومن مختلف الطبقات من العلماء والأساتذة،

والوجهاء والتجار، والكسبة والموظفين، وغيرهم، فكنا نلقي عليهم الحقائق من المصادر الموثوقة من مصادرهم، فمنهم من يسمع ويقتنع ويأخذ

بالمذهب (مذهب أهل البيت(عليهم السلام))، ويرفض مذهبه السابق، ومنهم من يتعصّب على مذهبه، وعذره جهله وتعصّبه، مع العلم أنه

غير قادر على الدفاع عن مذهبه.


ردود فعل المخالفين:

عندما شاع خبر استبصارهما وانتشر في البلاد، وهدى الكثير على أيديهما، تكتلت فئات مناوئة لمذهب أهل البيت(عليهم السلام) وشنّت

حرباً شعواء عليهما، وأخذ جملة ممن يتزيا بزي العلماء يحكم بكفرهما وارتدادهما عن الدين، وأخذوا
 
يحذرون الناس على المنابر من التعامل والاحتكاك بهما، بل تعدّى الأمر إلى إغراء الاشقياء والسفهاء والصبيان بالتعرض لهما بالكلام البذيء

والفاحش ورشقهم بالحجارة.


موقف رائع للمرجعية الشيعية:

ولما حاولت جراثيم الحقد والتعصّب الاحاطة والتضييق على الشيخ محمد مرعي الانطاكي وأخيه، وضاقت بهما الحال، وصل الخبر إلى السيد

عبدالحسين شرف الدين العاملي ـ وقد كان حياً آنذاك ـ فبادر إلى نجدتهما بشتى الصور، وكان أبرزها، رفعه كتاباً إلى المرجع الديني الكبير

السيد البروجردي(رحمه الله)، يحثه فيه على دعمهما ورعايتهما والأخذ بأيديهما لئلا يقعا فريسة التعصب الأعمى.

وبالفعل سارع السيد البروجردي(رحمه الله) إلى اسعافهما وتبنيهما، وكانت هذه الخطوة الكبيرة اسناداً لهما في عملهما التبليغي، ورفعاً

لشأنهما في اوساط المجتمع.

وهكذا طالت الأيام بالشيخ محمد مرعي الانطاكي وهو دؤب على عمله في سبيل الدعوة حتى تلقته يد المنون فانتقل إلى رحمة ربه في شهر

ذي القعدة من عام 1383 هجرية، بعد أن كرّس حياته لنشر مذهب الحق مذهب أهل البيت(عليهم السلام).


مؤلفاته:

(1) "لماذا اخترت مذهب الشيعة، مذهب أهل البيت(عليهم السلام)؟":

صدر في طبعته الرابعة عن مكتب الاعلام الاسلامي، قم سنة 1417هـ ـ 1375م في نسخة محقّقة من قبل الشيخ عبد الكريم العقيلي.

يتأليف الكتاب من ثمانية فصول:

الفصل الأول: ترجمة المؤلف.
 
الفصل الثاني: الشيعة والكتاب والسنّة.

الفصل الثالث: النصوص الواردة في حصر النبي(صلى الله عليه وآله) خلفائه في اثني عشر خليفة.

الفصل الرابع: نبذة لطيفة من الأحاديث الواردة في فضائل أمير المؤمنين وذريته الطاهرة(عليهم السلام).

الفصل الخامس:

أ ـ شهادة النبي(صلى الله عليه وآله) بأعلمية علي وأهل بيته الطاهرين(عليهم السلام).

ب ـ شهادة بعض العظماء بأعلمية علي وأهل بيته الطاهرين(عليهم السلام).

الفصل السادس: مدح النبي(صلى الله عليه وآله) لشيعة علي(عليه السلام) وأهل بيته(عليهم السلام) وأنه الواضع الأول لاسم

التشيّع.

الفصل السابع: كارثة السقيفة.

الفصل الثامن:

1 ـ حادثة طارئة (مناظرة قبل استبصاره).

2 ـ مناظراته (بعد استبصاره).

(2) "الشيعة وحجتهم في التشيع"


 


وقفة مع كتابه: "لماذا اخترت مذهب الشيعة مذهب أهل البيت (عليهم السلام) ؟"

بعد أن يعرض الكاتب نبذة من ترجمة حياته ويوضّح كيفية اختياره لمذهب أهل البيت(عليهم السلام) ـ والتي تقدم الاشارة إليها ـ يذكر

الأدلة والمطالب العلمية من القرآن والسنة التي حدت به الى اختيار هذا المذهب.


