شرح مسلم
النووي ج 1
[ 1 ]
صحيح مسلم بشرح النووي
[ 3 ]
صحيح مسلم بشرح النوي الجزء الاول الناشر دار الكتاب العربي بيروت - لبنان
[ 4 ]
1407 ه - 1987 م دار الكتاب العربي الرملة البيضاء - ملكارت سنتر - الطابق الرابع - تلفون 800832 - 800811 - 805478 تلكس : 40139 . L . E كتاب . برقيا : الكتاب ص . ب : 5769 - 11 - بيروت - لبنان
[ 5 ]
بسم الله الرحمن الرحيم
[ 6 ]
التعريف بالامام مسلم نقلا عن تهذيب الاسماء واللغات للامام النووي نسبه هو الامام أبو الحسن مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري - من قشير قبيلة من العرب معروفة - النيسابوري امام أهل الحديث . شيوخه سمع قتيبة بن سعيد والقعني وأحمد بن حنبل واسماعيل بن أبي أويس ويحيى بن يحيى وأبا بكر وعثمان ابني أبي شيبة وعبد الله بن أسماء وشيبان بن فروخ وحرملة بن يحيى صاحب الشافعي ومحمد بن المثنى ومحمد بن يسار ومحمد بن مهران ومحمد بن يحيى بن أبي عمر ومحد ابن سلمة المرادي ومحد بن عمر وريحا ومحمد بن رمح وخلائق من الائمة وغيرهم . من روي عنه روي عنه أبو عيسى الترمذي ويحيى بن صاعد ومحمد بن مخلد وابراهيم بن محمد بن سفيان الفقيه الزاهد وهو رواية صحيح مسلم ومحمد بن اسحاق بن خزيمة ومحد بن عبد الوهاب الفراء وعلى بن الحسين ومكي بن عبدان وأبو حامد أحمد بن الشرقي وأخوه عبد الله وحاتم بن أحمد الكندي والحسين بن محمد بن زايد القباني وابراهيم بن أبي طالب وأبو بكر محمد بن النضر الجارودي وأحمد بن سلمة وأبو عوانة يعقوب بن اسحاق الاسفرايني وأبو عمر وأحمد بن المبارك المستملي وأبو حامد أحمد بن حمدون الاعمش وأبو العباس محمد بن اسحاق بن السراج وزكريا بن داود الخفاف ونصر بن أحمد الحافظ يعرف بنصرك وخلائق . اجماع العلماء على امامته وأجمعوا على جلالته وامامته وعلو مرتبته وحذقه في هذه الصنعة وتقدمه فيها وتضلمه منها
[ 7 ]
ومن أكبر الدلائل على جلالته وامامته وورعه وحذقه وقعوده في علوم الحديث واضطلاعه منها وتفننه فيها كتابه الصحيح الذي لم يوجد في كتاب قبله ولا بعده من حسن الترتيب وتلخيص طرق الحديث بغير زيادة ولا نقصان والاحتزار من التحويل في الاسانيد عند اتفاقها من غير زيادة وتنبيهه على ما في ألفاظ الرواة من اختلاف في متن أو اسناد ولو في حرف واعتنائه بالتنبيه على الروايات المصرحة المدلسين وغير ذلك مما هو معروف في كتابه وقد ذكرت في مقدمة شرحي لصحيح مسلم جملا من التنبيه على هذه الاشياء وشبهها مبسوطة ووضحته ثم نبهت على تلك الدقائق والمحاسن في أثناء الشرح في مواطنها وعلى الجملة فلا نظير لكتابه في هذه الدقائق وصنعته الاسناد وهذا عندنا من المحققات التي لا شك فيها للدلائل المتظاهرة عليها . ومع هذا فصحيح البخاري أصح وأكثر فوائد . هذا هو مذهب جمهور العلماء وهو الصحيح المختار . لكن كتاب مسلم في دقائق الاسانيد ونحوها أجود كما ذكرناه وينبغي لكل راغب في علم الحديث أن يعتني به ويتفطن في تلك الدقائق فيرى فيها العجائب من المحاسن . وان ضعف عن الاستقلال باستخراجها استعان بالشرح المذكور وبالله التوفيق . وقد ذكرت في مقدمة شرح صحيح مسلم جملا من المهمات المتعلقة به التي لابد للراغب فيه من معرفتها . مع بيان جملة من أحوال مسلم وأحوال رواة الكتاب عنه . سفره الى الاقطار في طلب العلم واعلم أن مسلما رحمه الله أحد أعلام أئمة هذا الشأن . وكبار المبرزين فيه وأهل الحفظ ولاتفاق . والرحالين في طلبه الى أئمة الاقطار والبلدان . والمعترف له بالتقدم فيه بلا خلاف عند أهل الحذق والعرفان . والمرجوع الى كتابه والمعتمد عليه في كل الازمان . سمع بخراسان يحيى بن يحيى واسحاق ابن راهويه وآخرين . وبالري محمد بن مهران وأبا غسان وآخرين . وبالعراق ابن حنبل وعبد الله ابن مسلمة وآخرين وبالحجاز سعيد بن منصور وأبا مصعب وآخرين . وبمصر عمرو بن سواد وحرملة بن يشعي ؟ ؟ وآخرين وخلائق كثيرين : روي عنه جماعة من كبار أئمة عصره وحفاظه كما قدمناه وفيهم جماعات في درجته . منهم أبو حاتم الرازي وموسى بن هارون وأحمد بن سلمة والترمذي وغيرهم .
[ 8 ]
مصنفاته : صنف مسلم رحمه الله في علم الحديث كتبا كثيرة . منها هذا الكتاب الصحيح الذي من الله الكريم وله الحمد والنعمة والفضل والمنة به على المسلمين أبقى لمسلم به ذكرا جميلا وثناء حسنا الى يوم الدين مع ما أعد له من الاجر الجزيل في دار القرار وعم نفعه المسلمين قاطبة . ومنها الكتاب المسند الكبير على أسماء الرجال . وكتاب الجامع الكبير على الابواب . وكتاب العلل وكتاب أوهام المحدثين . وكتاب التمييز . وكتاب من ليس له الا روا واحد . وكتاب طبقات التابعين . وكتاب المخضرمين وغير ذلك . قال الحاكم أبو عبد الله حدثنا أبو الفضل محمد بن ابراهيم قال سمعت أحمد بن سلمة يقول رأيت أبا زرعة وأبا حاتم يقدمان مسلم بن الحجاج في معرفة الصحيح على مشايخ عصر هما وفي رواية في معرفة الحديث . ومن حقق نظره في صحيح مسلم رحمه الله والطلع على ما أودعه في اسناده وترتيبه وحسن سياقه وبديع طريقه من نفائس التحقيق وجواهر التدقيق وأنواع الورع والاحتياط والتحري في الروايات وتلخيص الطرق واختصارها وضبط متفرها وانتشارها وكثرة اطلاعه واتساع روايته وغير ذلك مما فيه من المحاسن والاعجوبات واللطائف الظاهرات والخفيات علم أنه امام لا يلحقه من بعد عصره وقل من يساويه بل يدانيه من أهل دهره . وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم . وقد اقتصرت من أخباره رضى الله عنه على هذا القدر فان أحواله رضي الله عنه ومناقبه ومناقب كتابه لا تستقصي لبعدها عن أن تحصى . وقد دللت بما ذكرت من الاشارة الى حالته على ما أهملت من جميل طريقته . والله الكريم أسأل أن يجزل في ثوبه ويجمع بيننا وبينه مع أحبابنا في دار كرامته بفضله وجوده ورحمته . وفاته : توفى مسلم رحمه الله تعالى بنيسابور سنة احدي وستين ومائتين . قال الحاكم أبو عبد الله في كتاب المزكيين سمعت أبا عبد الله بن الاخرم الحافظ رحمه الله يقول توفى مسلم رحمه الله عشية الاحد ودفن يوم الاثنين لخمس بقين من رجب سنة احدي وستين ومائتين وهو ابن خمس وخمسين سنة رضي الله عنه .
[ 9 ]
التعريف بالامام النووي نقلا عن تذكرة الحفاظ للحافظ الذهبي نسبه . مولده . ابتداء اشتغاله . حرصه على العلم . النووي الامام الحافظ الاوحد القدوة شيخ الاسلام على الاولياء محيى الدين أبو زكريا يحيى ابن شرف بن مري الحزامي الحواربي الشافعي صاحب التصانيف النافعة . مولده في المحرم سنة احدي وثلاثين وستمائة وقدم دمشق سنة تسع وأربعين فسكن في الرواجية يتناول خبز المدرسة فحفظ التنبيه في أربعة أشهر ونصف . وقرأ ربع المهذب حفظا في باقي السنة على شيخه الكمال بن أحمد ثم حج مع أبيه وأقام بالمدينة شهرا ونصفا ومرض أكثر الطريق فذكر شيخنا أبو الحسن ابن العطار أن الشيخ محيى الدين ذكر له أنه كان يقرأ كل يوم اثنا عشر درسا على مشايخه شرحا وتصحيحا . درسين في الوسيط . ودرسا في المهذب . ودرسا في الجمع بين الصحيحين . ودرسا في صحيح مسلم . ودرسا في اللمع لابن جني . ودرسا في اصلاح المنطق ودرسا في التصريف . ودرسا في أصول الفقه ودرسا في أسماء الرجال . ودرسا في أصول الدين . قال وكنت أعلق جميع ما يتعلق بها من شرح مشكل وتوضيح عبارة وضبط لغة . وبارك الله تعالى في وقتي . وخطر لي أن أشتغل في الطلب فاشتغلت في كتاب القانون وأظلم قلبي وبقيت أياما لا أقدر على الاشتغال فأشفقت على نفسي وبعت القانون فنار قلبي . شيوخه : سمع من الرضي بن البرهان . وشيخ الشيوح عبد العزيز محمد الانصاري . وزين الدين بن عبد الدائم . وعماد الدين عيد الكريم الخرستاني . وزين الدين خلف بن يوسف . وتقي الدين بن أبي اليسر . وجمال الدين بن الصيرفي . وشمس الدين بن أبي عمر . وطبقتهم . وسمع الكتب السنة والمسند . والموطأ وشرح السنة للبغوي . وسنن الدارقطني . وأشياء كثيرة . وقرأ الكال للحافظ عبد الغني علاء الدين . وشرح أحاديث الصحيحين على المحدث ابن اسحاق ابرهيم بن عيسى
[ 10 ]
المرادي . وأخذ الاصول على القاضي التفليسي . وتفقه على الكمال اسحاق المعري . وشمس الدين عبد الرحمن بن نوح . وعز الدين عمر بن سعد الاربلي . والكمال سلار الاربلي . وقرأ اللغة على الشيخ أحمد المصري وغيره . وقرأ على ابن مالك كتابا من تصنيفه . ولازم الاشتغال والتصنيف ونشر العلم والعبادة والاوراد والصيام والذكر والصبر على المعيشة الخشنة في المأكل والملبس كلية لا مزيد عليها . منبسه ثوب خام . وعمامته سبجانية صغيرة . تلاميذه : تخرج به جماعة من العلماء منهم الخطيب صدر سليمان الجعفري . وشهاب الدين أحمد بن جعوان . وشهاب الدين الاربدي . وعلاء الدين بن العطار . وحدث عنه ابن أبي الفتح والمزي . وابن العطار . اجتهاده . حفظه . زهده : قال ابن العطار : ذكر لي شيخنا رحمه الله تعالى أنه كان لا يضيع له وقتا لا في ليل ولا في نهار حتى في الطريق . وأنه دام ست سنين ثم أخذ في التصنيف والافادة والنصيحة وقول الحق . قلت مع ما هو عليه من المجاهدة بنفسه والعمل بدقائق الورع والمراقبة وتصفية النفس من الشوائب ومحقها من أغراضها كان حافظا للحديث وفنونه ورجاله وصحيحه وعليه . رأسا في معرفة المذهب . قال شيخنا الرشيد بن المعلم : عذلت الشيخ محيى الدين في عدم دخوله الحمام وتضييق العيش في مأكله وملبسه وأحواله وخوفته من مرض يعطله عن الاشتغال فقال ان فلانا صام وعبد الله حتى اخضر جلده . وكان يمتنع من أكل الفواكه والخيار ويقول أخاف أن يرطب جسمي ويجلب النوم . وكان يأكل في اليوم والليلة أكلة ويشرب شربة واحدة غند السحر . قال ابن العطار كلمته في الفاكهة فقال دمشق كثيرة الاوقاف وأملاك من تحت الحجر والتصرف لهم ولا يجوز الاعلى وجه الغبطة لهم ثم المعاملة فيها على وجه المساقاة وفيها خلاف فكيف تطيب نفسي بأكل ذلك . وقد جمع ابن العطار سيرته فس ست كراريس . تصانيفه : من تصانيفه : شرح صحيح مسلم ورياض الصالحين والاذكار والاربعين والارشاد في طوم الحديث والتقريب والمبهمات وتحرير الالفاظ والعمدة في تصحيح التنبيه
[ 11 ]
والايضاح في المناسك . وله ثلاثة مناسك سواه . والتبيان في آداب حملة القرآن . والفتاوي والروضة أربعة أسفار . وشرح المهذب الى باب المصراة في أربع مجلدات . وشرح قطعة من البخاري وقطعة من الوسيط . وعمل قطعة من الاحكام . وجملة كثيرة من الاسماء واللغات ومسودة في طبقات الفقهاء . ومن التحقيق الى باب صلاة المسافر . ورعه : كان لا يقبل من أحد شيئا الا في النادر ممن لا يشتغل عليه . أهدى له فقير ابريقا فقبله . وعزم عليه الشيخ برهان الدين الاسكندراني أن يفطر عنده فقال چحضر الطعام الى هنا ونفطر جملة فأكل من ذلك وكان لونين ربما جمع الشيخ بعض الاوقات بين أدامين . موقفه مع الملوك في الامر بالمعروف : وكان يواجه المولك والظلمة بالانكار ويكتب إليهم ويخوفهم بالله تعالى . كتب مرة : من عبد الله يحيى النووي . سلام الله ورحمته وبركاته على المولى المحسن ملك الامراء بدر الدين أدام الله به الخيرات وتولاه بالحسنات وبلغه من خيرات الدنيا والاخرة كل ما آماله وبارك له في جميع أحواله أميد وينهى الى العلوم الشريفة أن أهل الشام في ضيق وضعف حال بسبب قلة الامطار وذكر فصلا طويلا وفي طي ذلك ورقة الى الملك الظاهر فرد جوابها ردا عنيفا مؤلما فتكدرت خواطر الجماعة . وله غير رسالة الملك الظاهر في الامر بالمعروف . وكان شيخنا ابن فرح يشرح على الشيخ الحديث فقال نوبة : الشسيخ محيى الدين قد صار الى ثلاث مراتب كل مرتبة لو كانت لشخص لشدت إليه الرحال . العلم . والزهد والامر بالمعروف والنهي عن المنكر . وفاته : سافر الشيخ فزار بيت المقدس وعاد الى نوي فمرض عند واده فحضرته المنية فانتقل الى رحمة الله في الرابع والعشرين من رجب سنة ست وسبعين وستمائة وقبره ظاهر يزار . قاله الشيخ قطب الدين اليونيني . وقال كان اوحد زمانه في العلم والورع والعبادة والتقلل وخشونة العيش واقف الملك الظاهر بدار العدل غيره مرة فخكى عن الملك الظاهر أنه قال أنا أفزع منه . ولى مشيخة دار الحديث قلت وليها سنة خمس وستين بعد أبي أسامة الى أن مات قدس الله سره .
[ 12 ]
وجاء في طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي مانصه : (يحيى بن شرف بن مري بن حسن بن حسين بن حزام بن محمد بن جمعة النووي) الشيخ العلامة محيى الدين أبو زكريا شيخ الاسلام أستاذ المتأخرين . وحجة الله على اللاحقين والداعي الى سبيل السالفين . كان يحيى رحمه الله سيدا وحصورا ولينا على النفس حصورا . وزاهدا لم يبال بخراب الدنيا إذا صير دينه ربعا معمورا . وله الزهد والقناعة . ومتابعة السالفين من أهل السنة والجماعة . والمصابرة على أنواع الخير لا يصرف ساعة في غير طاعة . وهذا مع الفتن في أصناف العلوم فقها . ومتون أحاديث وأسماء رجال ولغة وصرفا . وغير ذلك . وأنا إذا أردت أن أجمل تفاصيل فضله . وأدل الخلق على مبلغ مقداره بمختصر القول وفصله . لم أزد على بتين أنشدنيهما من لفظه لنفسه الشيخ الامام . وكان من حديثهما أنه - أعنى الوالد رحمه الله - لما سكن في قاعة دار الحديث الاشرفية سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة كان يخرج في الليل الى إيوانها فيهتجد تجاه الاثر الشريف ويمرغ وجهه على البساط وهذا البساط من زمان الاشرف الواقف وعليه اسمه وكان يجلس عليه وقت الدرس فأنسدني الوالد لنفسه . وفي دار الحديث لطيف معنى * على بسط لها أصبو وآوى عسى أنى أمس بحر وجهى * مكانا مسه قدم النواوى ولد النووي في المحرم سنة احدي وثلاثين وستمائة بنوي وكان من أهلها المستوطين بها وذكر أبوه أن الشيخ كان نائما الى جنبه وقد بلغ من العمر سبع ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان فانتبه نحو نصف الليل وقال يا أبت ما هذا الضوء الذي ملاء الدار فاستيقظ الاهل جميعا قال لم نر كلنا شيئا . قال والده : فعرفت أنها ليلة القدر . وقال شيخه في الطريقة الشيخ ياسين بن يوسف الزركشي : رأيت الشيخ محيى الدين وهو ابن عشر سنين بنوى والصبيان يكرهونه على اللعب معهم وهو يهرب منهم ويبكى لاكراههم ويقرأ القرآن في تلك الحال فوقع في قلبي حبه وجعله أبوه في دكان فجعل لا يشتغل بالبيع والشراء عن القرآن قال فأتيت الذي يقرئه القرآن فوصيته به وقلت هذا الصبي يرجى أن يكون أعلم أهل رمانه وأرهدههم وينتفع الناس به فقال لي : منجم أنت ؟ قلت لا وانما أنطقني الله بذلك . فذكر ذلك لوالده فحرص عليه الى أن ختم القرآن وقد ناهز الاحتلام .
[ 1 ]
صحيح مسلم بشرح النووي الجزء الاول الناشر دار الكتاب العربي بيروت - لبنان
[ 2 ]
بسم الله الرحمن الرحيم قال شيخنا الامام العالم الزاهد الورع محي الدين يحيى بن شرف بن مرى بن حسن بن حسين بن حزام النووي رحمه الله تعالى آمين الحمد لله البر الجواد الذي جلت نعمه عن الاحصاء والاعداد خالق اللطف والارشاد الهادى الى سبيل الرشاد الموفق بكرمه لطرق السداد المان بالاعتناء بسنة حبيبه وخليله عبده ورسوله صلوات الله وسلامه عليه وعلى من لطف به من العباد المخصص هذه الامة زادها الله شرفا بعلم الاسناد الذي لم يشركها فيه أحد من الأمم على تكرر العصور والآباد الذي نصب لحفظ هذه السنة المكرمة الشريفة المطهرة خواص من الحفاظ النقاد وجعلهم ذابين عنها في جميع الازمان والبلاد باذلين وسعهم في تبيين الصحة من طرقها والفساد خوفا من الانتقاص منها والازدياد وحفظا لها على الأمة زادها الله شرفا الى يوم التناد مستفرغين جهدهم في التفقه في معانيها واستخراج الاحكام واللطائف منها مستمرين على ذلك في جماعات وآحاد مبالغين في بيانها وايضاح وجوهها بالجد والاجتهاد ولا يزال على القيام بذلك بحمد الله ولطفه جماعات في الاعصار كلها الى انقضاء الدنيا واقبال المعاد وان قلو وخملت بلدان منهم وقربوا من النفاد أحمده أبلغ حمد على نعمه خصوصا على نعمة الاسلام وأن جعلنا من أمة خير الأولين والآخرين وأكرم السابقين واللاحقين محمد عبده ورسوله وحبيبه وخليله خاتم النبيين صاحب الشفاعة العظمى ولواء الحمد والمقام المحمود سيد المرسلين المخصوص بالمعجزة الباهرة المستمرة على تكرر السنين التي تحدى بها أفصح القرون وأفحم بها المنازعين وظهر بها خزي من لم ينقد لها من المعاندين المحفوظة من أن يتطرق إليها تغيير الملحدين أعنى بها القرآن العزيز كلام ربنا الذي نزل به الروح الأمين على قلبه ليكون من المنذرين بلسان عربي مبين والمصطفى بمعجزات أخر زائدات على الألف والمئين وبجوامع الكلم وسماحة شريعته ووضع اصر المتقدمين المكرم بتفضيل أمته زادها الله شرفا
[ 3 ]
على الأمم السابقين وبكون أصحابه رضي الله عنهم خير القرون الكائنين وبأنهم كلهم مقطوع بعدالتهم عند من يعتد به من علماء المسلمين ويجعل اجماع أمته حجة مقطوعا بها كالكتاب المبين وأقوال أصحابه المنتشرة من غير مخالفة لذلك عند العلماء المحققين المخصوص بتوفر دواعي أمته زادها الله شرفا على حفظ شريعته وتدوينها ونقلها عن الحفاظ المسندين وأخذها عن الحذاق المتقين والاجتهاد في تبيينها للمسترشدين والدؤوب في تعليمها احتسابا لرضا رب العالمين والمبالغة في الذب عن منهاجه بواضح الأدلة وقمع الملحدين والمبتدعين صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر النبيين وآل كل وصحابتهم والتابعين وسائر عباد الله الصالحين ووفقنا للاقتداء به دائمين في أقواله وأفعاله وسائر أحواله مخلصين مستمرين في ذلك دائبين وأشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له اقرارا بوحدانيته واعترافا بما يجب على الخلق كافة من الاذعان لربوبيته واشهد ان محمد عبده ورسوله المصطفى من بريته والمخصوص بشمول رسالته وتفضيل امته صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله واصحابه وعترته اما بعد فإن الاشتغال بالعلم من افضل القرب واجل الطاعات واهم انواع الخير وآكد العبادات واولى ما انفقت فيه نفائس الأوقات وشمر في ادراكه والتمكن فيه اصحاب الانفاس الزكيات وبادر الى الاهتمام به المسارعون الى الخيرات وسابق الى التحلى به مستبقو المكرمات وقد تظاهرت على ما ذكرته جمل من الآيات الكريمات والاحاديث الصحيحة المشهورات واقاويل السلف رضى الله عنهم النيرات ولا ضرورة لذكرها هنا لكونها من الواضحات الجليات ومن اهم انواع العلوم تحقيق معرفة الاحاديث النبويات اعني معرفة متونها صحيحها وحسنها وضعيفها متصلها ومرسلها ومنقطعها ومعضلعا ومقلوبها ومشهورها وغريبها وعزيزها متوارتها وآحادها وافرادها معروفها وشاذها ومنكرها ومعللها وموضوعها ومدرجها وناسخها ومنسوخها وخاصها وعامها ومجملها ومبينها ومختلفها وغير ذلك من انواعها المعروفات ومعرفة علم الاسانيد اعني معرفة حال رجالها وصفاتهم المعتبرة وضبط اسمائهم وانسابهم ومواليدهم ووفياتهم وغير ذلك من الصفات ومعرفة التدليس والمدلسين وطرق الاعتبار والمتابعات ومعرفة حكم اختلاف الرواة في الأسانيد والمتون والوصل والارسال والوقف والرفع والقطع والانقطاع وزيادات الثقات ومعرفة الصحابة والتابعين واتباعهم
[ 4 ]
واتباع اتباعهم ومن بعدهم رضى الله عنهم وعن سائر المؤمنين والمؤمنات وغير ما ذكرته من علومها المشهورات ودليل ما ذكرته أن شرعنا مبني على الكتاب العزيز والسنن المرويات وعلى السنن مدار اكثر الأحكام الفقهيات فإن اكثر الآيات الفروعيات مجملات وبيانها في السنن المحكمات وقد اتفق العلماء على ان من شرط المجتهد من القاضي والمفتي ان يكون عالما بالأحاديث الحكميات فتيت بما ذكرناه ان الانشغال بالحديث من اجل العلوم الراجحات وافضل انواع الخير وآكد القربات وكيف لا يكون كذلك وهو مشتمل مع ما ذكرناه على بيان حال افضل المخلوقات عليه من الله الكريم افضل الصلوات والسلام والتبريكات ولقد كان أكثر اشتغال العلماء بالحديث في الاعصار الخاليات حتى لقد كان يجتمع في مجلس الحديث من الطالبين الوف متكاثرات فتناقص ذلك وضعفت الهمم فلم يبق الا آثار من آثارهم قليلات والله المستعان على هذه المصيبة وغيرها من البليات وقد جاء في فضل احياء السنن المماتات احاديث كثيرة معروفات مشهورات فينبغي الاعتناء بعلم الحديث والتحريض عليه لما ذكرنا من الدلالات ولكونه ايضا من النصيحة لله تعالى وكتابه ورسوله ص = وللائمة والمسلمين والمسلمات وذلك هو الدين كما صح عن سيد البريات صلوات الله وسلامة عليه وعلى آله وصحبه وذريته وازواجه الطاهرات ولقد احسن القائل من جمع ادوات الحديث استنار قلبه واستخرج كنوزه الخفيات وذلك لكثرة فوائده البارزات والكامنات وهو جدير بذلك فانه كلام افصح الخلق ومن اعطي جوامع الكلمات ص = صلوات متضاعفات واصح مصنف في الحديث بل في العلم مطلقا الصحيحان للإمامين القدوتين ابى عبد الله محمد بن اسماعيل البخاري وابى الحسين مسلم بن الحجاج القشيرى رضى الله عنهما فلم يوجد لهما نظير في المؤلفات فينبغي ان يعتنى بشرحهما وتشاع فوائدهما ويتلطف في استخراج دقائق المعلوم من متونهما واسانيدهما لما ذكرنا من الحجج الظاهرات وانواع الادلة المتظاهرات فأما صحيح البخاري رحمه الله فقد جمعت في شرحه جملا مستكثرات مشتملة على نفائس من انواع العلوم بعبارات وجيزات وانا مشمر في شرحه راج من الله الكريم في اتمامه المعونات واما صحيح مسلم رحمه الله فقد استخرت الله تعالى الكريم الرؤف الرحيم في جمع كتاب شرحه متوسط بين المختصرات
[ 5 ]
والمبسوطات لا من المختصرات المخلات ولا من المطولات المملات ولولا ضعف الهمم وقلة الراغبين وخوف عدم انتشار الكتاب لقلة الطالبين للمطولات لبسطه فبلغت به ما يزيد على مائة من المجلدات من غير تكرار ولا زيادات عاطلات بل ذلك لكثرة فوائده وعظم عوائده الخفيات والبارزات وهو جدير بذلك فإنه كلام أفصح المخلوقات صلى الله عليه وسلم صلوات دائمات لكنى اقتصر على التوسط واحرص على ترك الاطالات وأوثر الاختصار في كثير من الحالات فأذكر فيه ان شاء الله جملا من علومه الزاهرات من احكام الاصول والفروع والآداب والاشارات الزهديات وبيان نفائس من اصول القواعد الشرعيات وايضاح معاني الالفاظ اللغوية واسماء الرجال وضبط المشكلات وبيان اسماء ذوى الكنى واسماء آباء الابناء والمبهمات والتنبيه على لطيفة من حال بعض الرواة وغيرهم من المذكورين في بعض الاوقات واستخراج لطائف من خفيات علم الحديث من المتون والاسنانيد المستفادات وضبط جمل من الاسماء المؤتلفات والمختلفات والجمع بين الاحاديث التى تختلف ظاهرا ويظن البعض من لا يحقق صناعتي الحديث والفقه واصوله كونها متعارضات وانبه على ما يحضرني في الحال في الحديث من المسائل العمليات واشير الى الادلة في كل ذلك اشارات الا في مواطن الحاجة الى البسط للضرورات واحرص في جميع ذلك على الايجاز وايضاح العبارات وحيث انقل شيئا من اسماء الرجال واللغة وضبط المشكل والاحكام والمعاني وغيرها من المنقولات فإن كان مشهورا لا اضيفه الى قائليه لكثرتهم الا نادرا لبعض المقاصد الصالحات وان كان غريبا اضفته الى قائليه الا ان اذهل عنه بعض المواطن لطول الكلام أو كونه مما تقدم بيانه من الابواب الماضيات وإذا تكرر الحديث أو الاسم أو اللفظة من اللغة ونحوها بسطت المقصود منه في اول مواضعه وإذا مررت على الموضع الآخر ذكرت انه تقدم شرحه وبيانه في الباب الفلاني من الابواب السابقات وقد اقتصر على بيان تقدمه من غير اضافة أو اعيد الكلام فيه لبعد الموضع الاول أو ارتباط كلام أو نحوه أو غير ذلك من المصالح المطلوبات واقدم في اول الكتاب جملا من المقدمات مما يعظم النفع به ان شاء الله تعالى ويحتاج إليه طالبو التحقيقات وأرتب ذلك في فصول متتابعات ليكون اسهل في مطالعته وابعد من السامات وانا مستمد المعونة والصيانة واللطف والرعاية من الله
[ 6 ]
الكريم رب الارضين والسموات مبتهلا إليه سبحانه وتعالى ان يوفقني ووالدى ومشايخي وسائر اقاربي واحبابي ومن احسن الينا بحسن النيات وان ييسر لنا الطاعات وان يهدينا لها دائما في ازدياد حتى الممات وان يجود علينا برضاه ومحبته ودوام طاعته والجمع بيننا في دار كرامته وغير ذلك من انواع المسرات وان ينفعنا اجمعين ومن يقرأ في هذا الكتاب به وان يجزل لنا المثوبات وان لا ينزع منا ما وهبه لنا ومن به علينا من الخيرات وان لا يجعل شيئا من ذلك فتنة لنا وان يعيذنا من كل شئ من المخالفات انه مجيب الدعوات جزيل العطيات اعتصمت بالله توكلت على الله ما شاء الله لا قوة الا بالله لا حول ولا قوة الا بالله وحسبي الله ونعم الوكيل وله الحمد والفضل والمنة والنعمة وبه التوفيق واللطف والهداية والعصمة فصل في بيان اسناد الكتاب وحال رواته منا الى الامام مسلم رضي الله عنه مختصرا أما اسنادي فيه فأخبرنا بجميع صحيح الامام مسلم بن الحجاج رحمه الله الشيخ الأمين العدل الرضى أبو اسحاق ابراهيم بن أبي حفص عمر بن مضر الواسطي رحمه الله بجامع دمشق حماها الله وصانها وسائر بلاد الاسلام وأهله قال أخبرنا الامام ذو الكنى أبو القاسم أبو بكر أبو الفتح منصور بن عبد المنعم الفراوي قال أخبرنا الامام فقيه الحرمين أبو جدى أبو عبد الله محمد بن الفضل الفراوي قال أخبرنا أبو الحسين عبد الغافر الفارسي قال أنا أحمد محمد بن عيسى الجلودي قال أنا أبو اسحاق ابراهيم بن محمد بن سفيان الفقيه انا الامام أبو الحسين مسلم بن الحجاج رحمه الله وهذا الاسناد الذي حصل لنا ولاهل زماننا ممن يشاركنا فيه في نهاية من العلو بحمد الله تعالى فبيننا وبين مسلم ستة وكذلك اتفقت لنا بهذا العدد رواية الكتب الأربعة التي هي تمام الكتب الخمسة التي هي أصول الاسلام أعنى صحيحي البخاري ومسلم وسنن أبي داود والترمذي والنسائي وكذلك رقع لنا بهذا العدد مسندا الامامين أبوي عبد الله أحمد بن حنبل ومحمد بن يزيد أعنى بن ماجه ووقع لنا أعلى من هذه الكتب وان كانت عالية موطأ الامام أبي عبد الله مالك بن أنس فبيننا وبينه رحمه الله سبعة وهو شيخ شيوخ المذكورين كلهم فتعلو روايتنا لاحاديثه برجل ولله الحمد والمنة وحصل في روايتنا لمسلم لطيفة وهو أنه اسناد
[ 7 ]
مسلسل بالنيسابوريين وبالمعمرين فان رواته كلهم معمرون وكلهم نيسابوريون من شيخنا أبي اسحاق الى مسلم وشيخنا وان كان واسطيا فقد أقام بنيسابور مدة طويلة والله اعلم اما بيان حال رواته فيطول الكلام في تقصي أخبارهم واستقصاء أحوالهم لكن نقتصر على ضبط أسمائهم وأحرف تتعلق بحال بعضهم أما شيخنا أبو اسحاق فكان من أهل الصلاح والمنسوبين الى الخير والفلاح معروفا بكثرة الصدقات وانفاق المال في وجوه المكرمات ذا عفاف وعبادة ووقار وسكينة وصيانة بلا استكبار توفي رحمه الله بالاسكندرية اليوم السابع من رجب سنة أربع وستين وستمائة وأما شيخ شيخنا فهو الامام ذو الكنى أبو القاسم أبو بكر أبو الفتح منصور بن عبد المنعم بن عبد الله بن محمد بن الفضل بن أحمد بن محمد بن أحمد بن أبي العباس الصاعدي الفراوي ثم النيسابوري منسوب الى فراوة بليدة من ثغر خراسان وهو بفتح الفاء وضمها فاما الفتح فهو المشهور المستعمل بين أهل الحديث وغيرهم وكذا حكى الشيخ الامام الحافظ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله أنه سمع شيخه منصورا هذا رضي الله عنه يقول انه الفراوي بفتح الفاء وذكره أبو سعيد السمعاني في كتابه الانساب بضم الفاء وكذا ذكر الضم ايضا غير السمعاني وكان منصور هذا جليلا شيخا مكثرا ثقة صحيح السماع روى عن أبيه وجده وجد ابيه أبى عبد الله محمد بن الفضل وروى عن غيرهم مولده في شهر رمضان سنة اثنين وعشرين وخمسمائة وتوفى بشازياخ نيسابور في شعبان سنة ثمان وستمائة واما أبو عبد الله الفراوى فهو محمد بن الفضل جد ابى منصور النيسابوري وقد تقدم تمام نسبه في نسب ابن ابن ابنه منصور كان أبو عبد الله هذا الفراوى رضى الله عنه اماما بارعا في الفقه والاصول وغيرهما كثير الروايات بالاسانيد الصحيحة العاليات رحلت إليه الطلبة من الاقطار وانتشرت الروايات عنه فيما قرب وبعد من الامصار حتى قالوا فيه للفراوى ألف راوي وكان يقال له فقيه الحرم لاشاعته ونشره العلم بمكة زادها الله فضلا وشرفا ذكره الامام الحافظ أبو القاسم الدمشقي المعروف بابن عساكر رضى الله عنهما فأطنب في الثناء عليه بما هو أهله ثم روى عن ابى الحسين عبد الغافر أنه ذكره فقال هو فقيه الحرم البارع في الفقه والاصول الحافظ للقواعد نشأ بين الصوفية في حجورهم ووصل إليه بركات أنفاسهم وسمع التصانيف والاصول من الامام زين الاسلام ودرس عليه الاصول والتفسير ثم اختلف الى مجلس امام الحرمين
[ 8 ]
ولازم درسه ما عاش وتفقه عليه وعلق عنه الاصول وصار من جملة المذكورين من أصحابه وخرج حاجا الى مكة وعقد المجلس ببغداد وسائر البلاد وأظهر العلم بالحرمين وكان منه بهما أثر وذكر ونشر للعلم وعاد الى نيسابور وما تعدى قط حد العلماء ولا سيرة الصالحين من التواضع والتبذل في الملابس والتعايش وتستر بكتابة الشروط لاتصاله بالزمرة الشحامية مصاهرة ليصون بها عرضه وعلمه عن توقع الارفاق ويتبلغ بما يكتسبه منها في اسباب المعيشة من فنون الارزاق وقعد للتدريس في المدرسة الناصحة وافادة الطلبة فيها وقد سمع المسانيد والصحاح وأكثر عن مشايخ عصره وله مجالس الوعظ والتذكير المشحونة بالفوائد والمبالغة في النصح وحكايات المشايخ وذكر احوالهم قال الحافظ أبو القاسم والى الامام محمد الفراوى كانت رحلتي الثانية لأنه المقصود بالرحلة في تلك الناحية لما اجتمع فيه من علو الاسناد ووفور العلم وصحة الاعتقاد وحسن الخلق ولين الجانب والاقبال بكليته على الطالب فأقمت في صحبته سنة كاملة وغنمت من مسموعاته فوائد حسنة طائلة وكان مكرما لموردي عليه عارفا بحق قصدي إليه ومرض مرضة في مدة مقامي عنده ونهاه الطبيب عن التمكين من القراءة عليه فيها وعرفه ان ذلك ربما كان سببا لزيادة تألمه فقال لا أستجيز أن أمنعهم من القراءة وربما أكون قد حسبت في الدنيا لأجلهم وكنت أقرأ عليه في حال مرضه وهو ملقى على فراشه ثم عوفي من تلك المرضة وفارقته متوجها الى هراة فقال لى حين ودعته بعد أن اظهر الجزع لفراقي وربما لا نلتقي بعد هذا فكان كما قال فجاءنا نعيه الى هراة وكانت وافته في العشر الأواخر من شوال سنة ثلاثين وخمسمائة ودفن في تربة أبى بكر بن خزيمة رضى الله عنهما وذكر الحافظ أيضا جملا اخرى من مناقبه حذفتها اختصارا وذكر أبو سعيد السمعاني أنه سأل أبا عبد الله الفراوى هذا عن مولده فقال مولدي تقديرا سنة احدى وأربعين وأربعمائة قال غيره وتوفى يوم الخميس الحادى أو الثاني والعشرين من شوال سنة ثلاثين وخمسمائة قال الحافظ الشيخ أبو عمرو رحمة الله له في علم المذهب كتاب انتخبت منه فوائد استغربتها وسمع صحيح مسلم من عبد الغافر في السنة التى توفى فيها عبد الغافر سنة ثمان وأربعين وأربعمائة بقراءة أبى سعيد البحيرى رحمه الله ورضى عنه واما شيخ الفراوى فهو أبو الحسين عبد الغافر بن محمد بن عبد الغافر بن أحمد بن محمد بن سعيد الفارسى الفسوى ثم النيسابوري التاجر وكان سماعه صحيح مسلم من الجلودى سنة خمس وستين
[ 9 ]
وثلثمائة ذكره ولد ولده أبو الحسن عبد الغافر بن اسماعيل بن عبد الغافر الفارسى الاديب الامام المحدث ابن المحدث ابن المحدث صاحب التصانيف كذيل تاريخ نيسابور وكتاب مجمع الغرائب والمفهم لشرح غريب صحيح مسلم وغيرها فقال كان شيخا ثقة صالحا صائنا محظوظا من الدين والدنيا محدودا في الرواية على قلة سماعه مشهورا مقصودا من الآفاق سمع منه الائمة والصدور وقرأ الحافظ الحسن السمرقندى عليه صحيح مسلم نيفا وثلاثين مرة وقرأه عليه أبو سعيد البحيرى نيفا وعشرين مرة وممن قرأه عليه من مشاهير الائمة زين الاسلام أبو القاسم يعنى القشيرى والواحدي وغيرهما استكمل خمسا وتسعين سنة وألحق أحفاد الاحفاد بالاجداد وتوفى يوم الثلاثاء ودفن يوم الاربعاء السادس من شوال سنة ثمان وأربعين وأربعمائة وقال غيره ولد ثلاث وخمسين وثلثمائة وسمع منه أئمة الدنيا من الغرباء والطارئين والبلديين وبارك الله سبحانه وتعالى في سماعه وروايته مع قلة سماعه وكان المشهور برواية صحيح مسلم وغريب الخطابى في عصره وسمع الخطابى وغيره من أهل عصره رحمه الله ورضى عنه وأما شيخ الفارسى فهو أبو أحمد محمد بن عيسى بن محمد بن عبد الرحمن بن عمرويه بن منصور الزاهد النيسابوري الجلودى بضم الجيم بلا خلاف قال الأمام أبو سعيد السمعاني هو منسوب الجلود المعروفة جمع جلد قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله عندي أنه منسوب الى سكة الجلوديين بنيسابور الدارسة وهذا الذى قاله الشيخ أبو عمرو يمكن حمل كلام السمعاني عليه وانما قلت ان الجلودى هذا بضم الجيم بلا خلاف لان ابن السكيت وصاحبه ابن قتيبة قالا في كتابيهما المشهورين أن الجلودى بفتح الجيم منسوب الى جلود اسم قرية بافريقية وقال غيرهما انها بالشام واراد أن من نسب الى هذه القرية فهو بفتح الجيم لكونها مفتوحة وأما أبو أحمد الجلودى فليس منسوبا الى هذه القرية فليس فيما قالاه مخالفة لما ذكرناه والله أعلم قال الحاكم أبو عبد الله كان أبو أحمد هذا الجلودى شيخا صالحا زاهدا من كبار عباد الصوفية صحب أكابر المشايخ من أهل الحقائق وكان ينسخ الكتب ويأكل من كسب يده سمع أبا بكر بن خزيمة ومن كان قبله وكان ينتحل مذهب سفيان الثوري ويعرفه توفى رحمه الله يوم الثلاثاء الرابع والعشرين من ذى الحجة سنة ثمان وستين وثلثمائة وهو ابن ثمانين سنة قال الحاكم وختم لوفاته سماع صحيح مسلم وكل من حدث به بعده عن ابراهيم بن محمد بن سفيان وغيره فليس بثقة والله أعلم