الشيعة والقرآن:

ورد في القرآن المجيد آيات عديدة، تؤيد مدّعى الشيعة، وقد فسّرها علماء الفريقين وفقاً لما ذهب إليه الشيعة، منها:


آية الولاية:

(إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُو وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوةَ وَهُمْ رَ كِعُونَ )(1).

نزلت في عليّ أمير المؤمنين(عليه السلام)عندما تصدّق بخاتمه على المسكين، وهو يصلّي في مسجد رسول الله(صلى الله عليه وآله).

وقد أنشأ حسّان بن ثابت ـ شاعر الرسول ـ في هذه الواقعة شعراً، منه ما قال:


أبا حسن تفديك نفسي ومهجتي وكل بطيء في الهدى ومسارع
أنت الذي أعطيت إذ كنت راكعاً زكاة فدتك النفس يا خير راكع


____________

1- المائدة: 55.

فأنزل فيك الله خير ولاية وبيّنها في محكمات الشرائع(1)

والمراد بالوليّ هنا انما هو الأولى بالتصرّف، ولا يكون أولى إلاّ إذا كان خليفة وإماماً، وهذا المعنى مشهور عند أهل اللغة والشرع(2).


آية التطهير:

(إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً )(3).

وهي مختصّة بالخمسة أصحاب الكساء ودالة على عصمتهم من جميع الذنوب والآثام، ولا تشمل هذه الآية ازواج النبي(صلى الله عليه وآله)

كما ادّعاه بعض العامة لوضوح اختلاف الضمير وسياق الآيات، وورود آية المباهلة وحديث الكساء وغيرهما كثير مفسّرة لأهل البيت بالخمسة

دون سواهم.


آية المباهلة:

(فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِنم بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَآءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى

الْكَـذِبِينَ)(4).

والمراد بالأبناء هما الحسن والحسين(عليهما السلام)، والنساء: فاطمة الزهراء(عليها السلام)، والأنفس الرسول(صلى الله عليه

وآله)والإمام عليّ(عليه السلام)، فجعلت هذه الآية الإمام أمير المؤمنين نفس رسول الله(صلى الله عليه وآله) وظهر أنّ الخليفة بعد

الرسول(صلى الله عليه وآله) هو علي بن أبي طالب، فلا يجوز تقديم أحد عليه مطلقاً، لأنّ المتقدم عليه كالمتقدم على رسول الله(صلى

الله عليه وآله).


____________

1- كفاية الطالب: 106، ب61، ط النجف الاشرف.

2- الصحاح: مادة وليّ، وراجع الشافي للسيد المرتضى: 2 / 258 ـ 325.

3- الاحزاب: 33.

4- آل عمران: 61.


آية المودّة:

(قُل لاَّ أَسْـَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِى الْقُرْبَى وَ مَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ )(1).

والقربى هم عليّ وفاطمة والحسن والحسين باعتراف علماء الفريقين، وأجر الرسالة هو المودّة لآل رسول الله وهو أجر ينفع دافعي الأجر من

المسلمين أكثر مما ينفع الرسول وآله فبالرسول وآله اهتدى المسلمون وعرفوا طريق النجاة.


آية الصلوات:

(إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىِّ يَـأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَ سَلِّمُواْ تَسْلِيماً )(2).

والصلاة تكون بذكر محمد وآله وبدون ذكر الآل تكون الصلاة بتراء، وقد نهى الرسول عن ذلك بنفسه وأوضح أن الصلاة تكون بالصلاة عليه

وعلى آله(3)، ومن هذه الآية تتبيّن مكانة الآل وتثبت خلافة عليّ بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله) إذ قرنه الله تعالى مع رسوله في

ذكر الصلاة عليه، وعليه فلا يجوز تقدّم أحد عليه كما لا يجوز تقدم أحد على رسول الله(صلى الله عليه وآله).


آية التبليغ:

(يَـأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ

____________

1- الشورى: 23.

2- الاحزاب: 56.

3- الصواعق المحرقة: 144 (ط المحمدية بمصر).


وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَـفِرِينَ )(1).