[ 10 ]
وأما الشيخ الجلودى فهو السيد الجليل أبو اسحاق ابراهيم بن محمد بن سفيان النيسابوري الفقيه الزاهد المجتهد العابد قال الحاكم أبو عبد الله بن البيع سمعت محمد بن يزيد العدل يقول كان ابراهيم ابن محمد بن سفيان مجاب الدعوة قال الحاكم وسمعت أبا عمرو بن نجيد يقول انه كان من الصالحين قال الحاكم كان ابراهيم بن سفيان من العباد المجتهدين ومن الملازمين لمسلم بن الحجاج وكان من أصحاب أيوب بن الحسن الزاهد صاحب الرأى يعنى الفقيه الحنفي سمع ابراهيم بن سفيان بالحجاز ونيسابور والرى والعراق قال ابراهيم فرغ لنا مسلم من قراءة الكتاب في شهر رمضان سنة سبع وخمسين ومائتين قال الحاكم مات ابراهيم في رجب سنة ثمان وثلثمائة رحمه الله ورضى عنه وأما شيخ ابراهيم بن محمد بن سفيان فهو الامام مسلم صاحب الكتاب وهو أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيرى نسبا النيسابوري وطنا عربي صليبة وهو أحد أعلام أئمة هذا الشأن وكبار المبرزين فيه وأهل الحفظ والاتقان والرحالين في طلبه الى أئمة الاقطار والبلدان والمعترف له بالتقدم فيه بلا خلاف عند أهل الحذق والعرفان والمرجوع الى كتابه والمعتمد عليه في كل الازمان سمع بخرسان يحيى بن يحيى واسحاق بن راهويه وغيرها وبالرى محمد بن مهران الجمال بالجيم وأبا غسان وغيرهما وبالعراق أحمد بن حنبل وعبد الله بن مسلمة القعنبى وغيرهما وبالحجاز سعيد بن منصور وأبا مصعب وغيرهما وبمصر عمرو بن سواد وحرملة بن يحيى وغيرهما وخلائق كثيرين روى عنه جماعات من كبار أئمة عصره وحفاظه وفيهم جماعات في درجته فمنهم أبو حاتم الرازي وموسى بن هارون وأحمد بن سلمة وأبو عيسى الترمذي وأبو بكر بن خزيمة ويحيى بن صاعد وأبو عوانة الاسفراينى وآخرون لا يحصون وصنف مسلم رحمه الله في علم الحديث كتبا كثيرة منها هذا الكتاب الصحيح الذى من الله الكريم وله الحمد والنعمة والفضل والمنة به على المسلمين وأبقى لمسلم به ذكرا جميلا وثناء حسنا الى يوم الدين ومنها كتاب المسند الكبير على أسماء الرجال وكتاب الجامع الكبير على الأبواب وكتاب العلل وكتاب أوهام المحدثين وكتاب التميز وكتاب من ليس له الا راو واحد وكتاب طبقات التابعين وكتاب المخضرمين وغير ذلك قال الحاكم أبو عبد الله حدثنا أبو الفضل محمد بن ابراهيم قال سمعت أحمد بن سلمة يقول رأيت أبا زرعة وأبا حاتم يقدمان مسلم بن الحجاج في معرفة الصحيح على مشايخ عصرهما وفى رواية في معرفة الحديث قلت
[ 11 ]
ومن حقق نظره في صحيح مسلم رحمه الله واطلع على ما أورده في أسانيده وترتيبه وحسن سياقته وبديع طريقته من نفائس التحقيق وجواهر التدقيق وأنواع الورع والاحتياط والتحرى في الرواية وتلخيص الطرق واختصارها وضبط متفرقها وانتشارها وكثرة اطلاعه واتساع روايته وغير ذلك مما فيه من المحاسن والاعجوبات واللطائف الظاهرات والخفيات علم أنه امام لا يلحقه من بعد عصره وقل من يساويه بل يدانيه من أهل وقته ودهره وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم وأنا أقتصر من أخباره رضى الله عنه على هذا القدر فان أحواله رحمه الله ومناقبه لا تستقصى لبعدها عن أن تحصى وقد دللت بما ذكرت من الاشارة الى حالته على ما أهملت من جميل طريقته والله الكريم أسأله أن يجزل في مثوبته وأن يجمع بيننا وبينه مع احبائنا في دار كرامته بفضله وجوده ولطفه ورحمته وقد قدمت أن أوثر الاختصار وأحاذر التطويل الممل والاكثار توفى مسلم رحمه الله بنيسابور سنة احدى وستين ومائتين قال الحاكم أبو عبد الله بن البيع في كتاب المزكين لرواة الاخبار سمعت أبا عبد الله بن الاخرم الحافظ رحمه الله يقول توفى مسلم بن الحجاج رحمه الله عشية الاحد ودفن يوم الاثنين لخمس بقين من رجب سنة احدى وستين ومائتين وهو ابن خمس وخمسين سنة رحمه الله ورضى عنه فصل صحيح مسلم رحمه الله في نهاية من الشهرة وهو متواتر عنه من حيث الجملة فالعلم القطعي حاصل بأنه تصنيف أبى الحسين مسلم بن الحجاج وأما من حيث الرواية المتصلة بالاسناد المتصل بمسلم فقد انحصرت طريقه عنده في هذه البلدان والازمان في رواية أبى اسحاق ابراهيم ابن محمد بن سفيان عن مسلم ويروى في بلاد المغرب مع ذلك عن أبى محمد أحمد بن على القلانسى عن مسلم ورواه عن ابن سفيان جماعة منهم الجلودى وعن الجلودى جماعة منهم الفارسى وعنه جماعة منهم الفراوى وعنه خلائق منهم منصور وعنه خلائق منهم شيخنا أبو اسحاق قال الشيخ الامام الحافظ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله وأما القلانسى فوقعت روايته عند أهل الغرب ولا رواية له عند غيرهم دخلت روايته إليه من جهة أبى عبد الله محمد بن يحيى بن الحذاء التميمي القرطبى وغيره سمعوها بمصر من أبى العلاء عبد الوهاب بن عيسى بن عبد الرحمن بن ماهان البغدادي قال حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن يحيى الاشقر الفقيه على مذهب الشافعي قال
[ 12 ]
حدثنا أبو محمد القلانسى قال حدثنا مسلم الا ثلاثة أجزاء من آخر الكتاب أولها حديث الافك الطويل فان أبا العلاء بن ماهان كان يروى ذلك عن أبى أحمد الجلودى عن أبى سفيان عن مسلم رضى الله عنه فصل قال الشيخ الامام الحافظ أبو عمرو وعثمان بن عبد الرحمن المعروف بابن الصلاح رحمه الله اختلف النسخ في رواية الجلودى عن ابراهيم بن سفيان هل هي بحدثنا ابراهيم أو أخبرنا والتردد واقع في أنه سمع لفظ ابراهيم أو قرأه عليه فالأحوط أن يقال أخبرنا ابراهيم حدثنا ابراهيم فليلفظ القارئ بهما على البدل قال وجائز لنا الاقتصار على أخبرنا فانه كذلك فيما نقلته من ثبت الفراوى من خط صاحبه عبد الرزاق الطبسى وفيما انتخبته بنيسابور من الكتاب من أصل فيه سماع شيخنا المؤيد وهو كذلك بخط الحافظ أبى القاسم الدمشقي العساكري عن الفراوى وفى غير ذلك وأيضا فحكم المتردد في ذلك المصير الى أخبرنا لأن كل تحديث من حديث الحقيقة اخبار وليس كل اخبار تحديثا قال الشيخ الامام أبو عمرو بن الصلاح رضى الله عنه اعلم أن ابراهيم بن سفيان في الكتاب فائتا لم يسمعه من مسلم يقال فيه أخبرنا ابراهيم عن مسلم ولا يقال فيه أخبرنا مسلم ولا حدثنا مسلم وروايته لذلك عن مسلم اما بطريقة الاجازة واما بطريقة الوجادة وقد غفل أكثر الرواة عن تبين ذلك وتحقيقه في فهاريسهم وتسميعاتهم واجازاتهم وغيرها بل يقولون في جميع الكتاب أخبرنا ابراهيم قال أخبرنا مسلم وهذا الفوات في ثلاثة مواضع محققة في أصول معتمدة فأولها في كتاب الحج في باب الحلق والتقصير حديث ابن عمر رضى الله عنهما أن رسول الله ص = قال رحم الله المحلقين برواية ابن نمير فشاهدت عنده في أصل الحافظ أبى القاسم الدمشقي بخطه ما صورته أخبرنا أبو اسحاق ابراهيم بن محمد بن سفيان عن مسلم قال حدثنا ابن نمير حدثنا أبى حدثنا عبيد الله بن عمر الحديث وكذلك في أصل بخط الحافظ أبى عامر العبدرى الا أنه قال حدثنا أبو اسحاق وشاهدت عنده في أصل قديم مأخوذ عن أبى أحمد الجلودى ما صورته من ها هنا قرأت على أبى أحمد حدثكم ابراهيم عن مسلم وكذا كان في كتابه الى العلامة وقال الشيخ رحمه الله وهذه العلامة هي بعد ثمان ورقات أو نحوها عند أول حديث ابن عمر رضى الله عنهما أن رسول الله ص = كان إذا استوى على بعيره
[ 13 ]
خارجا الى سفر كبر ثلاثا وعندها في الاصل المأخوذ عن الجلودى ما صورته الى هنا قرأت عليه يعنى على الجلودى عن مسلم ومن هنا قال حدثنا مسلم وفى أصل الحافظ أبى القاسم عندها بخطه من هنا يقول حدثنا مسلم والى هنا شك الفائت الثاني لابراهيم أوله في أول الوصايا قول مسلم حدثنا أبو خيثمة زهير بن حرب ومحمد بن المثنى واللفظ لمحمد بن المثنى في حديث ابن عمر ما حق أمرئ مسلم له شئ يريد أن يوصى فيه الى قوله في آخر حديث رواه في قصة حويصة ومحيصة في القسامة حدثني اسحاق بن منصور أخبرنا بشر بن عمرو قال سمعت مالك بن أنس الحديث وهو مقدار عشر ورقات ففي الأصل المأخوذ عن الجلودي والأصل الذي بخط الحافظ أبي عامر العبدري ذكر انتهاء هذا الفوات عند أول هذا الحديث وعود قول ابراهيم حدثنا مسلم وفي أصل الحافظ أبي القاسم الدمشقي شبه التردد في أن هذا الحديث داخل في الفوات أو غير داخل فيه والاعتماد على الاول الفائت الثالث أوله قول مسلم في أحاديث الامارة والخلافة حدثنى زهير بن حرب حدثنا شبابة حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ص = انما الامام جثة ويمتد الى قوله في كتاب الصيد والذبائح حدثنا محمد بن مهران الرازي حدثنا أبو عبد الله حماد بن خالد الخياط حديث أبي ثعلبة الخشنى إذا رميت سهمك فمن أول هذا الحديث عاد قول ابراهيم حدثنا مسلم وهذا الفوات أكثرها وهو نحو ثماني عشرة ورقة وفي أوله بخط الحافظ الكبير أبي حازم العبدري النيسابوري وكان يروى الكتاب عن محمد بن يزيد العدل عن ابراهيم ما صورته من هنا يقول ابراهيم قال مسلم وهو في الاصل المأخوذ عن الجلودي وأصل أبي عامر العبدري وأصل أبي القاسم الدمشقي بكلمة عن وهكذا في الفائت الذي سبق في الأصل المأخوذ عن الجلودي وأصل أبي عامر العبدري وأصل أبي القاسم وذلك يحتمل كونه روى ذلك عن مسلم بالوجادة ويحتمل الاجازة ولكن في بعض النسخ التصريح في بعض ذلك أو كله يكون ذلك عن مسلم بالاجازة والله اعلم هذا آخر كلام الشيخ رحمه الله قال الشيخ الامام أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله اعلم أن الرواية بالاسانيد المتصلة ليس المقصود منها في عصرنا وكثير من الاعصار قبله اثبات ما يروى إذ لا يخلو اسناد منها عن شيخ لا يدري ما يرويه ولا يضبط ما في كتابه ضبطا يصلح لان يعتمد عليه في ثبوته وانما المقصود بها ابقاء سلسلة الاسناد التي خصت بها هذه الامة زادها الله كرامه وإذا كان
[ 14 ]
كذلك فسبيل من أراد الاحتجاج بحديث من صحيح مسلم وأشباهه أن ينقله من أصل مقابل على يدي ثقتين بأصول صحيحة متعددة مروية بروايات متنوعة ليحصل له بذلك مع اشتهار هذه الكتب وبعدها عن أن تقصد بالتبديل والتحريف الثقة بصحة ما اتفقت عليه تلك الأصول فقد تكثر تلك الأصول المقابل بها كثرة تتنزل منزلة التواتر أو منزلة الاستفاضة هذا كلام الشيخ وهذا الذي قاله محمول على الاستحباب والاستظهار والا فلا يشترط تعداد الأصول والروايات فان الأصل الصحيح المعتمد يكفي وتكفي المقابلة به والله اعلم اتفق العلماء رحمهم الله على أن أصح الكتب بعد القرآن العزيز الصحيحان البخاري ومسلم وتلقتهما الامة بالقبول وكتاب البخاري أصحهما وأكثرهما فوائد ومعارف ظاهرة وغامضة وقد صح أن مسلما كان ممن يستفيد من البخاري ويعترف بأنه ليس له نظير في علم الحديث وهذا الذي ذكرناه من ترجيح كتاب البخاري هو المذهب المختار الذي قاله الجماهير وأهل الاتقان والحذق والغوص على أسرار الحديث وقال أبو علي الحسين بن علي النيسابوري الحافظ شيخ الحاكم أبي عبد الله بن البيع كتاب مسلم أصح ووافقه بعض شيوخ المغرب والصحيح الاول وقد قرر الامام الحافظ الفقيه النظار أبو بكر الاسماعيلي رحمه الله في كتابه المدخل ترجيح كتاب البخاري وروينا عن الامام أبي عبد الرحمن النسائي رحمه الله أنه قال ما في هذه الكتب كلها أجود من كتاب البخاري قلت ومن أخصر ما ترجح به اتفاق العلماء على ان البخاري أجل من مسلم وأعلم بصناعة الحديث منه وقد انتخب علمه ولخص ما ارتضاه في هذا الكتاب وبقي في تهذيبه وانتقائه ست عشرة سنة وجمعه من ألوف مؤلفة من الاحاديث الصحيحة وقد ذكرت دلائل هذا كله في أول شرح صحيح البخاري ومما ترجح به كتاب البخاري ان مسلما رحمه الله كان مذهبه بل نقل الاجماع في أول صحيحه أن الاسناد المعنعن له حكم الموصول بسمعت بمجرد كون المعنعن والمعنعن عنه كانا في عصر واحد وان لم يثبت اجتماعهما والبخاري لا يحمله على الاتصال حتى يثبت اجتماعهما وهذا المذهب يرجح كتاب البخاري وان كنا لا نحكم على مسلم بعمله في صحيحه بهذا المذهب لكونه يجمع طرقا كثيرة يتعذر معها وجود هذا الحكم الذي جوزه والله أعلم وقد انفرد مسلم بفائدة حسنة وهي كونه أسهل متناولا من حيث أنه جعل لكل حديث موضعا واحدا يليق به جمع فيه طرقه التي ارتضاها
[ 15 ]
واختار ذكرها وأورد فيه أسانيده المتعددة وألفاظه المختلفة فيسهل على الطالب النظر في وجوهه واستثمارها ويحصل له الثقة بجميع ما أورده مسلم من طرقه بخلاف البخاري فانه يذكر تلك الوجوه المختلفة في أبواب متفرقة متباعدة وكثير منها يذكره في غير بابه الذي يسبق الى الفهم انه اولى به وذلك لدقيقة يفهمها البخاري منه فيصعب على الطالب جمع طرقه وحصول الثقة بجميع ما ذكره البخاري من طرق هذا الحديث وقد رأيت جماعة من الحفاظ المتأخرين غلطوا في مثل هذا فنفوا رواية البخاري أحاديث هي موجودة في صحيحه في غير مظانها السابقة الى الفهم والله اعلم ومما جاء في فضل صحيح مسلم ما بلغنا عن مكي بن عبدان احد حفاظ نيسابور أنه قال سمعت مسلم بن الحجاج رضي الله عنه يقول لو أن أهل الحديث يكتبون مائتي سنة الحديث فمدارهم على هذا المسند يعني صحيحه قال وسمعت مسلما يقول عرضت كتابي هذا على أبي زرعة الرازي فكل ما أشار أن له علة تركته وكل ما قال أنه صحيح وليس له علة خرجته وذكر غيره ما رواه الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي باسناده عن مسلم رحمه الله قال صنفت هذا المسند الصحيح من ثلثمائة ألف حديث مسموعة فصل قال الشيخ الامام أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله شرط مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه أن يكون الحديث متصل الاسناد بنقل الثقة عن الثقة من أوله الى منتهاه سالما من الشذوذ والعلة قال وهذا حد الصحيح فكل حديث اجتمعت فيه هذه الشروط فهو صحيح بلا خلاف بين أهل الحديث وما اختلفوا في صحته من الأحاديث فقد يكون سبب اختلافهم انتفاء شرط من هذه الشروط وبينهم خلاف في اشتراطه كما إذا كان بعض الرواة مستورا أو كان الحديث مرسلا وقد يكون سبب اختلافهم أنه هل اجتمعت فيه هذه الشروط أم انتفى بعضها وهذا هو الأغلب في ذلك كما إذا كان الحديث في رواته من اختلف في كونه من شرط الصحيح فإذا كان الحديث رواته كلهم ثقاة غير أن فيهم أبا الزبير المكي مثلا أو سهيل بن أبي صالح أو العلاء بن عبد الرحمن أو حماد بن سلمة قالوا فيه هذا حديث صحيح على شرط مسلم وليس بصحيح على شرط البخاري لكون هؤلاء عند مسلم ممن اجتمعت فيهم الشروط المعتبرة ولم يثبت عند البخاري ذلك فيهم وكذا حال البخاري فيما خرجه من حديث عكرمة مولى ابن عباس واسحاق ابن محمد الفروي وعمرو بن مرزوق وغيرهم ممن احتج بهم البخاري ولم يحتج بهم مسلم قال
[ 16 ]
الحاكم أبو عبد الله الحافظ النيسابوري في كتابه المدخل الى معرفة المستدرك عدد من خرج لهم البخاري في الجامع الصحيح ولم يخرج لهم مسلم أربعمائة وأربعة وثلاثون شيخا وعدد من احتج بهم مسلم في المسند الصحيح ولم يحتج بهم البخاري في الجامع الصحيح ستمائة وخمسة وعشرون شيخا والله أعلم وأما قول مسلم رحمه الله في صحيحه في باب صفة صلاة رسول الله ص = ليس كل شئ صحيح عندي وضعته ههنا يعنى في كتابه هذا الصحيح وانما وضعت ههنا ما أجمعوا عليه فمشكل فقد وضع فيه أحاديث كثيرة مختلفا في صحتها لكونها من حديث من ذكرناه ومن لم نذكره ممن اختلفوا في صحة حديثه قال الشيخ وجوابه من وجهين أحدهما أن مراده أنه لم يضع فيه الا ما وجد عنده فيه شروط الصحيح المجمع عليه وان لم يظهر اجتماعها في بعض الاحاديث عند بعضهم والثاني أنه أراد أنه لم يضع فيه ما اختلفت الثقات فيه في نفس الحديث متنا أو اسنادا ولم يرد ما كان اختلافهم انما هو في توثيق بعض رواته وهذا هو الظاهر من كلامه فانه ذكر ذلك لما سئل عن حديث أبي هريرة فإذا قرأ فأنصتوا هل هو صحيح فقال هو عندي صحيح فقيل لم لم تضعه ههنا فأجاب بالكلام المذكور ومع هذا فقد اشتمل كتابه على أحاديث اختلفوا في اسنادها أو متنها لصحتها عنده وفي ذلك ذهول منه عن هذا الشرط أو سبب آخر وقد استدركت وعللت هذا آخر كلام الشيخ رحمه الله فصل قال الشيخ الامام أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله ما وقع في صحيحي البخاري ومسلم مما صورته صورة المنقطع ليس ملتحقا بالمنقطع في خروجه من حيز الصحيح الى حيز الضعيف ويسمى هذا النوع تعليقا سماه به الامام أبو الحسن الدار قطني ويذكره الحميدي في الجمع بين الصحيحين وكذا غيره من المغاربة وهو في كتاب البخاري كثير جدا وفي كتاب مسلم قليل جدا قال فإذا كان التعليق منهما بلفظ فيه جزم بأن من بينهما وبينه الانقطاع قد قال ذلك أو رواه واتصل الاسناد منه على الشرط مثل أن يقولا روى الزهري عن فلان ويسوقا اسناده الصحيح فحال الكتابين يوجب أن ذلك من الصحيح عندهما وكذلك ما روياه عمن ذكراه بلفظ مبهم لم يعرف به وأورداه أصلا محتجين به وذلك مثل حدثني بعض أصحابنا ونحو ذلك قال وذكر الحافظ أبو على الغساني الجياني أن الانقطاع وقع فيما رواه مسلم في كتابه في أربعة عشر موضعا أولها في التيمم قوله في حديث أبي الجهم وروى الليث بن سعد ثم قوله في كتاب
[ 17 ]
الصلاة في باب الصلاة على النبي ص = حدثنا صاحب لنا عن اسماعيل بن زكريا عن الاعمش وهذا في رواية أبى العلاء بن ماهان وسلمت رواة أبى أحمد الجلودى من هذا فقال فيه مسلم حدثنا محمد بن بكار قال حدثنا اسماعيل بن زكريا ثم في باب السكوت بين التكبير والقراءة قوله وحدثت عن يحيى بن حسان ويونس المؤدب ثم قوله في كتاب الجنائز في حديث عائشة رضى الله عنها في خروج النبي ص = الى البقيع ليلا وحدثني من سمع حجاجا الاعور واللفظ له قال حدثنا ابن جريج وقوله في باب الحوائج في حديث عائشة رضى الله عنها حدثنى غير واحد من أصحابنا قالوا حدثنا اسماعيل بن أبى أويس وقوله في هذا الباب وروى الليث بن سعد قال حدثني جعفر بن ربيعة وذكر حديث كعب بن مالك في تقاضي ابن أبي حدرد وقوله في باب احتكار الطعام في حديث معمر بن عبد الله العدوي حدثني بعض أصحابنا عن عمرو بن عون وقوله في صفة النبي ص = وحدثت عن أبي اسامة وممن روى ذلك عنه ابراهيم بن سعيد الجوهري قال حدثنا أبو اسامة وذكر أبو علي أنه رواه أبو أحمد الجلودي عن محمد بن المسيب الارغيابي (1) عن ابراهيم بن سعيد قال الشيخ وريناه من غير طريق أحمد عن محمد بن المسيب ورواه غير ابن المسيب عن ابراهيم الجوهري وسنورد ذلك في موضعه ان شاء الله تعالى وقوله في آخر الفضائل في حديث ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله ص = (أرأيتكم ليلتكم هذه) رواية مسلم اياه موصولا عن معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه ثم قال حدثني عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي قال أخبرنا أبو اليمان قال أخبرنا شعيب ورواه الليث عن عبد الرحمن بن خالد بن مسافر كلاهما عن الزهري باسناد معمر كمثل حديثه وقول مسلم في آخر كتاب القدر في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه (لتركبن سنن من قبلكم) حدثني عدة من أصحابنا عن سعيد بن أبي مريم وهذا قد وصله ابراهيم بن محمد ابن سفيان عن محمد بن يحيى عن ابن أبي أبي مريم قال الشيخ وانما أورده مسلم على وجه المتابعة والاستشهاد وقوله فيما سبق في الاستشهاد والمتابعة في حديث البراء بن عازب في الصلاة الوسطى بعد أن رواه موصولا ورواه الاشجعي عن سفيان الثوري الى آخره وقوله أيضا في الرجم في المتابعة لما رواه موصولا من حديث أبي هريرة في الذي اعترف على نفسه بالزنى ورواه
[ 18 ]
الليث أيضا عن عبد الرحمن بن خالد بن مسافر عن ابن شهاب بهذا الاسناد وقوله في كتاب الامارة في المتابعة لما رواه متصلا من حديث عوف بن مالك (خيار أئمتكم الذين تحبونهم) ورواه معاوية بن صالح عن ربيعة بن يزيد قال الشيخ وذكر أبو علي فيما رواه عندنا من كتابه في الرابع عشر حديث ابن عمر (أرأيتكم ليلتكم هذه) المذكور في الفضائل وقد ذكره مرة أخرى فيسقط هذا من العدد ويسقط الحديث الثاني لكون الجلودي رواه عن مسلم موصولا وروايته هي المعتمدة المشهورة فهي إذا اثنا عشر لا أربعة عشر قال الشيخ وأخذ هذا عن أبي على أبو عبد الله المازري صاحب المعلم فأطلق أن هذا في الكتاب أحاديث مقطوعة في أربعة عشر موضعا وهذا يوهم خللا في ذلك وليس ذلك كذلك وليس شئ من هذا والحمد لله مخرجا لما وجد فيه من حيز الصحيح بل هي موصولة من جهات صحيحة لا سيما ما كان منها مذكورا على وجه المتابعة ففي نفس الكتاب وصلها فاكتفى بكون ذلك معروفا عند أهل الحديث كما انه روى عن جماعة من الضعفاء اعتمادا على كون ما رواه عنهم معروفا من رواية الثقات على ما سنرويه عنه فيما بعد ان شاء الله تعالى قال الشيخ أبو عمرو رحمه الله وهكذا الأمر في تعليقات البخاري بألفاظ جازمة مثبتة على الصفة التي ذكرناها كمثل ما قال فيه قال فلان أو روى فلان أو ذكر فلان أو نحو ذلك ولم يصب أبو محمد بن حزم الظاهري حيث جعل مثل ذلك انقطاعا قادحا في الصحة واستروح الى ذلك في تقرير مذهبه الفاسد في اباحة الملاهي وزعمه انه لم يصح في تحريمها حديث مجيبا عن حديث أبي عامر أو أبى مالك الأشعري عن رسول الله ص = (ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحرير والخمر والمعازف) الى آخر الحديث فزعم أنه وان أخرجه البخاري فهو غير صحيح لان البخاري قال فيه قال هشام بن عمار وساقه باسناده فهو منقطع فيما بين البخاري وهشام وهذا خطأ من ابن حزم من وجوه أحدها أنه لا انقطاع في هذا أصلا من جهة أن البخاري لقى هشاما وسمع منه وقد قررنا في كتابنا علوم الحديث أنه إذا تحقق اللقاء والسماع مع السلامة من التدليس حمل ما يرويه عنه على السماع بأى لفظ كان كما يحمل قول الصحابي قال رسول الله ص = على سماعه منه إذا لم يظهر خلافه وكذا غير قال من الالفاظ الثاني أن هذا الحديث بعينه معروف الاتصال بصريح لفظه من غير جهة البخاري الثالث أنه إن كان ذلك انقطاعا فمثل ذلك في الكتابين غير ملحق بالانقطاع القادح لما عرف
[ 19 ]
من عادتهما وشرطهما وذكرهما ذلك في كتاب موضوع لذكر الصحيح خاصة فلن يستجيرا فيه الجزم المذكور من غير ثبت وثبوت بخلاف الانقطاع أو الارسال الصادر من غيرهما هذا كله في المعلق بلفظ الجزم أما إذا لم يكن ذلك منهما بلفظ جازم مثبت له عمن ذاكره عنه على الصفة التى تقدم ذكرها مثل أن يقولا روى عن فلان أو ذكر عن فلان أو في الباب عن فلان ونحو ذلك فليس ذلك في حكم التعليق الذي ذكرناه ولكن يستأنس بإيرادهما له وأما قول مسلم في خطبة كتابه وقد ذكر عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت (أمرنا رسول الله ص = ان ننزل الناس منازلهم) فهذا بالنظر الى أن لفظه ليس جازما لا يقتضي حكمه بصحته وبالنظر الى أنه احتج به وأورده ايراد الاصول لا ايراد الشواهد يقتضى حكمه بصحته ومع ذلك فقد حكم الحاكم أبو عبد الله الحافظ في كتابه كتاب معرفة علوم الحديث بصحته وأخرجه أبو داود في سننه باسناده منفردا به وذكر أن الراوي له عن عائشة ميمون بن أبي شبيب ولم يدركها قال الشيخ وفيما قاله أبو داود نظر فانه كوفى متقدم قد أدرك المغيرة بن شعبة ومات المغيرة قبل عائشة وعند مسلم التعاصر مع امكان التلاقي كاف في ثبوت الادراك فلو ورد عن ميمون أنه قال لم ألق عائشة استقام لابي داود الجزم بعدم ادراكه وهيهات ذلك هذا آخر كلام الشيخ قلت وحديث عائشة هذا قد رواه البزار في مسنده وقال هذا الحديث لا يعلم عن النبي ص = الا من هذا الوجه وقد روى عن عائشة من غير هذا الوجه موقوفا والله أعلم قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله جميع ما حكم مسلم رحمه الله بصحته في هذا الكتاب فهو مقطوع بصحته والعلم النظرى حاصل بصحته في نفس الأمر وهكذا ما حكم البخاري بصحته في كتابه وذلك لان الأمة تلقت ذلك بالقبول سوى من لا يعتد بخلافه ووفاقه في الاجماع قال الشيخ والذى نختاره أن تلقى الأمة للخبر المنحط عن درجة التواتر بالقبول يوجب العلم النظرى بصدقه خلافا لبعض محققى الاصوليين حيث نفى ذلك بناء على أنه لا يفيد في حق كل منهم الا الظن وانما قبله لانه يجب عليه العمل بالظن والظن قد يخطئ قال الشيخ وهذا مندفع لان ظن من هو معصوم من الخطأ لا يخطئ والامة في اجماعها معصومة من الخطأ وقد قال امام الحرمين لو حلف انسان بطلاق امرأته أن ما في كتابي البخاري ومسلم مما حكما بصحته من قول النبي ص = لما ألزمته الطلاق ولا حنثته لاجماع علماء المسلمين
[ 20 ]
على صحتها قال الشيخ ولقائل أن يقول انه لا يحنث ولو لم يجمع المسلمون على صحتها للشك في الحنث فانه لو حلف بذلك في حديث ليست هذه صفته لم يحنث وان كان راويه فاسقا فعدم الحنث حاصل قبل الاجماع فلا يضاف الى الاجماع قال الشيخ والجواب أن المضاف الى الاجماع هو القطع بعدم الحنث ظاهرا وباطنا وأما عند الشك فعدم الحنث محكوم به ظاهرا مع احتمال وجوده باطنا فعلى هذا يحمل كلام امام الحرمين فهو اللائق بتحقيقه فإذا علم هذا فما أخذ على البخاري ومسلم وقدح فيه معتمد من الحفاظ فهو مستنثى مما ذكرناه لعدم الاجماع على تلقيه بالقبول وما ذلك الا في مواضع قليلة سننبة على ما وقع في هذا الكتاب منها ان شاء الله تعالى وهذا آخر ما ذكره الشيخ أبو عمرو رحمه الله هنا وقال في جزء له ما اتفق البخاري ومسلم على اخراجه فهو مقطوع بصدق مخبره ثابت يقينا لتلقى الأمة ذلك بالقبول وذلك يفيد العلم النظري وهو في افادة العلم كالمتواتر الا أن المتواتر يفيد العلم الضروري وتلقى الامة بالقبول يفيد العلم النظري وقد اتفقت الأمة على أن ما اتفق البخاري ومسلم على صحته فهو حق وصدق قال الشيخ في علوم الحديث وقد كنت أميل الى أن ما اتفقنا عليه فهو مظنون وأحسبه مذهبا قويا وقد بان لي الآن أنه ليس كذلك وان الصواب أنه يفيد العلم وهذا الذي ذكره الشيخ في هذه المواضع خلاف ما قاله المحققون والاكثرون فانهم قالوا أحاديث الصحيحين التي ليست بمتواترة انما تفيد الظن فإنها آحاد والآحاد انما تفيد الظن على ما تقرر ولا فرق بين البخاري ومسلم وغيرهما في ذلك وتلقى الأمة بالقبول انما أفادنا وجوب العمل بما فيهما وهذا متفق عليه فان أخبار الآحاد التي في غيرهما يجب العمل بها إذا صحت أسانيدها ولا تفيد الا الظن فكذا الصحيحان وانما يفترق الصحيحان وغيرهما من الكتب في كون ما فيهما صحيحا لا يحتاج الى النظر فيه بل يجب العمل به مطلقا وما كان في غيرهم لا يعمل به حتى ينظر وتوجد فيه شروط الصحيح ولا يلزم من اجماع الأمة على العمل بما فيهما اجماعهم على أنه مقطوع بأنه كلام النبي ص = وقد اشتد انكار ابن برهان الامام على من قال بما قاله الشيخ وبالغ في تغليطه وأما ما قاله الشيخ رحمه الله في تأويل كلام امام الحرمين في عدم الحنث فهو بناء على ما اختاره الشيخ وأما على مذهب الاكثرين فيحتمل أنه أراد أنه لا يحنث ظاهرا ولا يستحب له التزام الحنث حتى تستحب له الرجعة كما لو حلف بمثل ذلك في غير الصحيحين فانا لا نحنثه لكن
[ 21 ]
تستحب له الرجعة احتياطا لاحتمال الحنث وهو ظاهر وأما الصحيحان فاحتمال الحنث فيهما في غاية من الضعف فلا تستحب له المراجعة لضعف احتمال موجبها والله أعلم قال الشيخ أبو عمرو رحمه الله روينا عن أبي قريش الحافظ قال كنت عند أبي زرعة الرازي فجاء مسلم بن الحجاج فسلم عليه وجلس ساعة وتذاكرا فلما قام قلت له هذا جمع أربعة آلاف حديث في الصحيح قال أبو زرعة فلمن ترك الباقي قال الشيخ أراد أن كتابه هذا أربعة آلاف حديث أصول دون المكررات وكذا كتاب البخاري ذكر أنه أربعة آلاف حديث باسقاط المكرر وبالمكرر سبعة آلاف ومائتان وخمسة وسبعون حديثا ثم ان مسلما رحمه الله رتب كتابه على أبواب فهو مبوب في الحقيقة ولكنه لم يذكر تراجم الابواب فيه لئلا يزداد بها حجم الكتاب أو لغير ذلك قلت وقد ترجم جماعة أبوابه بتراجم بعضها جيد وبعضها ليس بجيد إما لقصور في عبارة الترجمة واما لركاكة لفظها واما لغير ذلك وانا ان شاء الله أحرص على التعبير عنها بعبارات تلييق بها في مواطنها والله أعلم فصل سلك مسلم رحمه الله في صحيحه طرقا بالغة في الاحتياط والاتقان والورع والمعرفة وذلك مصرح بكمال ورعة وتمام معرفته وغزارة علومه وشدة تحقيقه بحفظه وتقعدده في هذا الشأن وتمكنه من أنواع معارفه وتبريزه في صناعته وعلو محله في التمييز بين دقائق علومه لا يهتدي إليها الا أفراد في الاعصار فرحمه الله ورضى عنه وأنا أذكره أحرفا من أمثلة ذلك تنبيها بها على ما سواها إذ لا يعرف حقيقة حاله الا من أحسن النظر في كتابه مع كمال أهليته ومعرفته بأنواع العلوم التي يفتقر إليها صاحب هذه الصناعة كالفقه والأصولين والعربية وأسماء الرجال ودقائق علم الاسانيد والتاريخ ومعاشرة أهل هذه الصنعة ومباحثتهم ومع حسن الفكر ونباهة الذهن ومداومة الاشتغال به وغير ذلك من الادوات التي يفتقر إليها فمن تحري مسلم رحمه الله اعتناؤه بالتمييز بين حدثنا وأخبرنا وتقييده ذلك على مشايخه وفي روايته وكان من مذهبه رحمه الله الفرق بينهما وأن حدثنا لا يجوز اطلاقه الا لما سمعه من لفظ الشيخ خاصة وأخبرنا لما قرئ على الشيخ وهذا الفرق هو مذهب الشافعي وأصحابه وجمهور أهل العلم بالمشرق قال محمد بن الحسن الجوهري المصري وهو مذهب أكثر أصحاب الحديث الذين لا يحصيهم أحد وروى هذا المذهب أيضا عن ابن جريج والاوزاعي وابن وهب والنسائي وصار هو الشائع الغالب على أهل
[ 22 ]
عناية الامام مسلم بضبط اختلاف الرواة الحديث وذهب جماعات الى أنه يجوز أن تقول فيما قرئ على الشيخ حدثنا وأخبرنا وهو مذهب الزهري ومالك وسفيان بن عيينة ويحيى بن سعيد القطان وآخرين من المتقدمين وهو مذهب البخاري وجماعة من المحدثين وهو مذهب معظم الحجازيين والكوفيين وذهبت طائفة الى أنه لا يجوز اطلاق حدثنا ولا أخبرنا في القراءة وهو مذهب ابن المبارك ويحيى ابن يحيى وأحمد بن حنبل والمشهور عن النسائي والله أعلم ومن ذلك اعتناؤه بضبط اختلاف لفظ الرواة كقوله حدثنا فلان وفلان واللفظ لفلان قال أو قالا حدثنا فلان وكما إذا كان بينهما اختلاف في حرف من متن الحديث أو صفة الراوى أو نسبه أو نحو ذلك فانه يبينه وربما كان بعضه لا يتغير به معنى وربما كان في بعضه اختلاف في المعنى ولكن كان خفيا لا يتفطن له الا ماهر في العلوم التى ذكرتها في أول الفصل مع اطلاع على دقائق الفقه ومذاهب الفقهاء وستري في هذا الشرح من فوائد ذلك ما تقر به عينيك ان شاء الله تعالى وينبغى أن ندقق النظر في فهم غرض مسلم من ذلك ومن ذلك تحريه في رواية صحيفة همام بن منبه عن أبى هريرة كقوله حدثنا محمد بن رافع قال حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن همام قال هذا ما حدثنا أبو هريرة عن محمد رسول الله ص = فذكر أحاديث منها وقال رسول الله ص = (إذا توضأ أحدكم فليستنشق) الحديث وذلك لان الصحائف والاجزاء والكتب المشتملة على أحاديث باسناد واحد إذا اقتصر عند سماعها على ذكر الاسناد في أولها ولم يجدد عند كل حديث منها وأوراد انسان ممن سمع كذلك أن يفرد حديثنا منها غير الاول بالاسناد المذكور في أولها فهل يجوز له ذلك قال وكيع بن الجراح ويحيى بن معين وأبو بكر الاسماعيلي الشافعي الامام في الحديث والفقه والأصول يجوز ذلك وهذا مذهب الاكثرين من العلماء لأن الجميع معطوف على الاول فالاسناد المذكور أولا في حكم المعاد في كل حديث وقال الاستاذ أبو اسحاق الاسفراينى الفقيه الشافعي الامام في علم الاصولين والفقه وغير ذلك لا يجوز ذلك فعلى هذا من سمع هكذا فطريقه أن يبين ذلك كما فعله مسلم فمسلم رحمه الله سلك هذا الطريق ورعا واحتياطا وتحريا واتقانا رضى الله عنه ومن ذلك تحريه في مثل قوله حدثنا عبد الله بن مسلمة حدثنا سليمان يعنى ابن بلال عن يحيى وهو ابن سعيد فلم يستجز رضى الله عنه أن يقول سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد لكون لم يقع في روايته منسوبا فلو قاله منسوبا لكان مخبرا عن شيخه أنه أخبره بنسبه
[ 23 ]
ولم يخبره وسأذكره هذا بعد هذا في فصل مختص به ان شاء الله تعالى ومن ذلك احتياطه في تلخيص الطرق وتحول الاسانيد مع ايجاز العبارة وكمال حسنها ومن ذلك حسن ترتيبه وترصيفه الأحاديث على نسق يقتضيه تحقيقه وكمال معرفته بمواقع الخطاب ودقائق العلم وأصول القواعد وخفيات علم الاسانيد ومراتب الرواة وغير ذلك ذكر مسلم رحمه الله في أول مقدمة صحيحه أنه يقسم الأحاديث ثلاثة أقسام الاول ما رواه الحفاظ المتقنون والثاني ما رواه المستورون المتوسطون في الحفظ والاتقان والثالث ما رواه الضعفاء والمتركون وأنه إذا فرع من القسم الاول أتبعه الثاني وأما الثالث فلا يعرج عليه فاختلف العلماء في مراده بهذا التقسيم فقال الامامان الحافظان أبو عبد الله الحاكم وصاحبه أبو بكر البيهقي رحمهما الله أن المنية اخترمت مسلما رحمه الله قبل اخراج القسم الثاني وانه إنما ذكر القسم الاول قال القاضي عياض رحمه الله وهذا مما قبله الشيوخ والناس من الحاكم أبي عبد الله وتابعوه عليه قال القاضي وليس الأمر على ذلك لمن حقق نظره ولم يتقيد بالتقليد فانك إذا نظرت تقسيم مسلم في كتابة الحديث على ثلاث طبقات من الناس كما قال فذكر أن القسم الاول حديث الحفاظ وأنه إذا انقضى هذا أتبعه بأحاديث من لم يوصف بالحذق والاتقان مع كونهم من أهل الستر والصدق وتعاطى العلم ثم أشار الى ترك حديث من أجمع العلماء أو اتفق الاكثر منهم على تهمته ونفى من اتهمه بعضهم وصححه بعضهم فلم يذكره هنا ووجدته ذكر في أبواب كتابه حديث الطبقتين الاوليين وأتى بأسانيد الثانية منهما على طريق الاتباع للاولى والاستشهاد أو حيث لم يجد في الباب الأول شيئا وذكر أقواما تكلم قوم فيهم وزكاهم آخرون وخرج حديثهم ممن ضعف أو اتهم ببدعة وكذلك فعل البخاري فعندي أنه أتى بطبقاته الثلاث في كتابه على ما ذكر ورتب في كتابه وبينه في تقسيمه وطرح الرابعة كما نص عليه فالحاكم تأول أنه إنما أراد أن يفرد لكل طبقة كتابا ويأتى بأحاديها خاصة مفردة وليس ذلك مراده بل انما أراد بما ظهر من تأليفه وبان من غرضه أن يجمع ذلك في الأبواب ويأتى بأحاديث الطبقتين فيبدأ بالاولى ثم يأتي بالثانية على طريق الاستشهاد والاتباع حتى استوفى جميع الاقسام الثلاثة ويحتمل أن يكون أراد بالطبقات الثلاث الحفاظ ثم الذين يلونهم والثالثة هي التي طرحها وكذلك علل الحديث التي ذكر ووعد أنه يأتي بها قد جاء بها في مواضعها من
[ 24 ]
الأبواب من اختلافهم في الاسانيد كالارسال والاسناد والزيادة والنقص وذكر تصاحيف المصحفين وهذا يدل على استيفائه غرضه في تأليفه وادخاله في كتابه كلما وعد به قال القاضي رحمه الله وقد فاوضت في تأويلي هذا ورأيى فيه من يفهم هذا الباب فما رأيت منصفا الا صوبه وبان له ما ذكرت وهو ظاهر لمن تأمل الكتاب وطالع مجموع الأبواب ولا يعترض على هذا بما قاله ابن سفيان صاحب مسلم أن مسلما أخرج ثلاثة كتب من المسندات أحدها هذا الذي قرأه على الناس والثاني يدخل فيه عكرمة وابن اسحاق صاحب المغازي وأمثالها والثالث يدخل فيه من الضعفاء فانك إذا تأملت ما ذكر ابن سفيان لم يطابق الغرض الذي أشار إليه الحاكم مما ذكر مسلم في صدر كتابه فتأمله تجده كذلك ان شاء الله تعالى هذا آخر كلام القاضي عياض رحمه الله وهذا الذي اختاره ظاهر جدا والله اعلم ألزم الامام الحافظ أبو الحسن على بن عمر الدارقطني رحمه الله وغيره البخاري ومسلما رضي الله عنهما اخراج احاديث تركا اخراجها مع أن أسانيدها أسانيد قد أخرجا لرواتها في صحيحهما بها وذكر الدارقطني وغيره أن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم رووا عن رسول الله ص = ورويت أحاديثهم من وجوه صحاح لا مطعن في ناقليها ولم يخرجا من أحاديثهم شيئا فيلزمهما اخراجها على مذهبيهما وذكر البيهقى أنهما اتفقا على أحاديث من صحيفة همام بن منبه وأن كل واحد منهما انفرد عن الآخر بأحاديث منها مع أن الاسناد واحد وصنف الدارقطني وأبو ذر الهروي في هذا النوع الذي ألزموهما وهذا الالزام ليس بلازم في الحقيقة فانهما لم يلتزما استيعاب الصحيح بل صح عنهما تصريحهما بأنهما لم يستوعباه وانما قصدا جمع جمل من الصحيح كما يقصد المصنف في الفقه جمع جملة من مسائله لا أنه يحصر جميع مسائله لكنهما إذا كان الحديث الذي تركاه أو تركه أحدهما مع صحة اسناده في الظاهر أصلا في بابه ولم يخرجا له نظيرا ولا ما يقوم مقامه فالظاهر من حالها أنهما اطلعا فيه على علة ان كانا روياه ويحتمل أنهما تركاه نسيانا أو ايثارا لترك الاطالة أو رأيا أن غيره مما ذكراه يسد مسده أو لغير ذلك والله أعلم عاب عائبون مسلما بروايته في صحيحه عن جماعة من الضعفاء والمتوسطين الواقعين في الطبقة الثانية الذين ليسوا من شرط الصحيح ولا عيب عليه في ذلك بل جوابه من أوجه