وفيها يأمر الله تعالى نبيّه في غدير خم بتبليغ ولاية عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)وإمامته للناس، وأنّ الله سيحميه ويعصمه من أذى

المخالفين والرافضين، وقد أنشأ حسان بن ثابت شعراً بالمناسبة فقال:


يناديهم يوم الغدير نبيّهم بخمّ وأسمع بالرسول مناديا
يقول: فمن مولاكم ووليّكم؟ فقالوا ولم يبدوا هناك التعاميا
إلهك مولانا وانت وليّنا ولم تر منّا في الولاية عاصيا
فقال له قم يا علي فانّني رضيتك من بعدي إماماً وهاديا
فمن كنت مولاه فهذا وليّه فكونوا له أنصار صدق مواليا
هناك دعا اللّهم وال وليّه وكن للذي عادى عليّاً معاديا(2)

وقد قال الغزالي في كتابه (سرّ العالمين) في المقالة الرابعة بما لفظه: "لكن أسفرت الحجة وجهها، وأجمع الجماهير على متن الحديث

من خطبته في يوم عيد غدير خم باتفاق وهو يقول: "من كنت مولاه فعليّ مولاه" فقال عمر: بخ بخ يا أبا الحسن لقد أصبحت مولاي،

ومولى كل مولى، فهذا تسليم ورضى وتحكيم.

ثم بعد هذا غلب الهوى لحب الرئاسة، وحمل عمود الخلافة، وعقود النبوة وخفقان الهوى في قعقعة الرايات، واشتباك ازدحام الخيول، وفتح

الامصار وسقاهم كأس الهوى، فعادوا إلى الخلاف الأول، فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلا"(3).

وهذا اعتراف من الغزالي بحجة الشيعة واثبات مدّعاهم فنطق الحق

____________

1- المائدة: 67.

2- مناقب الخوارزمي: 80، وراجع احقاق الحق: 6 / 247 ـ 276.

3- سرّ العالمين: 39 ـ 40، المقالة الرابعة، تحقيق أمين البحيري، دار الآفاق العربية، القاهرة.


وأفصح عن الواقع.

وهناك آيات كثيرة اخرى يستدلّ بها على ولاية علي(عليه السلام) وامامته ومناقبه وفضائله فهل يلام بعد ذلك الشيعة وهم يتمسّكون

بالقرآن.


الشيعة والسنّة النبوية:

أخذ الشيعة السنة النبوية عن طريق أئمة أطهار معصومين عن الخطأ، بسندهم الموثوق إمام معصوم عن إمام مثله، عن رسول الله(صلى الله

عليه وآله) عن جبرئيل، عن الربّ الجليل.

وقد استدل الشيعة بأحاديث كثيرة من السنة النبوية في اثبات مدّعاهم في إمامة أهل البيت(عليهم السلام) وقيادتهم للامة، منها:


حديث الدار أو حديث الانذار:

وهو قول النبي(صلى الله عليه وآله): "هذا عليّ أخي ووزيري، ووصيّي، وخليفتي من بعدي"(1).

وفيه دلالة واضحة وحجّة قاطعة على ان الخليفة بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله) هو علي بن أبي طالب(عليه السلام).


حديث الثقلين:

"إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً"(2).

وهو حديث شهير عند الفريقين ذكره الرسول(صلى الله عليه وآله) في عدّة مواطن منها يوم

____________

1- تاريخ الطبري: 3 / 560، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 3 / 254، أحمد في مسنده: 1 / 111 و 330.

2- صحيح مسلم: 2 / 238، 7 / 122، مسند أحمد بن حنبل: 3 / 17، 26، 59 ـ 4 / 267.


الغدير، وله طرق كثيرة وردت من نيّف وعشرين صحابياً، ودلالته صريحة واضحة على خلافة أمير المؤمنين(عليه السلام) وابنائه الائمة

الأحد عشر المعصومين(عليهم السلام)لأن النبي الأمين(صلى الله عليه وآله) قرنهم بالكتاب المبين، والقرآن هو المرجع الأوّل للأمة

الاسلامية بلا منازع من بدء الدعوة إلى آخر الدنيا، وهما لن يفترقا حتى يردا على الرسول الحوض يوم القيامة، ولا يجوز التمسّك بأحدهما

دون الآخر وسماهما النبي ثقلين لخطرهما وعظم قدرهما، ويدلّ الحديث أيضاً على عصمة أهل البيت(عليهم السلام) كعصمة القرآن لأمر

النبي(صلى الله عليه وآله)بالرجوع إليهم من بعده ولا يتم ذلك إلاّ لمن عصمه الله من الخطأ والزلل.