[ 25 ]
ذكرها الشيخ الامام أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله أحدها أن يكون ذلك فيمن هو ضعيف عند غيره ثقة عنده ولا يقال الجرح مقدم على التعديل لان ذلك فيما إذا كان الجرح ثابتا مفسر السبب والا فلا يقبل الجرح إذا لم يكن كذا وقد قال الامام الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي وغيره ما احتج البخاري ومسلم وأبو داود به من جماعة علم الطعن فيهم من غيرهم محمول على أنه لم يثبت الطعن المؤثر مفسر السبب الثاني أن يكون ذلك واقعا في المتابعات والشواهد لافي الأصول وذلك بأن يذكر الحديث أولا باسناد نظيف رجاله ثقات ويجعله أصلا ثم يتبعه باسناد آخر أو أسانيد فيها بعض الضعفاء على وجه التأكيد بالمتابعة أو لزيادة فيه تنبه على فائدة فيما قدمه وقد اعتذر الحاكم أبو عبد الله بالمتابعة والاستشهاد في اخراجه عن جماعة ليسوا من شرط الصحيح منهم مطر الوراق وبقية بن الوليد ومحمد بن اسحاق بن يسار وعبد الله بن عمر العمرى والنعمان بن راشد وأخرج مسلم عنهم في الشواهد في أشباه لهم كثيرين الثالث أن يكون ضعف الضعيف الذى احتج به طرأ بعد أخذه عنه باختلاط حدث عليه فهو غير قادح فيما رواه من قبل في زمن استقامته كما في أحمد بن عبد الرحمن بن وهب ابن أخي عبد الله بن وهب فذكر الحاكم أبو عبد الله أنه اختلط بعد الخمسين ومائتين بعد خروج مسلم من مصر فهو في ذلك كسعيد بن أبي عروبة وعبد الرازق وغيرهما ممن اختلط آخرا ولم يمنع ذلك من صحة الاحتجاج في الصحيحين بما أخذ عنهم قبل ذلك الرابع أن يعلو بالشخص الضعيف اسناده وهو عنده من رواية الثقات نازل فيقتصر على العالي ولا يطول باضافة النازل إليه مكتفيا بمعرفه أهل الشأن في ذلك وهذا العذر قد رويناه عنه تنصيصا وهو خلاف حاله فيما رواه عن الثقات أولا ثم أتبعه بمن دونهم متابعة وكأن ذلك وقع منه على حسب حضور باعث النشاط وغيبته روينا عن سعيد بن عمرو البرذعى أنه حضر أبا زرعة الرازي وذكر صحيح مسلم وانكار أبي زرعة عليه روايته فيه عن اسباط بن نصر وقطن بن نسير وأحمد بن عيسى المصرى وأنه قال أيضا يطرق لاهل البدع علينا فيجدون السبيل بأن يقولوا إذا احتج عليهم بحديث ليس هذا في الصحيح قال سعيد بن عمرو فلما رجعت الى نيسابور ذكرت لمسلم انكار أبي زرعة فقال لي مسلم انما قلت صحيح وانما أدخلت من حديث اسباط وقطن وأحمد ما قد رواه الثقات عن شيوخهم الا أنه ربما وقع الى عنهم بارتفاع ويكون عندي من رواية أوثق منهم بنزول فأقتصر على ذلك
[ 26 ]
وأصل الحديث معروف من رواة الثقات قال سعيد وقدم مسلم بعد ذلك الرى فبلغني أنه خرج الى أبى عبد الله محمد بن مسلم بن وارة فجفاه وعاتبه على هذا الكتاب وقال له نحوا مما قاله لى أبو زرعة ان هذا يطرق لاهل البدع فاعتذر مسلم وقال انما أخرجت هذا الكتاب وقلت هو صحاح ولم أقل ان ما لم أخرجه من الحديث في هذا الكتاب فهو ضعيف وانما أخرجت هذا الحديث من الصحيح ليكون مجموعا عندي وعند من يكتبه عنى ولا يرتاب في صحته فقبل عذره وحمده قال الشيخ وقد قدمنا عن مسلم أنه عرضت كتابي هذا على أبى زرعة الرازي فكل ما أشار أن له علة تركته وكل ما قال انه صحيح وليس له علة فهو هذا الذى أخرجته قال الشيخ فهذا مقام وعر وقد مهدته بواضح من القول لم أره مجتمعا في مؤلف ولله الحمد قال وفيما ذكرته دليل على أن حكم لشخص بمجرد رواية مسلم عنه في صحيحه بأنه من شرط الصحيح عند مسلم فقد غفل وأخطأ بل يتوقف ذلك على النظر في أنه كيف روى عنه على ما بيناه من انقسام ذلك والله أعلم في بيان جملة من الكتب المخرجة على صحيح مسلم فقد صنف جماعات من الحفاظ على صحيح مسلم كتبا وكان هؤلاء تأخروا عن مسلم وأدركوا الاسانيد العالية وفيهم من أدرك بعض شيوخ مسلم فخرجوا أحايث مسلم في مصنفاتهم المذكورة بأسانيدهم تلك قال الشيخ أبو عمرو رحمه الله فهذه الكتب المخرجة تلتحق بصحيح مسلم في أن لها سمة الصحيح وان لم تلتحق به في خصائصه كلها ويستفاد من مخرجاتهم ثلاث فوائد علو الاسناد وزيادة قوة الحديث بكثرة طرقه وزيادة ألفاظ صحيحة مفيدة ثم انهم لم يلتزموا موافقته في اللفظ لكونهم يروونها بأسانيد أخر فيقع في بعضها تفاوت فمن هذه الكتب المخرجة على صحيح مسلم كتاب العبد الصالح أبى جعفر أحمد بن أحمد بن حمدان النيسابوري الزاهد العابد ومنها المسند الصحيح لابي بكر محمد بن محمد بن رجا النيسابوري الحافظ وهو متقدم يشارك مسلما في أكثر شيوخه ومنها مختصر المسند الصحيح المؤلف على كتاب مسلم للحافظ أبى عوانة يعقوب بن اسحاق الاسفراينى روى فيه عن يونس بن عبد الاعلى وغيره من شيوخ مسلم ومنها كتاب أبى حامد الشازكى الفقيه الشافعي الهروي يروى عن أبى يعلى الموصلي ومنها المسند الصحيح لأبى بكر محمد بن عبد الله الجوزقى النيسابوري الشافعي ومنها المسند المستخرج على كتاب
[ 27 ]
مسلم للحافظ المصنف أبى نعيم أحمد بن عبد الله الاصبهاني ومنها المخرج على صحيح مسلم للامام أبى الوليد حسان بن محمد القرشى الفقيه الشافعي وغير ذلك والله أعلم قد استدرك جماعة على البخاري ومسلم أحاديث أخلا بشرطهما فيها ونزلت عن درجة ما التزماه وقد سبقت الاشارة الى هذا وقد ألف الامام الحافظ أبو الحسن على بن عمر الدارقطني في بيان ذلك كتابه المسمى بالاستدراكات والتتبع وذلك في مائتي حديث مما في الكتابين ولابي مسعود الدمشقي أيضا عليهما استدراك ولابي على الغساني الجيانى في كتابه تقييد المهمل في جزء العلل منه استدراك أكثره على الرواة عنهما وفيه ما يلزمهما وقد أجيب عن كل ذلك أو أكثره وستراه في مواضعه ان شاء الله تعالى والله أعلم في معرفة الحديث الصحيح وبيان الحسن والضعيف وأنواعها قال العلماء الحديث ثلاثة أقسام صحيح وحسن وضعيف ولكل قسم أنواع فأما الصحيح فهو ما اتصل سنده بالعدول الضابطين من غير شذوذ ولا علة فهذا متفق على أنه صحيح فان اختل بعض هذه الشروط ففيه خلاف وتفصيل نذكره ان شاء الله تعالى وقال الامام أبو سليمان أحمد ابن محمد بن ابراهيم بن الخطاب الخطابى الفقيه الشافعي المتفنن الحديث عند أهله ثلاثة أقسام صحيح وحسن وسقيم فالصحيح ما اتصل سنده وعدلت نقلته والحسن ما عرف مخرجه واشتهر رجاله وعليه مدار أكثر الحديث وهو الذي يقبله أكثر العلماء وتستعمله عامة الفقهاء والسقيم على ثلاث طبقات شرها الموضوع ثم المقلوب ثم المجهول قال الحاكم أبو عبد الله النيسابوري في كتابه المدخل الى كتاب الاكليل الصحيح من الحديث عشرة أقسام خمسة متفق عليها وخمسة مختلف فيها فالاول من المتفق عليه اختيار البخاري ومسلم وهو الدرجة الاولى من الصحيح وهو أن لا يذكر الا ما رواه صحابي مشهور عن رسول الله ص = له راويان ثقتان فأكثر ثم يرويه عنه تابعي مشهور بالرواية عن الصحابة له أيضا روايان ثقتان فأكثر ثم يرويه عنه من تباع الاتباع الحافظ المتقن المشهور على ذلك الشرط ثم كذلك قال الحاكم والاحاديث المروية بهذه الشريطة لا يبلغ عددها عشرة آلاف حديث القسم الثاني مثل الاول الا أن روايه من الصحابة ليس له الا راو واحد القسم الثالث مثل الاول الا أن روايه من التابعين ليس له إلا راو واحد القسم الرابع الأحاديث الافراد الغرائب التي رواها الثقات العدول
[ 28 ]
القسم الخامس أحاديث جماعة من الائمة عن آبائهم عن أجدادهم ولم تتواتر الرواية عن آبائهم عن أجدادهم بها الا عنهم كصحيفة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وبهز بن حكيم عن أبيه عن جده واياس بن معاوية عن ابيه عن جده وأجدادهم صحابيون وأحفادهم ثقاة قال الحاكم فهذه الاقسام الخمسة مخرجة في كتب الائمة فيحتج بها وان لم يخرج منها في الصحيحين حديث يعنى غير القسم الاول قال والخمسة المختلفة فيها المرسل وأحاديث المدلسين إذا لم يذكروا سماعهم وما أسنده ثقة وأرسله جماعة من الثقاة وروايات الثقاة غير الحفاظ العارفين وروايات المبتدعة إذا كانوا صادقين فهذا آخر كلام الحاكم وسنتكلم عليه بعد حكاية قول الجياني ان شاء الله تعالى وقال أبو على الغساني الجيانى الناقلون سبع طبقات ثلاث مقبولة وثلاث متروكة والسابعة مختلف فيها فالأولى أئمة الحديث وحفاظه وهم الحجة على من خالفهم ويقبل انفرادهم الثانية دونهم في الحفظ والضبط لحقهم في بعض روايتهم وهم وغلط والغالب على حديثهم الصحة ويصحح ما وهموا فيه من رواية الأولى وهم لاحقون بهم الثالثة جنحت الى مذاهب من الاهواء غير غالية ولا داعية وصح حديثها وثبت صدقها وقل وهمها فهذه الطبقات احتمل أهل الحديث الرواية عنهم وعلى هذه الطبقات يدور نقل الحديث وثلاث طبقات أسقطهم أهل المعرفة الأولى من وسم بالكذب ووضع الحديث الثانية من غلب عليه الغلط والوهم والثالثة طائفة غلت في البدعة ودعت إليها وحرفت الروايات وزادت فيها ليحتجوا بها والسابعة قوم مجهولون انفردوا بروايات لم يتابعوا عليها فقبلهم قوم ووقفهم آخرون هذا كلام الغساني فأما قوله ان أهل البدع والاهواء الذين لا يدعون إليها ولا يغلون فيها يقبلون بلا خلاف فليس كما قال بل فيهم خلاف وكذلك في الدعاة خلاف مشهور سنذكرهما قريبا ان شاء الله تعالى حيث ذكره الامام مسلم رحمه الله وأما قوله في المجهولين خلاف فهو كما قال وقد أخل الحاكم بهذا النوع من المختلف فيه ثم المجهول أقسام مجهول العدالة ظاهرا وباطنا ومجهولا باطنا مع وجودها ظاهرا وهو المستور ومجهول العين فأما الاول فالجمهور على أنه لا يحتج به وأما الآخران فاحتج بهما كثيرون من المحققين وأما قول الحاكم ان من لم يرو عنه الا راو واحد فليس هو من شرط البخاري ومسلم فمردود غلطه الائمة فيه باخراجهما حديث المسيب بن حزن والد سعيد بن المسيب في وفاة أبى طالب لم يرو عنه غير ابنه سعيد وباخراج البخاري حديث عمرو بن تغلب (انى لأعطى الرجل
[ 29 ]
والذى أدع أحب الى) لم يرو عنه غير الحسن وحديث قيس بن أبى حازم عن مرداس الاسلمي (يذهب الصالحون) لم يرو عنه غير قيس وباخراج مسلم حديث رافع بن عمرو الغفاري لم يرو عنه غير عبد الله بن الصامت وحديث ربيعة بن كعب الاسلمي لم يرو عنه غير أبى سلمة ونظائر في الصحيحين لهذا كثيرة والله أعلم وأما الاقسام المختلف فيها فسأعقد في كل واحد منها فصلا ان شاء الله تعالى ليكون أسهل في الوقوف عليه هذا ما يتعلق بالصحيح وأما الحسن فقد تقدم قول الخطابى رحمه الله انه ما عرف مخرجه واشتهر رجاله وقال أبو عيسى الترمذي الحسن ما ليس في اسناده من يتهم وليس بشاذ وروى من غير وجه وضبط الشيخ الامام أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله الحسن فقال هو قسمان أحدهما الذى لا يخلو اسناده من مستور لم تتحقق أهليته وليس كثير الخطأ فيما يرويه ولا ظهر منه تعمد الكذب ولا سبب آخر مفسق ويكون متن الحديث قد عرف بأن روى مثله أو نحوه من وجه آخر القسم الثاني أن يكون راويه من المشهورين بالصدق والامانة ولم يبلغ درجة رجال الصحيح لقصوره عنهم في الحفظ والاتقان الا أنه مرتفع عن حال من يعد تفرده منكرا قال وعلى القسم الاول ينزل كلام الترمذي وعلى الثاني كلام الخطابى فاقتصر كل واحد منهما على قسم رآه خفيا ولا بد في القسمين من سلامتهما من الشذوذ والعلة ثم الحسن وان كان دون الصحيح فهو كالصحيح في جواز الاحتجاج به والله أعلم وأما الضعيف فهو ما لم يوجد فيه شروط الصحة ولا شروط الحسن وأنواعه كثيرة منها الموضوع والمقلوب والشاذ والمنكر والمعلل والمضطرب وغير ذلك ولهذه الانواع حدود وأحكام وتفريعات معروفة عند أهل هذه الصنعة وقد أتقنها مع ما يحتاج إليه طالب الحديث من الأدوات والمقدمات ويستعين به في جميع الحالات الامام الحافظ أبو عمرو بن الصلاح في كتابه علوم الحديث وقد اختصرته وسهلت طريق معرفته لمن أراد تحقيق هذا الفن والدخول في زمرة أهله ففيه من القواعد والمهمات ما يلتحق به من حققه وتكاملت معرفته له بالحفاظ المتقنين ولا يسبقونه الا بكثرة الاطلاع على طرق الحديث فان شاركهم فيها لحقهم والله أعلم في ألفاظ يتداولها أهل الحديث المرفوع ما أضيف الى رسول الله ص = خاصة لا يقع مطلقه على غيره سواء كان متصلا أو منقطعا وأما الموقوف فما أضيف الى الصحابي قولا له أو فعلا أو نحوه متصلا كان أو منقطعا ويستعمل في غيره مقيدا
[ 30 ]
فيقال حديث كذا وفقه فلان على عطاء مثلا وأما المقطوع فهو الموقوف على التابعي قولا له أو فعلا متصلا كان أو منقطعا وأما المنقطع فهو ما لم يتصل اسناده على أي وجه كان انقطاعه فان كان الساقط رجلين فأكثر سمى أيضا معضلا بفتح الضاد المعجمة وأما المرسل فهو عند الفقهاء وأصحاب الأصول والخطيب الحافظ أبى بكر البغدادي وجماعة من المحدثين ما انقطع اسناده على أي وجه كان انقطاعه فهو عندهم بمعنى المنقطع وقال جماعات من المحدثين أو أكثرهم لا يسمى مرسلا الا ما أخبر فيه التابعي عن رسول الله ص = ثم مذهب الشافعي والمحدثين أو جمهورهم وجماعة من الفقهاء أنه لا يحتج بالمرسل ومذهب مالك وأبى حنيفة وأحمد وأكثر الفقهاء أنه يحتج به ومذهب الشافعي أنه إذا انضم الى المرسل ما يعضده احتج به وذلك بأن يروى أيضا مسندا أو مرسلا من جهة أخرى أو يعمل به بعض الصحابة أو أكثر العلماء وأما مرسل الصحابي وهو روايته ما لم يدركه أو يحضره كقول عائشة رضى الله عنها أول ما بدئ به رسول الله ص = من الوحى الرؤيا الصالحة فمذهب الشافعي والجماهير أنه يحتج به وقال الاستاذ الامام أبو اسحاق الاسفراينى الشافعي لا يحتج به الا أن يقول انه لا يروى الا عن صحابي والصواب الاول إذا قال الصحابي كنا نقول أو نفعل أو يقولون أو يفعلون كذا أو كنا لا نرى أو لا يرون بأسا بكذا اختلفوا فيه فقال الامام أبو بكر الاسماعيلي لا يكون مرفوعا بل هو موقوف وسنذكر حكم الموقوف في فصل بعد هذا ان شاء الله تعالى وقال الجمهور من المحدثين وأصحاب الفقه والأصول ان لم يضفه الى زمن رسول الله ص = فليس بمرفوع بل هو موقوف وان أضافه فقال كنا نفعل في حياة النبي ص = أو في زمنه أو وهو فينا أو بين أظهرنا أو نحو ذلك فهو مرفوع وهذا هو المذهب الصحيح الظاهر فانه إذا فعل في زمنه ص = فالظاهر اطلاعه عليه وتقريره اياه ص = وذلك مرفوع وقال آخرون ان كان ذلك الفعل مما لا يخفى غالبا كان مرفوعا والا كان موقوفا وبهذا قطع الشيخ أبو اسحاق الشيرازي الشافعي والله أعلم وأما إذا قال الصحابي أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا أو من السنة كذا فكله مرفوع على المذهب الصحيح الذى قاله الجماهير من أصحاب الفنون وقيل موقوف وأما إذا قال التابعي من السنة كذا فالصحيح أنه موقوف وقال بعض أصحابنا الشافعيين
[ 31 ]
انه مرفوع مرسل وأما إذا قيل عند ذكر الصحابي يرافعه أو ينهيه أو يبلغ به أو رواية فكله مرفوع متصل بلا خلاف أما إذا قال التابعي كانوا يفعلون فلا يدل على فعل جميع الأمة بل على بعض الأمة فلا حجة فيه الا أن يصرح بنقله عن أهل الاجماع فيكون نقلا للاجماع وفى ثبوته بخبر واحد خلاف إذا قال الصحابي قولا أو فعل فعلا فقد قدمنا أنه يسمى موقوفا وهل يحتج به فيه تفصيل واختلاف قال أصحابنا إن ينتشر فليس هو اجماعا وهل هو حجة فيه قولان للشافعي رحمه الله وهما مشهوران أصحهما الجديد أنه ليس بحجة والثانى وهو القديم أنه جحة فان قلنا هو حجة قدم على القياس ولزم التابعي وغيره العمل به ولم تجز مخالفته وهل يخص به العموم فيه وجهان وإذا قلنا ليس بحجة فالقياس مقدم عليه ويجوز للتابعي مخالفته فأما إذا اختلف الصحابة رضى الله عنهم على قولين فان قلنا بالجديد لم يجز تقليد واحد من الفريقين بل يطلب الدليل وان قلنا بالقديم فهما دليلان تعارضا فيرجح أحدهما على الآخر بكثرة العدد فان استوى العدد قدم بالائمة فيقدم ما عليه امام منهم على مالا امام عليه فان كان الذى على أحدهما أكثر عددا ومع الاقل امام فهما سواء فان استويا في العدد والائمة الا أن في أحد الشيخين أبى بكر وعمر رضى الله عنهما وفى الآخر غيرهما ففيه وجهان لاصحابنا أحدهما أنهما سواء والثانى يقدم ما فيه أحد الشيخين هذا كله إذا انتشر أما إذا لم ينتشر فان خولف فحكمه ما ذكرناه وان لم يخالف ففيه خمسة أوجه لاصحابنا العراقيين الأربعة الأولى منها وهى مشهورة في كتبهم في الأصول وفى أوائل كتب الفروع أحدهما أنه حجة واجماع وهذا الوجه هو الصحيح عندهم والثانى أنه حجة وليس باجماع والثالث ان كان فتوى فقيه فهو حجة وان كان حكم امام أو حاكم فليس بحجة وهو قول أبى على بن أبى هريرة والرابع ضده ان كان فتيا لم يكن حجة وان كان حاكما أو اماما كان اجماعا والخامس أنه ليس باجماع ولا حجة وهذا الوجه هو المختار عند الغزالي في المستصفى اما إذا قال التابعي قولا لم ينتشر فليس بحجة بلا خلاف وان انتشر وخولف فليس بحجة بلا خلاف وان انتشر ولم يخالف فظاهر كلام جماهير أصحابنا أن حكمه حكم قول الصحابي المنتشر من غير مخالفة وحكى بعض لأصحابنا فيه وجهين أصحهما هذا والثانى ليس بحجة قال صاحب الشامل من أصحابنا الصحيح أنه يكون اجماعا وهذا هو الأفقه ولا فرق في هذا
[ 32 ]
بين الصحابي والتابعي وقد ذكرت هذا الفصل بدلائله وايضاحه ونسبة هذه الاختلافات الى قائلها من شرح المهذب على وجه حسن مختصر وحذفت ذلك هنا اختصارا والله أعلم في الاسناد المعنعن وهو فلان عن فلان قال بعض العلماء هو مرسل والصحيح الذى عليه العمل وقاله الجماهير من أصحاب الحديث والفقه والأصول انه متصل بشرط أن يكون المعنعن غير مدلس وبشرط امكان لقاء من أضيفت العنعنة إليهم بعضهم بعضا وفى اشتراط ثبوت اللقاء وطول الصحبة ومعرفته بالرواية عنه خلاف منهم من لم يشترط شيئا من ذلك وهو مذهب مسلم ادعى الاجماع عليه وسيأتى الكلام عليه حيث أذكره في أواخر مقدمة الكتاب ان شاء الله تعالى ومنهم من شرط ثبوت اللقاء وحده وهو مذهب على بن المدينى والبخاري وأبى بكر الصيرفى الشافعي والمحققين وهو الصحيح ومنهم من شرط طول الصحبة وهو قول أبى المظفر السمعاني الفقيه الشافعي ومنهم من شرط ان يكون معروفا بالرواية عنه وبه قال أبو عمرو المقرى وأما إذا قال حدثنا الزهري أن ابن المسيب قال كذا أو حدث بكذا أو فعل أو ذكر أو روى أو نحو ذلك فقال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله وجماعة لا يلتحق ذلك بعن بل يكون منقطعا حتى يبين السماع وقال الجماهير هو كعن محمول على السماع بالشرط المقدم وهذا هو الصحيح وفى هذا الفصل فوائد كثيرة ينتفع بها ان شاء الله تعالى في معرفة هذا الكتاب وستري ما يترتب عليه من الفوائد ان شاء الله تعالى حيث تمر بمواضيعها من الكتاب ويستدل بذلك على غزارة علم مسلم رضى الله عنه وشدة تحريه واتقانه وانه ممن لا يساوى في هذا بل لا يداني رضى الله عنه زيادات الثقة مقبولة مطلقا عند الجماهير من أهل الحديث والفقه والأصول وقيل لا تقبل وقيل تقبل ان زادها غير من رواه ناقصا ولا تقبل ان زادها هو وأما إذا روى العدل الضابط المتقن حديثا انفرد به فمقبول بلا خلاف نقل الخطيب البغدادي اتفاق العلماء عليه وأما إذا رواه بعض الثقات الضابطين متصلا وبعضهم مرسلا أو بعضهم موقوفا وبعضهم مرفوعا أو وصله هو أو رفعه في وقت وأرسله أو وقفه في وقت فالصحيح الذى قاله المحققون من الحديث وقاله الفقهاء وأصحاب الأصول وصححه الخطيب البغدادي أن الحكم لمن وصله أو رفعه سواء كان المخالف له مثله أو أكثر وأحفظ لأنه زيادة ثقة وهى مقبولة وقيل الحكم
[ 33 ]
لمن أرسله أو وقفه قال الخطيب وهو أكثر قول المحدثين وقيل الحكم للاكثر وقيل للاحفظ التدليس قسمان أحدهما أن يروى عمن عاصره ما لم يسمع منه موهما سماعه قائلا فلان أو عن فلان أو نحوه وربما لم يسقط شيخه وأسقط غيره لكونه ضعيفا أو صغيرا تحسينا لصورة الحديث وهذا القسم مكروه جدا ذمه أكثر العلماء وكان شعبة من أشدهم ذما له وظاهر كلامه أنه حرام وتحريمه ظاهر فانه يوهم الاحتجاج بما لا يجوز الاحتجاج به ويتسبب أيضا الى اسقاط العمل بروايات نفسه مع ما فيه من الغرور ثم ان مفسدته دائمة وبعض هذا يكفى في التحريم فكيف باجتماع هذه الأمور ثم قال فريق من العلماء من عرف منه هذا التدليس صار مجروحا لا يقبل له رواية في شئ أبدا وان بين السماع والصحيح ما قاله الجماهير من الطوائف أن ما رواه بلفظ محتمل لم يبين فيه السماع فهو مرسل وما بينه فيه كسمعت وحدثنا وأخبرنا وشبهها فهو صحيح مقبول يحتج به وفى الصحيحين وغيرهما من كتب الأصول من هذا الضرب كثير لا يحصى كقتادة والاعمش والسفيانين وهشيم وغيرهم ودليل هذا أن التدليس ليس كذبا وإذا لم يكن كذبا وقد قال الجماهير أنه ليس محرما والراوي عدل ضابط وقد بين سماعه وجب الحكم بصحته والله أعلم ثم هذا الحكم في المدلس جاز فيمن دلس مرة واحدة ولا يشترط تكرره منه واعلم أن ما كان في الصحيحين عند المدلسين بعن ونحوها فمحمول على ثبوت السماع من جهة أخرى وقد جاء كثير منه في الصحيح بالطريقتين جميعا فيذكر رواية المدلس بعن ثم يذكرها بالسماع ويقصد به هذا المعنى الذى ذكرته وستري من ذلك ان شاء الله تعالى جملا مما ننبه عليه في مواضعه ان شاء الله تعالى وربما مررنا بشئ منه على قلة من غير تنبيه عليه اكتفاء بالتنبيه على مثله قريبا منه والله أعلم وأما القسم الثاني من التدليس فانه يسمى شيخه أو غيره أو ينسبه أو يصفه أو يكنيه بما لا يعرف به كراهة أن يعرف ويحمله على ذلك كونه ضعيفا أو صغيرا أو يستنكف أن يروى عنه لمعنى آخر أو يكون مكثرا من الرواية عنه فيريد أن يغيره كراهة تكرير الرواية عنه على صورة واحدة أو لغير ذلك من الاسباب وكراهة هذا القسم أخف وسببها توحد طريقة معرفته والله أعلم في معرفة الاعتبار والمتابعة والشاهد والافراد والشاذ والمنكر فإذا روى حماد مثلا حديثا عن أيوب عن ابن سيرين عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبي ص =
[ 34 ]
ينظر هل رواة ثقة غير حماد عن أيوب أو عن ابن سيرين غير أيوب أو عن أبى هريرة غير ابن سيرين أو عن النبي ص = غير أبى هريرة فأى ذلك وجد علم أن له أصلا يرجع إليه فهذا النظر والتفتيش يسمى اعتبارا وأما المتابعة فأن يرويه عن أيوب غير حماد أو عن ابن سيرين غير أيوب أو عن أبى هريرة غير ابن سيرين أو عن النبي ص = غير أبى هريرة فكل واحد من هذه الاقسام يسمى متابعة وأعلاها الأولى وهى متابعة حماد في الرواية عن أيوب ثم ما بعدها على الترتيب وأما الشاهد فأن يروى حديث آخر بمعناه وتسمى المتابعة شاهدا ولا يسمى الشاهد متابعة وإذا قالوا في نحو هذا تفرد به أبو هريرة أو ابن سيرين أو أيوب أو حماد كان مشعرا بانتفاء وجوه المتابعات كلها واعلم أنه يدخل في المتابعات والاستشهاد رواية بعض الضعفاء ولا يصلح لذلك كل ضعيف وانما يفعلون هذا لكون التابع لا اعتماد عليه وانما الاعتماد على من قبله وإذا انتفت المتابعات وتمحض فردا فله أربعة أحوال حال يكون مخالفا لرواية من هو أحفظ منه فهذا ضعيف ويسمى شاذا ومنكرا وحال يكون مخالفا ويكون هذا الراوى حافظا ضابطا متقنا فيكون صحيحا وحال يكون قاصرا عن هذا ولكنه قريب من درجته فيكون حديثه حسنا وحال يكون بعيدا عن حاله فيكون شاذا ومنكرا مردودا فتحصل أن الفرد قسمان مقبول ومردود والمقبول ضربان فرد لا يخالف وراويه كامل الاهلية وفرد هو قريب منه والمردود أيضا ضربان فرد مخالف للاحفظ وفرد ليس في روايه من الحفظ والاتقان ما يجبر تفرده والله فصل في حكم المختلط إذا خلط الثقة لاختلال ضبطه بحرف أو هرم أو لذهاب بصره أو نحو ذلك قبل حديث من أخذ عنه قبل الاختلاط ولا يقبل حديث من أخذ بعد الاختلاط أو شككنا في وقت أخذه فمن المخلطين عطاء بن السائب وأبو إسحاق السبيعى وسعيد الجريرى وسعيد بن أبى عروبة وعبد الرحمن بن عبد الله المسعودي وربيعة أستاذ مالك وصالح مولى التؤمة وحصين بن عبد الوهاب الكوفى وسفيان بن عيينة قال يحيى القطان أشهد أنه اختلط سنة سبع وتسعين وتوفى سنة تسع وتسعين وعبد الرزاق بن همام عمى في آخر عمره فكان يتلقن وعارم اختلط آخرا واعلم أن ما كان من هذا القبيل محتجا به في الصحيحين فهو مما علم أنه أخذ قبل الاختلاط
[ 35 ]
في أحرف مختصرة في بيان الناسخ والمنسوخ وحكم الحديثين المختلفين ظاهرا أما النسخ فهو رفع الشارع حكما منه متقدما بحكم منه متأخر هذا هو المختار في حده وقد قيل فيه غير ذلك وقد أدخل فيه كثيرون أو الأكثرون من المصنفين في الحديث ما ليس منه بل هو من قسم التخصيص أو ليس منسوخا ولا مخصصا بل مؤولا أو غير ذلك ثم النسخ يعرف بأمور منها تصريح رسول الله ص = به (ككنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها) ومنها قول الصحابي كان آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار ومنها ما يعرف بالتاريخ ومنها مه يعرف بالاجماع كقتل شارب الخمر في المرة الرابعة فإنه منسوخ عرف نسخه بالاجماع والاجماع لا ينسخ ولا ينسخ لكن يدل على وجود ناسخ والله أعلم وأما إذا تعارض حديثان في الظاهر فلا بد من الجمع بينهما أو ترجيح أحدهما وانما يقوم بذلك غالبا الائمة الجامعون بين الحديث والفقه والأصولين المتمكنون في ذلك الغائصون على المعاني الدقيقة الرائضون أنفسهم في ذلك فمن كان بهذه الصفة لم يشكل عليه شئ من ذلك الا النادر في بعض الاحيان ثم المختلف قسمان أحدهما يمكن الجمع بينهما فيتعين ويجب العمل بالحديثين جميعا ومهما أمكن حمل كلام الشارع على وجه يكون أعم للفائدة تعين المصير إليه ولا يصار الى النسخ مع امكان الجمع لان في النسخ اخراج أحد الحديثين عن كونه مما يعمل به ومثال الجمع حديث (لا عدوى) مع حدبث (لا يورد ممرض على مصح) وجه الجمع أن الأمراض لاتعدى بطبعها ولكن جعل الله سبحانه وتعالى مخالطتها سببا للاعداء فنفى في الحديث الاول ما يعتقده الجاهلية من العدوى بطبعها وأرشد في الثاني الى مجانبة ما يحصل عنده الضرر عادة بقضاء الله وقدره وفعله القسم الثاني أن يتضادا بحيث لا يمكن الجمع بوجه فان علمنا أحدهما ناسخا قدمناه والا علمنا بالراجح منهما كالترجيح بكثرة الرواة وصفاتهم وسائر وجوه الترجيح وهى نحو خمسين وجها جمعها الحافظ أبو بكر الحازمى في أول كتابه الناسخ والمنسوخ وقد جمعتها أنا مختصرة ولا ضرورة الى ذكرها هنا كراهة للتطويل والله أعلم في معرفة الصحابي والتابعي هذا الفصل مما يتأكد الاعتناء به وتمس الحاجة إليه فبه يعرف المتصل من المرسل فأما الصحابي فكل مسلم رأى رسول الله ص = ولو لحظة هذا هو الصحيح في حده وهو مذهب أحمد بن حنبل وأبى عبد الله البخاري في صحيحه
[ 36 ]
والمحدثين كافة وذهب أكثر أصحاب الفقه والأصول الى أنه من طالت صحبته له ص = قال الامام القاضى أبو الطيب الباقلانى لا خلاف بين أهل اللغة أن الصحابي مشتق من الصحبة جار على كل من صحب غيره قليلا كان أو كثيرا يقال صحبه شهرا ويوما وساعة قال وهذا يوجب في حكم اللغة اجراء هذا على من صحب النبي ص = ولو ساعة هذا هو الأصل قال ومع هذا فقد تقرر للامة عرف في أنهم لا يستعملونه الا فيمن كثرت صحبته واتصل لقاؤه ولا يجرى ذلك على من لقى المرء ساعة ومشى معه خطوات وسمع منه حديثا فوجب أن لا يجرى في الاستعمال الا على من هذا حاله هذا كلام القاضى المجمع على امانته وجلالته وفيه تقرير للمذهبين ويستدل به على ترجيح مذهب المحدثين فان هذا الامام قد نقل عن أهل اللغة أن الاسم يتناول صحبة ساعة وأكثر أهل الحديث قد نقلوا الاستعمال في الشرع والعرف على وفق اللغة فوجب المصير والله أعلم وأما التابعي ويقال فيه التابع فهو من لقى الصحابي وقيل من صحبه كالخلاف في الصحابي والاكتفاء هنا بمجرد اللقاء أولى نظرا الى مقتضى اللفظين جرت عادة أهل الحديث بحذف قال ونحوه فيما بين رجال الاسناد في الخط وينبغى للقارئ أن يلفظ بها وإذا كان في الكتاب قرئ على فلان أخبرك فلان فليقل القارئ قرئ على فلان قيل له أخبرك فلان وإذا كان فيه قرئ على فلان أخبرنا فلان فليقل قرئ على فلان قيل له قلت أخبرنا فلان وإذا تكررت كلمة قال كقوله حدثنا صالح قال قال الشعبى فانهم يحذفون احداهما في الخط فليلفظ بهما القارئ فلو ترك القارئ لفظ قال في هذا كله فقد أخطأ والسماع صحيح للعلم بالمقصود ويكون هذا من الحذف لدلالة الحال عليه فصل إذا أراد رواية الحديث بالمعنى فان لم يكن خبيرا بالالفاظ ومقاصدها عالما بما يحيل معانيها لم يجز له الرواية بالمعنى بلا خلاف بين أهل العلم بل يتعين اللفظ وان كان عالما بذلك فقالت طائفة من أصحاب الحديث والفقه والأصول لا يجوز مطلقا وجوزه بعضهم في غير حديث النبي ص = ولم يجوزه فيه وقال جمهور السلف والخلف من الطوائف المذكورة يجوز في الجميع إذا جزم بأنه أدى المعنى وهذا هو الصواب الذى تقتضيه أحوال الصحابة فمن بعدهم رضى الله عنهم في روايتهم القضية الواحدة بألفاظ مختلفة ثم هذا في الذى يسمعه في غير المصنفات أما المصنفات فلا يجوز تغييرها بالمعنى إذا وقع في الرواية
[ 37 ]
أو التصنيف غلط لا شك فيه فالصواب الذى قاله الجماهير أنه يرويه على صواب ولا يغيره في الكتاب بل ينبه عليه حال الرواية في حاشية الكتاب فيقول كذا وقع والصواب كذا فصل إذا روى الشيخ الحديث باسناد ثم أتبعه اسنادا آخر وقال عند انتهاء الاسناد مثله أو نحوه فأراد السامع أن يروى المتن بالاسناد الثاني مقتصرا عليه فالاظهر منعه وهو قول شعبة وقال سفيان الثوري يجوز بشرط أن يكون الشيخ المحدث ضابطا متحفظا مميزا بين الالفاظ وقال يحيى بن معين يجوز ذلك في قوله مثله ولا يجوز في نحوه قال الخطيب البغدادي الذى قاله ابن معين بناء على منع الرواية بالمعنى فأما على جوازها فلا فرق وكان جماعة من العلماء يحتاطون في مثل هذا فإذا أرادوا رواية مثل هذا أو أورد أحدهم الاسناد الثاني ثم يقول مثل حديث قبله متنه كذا ثم يسوقه واختار الخطيب هذا ولا شك في حسنه أما إذا ذكر الاسناد وطرفا من المتن ثم قال وذكر الحديث أو قال واقتص الحديث أو قال الحديث أو ما أشبهه فأراد السامع أن يروى عنه الحديث بكماله فطريقه أن يقتصر على ما ذكره الشيخ ثم يقول والحديث بطوله كذا ويسوقه الى آخره فان أراد أن يرويه مطلقا ولا يفعل ما ذكرناه فهو أولى بالمنع مما سبق في مثله ونحوه وممن نص على منعه الاستاذ أبو اسحاق الاسفراينى الشافعي وأجازه أبو بكر الاسماعيلي بشرط أن يكون السامع والمسمع عارفين ذلك الحديث وهذا الفصل مما تشتد الحاجة الى معرفته للمعتنى بصحيح مسلم لكثرة تكرره فيه والله أعلم إذا قدم بعض المتن على بعض اختلفوا في جوازه على جواز الرواية بالمعنى فان جوزناها جاز والا فلا وينبغى أن يقطع بجوازه ان لم يكن المقدم مرتبطا بالمؤخر وأما إذا قدم المتن على الاسناد وذكر المتن وبعض الاسناد ثم ذكر باقى الاسناد متصلا حتى وصله بما ابتدأ به فهو حديث متصل والسماع صحيح فلو أراد من سمعه هكذا أن يقدم جميع الاسناد فالصحيح الذى قاله بعض المتقدمين القطع بجوازه وقيل فيه خلاف كتقديم بعض المتن على بعض فصل إذا درس بعض الاسناد أو المتن جاز أن يكتبه من كتاب غيره ويرويه إذا عرف صحته وسكنت نفسه الى أن ذلك الساقط هذا هو الصواب الذى قاله المحققون ولو بينه في حال الرواية فهو أولى أما إذا وجد في كتابه كلمة غير مضبوطة أشكلت عليه فانه يجوز أن يسأل عنها العلماء بها من أهل العربية وغيرهم ويرويها على ما يخبرونه والله أعلم
[ 38 ]
إذا كان في سماعه عن رسول الله ص = فأراد أن يرويه ويقول عن النبي ص = أو عكسه فالصحيح الذى قاله حماد بن سلمة وأحمد بن حنبل وأبو بكر الخطيب أنه جائز لانه لا يختلف به هنا معنى وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله الظاهر أنه لا يجوز وان جازت الرواية بالمعنى لاختلافه والمختار ما قدمته لأنه وان كان أصل النبي والرسول مختلفا فلا اختلاف هنا ولا لبس ولا شك والله أعلم فصل جرت العادة بالاقتصار على الرمز في حدثنا وأخبرنا واستمر الاصطلاح عليه من قديم الاعصار الى زماننا واشتهر ذلك بحيث لا يخفى فيكتبون من حدثنا (ثنا) وهى الثاء والنون والالف وربما حذفوا الثاء ويكتبون من أخبرنا (انا) ولا يحسن زيادة الباء قبل نا وإذا كان للحديث اسنادان أو أكثر كتبوا عند الانتقال من الاسناد الى اسناد (ح) وهى حاء مهملة مفردة والمختار أنها مأخوذة من التحول لتحوله من الاسناد الى اسناد وأنه يقول القارئ إذا انتهى إليها (ح) ويستمر في قراءة ما بعدها وقيل انها من حال بين الشيئين إذا حجز لكونها حالت بين الاسنادين وأنه لا يلفظ عند الانتهاء إليها بشئ وليست من الرواية وقيل انها رمز الى قوله الحديث وان أهل المغرب كلهم يقولون إذا وصلوا إليها الحديث وقد كتب جماعة من الحفاظ موضعها صح فيشعر بأنها رمز صح وحسنت ههنا كتابة صح لئلا يتوهم أنه سقط متن الاسناد الاول ثم هذه الحاء توجد في كتب المتأخرين كثيرا وهى كثيرة في صحيح مسلم قليلة في صحيح البخاري فيتأكد احتياج صاحب هذا الكتاب الى معرفتها وقد أرشدناه الى ذلك ولله الحمد والنعمة والفضل والمنة ليس للراوى أن يزيد في نسب غير شيخه ولا صفته على ما سمعه من شيخه لئلا يكون كاذبا على شيخه فان أراد تعريفه وايضاحه وزوال اللبس المتطرق إليه لمشابهة غيره فطريقه أن يقول قال حدثنى فلان يعنى ابن فلان أو الفلان أو هو ابن فلان أو الفلاني أو نحوه ذلك فهذا جائز حسن قد استعمله الائمة وقد أكثر البخاري ومسلم منه في الصحيحين غاية الاكثار حتى ان كثيرا من أسانيدهم يقع في الاسناد الواحد منها موضعان أو أكثر من هذا الضرب كقوله في أول كتاب البخاري في باب من سلم المسلمون من لسانه ويده قال أبو معاوية حدثنا داود هو ابن أبى هند عن عامر قال سمعت عبد الله هو ابن عمرو وكقوله في كتاب مسلم
[ 39 ]
في باب منع النساء من الخروج الى المساجد حدثنا عبد الله بن مسلمة حدثنا سليمان يعنى ابن بلال عن يحيى وهو ابن سعيد ونظائره كثيرة وانما يقصدون بهذا الايضاح كما ذكرنا أولا فانه لو قال حدثنا داود أو عبد الله لم يعرف من هو لكثرة المشاركين في هذا الاسم ولا يعرف ذلك في بعض المواطن الا الخواص والعارفون بهذه الصنعة وبمراتب الرجال فأوضحوه لغيرهم وخففوا عنهم مؤونة النظر والتفتيش وهذا الفصل نفيس يعظم الانتفاع به فان من لا يعانى هذا الفن قد يتوهم أن قوله يعنى وقوله هو زيادة لا حاجة إليها وأن الأولى حذفها وهذا جهل قبيح والله أعلم يستحب لكاتب الحديث إذا مر بذكر الله عز وجل أن يكتب (عز وجل) أو (تعالى) أو (سبحانه وتعالى) أو (تبارك وتعالى) أو (جل ذكره) أو (تبارك اسمه) أو (جلت عظمته) أو ما أشبه ذلك وكذلك يكتب عند ذكر النبي ص = بكمالهما لا رامزا اليهما ولا مقتصرا على أحدهما وكذلك يقول في الصحابي (رضى الله عنه) فان كان صحابيا ابن صحابي قال (رضى الله عنهما) وكذلك يترضى ويترحم على سائر العلماء والأخيار ويكتب كل هذا وان لم يكن مكتوبا في الاصل الذى ينقل منه فان هذا ليس رواية وانما هو دعاء وينبغى للقارئ أن يقرأ كل ما ذكرناه وان لم يكن مذكورا في الاصل الذى يقرأ منه ولا يسأم من تكرر ذلك ومن أغفل هذا حرم خيرا عظيما وفوت فضلا جسيما في ضبط جملة من الأسماء المتكررة في صحيحي البخاري ومسلم المشتبهة فمن ذلك أبى كله بضم الهمزة وفتح الباء وتشديد الياء الا آبى اللحم فانه بهمزة ممدودة مفتوحة ثم باء مكسورة ثم ياء مخففة لانه كان لا يأكل اللحم وقيل لا يأكل ما ذبح على الأصنام ومنه البراء كله مخفف الراء الا أبا معشر البراء وأبا العالية البراء فبالتشديد وكله ممدود ومنه يزيد كله بالمثناة من تحت والزى الا ثلاثة أحدهم بزيد بن عبد الله بن أبى بردة بضم الموحدة وبالراء والثانى محمد بن عرعرة بن البرند بالموحدة والراء المكسورتين وقيل بفتحهما ثم نون والثالث على بن هاشم بن البريد بفتح الموحدة وكسر الراء ثم مثناة من تحت ومنه يسار كله بالمثناة والسين المهملة الا محمد بن بشار شيخهما فانه بالوحدة ثم المعجمة وفيهما سيار بن سلامة وابن أبى سيار بتقديم السين ومنه بشر كله بكسر الموحدة وبالشين المعجمة الا أربعة فبالضم والمهملة عبد الله بن بسر الصحابي وبسر بن سعيد وبسر بن عبيد الله وبسر بن محجن وقيل هذا