حديث المنزلة:

وهو قوله(صلى الله عليه وآله) لعلي(عليه السلام): "أما ترضى يا علي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنه لا نبي بعدي"

عند خروجه إلى غزوة تبوك واستخلافه علياً في المدينة.

وهو يدلّ ان علياً(عليه السلام) هو ولي عهده، وخليفته من بعده ولم يستثن من منازل هارون إلاّ النبوة، واستثناؤها دليل لعموم الحديث

لبقية المنازل كلها وقد قال الله تعالى: (وَ اجْعَل لِّى وَزِيراً مِّنْ أَهْلِى * هَـرُونَ أَخِى * اشْدُدْ بِهِ ى أَزْرِى * وَ أَشْرِكْهُ فِى أَمْرِى)

(1) وقال أيضاً: (وَقَالَ مُوسَى لأَِخِيهِ هَـرُونَ اخْلُفْنِى فِى قَوْمِى وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ )(2).


حديث السفينة:

"مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلّف عنهِا

____________

1- طه: 29 ـ 32.

2- الاعراف: 142.


غرق وهوى"(1).

قال ابن حجر في صواعقه: "ووجه تشبيههم بالسفينة أن من أحبّهم وعظّمهم شكراً لنعمة مشرّفهم(صلى الله عليه وآله) وأخذ بهدي

علمائهم نجا من ظلمة المخالفات، ومن تخلّف عن ذلك غرق في بحر كفر النعم، وهلك في مفاوز الطغيان"(2).

وقال الشافعي:

ولما رأيت الناس قد ذهبت بهم مذاهبهم في أبحر الغيّ والجهل ركبت على اسم الله في سفن النجا وهم أهل بيت المصطفى خاتم الرسل.


حديث مدينة العلم:

"أنا مدينة العلم وعليّ بابها، فمن أراد المدينة فليأت بابها"(3).

وهو حديث صحيح لا مغمز فيه ولما لم يجد المزيفون سبيلا الى انكاره نقلوه هكذا: "أنا مدينة العلم، وأبو بكر اساسها، وعمر حيطانها،

وعثمان سقفها، وعليّ بابها"، وقد تفطّن بعض علماء القوم لبعض ما يلزم من الشناعة بجعل عثمان سقفها وقالوا: ان المدينة لا سقف لها.


خلفاء الرسول(صلى الله عليه وآله): اثنا عشر:

وردت نصوص كثيرة عن النبيّ(صلى الله عليه وآله) تحصر خلفاء النبيّ(صلى الله عليه وآله) في اثني عشر.

منها ما اخرجه أحمد بن حنبل في مسنده: عن الشعبي عن مسروق قال: كنا جلوساً عند عبدالله بن مسعود وهو يقرئنا القرآن، فقال له

رجل: يا ابا عبدالرحمن! هل سألتم رسول الله(صلى الله عليه وآله) كم تملك الامة من خليفة؟ فقال عبدالله بن

____________

1- الحاكم في المستدرك: 2 / 343.

2- الصواعق المحرقة: 153.

3- ينابيع المودة: 72، تاريخ بغداد: 1 / 48.


 
مسعود: ما سألني عنها أحد منذ قدمت العراق قبلك ثم قال: نعم ولقد سألنا رسول الله(صلى الله عليه وآله)فقال: اثنا عشر، كعدة

نقباء بني اسرائيل"(1).

وقد تحيّر علماء العامة في تفسير هذا الحديث، إذ لا يمكن أن يحمل هذا الحديث على الخلفاء بعده من أصحابه لأنهم أقل من اثني عشر، ولا

يمكن أن يحمل على الملوك الأمويين ولا العباسيين لأنهم أكثر من اثني عشر فلزم أن يكون مراد رسول الله(صلى الله عليه وآله) من

حديثه هذا الأئمة الاثنا عشر من أهل بيته وعترته.