[ 40 ]
بالمعجمة ومنه بشير كله بفتح الموحدة وكسر الشين المعجمة الا اثنين فبالضم وفتح الشين وهما بشير بن كعب وبشير بن يسار والا ثالثا فبضم المثناة وفتح السين المهملة وهو يسير بن عمرو ويقال أسير ورابعا بضم النون وفتح المهملة وهو قطن بن نسير ومنه حارثة كله بالحاء والمثلثة الا جارية بن قدامة ويزيد بن جارية فبالجيم والمثناة ومنه جرير كله بالجيم والراء المكررة الا حريز بن عثمان وأبا حريز عبد الله بن الحسين الراوى عن عكرمة فبالحاء والزى آخرا ويقاربه حدير بالحاء والدال والد عمران بن حدير ووالد زيد وزياد ومنه حازم كله بالحاء المهملة الا أبا معاوية محمد بن حازم فبالمعجمة ومنه حبيب كله بالحاء المهملة الا خبيب بن عدى وخبيب ابن عبد الرحمن وخبيبا غير منسوب عن حفص بن عاصم وخبيبا كنية ابن الزبير فبضم المعجمة ومنه حيان كله بفتح الحاء وبالمثناة الا خباب بن منقذ والد واسع بن خباب وجد محمد بن يحيى ابن خباب وجد خباب بن واسع بن خباب والا خباب بن هلال منسوبا وغير منسوب عن شعبة ووهيب وهمام وغيرهم فبالموحدة وفتح الخاء والا حبان بن العرقة وحبان بن عطية وحبان بن موسى منسوبا وغير منسوب عن عبد الله هو ابن المبارك فبالموحدة وكسر الحاء ومنه خراش كله بالخاء المعجمة الا والد ربعى فبالمهملة ومنه حزام في قريش بالزى وفى الانصار بالراء ومنه حصين كله بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين الا أبا حصين عثمان بن عاصم فبالفتح والا أبا ساسان حضين بن المنذر فبالضم والضاد معجمة فيه ومنه حكيم كله بفتح الحاء وكسر الكاف الا حكيم بن عبد الله وزريق بن حكيم فبالضم وفتح الكاف ومنه رباح كله بالموحدة الا زياد بن رياح عن أبى هريرة في أشراط الساعة فبالمثناة عند الأكثرين وقاله البخاري بالوجهين المثناة والموحدة ومنه زبيد بضم الزاى وفتح الموحدة ثم مثناة هو زبيد بن الحارث ليس فيهما غيره وأما زبيد بضم الزاى وكسرها وبمثناة مكررة فهو ابن الصلت في الموطأ وليس له ذكر فيهما ومنه الزبير كله بضم الزاى الا عبد الرحمن بن الزبير الذى تزوج امرأة رفاعة فبالفتح ومنه زياد كله بالياء الا أبا الزناد فبالنون ومنه سالم كله بالالف ويقاربه سلم ابن زرير بفتح الزاى وسلم قتيبة وسلم بن أبى الذيال وسلم بن عبد الرحمن فبحذفها ومنه سريح بالمهملة والجيم ابن يونس وابن النعمان وأحمد بن أبى سريج ومن عداهم فبالمعجمة والحاء ومنه سلمة كله بفتح اللام الا عمرو بن سلمة امام قومه وبنى سلمة القبيلة من الانصار فبكسرها
[ 41 ]
وفى عبد الخالق بن سلمة الوجهان ومنه سليمان كله بالياء الا سلمان الفارسى وابن عامر والاغر وعبد الرحمن بن سلمان فبحذفها ومنه سلام كله بالتشديد الا عبد الله بن سلام الصحابي ومحمد ابن سلام شيخ البخاري وشدد جماعة شيخ البخاري ونقله صاحب المطالع عن الأكثرين والمختار الذى قاله المحققون التخفيف ومنه سليم كله بضم السين الا سليم بن حيان فبفتحها ومنه شيبان كله بالشين المعجمة وبعدها ياء ثم باء ويقاربه سنان بن أبى سنان وسنان بن ربيعة وسنان بن سلمة وأحمد بن سنان وأبو سنان ضرار وأم سنان وكلهم بالمهملة بعدها نون ومنه عباد كله بالفتح وبالتشديد الا قيس بن عباد فبالضم والتخفيف ومنه عبادة كله بالضم الا محمد بن عبادة شيخ البخاري فبالفتح ومنه عبدة كله باسكان الباء الا عامر بن عبدة وبجالة ابن عبدة ففيهما الفتح والاسكان وافتح أشهر ومنه عبيد كله بضم العين ومنه عبيدة كله بالضم الا السلمانى وابن سفيان وابن حميد وعامر بن عبيدة فبالفتح ومنه عقيل كله بفتح العين الا عقيل بن خالد ويأتى كثيرا عن الزهري غير منسوب والا يحيى ابن عقيل وبنى عقيل فبالضم ومنه عمارة كله بضم العين ومنه واقد كله بالقاف وأما الانساب فمنها الأيلي كله بفتح الهمزة واسكان المثناة ولا يرد علينا شيبان بن فروخ الابلى بضم الهمزة وبالموحدة شيخ مسلم فانه لم يقع في صحيح مسلم منسوبا ومنها البصري كله بالموحدة مفتوحة ومكسورة نسبة الى البصرة الا مالك بن أوس بن الحدثان النصرى وعبد الواحد النصرى وسالما مولى النصريين فبالنون ومنها الثوري كله بالمثلثة الا أبا يعلى محمد بن الصلت التوزى فبالمثناة فوق وتشديد الواو المفتوحة وبالزاى ومنها الجريرى كله بضم الجيم وفتح الراء الا يحيى بن بشر شيخهما فالبحاء المفتوحة ومنها الحارثى بالمهملة والمثلثة ويقاربه سعيد الجارى بالجيم وبعد الراء ياء مشددة ومنها الحزامى كله بالزاى وقوله في صحيح مسلم في حديث أبى اليسر كان لى على فلان الحزامى قيل بالزاى وقيل بالراء وقيل الجذامي بالجيم والذال المعجمة ومنها السلمى في الانصار بفتح السين وفى بنى سليم بضمها ومنها الهمداني كله باسكان الميم وبالدال المهملة فهذه ألفاظ نافعة في المؤتلف والمختلف وأما المفردات فلا تنحصر وستأتى في أبوابها ان شاء الله تعالى مبينة وكذلك نذكر هذا المؤتلف في مواضعه ان شاء الله تعالى مختصرا احتياطا وتسهيلا تكرر في صحيح مسلم قوله حدثنا فلان وفلان كليهما عن فلان هكذا يقع
[ 42 ]
في مواضع كثيرة في أكثر الأصول كليهما بالياء وهو مما يستشكل من جهة العربية وحقه أن يقال كلاهما بالالف ولكن استعماله بالياء صحيح وله وجهان أحدهما أن يكون مرفوعا تأكيدا للمرفوع قبله ولكنه كتب بالياء لأجل الامالة ويقرأ بالالف كما كتبوا الربا والربى بالالف والياء ويقرأ بالالف لا غير والوجه الثاني أن يكون كليهما منصوبا ويقرأ بالياء ويكون تقديره ! أعني كليهما وهذا ما يسره الله تعالى من الفصول ونشرع الآن في المقصود والله الموفق
[ 43 ]
بسم الله الرحمن الرحيم (قال الامام أبو الحسين مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى الحمد لله رب العالمين) انما بدأ بالحمد لله لحديث ابي هريرة رضى الله عنه أن رسول الله ص = قال كل أمر ذى بال لا يبدأ بالحمد لله فهو أقطع وفي رواية بحمد الله وفي رواية بالحمد فهو أقطع وفي رواية أجذم وفي رواية لا يبدأ فيه بذكر الله وفي رواية ببسم الله الرحمن الرحيم روينا كل هذه في كتاب الأربعين للحافظ عبد القادر الرهاوى سماعا من صاحبه الشيخ ابي محمد عبد الرحمن بن سالم الانباري عنه وروينا فيه أيضا من رواية كعب بن مالك الصحابي رضى الله عنه والمشهور رواية أبي هريرة وهذا الحديث حسن رواه أبو داود وابن ماجه في سننهما ورواه النسائي في كتابه عمل اليوم والليلة روى موصولا ومرسلا ورواية الموصول اسنادها جيد ومعنى أقطع قليل البركة وكذلك أجذم بالجيم والذال المعجمة ويقال منه جذم بكسر الذال يجذم بفتحها والله أعلم والمختار عند الجماهير من أصحاب التفسير والأصول وغيرهم أن العالم اسم للمخلوقات كلها والله أعلم قال رحمه الله (وصلى الله على محمد خاتم النبيين وعلى جميع الأنبياء والمرسلين) هذا الذى فعله من ذكره الصلاة على النبي ص = بعد الحمدلة هو عادة العلماء رضي الله عنهم وروينا باسنادنا
[ 44 ]
الصحيح المشهور من رسالة الشافعي عن الشافعي عن ابن عيينة عن ابن أبى نجيح عن مجاهد رحمه الله في قول الله تعالى لك ذكرك قال لا أذكر الا ذكرت أشهد أن لا إله الا الله وأشهد أن محمدا رسول الله وروينا هذا التفسير مرفوعا الى رسول الله ص = عن جبريل عن رب العالمين ثم أنه ينكر على مسلم رحمه الله كونه اقتصر على الصلاة على رسول الله ص = دون التسليم وقد أمرنا الله تعالى بهما جميعا فقال تعالى عليه وسلموا تسليما فكان ينبغى أن يقول وصلى الله وسلم على محمد فان قيل فقد جاءت الصلاة عليه ص = غير مقرونة بالتسليم وذلك في آخر التشهد في الصلوات فالجواب أن السلام تقدم قبل الصلاة في كلمات التشهد وهو قوله سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ولهذا قالت الصحابة رضى الله عنهم يا رسول الله قد علمنا السلام عليك فكيف نصلى عليك الحديث وقد نص العلماء رضى الله عنهم على كراهة الاقتصار على الصلاة عليه ص = من غير تسليم والله اعلم وقد ينكر على مسلم رحمه الله في هذا الكلام شئ آخر وهو قوله وعلى جميع الأنبياء والمرسلين فيقال إذا ذكر الأنبياء لا يبقى لذكر المرسلين وجه لدخولهم في الأنبياء فان الرسول نبى وزيادة ولكن هذا الانكار ضعيف ويجاب عنه بجوابين أحدهما أن هذا سائغ وهو أن يذكر العام ثم الخاص بنويها ! بشأنه وتعظيما لأمره وتفخيما لحاله وقد جاء في القرآن العزيز آيات كريمات كثيرات من هذا مثل قوله تعالى كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال وقوله تعالى أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وابراهيم وموسى وعيسى وغير ذلك من الايات الكريمات وقد جاء أيضا عكس هذا وهو ذكر العام بعد الخاص قال الله تعالى حكاية عن نوح ص = اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتى مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات فان ادعى متكلف أنه عنى بالمؤمنين غير من تقدم ذكره فلا يلتفت إليه الجواب الثاني أن قوله والمرسلين أعم من جهة أخرى وهو أنه يتناول جميع رسل الله سبحانه وتعالى من الآدميين والملائكة قال الله تعالى الله يصطفى من الملائكة رسلا ومن الناس ولا يسم الملك نبيا فحصل بقوله والمرسلين فائدة لم تكن حاصلة بقوله النبيين والله أعلم وسمى نبينا محمد ص = محمدا لكثرة خصاله المحمودة كذا قاله ابن فارس وغيره من أهل اللغة قالوا ويقال لكل كثير الخصال الجميلة محمد ومحمود والله أعلم
[ 45 ]
قال رحمه الله (ذكرت أنك هممت بالفحص عن تعرف جملة الأخبار المأثورة عن رسول الله ص = في سنن الدين وأحكامه) قال الليث وغيره من أهل اللغة الفحص شدة الطلب والبحث عن الشئ يقال فحصت عن الشئ وتفحصت وافتحصت بمعنى واحد وقوله المأثورة أي المنقولة المذكورة يقال أثرت الحديث إذا نقلته عن غيرك والله أعلم وقوله في سنن الدين وأحكامه هو من قبيل ما قدمناه من ذكر العام بعد الخاص فان السنن من أحكام الدين والله أعلم قال رحمه الله (فأردت أرشدك الله أن توقف على جملتها مؤلفة محصاة وسألتني أن ألخصها لك في التأليف فان ذلك زعمت مما يشغلك) قوله توقف ضبطناه بفتح الواو وتشديد القاف ولو قرئ باسكان الواو وتخفيف القاف لكان صحيحا وقوله مؤلفة أي مجموعة وقوله محصاة أي مجتمعة كلها وقوله ألخصها أي أبينها وقوله فان ذلك زعمت أي قلت وقد كثر الزعم بمعنى القول وفي الحديث عن النبي ص = زعم جبريل وفي حديث ضمام بن ثعلبة رضى الله عنه زعم رسولك وقد أكثر سيبويه في كتابه المشهور من قوله زعم الخليل كذا في أشياء يرتضيها سيبويه فمعنى زعم في كل هذا قال وقوله يشغلك هو بفتح الياء هذه اللغة الفصيحة المشهورة التي جاء بها القرآن العزيز قال الله تعالى لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وفيه لغة رديئة حكاها الجوهرى وهي أشغله يشغله بضم الياء
[ 46 ]
قال رحمه الله (وللذي سألت أكرمك الله الى قوله عاقبة محمودة) فبقوله للذي هو بكسر اللام وهو خبر عاقبة وانما ضبطه وان كان ظاهرا لأنه مما يغلط فيه ويصحف وقد رأيت ذلك غير مرة قال رحمه الله (وظننت حين سألتنى تجشم ذلك أن لو عزم لى عليه وقضى لى تمامه كان أول من يصيبه نفع ذلك اياى) قوله تجشم ذلك أي تكلفه والتزام مشقته وقوله عزم هو بضم العين وهذا اللفظ مما أعتنى بشرحه من حيث أنه لا يجوز أن يراد بالعزم هنا حقيقته المتبادرة الى الافهام وهو حصول خاطر في الذهن لم يكن فان هذا محال في حق الله تعالى واختلف في المراد به هنا فقيل معناه لو سهل لى سبيل العزم أو خلق في قدرة عليه وقيل العزم هنا بمعنى الارداة فان القصد والعزم والارادة والنية متقاربات فيقام بعضها مقام بعض فعلى هذا معناه لو أراد الله ذلك لي وقد نقل الازهرى وجماعة غيره أن العرب تقول نواك الله بحفظه قالوا وتفسيره قصدك الله بحفظه وقيل معناه لو ألزمت ذلك فان العزيمة بمعنى اللزوم ومنه قول ام عطية رضى الله عنه نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا أي لم نلزم الترك وفي الحديث الآخر يرغبنا في قيام رمضان من غير عزيمة أي من غير الزام ومثله قول الفقهاء ترك الصلاة في زمن الحيض عزيمة أي واجب على المرأة لازم لها والله اعلم وقوله كان أول هو برفع أول على أنه اسم كان قال رحمه الله (الا بأن يوقفه على التمييز غيره) قوله يوقفه بتشديد القاف ولا يصح أن يقرأ هنا بتخفيف القاف بخلاف ما قدمناه في قوله توقف على جملتها لان اللغة الفصيحة المشهورة وقفت فلانا على كذا فلو كان مخففا لكان حقه أن يقال بأن يقفه على التمييز والله أعلم قال رحمه الله (جملة ذلك أن ضبط القليل من هذا الشان واتقانه أيسر على المرء
[ 47 ]
من معالجة الكثير) ثم قال بعد هذا (وانما يرجى بعض المنفعة في الاستكثار من هذا الشأن وجمع المكررات لخاصة من الناس ممن رزق فيه بعض التيقظ والمعرفة بأسبابه وعلله فذلك هو ان شاء الله يهجم بما أوتى على الفائدة) قوله يهجم هو بفتح الياء وكسر الجيم هكذا ضبطناه وهكذا هو في نسخ بلادنا وأصولها وذكر القاضى عياض رحمه الله أنه روى كذا وروى يهجم بنون بعد الياء قاله ومعنى يهجم يقع عليها ويبلغ إليها وينال بغيته منها قال ابن دريد انهجم الخباء إذا وقع والله أعلم وحاصل هذا الكلام الذى ذكره مسلم رحمه الله أن المراد من علم الحديث تحقيق معاني المتون وتحقيق علم الاسناد والمعلل والعلة عبارة عن معنى في الحديث خفى يقتضى ضعف الحديث مع أن ظاهرة السلامة منها وتكون العلة تارة في المتن وتارة في الاسناد وليس المراد من هذا العلم مجرد السماع ولا الاسماع ولا الكتابة بل الاعتناء بتحقيقه والبحث عن خفى معاني المتون والاسانيد والفكر في ذلك ودوام الاعتناء به ومراجعة أهل المعرفة به ومطالعة كتب أهل التحقيق فيه وتقييد ما حصل من نفائسه وغيرها فيحفظها الطالب بقلبه ويقيدها بالكتابة ثم يديم مطالعة ما كتبه ويتحرى التحقيق فيما يكتبه ويتثبت فيه فانه فيما بعد ذلك يصير معتمدا عليه ويذاكر بمحفوظاته من ذلك من يشتغل بهذا الفن سواء كان مثله في المرتبة أو فوقه أو تحته فان بالمذاكرة يثبت المحفوظ ويتحرر ويتأكد ويتقرر ويزداد بحسب
[ 48 ]
كثرة المذاكرة ومذاكرة حاذق في الفن ساعة أنفع من المطالعة والحفظ ساعات بل أياما وليكن في مذاكراته متحريا الانصاف قاصدا الاستفادة أو الافادة غير مترفع على صاحبه بقلبه ولا بكلامه ولا بغير ذلك من حاله مخاطبا له بالعبارة الجميلة اللينة فبهذا ينمو علمه وتزكو محفوظاته والله أعلم قال رحمه الله (وقد عجزوا عن معرفة القليل) يقال عجز بفتح الجيم يعجز بكسرها هذه هي اللغة الفصيحة المشهورة وبها جاء القرآن العظيم في قوله تعالى ويلتى أعجزت ويقال عجز يعجز بكسرها في الماضي وفتحها في المضارع حكاها الاصمعي وغيره والعجز في كلام العرب أن لا تقدر على ما تريد وأنا عاجز وعجز قوله (على شريطة) يعنى شرطا قال أهل اللغة الشرط والشريطة لغتان بمعنى واحد وجمع الشرط شروط وجمع الشريطة شرائط وقد شرط عليه كذا يشرطه ويشرطه بكسرالراء وضمها لغتان وكذلك اشترط عليه والله أعلم قوله (نعمد الى جملة ما أسند من الاخبار عن رسول الله ص = فنقسمها على ثلاثة اقسام وثلاث طبقات) قوله جملة ما أسند يعنى جملة غالبة ظاهرة وليس المراد جميع الاخبار المسندة فقد علمنا أنه لم يذكر الجميع ولا النصف وقد قال ليس كل حديث صحيح وضعته ههنا وقوله على ثلاث طبقات الطبقة هم القوم المتشابهون من أهل العصر وقد قدمنا في الفصول الخلاف في مراده بثلاثة أقسام وهل ذكرها كلها أم لا وقوله على غير تكرار الا أن يأتي موضع لا يستغنى فيه عن ترداد حديث فيه زيادة معنى أو اسناد يقع الى جنب اسناد لعلة تكون هناك لان معنى الزائد في الحديث المحتاج إليه يقوم مقام حديث تام فلا بد من اعادة الحديث الذي فيه ما وصفنا من الزيادة أو أن يفصل ذلك المعنى من جملة الحديث على اختصاره إذا أمكن قوله أو اسناد يقع هو مرفوع معطوف على قوله
[ 49 ]
موضع وقوله المحتاج إليه وهو بنصب المحتاج صفة للمعنى وأما الاختصار فهو ايجاد اللفظ مع استيفاء المعنى وقيل رد الكلام الكثير الى قليل فيه معنى الكثير وسمى اختصارا لاجتماعه ومنه المخصرة وخصر الانسان واما قوله (أو أن يفصل ذلك المعنى من جملة الحديث) فهذه مسألة اختلف العلماء فيها وهي رواية بعض الحديث فمنهم من منعه مطلقا بناء على منع الرواية بالمعنى ومنعه بعضهم وان جازت الرواية بالمعنى إذا لم يكن رواه هو أو غيره بتمامه قبل هذا وجوزه جماعة مطلقا ونسبة القاضى عياض الى مسلم والصحيح الذي ذهب إليه الجماهير والمحققون من أصحاب الحديث والفقه والاصول التفصيل وجواز ذلك من العارف إذا كان ما تركه غير متعلق بما رواه بحيث لا يختل البيان ولا تختلف الدلالة بتركه سواء جوزنا الرواية بالمعنى أم لا وسواء رواه قبل تاما أم لا هذا ان ارتفعت منزلته عن التهمة فأما من رواه تاما ثم خاف ان رواه ثانيا ناقصا أن يتهم بزيادة أولا أو نسيان لغفلة وقلة ضبط ثانيا فلا يجوز له النقصان ثانيا ولا ابتداء ان كان قد تعين عليه اداؤه وأما تقطيع المصنفين الحديث الواحد في الابواب فهو بالجواز أولى بل يبعد طرد الخلاف فيه وقد استمر عليه عمل الأئمة الحفاظ الجلة من المحدثين وغيرهم من أصناف العلماء وهذا معنى قول مسلم رحمه الله أو أن يفصل ذلك المعنى الى آخره وقوله (إذا أمكن) يعنى إذا وجد الشرط الذي ذكرناه على مذهب الجمهور من التفصيل وقوله (ولكن تفصيله ربما عسر من جملته فاعادته بهيئة إذا ضاق ذلك أسلم) معناه ما ذكرنا أنه لا يفصل الا ما ليس مرتبطا بالباقي وقد يعسر هذا بعض الأحاديث فيكون كله مرتبطا بالباقي أو يشك في ارتباطه ففي هذه الحالة يتعين ذكره بتمامه وهيئته ليكون أسلم مخافة من الخطأ والزلل والله أعلم قال رحمه الله