شهادة الآخرين للإمام علي(عليه السلام):

بلغت فضائل ومناقب أمير المؤمنين حدوداً لا تحصى، وشهد له بالفضل والتقدّم والعلم حتى مناوئيه واعداءه فضلا عما ورد بحقّه من آيات

قرآنية وأحاديث نبوية لا تحصر، وممن شهد له بذلك أبو بكر وعمر وعثمان، بل وحتى معاوية وعمرو بن العاص وعائشة والمنصور والرشيد

والمأمون وائمة المذاهب الأربعة، وقد قال الشافعي:


إذا في مجلس ذكروا علياً وشبليه وفاطمة الزكيّة
هربت إلى المهيمن من اناس يرون الرفض حب الفاطمية
على آل الرسول صلاة ربّي ولعنته لتلك الجاهلية(2)

بل تأثر به حتى اتباع الديانات الاخرى قديماً وحديثاً.


شيعة علي(عليه السلام):

حاول ويحاول البعض القاء الفاصلة بين عليّ وشيعته ومحبيه، ويزعمون أن الشيعة غير صادقين في حبهم للأئمة الأطهار ـ والعياذ بالله ـ بل

اخترعوا

____________

1- مسند أحمد بن حنبل: 1 / 398.

2- فرائد السمطين: 1 / 135.


احاديث نسبوها للنبيّ والأئمة الأطهار في سب الشيعة والوقيعة فيهم بل والدعوة إلى قتلهم ـ وعجب من منطق هؤلاء الذين ينسبون إلى

المعصومين أن يقتل الناس اتباع الحق والدين الذي يدعوا إليه هؤلاء المعصومين(عليهم السلام)، وهناك نصوص كثيرة في أنّ النبيّ(صلى

الله عليه وآله) هو الذي سمّى أتباع عليّ(عليه السلام) بالشيعة، وأنّهم الراضين المرضيين، وأنّهم الفائزون يوم القيامة وهم السابقون

وهم المقرّبون.


كارثة السقيفة:

"كثير ممن جرى قلمه في صفحات التاريخ، تعرّض إلى حادث السقيفة، وما جرى فيها وبها من كوارث مؤلمة تقض المضاجع وتندي الجبين.

ولقد عالج هذا الحادث في كل قرن مضى كثير من المؤرخين راجين قشع ما تلبّد عليه من سحب، وما أحاط به من دخان، وازالة ما وضع في

سبيل الأمة من عقبات كئود لا يجتازها عابرها إلاّ بشق الانفس.

وهيهات النجاة وكشف القناع عما وضعه الوضّاعون، ودسّه الدسّاسون في القرن الأول، والقرن الثاني، وما يليهما من القرون.

إذن فالكتابة عن يوم السقيفة وطوارئها، والبحث عن إدراك غوامضها ليس بالأمر السهل إذ هو السبب إلى انقسام الأمة إلى فرقتين في يومه،

ثم إلى فرق تبلغ الثلاث والسبعين فرقة".

تمخّضت السقيفة عن خلافة أبي بكر ثم عمر ثم عثمان باسم الصحبة والهجرة والشورى، فحكموا رقاب المسلمين وظهر الكثير من الفساد

والتخبّط الذي عالجه الإمام عليّ(عليه السلام) وذلك بمساعدة الخلفاء على حلّ الكثير من المشاكل التي واجهوها وبالصبر عن حقه الذي

نصّ عليه الرسول أكثر من مرّة.

ثم تولّى الإمام علي(عليه السلام) الخلافة ـ ولكن بعد فوات الأوان ـ فحاول إصلاح
 
ما يمكن إصلاحه فنهض في وجهه الناكثون والقاسطون والمارقون وواجهوه بالحرب والعدوان فلم يفسحوا له المجال لاصلاح امور المسلمين

إلى أن ذهب شهيداً إلى ربّه في محراب الصلاة على يد أحد الخوارج المارقين.

ثم استلم الأمر بعد ذلك معاوية وجعلها ملوكية وراثية، فهذه هي نتائج السقيفة المشؤومة التي ارادت بباطل من اجتمع فيها ان تطفأ نور الحق

ولكن هيهات فيأبى الله إلاّ أن يتم نوره ولو كره الكافرون.

وهكذا اهتدى هذا الشيخ الجليل الى الفرقة الناجية وعرف الحق وتمسّك بالهدى وترك ظلمات الباطل وهو يمتلك الدليل عن تبصر فكان من

اوائل المستبصرين في عصرنا هذا الذي اهتدى فيه الكثير من الناس إلى نور أهل البيت(عليهم السلام).


 عرض التعليقات
لا توجد تعليقات!
 إضافة تعليق
الإسم: *
البلد:
البريد الإلكتروني:
التعليق: *
التحقق اليدوي: *