[ 50 ]
(فأما القسم الأول فانا نتوخى أن نقدم الأخبار التى هي أسلم من العيوب من غيرها وأنقى من أن يكون ناقلوها أهل استقامة في الحديث واتقان لما نقلوا لم يوجد في روايتهم اختلاف شديد ولا تخليط فاحش كما قد عثر فيه على كثير من المحدثين وبان ذلك في حديثهم) أما قوله نتوخى فمعناه نقصد يقال توخى وتأخى وتحرى وقصد بمعنى واحد وأما قوله وأنقى فهو بالنون والقاف وهو معطوف على قوله أسلم وهنا تم الكلام ثم ابتدأ بيان كونها أسلم وأنقى فقال من أن يكون ناقلوها أهل استقامة والظاهر أن لفظة من هنا للتعليل فقد قال الامام أبو القاسم عبد الواحد بن على بن عمر الاسدي في كتابه شرح اللمع في باب المفعول له اعلم أن الباء تقوم مقام اللام قال الله تعالى من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم من قال الله تعالى أجل ذلك كتبنا على بنى اسرائيل وقال أبو البقاء في قوله تعالى أبو من أنفسهم يجوز أن يكون للتعليل والله أعلم وأما قوله لم يوجد في روايتهم اختلاف شديد ولا تخليط فاحش فتصريح منه بما قال الأئمة من أهل الحديث والفقه والأصول ان ضبط الراوى يعرف بأن تكون روايته غالبا كما روى الثقات لا تخالفهم الا نادرا فان كانت مخالفته نادرة لم يخل ذلك بضبطه بل يحتج به لأن ذلك لا يمكن الاحتراز منه وان كثرت مخالفته اختل ضبطه ولم يحتج برواياته وكذلك التخليط في روايته واضطرابها ان ندر لم يضر وان كثر ردت روايته وقوله كما قد عثر هو بضم العين وكسر المثلثة أي اطلع من قول الله تعالى عثر على أنهما استحقا أثما والله أعلم قال رحمه الله (فإذا نحن تقصينا أخبار هذا الصنف من الناس أتبعناها أخبارا يقع
[ 51 ]
في أسانيدها بعض من ليس بالموصوف بالحفظ والاتقان كالصنف المقدم قبلهم على أنهم وإن كانوا فيما وصفنا دونهم فان اسم الستر والصدق وتعاطى الاخبار يشملهم كعطاء بن السائب ويزيد بن ابى زياد وليث بن أبى سليم وأضرابهم من حمال الآثار ونقال الأخبار) قوله تقصينا هو بالقاف ومعناه أتينا بها كلها يقال اقتص الحديث وقصه وقص الرؤيا أتى بذلك الشئ بكماله وأما قوله فإذا نحن تقصينا أخبار هذا الصنف أتبعناها الى آخره فقد قدمنا في الفصول بيان الاختلاف في معناه وانه هل وفى به في هذا الكتاب أم اخترمته المنية دون تمامه والراجح أنه وفى به والله أعلم وقوله فان اسم الستر هو بفتح السين مصدر سترت الشئ أستره سترا ويوجد في أكثر الروايات والاصول مضبوطا بكسر السين ويمكن تصحيح هذا على أن الستر يكون بمعنى المستور كالذبح بمعنى المذبوح ونظائره وقوله يشملهم أي يعمهم وهو بفتح الميم على اللغة الفصيحة ويجوز ضمها في لغة يقال شملهم الأمر بكسر الميم يشملهم بفتحها هذه اللغة المشهورة وحكى أبو عمر والزاهد عن ابن الاعرابي أيضا شملهم بالفتح يشملهم بالضم والله أعلم أما عطاء بن السائب فيكنى أبا السائب ويقال أبو يزيد ويقال أبو محمد ويقال أبو زيد الثقفى الكوفى التابعي وهو ثقة لكنه اختلط في آخر عمره قال أئمة هذا الفن اختلط في آخر عمره فمن سمع منه قديما فهو صحيح السماع ومن سمع منه متأخرا فهو مضطرب الحديث فمن السامعين أولا سفيان الثوري وشعبة ومن السامعين آخرا جرير وخالد ابن عبد الله واسماعيل وعلى بن عاصم هكذا قال أحمد بن حنبل وقال يحيى بن معين جميع ما روى عن عطاء روى عنه في الاختلاط الا شعبة وسفيان وفى رواية عن يحيى قال وسمع أبو عوانة من عطاء في الصحة والاختلاط جميعا فلا يحتج بحديثه قلت وقد تقدم حكم التخليط والمخلط في الفصول وأما يزيد بن أبى زياد فيقال فيه أيضا يزيد بن زياد وهو قرشي دمشقي قال الحافظ هو ضعيف وقال ابن نمير ويحيى بن معين ليس هو بشئ وقال أبو حاتم ضعيف وقال
[ 52 ]
النسائي متروك الحديث وقال الترمذي ضعيف في الحديث وأما ليث بن أبى سليم فضعفه الجماهير قالوا واختلط واضطربت أحاديثه قالوا وهو ممن يكتب حديثه قال أحمد بن حنبل هو مضطرب الحديث ولكن حدث الناس عنه وقال الدارقطني وابن عدى يكتب حديثه وقال كثيرون لا يكتب حديثه وامتنع كثيرون من السلف من كتابة حديثه واسم أبى سليم أيمن وقيل أنس والله أعلم وأما قوله وأضرابهم فمعناه أشباههم وهو جمع ضرب قال أهل اللغة الضريب على وزن الكريم والضرب بفتح الضاد واسكان الراء وهما عبارة عن الشكل والمثل وجمع الضرب أضراب وجمع الضريب ضربا ككريم وكرما وأما انكار القاضى عياض على مسلم قوله وأضرابهم وقوله ان صوابه ضربائهم فليس بصحيح فانه حمل قول مسلم وأضرابهم على أنه جمع ضريب بالياء وليس ذلك جمع ضريب بل جمع ضرب بحذفها كما ذكرته فاعرفه وقوله ونقال الاخبار هو باللام والله أعلم قال رحمه الله (ألا ترى أنك إذا وازنت هؤلاء الثلاثة الذين سميناهم عطاء ويزيد وليثا بمنصور بن المعتمر وسليمان الاعمش واسمعيل بن أبى خالد الى آخر كلامه) فقوله وازنت هو بالنون ومعناه قابلت قال القاضى عياض ويروى وازيت بالياء أيضا وهو بمعنى وازنت ثم هذا كله قد ينكر على مسلم فيه ويقال عادة أهل العلم إذا ذكروا جماعة في مثل هذا السياق قدموا أجلهم مرتبة فيقدمون الصحابي على التابعي والتابعي على تابعه والفاضل على من دونه فإذا تقرر هذا فاسماعيل بن أبى خالد تابعي مشهور رأى أنس بن مالك وسلمة بن الاكوع وسمع عبد الله بن أبى أوفى وعمرو بن حريث وقيس بن عائد أبا كاهل وأبا
[ 53 ]
جحيفة وهؤلاء كلهم صحابة رضى الله عنهم واسم أبى خالد هرمز وقيل سعد وقيل كثير وأما الاعمش فرأى أنس بن مالك فحسب وأما منصور بن المعتمر فليس بتابعي وانما هو من أتباع التابعين فكان ينبغى أن يقول إذا وازنتهم باسماعيل والاعمش ومنصور وجوابه أنه ليس المراد هنا التنبيه على مراتبهم فلا حجر في عدم ترتيبهم ويحتمل أن مسلما قدم منصورا لرجحانه في ديانته وعبادته فقد كان أرجحهم في ذلك وان كان الثلاثة راجحين على غيرهم مع كمال حفظ لمنصور واتقان وتثبت قال على بن المديني إذا حدثك ثقة عن منصور فقد ملأت يديك لا تزيد غيره وقال عبد الرحمن بن المهدى منصور أثبت أهل الكوفة وقال سفيان كنت لا أحدث الاعمش عن أحد من أهل الكوفة الا رده فإذا قلت عن منصور سكت وقال أحمد بن حنبل منصور أثبت من اسماعيل ابن أبى خالد وقال يحيى بن معين إذا اجتمع الاعمش ومنصور فقدم منصورا وقال أبو حاتم منصور أتقن من الاعمش لا يختلط ولا يدلس وقال الثوري ما خلفت بالكوفة آمن على الحديث من منصور وقال أبو زرعة سمعت ابراهيم بن موسى يقول أثبت أهل الكوفة منصور ثم مسعر وقال أحمد بن عبد الله منصور أثبت أهل الكوفة وكان مثل القدح لا يختلف فيه أحد وصام ستين سنة وقامها وأما عبادته وزهده وورعه وامتناعه من القضاء حين أكره عليه فأكثر من أن يحصر وأشهر من أن يذكر رحمه الله والله أعلم وهذا أول موضوع في الكتاب جرى فيه ذكر أصحاب الألقاب فنتكلم فيه بقاعدة مختصرة قال العلماء من أصحاب الحديث والفقه وغيرهم يجوز ذكر الراوى بلقبه وصفته ونسبه الذى يكرههه إذا كان المراد تعريفه لا تنقيصه وجوز هذا للحاجة كما جوز جرحهم للحاجة مثال ذلك الاعمش والأعرج والأحول والأعمى والأصم والأشل والأثرم والزمن والمفلوح وابن علية وغير ذلك وقد صنفت فيه كتب معروفة
[ 54 ]
قال رحمه الله (كابن عون وأيوب السختيانى مع عوف بن أبى جميلة وأشعث الحمراني) أما ابن عون فهو عبد الله بن عون بن ارطبان وأما السختيانى فبفتح السين وكسر التاء المثناة قال أبو عمر ابن عبد البر في التمهيد كان أيوب يبيع الجلود بالبصرة فلهذا قيل له السختيانى وأما عوف بن أبى جميلة فيعرف بعوف الاعرابي ولم يكن اعرابيا واسم أبى جميلة بندويه ويقال زريبة قال أحمد بن حنبل عوف ثقة صالح الحديث وقال يحيى بن معين ومحمد بن سعد هو ثقة كنيته أبو سهل وأما أشعث فهو ابن عبد الملك أبو هانئ البصري قال أبو بكر البرقانى قلت للدارقطني أشعث عن الحسن قال هم ثلاثة يحدثون عن الحسن جميعا أحدهم الحمراني منسوب الى حمران مولى عثمان ثقة وأشعث بن عبد الله الحدانى بصرى يروى عن أنس بن مالك والحسن يعتبر به وأشعث بن سوار الكوفى يعتبر به وهو أضعفهم والله أعلم قوله (الا أن البون بينهما بعيد) البون بفتح الباء الموحدة معناه الفرق أي هما متباعدان كما قال وجدتهم متباينين وقوله (ليكون تمثيلهم سمة يصدر عن فهمها من غبى عليه طريق أهل العلم) أما السمة بكسر السين وتخفيف الميم فهى العلامة وقوله يصدر أي يرجع يقال صدر عن الماء والبلاد والحج إذا انصرف عنه بعد قضاء وطره فمعنى يصدر عن فهمها ينصرف عنها بعد فهمها وقضاء حاجته منها وقوله غبى
[ 55 ]
بفتح الغين وكسر الباء أي خفى قال رحمه الله (وقد ذكر عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت أمرنا رسول الله ص = أن ننزل الناس منازلهم) هذا الحديث قد تقدم بيانه في فصل التعليق من الفصول المتقدمة واضحا ومن فوائده تفاضل الناس في الحقوق على حسب منازلهم ومراتبهم وهذا في بعض الأحكام أو أكثرها وقد سوى الشرع بينهم في الحدود وأشباهها مما هو معروف والله أعلم قال رحمه الله (فأما ما كان منها عن قوم هم عند أهل الحديث متهمون أو عند الأكثر منهم فلسنا نتشاغل بتخريج حديثهم كعبد الله بن مسور أبى جعفر المدايني وعمرو بن خالد وعبد القدوس الشامي ومحمد بن سعيد المصلوب وغياث بن ابراهيم وسليمان بن عمرو أبى داود النخعي وأشباههم ممن اتهم بوضع الأحاديث وتوليد الأخبار) هؤلاء الجماعة المذكورون كلهم متهمون متروكون لا يتشاغل بأحد منهم لشدة ضعفهم وشهرتهم بوضع الأحاديث ومسور بكسر الميم وعبد القدوس الشامي بالشين المعجمة نسبة الى الشام هذا هو الصواب فيه وحكى القاضى عياض أن بعض الشيوخ من رواة مسلم ضبطه بالسين المهملة قال وهو خطأ وهو خطأ كما قال وهذا لا خلاف فيه وهو عبد القدوس بن حبيب الكلاعى الشامي أبو سعيد روى عن عكرمة وعطاء وغيرهما قال ابن أبى حاتم قال عمرو بن
[ 56 ]
على الفلاس أجمع أهل العلم على ترك حديثه فهذا هو عبد القدوس الذى عناه مسلم هنا ولهم آخر اسمه عبد القدوس ثقة وهو عبد القدوس بن الحجاج أبو المغيرة الخولانى الشامي الحمصى سمع صفوان بن عمرو والأوزاعي وغيرهما روى أحمد بن حنبل ويحيى بن معين ومحمد بن يحيى الذهلى وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي وآخرون من كبار الأئمة والحفاظ قال أحمد بن عبد الله العجلى والدارقطني وغيرهما هو ثقة وقد روى له البخاري ومسلم في صحيحهما وأما محمد بن سعيد المصلوب فهو الدمشقي كنيته أبو عبد الرحمن ويقال أبو عبد الله ويقال أبو قيس وفى نسبه واسمه اختلاف كثير جدا لا نعلم أحدا اختلف فيه كمثله وقد حكى الحافظ عبد الغنى المقدسي عن بعض أصحاب الحديث أنه يغلب اسمه على نحو مائة قال أبو حاتم الرازي متروك الحديث قتل وصلب في الزندقة وقال أحمد بن حنبل قتله أبو جعفر في الزندقة حديثه موضوع وقال خالد ابن يزيد سمعته يقول إذا كان كلام حسن لم أر بأسا أن أجعل له اسنادا وأما غياث بن ابراهيم فبالغين المعجمة وهو كوفى كنيته أبو عبد الرحمن قال البخاري في تاريخه تركوه وأما قوله وسليمان بن عمرو أبى داود فهو عمرو بفتح العين وبواو في الخط وأبى دواد كنية سليمان هذا والله سبحانه أعلم وأما الحديث الموضوع فهو المختلق المصنوع وربما أخذ الواضع كلاما لغيره فوضعه وجعله حديثا وربما وضع كلاما من عند نفسه وكثير من الموضوعات أو أكثرها يشهد بوضعها ركاكة لفظها واعلم أن تعمد وضع الحديث حرام باجماع المسلمين الذين يعتد بهم في الاجماع وشذت الكرامية الفرقة المبتدعة فجوزت وضعه في الترغيب والترهيب والزهد وقد سلك مسلكهم بعض الجهلة المتسمين بسمة الزهاد ترغيبا في الخير في زعمهم الباطل وهذه غباوة ظاهرة وجهالة متناهية ويكفى في الرد عليهم قول رسول الله ص = من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار وسنزيد هذا قريبا شرحا في موضعه ان شاء الله تعالى وأما قوله وتوليد الأخبار فمعناه انشاؤها وزيادتها قال رحمه الله (وعلامة المنكر في الحديث
[ 57 ]
المحدث إذا ما عرضت روايته للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضى خالفت روايته روايتهم أو لم تكد توافقها) هذا الذى ذكر رحمه الله هو المعنى المنكر عند المحدثين يعنى به المنكر المردود فانهم قد يطلقون المنكر على انفراد الثقة بحديث وهذا ليس بمنكر مردود إذا كان الثقة ضابطا متقنا وقوله أو لم تكد توافقها معناه لا توافقها الا في قليل قال أهل اللغة كاد موضوعة للمقاربة فان لم يتقدمها نفى كانت لمقاربة الفعل ولم يفعل كقوله تعالى البرق يخطف أبصارهم وان تقدمها نفى كانت للفعل بعد بطء وان شئت قلت لمقاربة عدم الفعل كقوله تعالى وما كادوا يفعلون قال رحمه الله (فمن هذا الضرب من المحدثين عبد الله بن محرر ويحيى بن ابى أنيسة والجراح بن المنهال أبو العطوف وعباد بن كثير وحسين بن عبد الله ابن ضميرة وعمر بن صهبان) أما عبد الله بن محرر فهو بفتح الحاء المهملة وبرائين مهملتين الاولى مفتوحة مشددة هكذا هو وفى روايتنا وف أصول أهل بلادنا وهذا هو الصواب وكذا ذكره البخاري في تاريخه وأبو نصر بن ماكولا وأبو على الغساني الجيانى وآخرون من الحفاظ وذكر القاضى عياض أن جماعة شيوخهم رووه محرزا باسكان الحاء وكسر الراء وآخره زاى قال وهو غلط والصواب الاول وعبد الله بن محرر عامري جزرى رقى ولاه أبو جعفر قضاء الرقة وهو من تابعي التابعين روى عن الحسن وقتادة والزهرى ونافع مولى ابن عمر وآخرين من التابعين وروى عنه الثوري وجماعات واتفق الحفاظ والمتقدمون على تركه قال أحمد بن حنبل ترك الناس حديثه وقال الآخرون مثله ونحوه وأما أبو أنيسة والد يحيى فاسمه زيد وأما أبو العطوف فبفتح العين وضم الطاء المهملتين والجراح بن منهال هذا جزرى يروى عن التابعين
[ 58 ]
سمع الحكم بن عتيبة والزهرى يروى عنه يزيد بن هارون قال البخاري وغيره هو منكر الحديث وأما صهبان فهو بضم الصاد المهملة واسكان الهاء وعمر بن صهبان هذا أسلمى مدنى ويقال فيه عمر بن محمد بن صهبان متفق على تركه قال رحمه الله كلاما مختصرا ان زيادة الثقة الضابط مقبولة ورواية الشاذ والمنكر مردودة وهذا الذى قاله الصحيح الذى عليه الجماهير من أصحاب الحديث والفقه والأصول وقد تقدم ايضاح هذه المسألة وبيان الخلاف فيها وما يتعلق بها في الفصول السابقة والله أعلم قوله (قد نقل أصحابهما عنهما حديثهما على الاتفاق) هو هكذا في معظم الأصول الاتفاق بالفاء أولا والقاف آخرا وفى بعضها الاتقان بالقاف أولا والنون آخرا والأول أجود وهو الصواب قوله (فيروى عنهما أو عن أحدهما العدد من الحديث) العدد منصوب يروى قوله (وقد شرحنا من مذهب الحديث وأهله بعض ما يتوجه به من أراد سبيل القوم ووفق لها) معنى يتوجه به يقصد طريقهم ويسلك مذهبهم
[ 59 ]
والسبيل الطريق وهما يؤنثان ويذكران والتوفيق خلق قدرة الطاعة قال رحمه الله (وسنزيد ان شاء الله تعالى شرحا وايضاحا في مواضع من الكتاب عند ذكر الأخبار المعللة إذا أتينا عليها في الأماكن التي يليق بها الشرح والايضاح ان شاء الله تعالى) هذا الذي ذكره مسلم مما اختلف فيه فقيل اخترمته المنية قبل جمعه وقيل بل ذكره في أبوابه من هذا الكتاب الموجود وقد تقدم بيان هذا واضحا في الفصول والله اعلم قوله (مما يقذفون به الى الاغبياء) أي يلقونه إليهم والأغبياء بالغين المعجمة والباء الموحدة هم الغفلة والجهال والذين لا فطنة لهم قوله (سفيان بن عيينه) هذا أول موضع جاء ذكره رضى الله عنه والمشهور فيه ضم السين والعين وذكر ابن السكيت في سفيان ثلاث لغات للعرب ضم السين وفتحها وكسرها وذكر أبو حاتم السختياني وغيره ضم العين وكسرها وهما وجهان لأهل العربية معروفان قال رحمه الله
[ 60 ]
(اعلم وفقك الله تعالى أن الواجب على كل احد عرف التمييز بين صحيح الروايات وسقيمها وثقات الناقلين لها من المتهمين أن لا يروى منها الا ما عرف صحة مخارجه والستارة في ناقليه وأن يتقى منها ما كان عن أهل التهم والمعاندين من أهل البدع) الستارة بكسر السين وهي ما يستتر به وكذلك السترة وهي هنا اشارة الى الصيانة وقوله وأن يتقى منها ضبطناه بالتاء المثناة فوق بعد المثناة تحت وبالقاف من الاتقاء وهو الاجتناب وفي بعض الأصول وأن ينفى بالنون والفاء وهو صحيح أيضا وهو بمعنى الأول وقوله صحيح الروايات وسقيمها وثقات الناقلين لها من المتهمين ليس هو من باب التكرار للتأكيد بل له معنى غير ذلك فقد تصح الروايات لمتن ويكون الناقلون لبعض أسانيده متهمين فلا يشتغل بذلك الاسناد وأما قوله انه يجب أن يتقى ما كان منها عن المعاندين من أهل البدع فهذا مذهبه قال العلماء من المحدثين والفقهاء وأصحاب الأصول المبتدع الذي يكفر ببدعته لا تقبل روايته بالاتفاق وأما الذي لا يكفر بها فاختلفوا في روايته فمنهم من ردها مطلقا لفسقه ولا ينفعه التأويل ومنهم من قبلها مطلقا إذا لم يكن ممن يستحل الكذب في نصرة مذهبه أو لأهل مذهبه سواء كان داعية الى بدعته أو غير داعية وهذا محكى عن امامنا الشافعي رحمه الله لقوله اقبل شهادة أهل الاهواء لا الخطابية من الرافضة لكونهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم ومنهم من قال تقبل إذا لم يكن داعية الى بدعته ولا تقبل إذا كان داعية وهذا مذهب كثيرين أو الأكثر من العلماء وهو الأعدل الصحيح وقال بعض أصحاب الشافعي رحمه الله اختلف أصحاب الشافعي في غير الداعية واتفقوا على عدم قبول الداعية وقال أبو حاتم بن حيان بكسر الحاء لا يجوز الاحتجاج بالداعية عند أئمتنا قاطبة
[ 61 ]
لا خلاف بينهم في ذلك وأما المذهب الأول فضعيف جدا ففى الصحيحين وغيرهما من كتب أئمة الحديث الاحتجاج بكثيرين من المبتدعة غير الدعاة ولم يزل السلف والخلف على قبول الرواية منهم والاحتجاج بها والسماع منهم واسماعهم من غير انكار منهم والله اعلم قال رحمه الله (والخبر وان فارق معناه معنى الشهادة في بعض الوجوه فقد يجتمعان في معظم معانيهما) هذا من الدلائل الصريحة على عظم قدر مسلم وكثرة فقهه اعلم أن الخبر والشهادة يشتركان في أوصاف ويفترقان في أوصاف فيشتركان في اشتراط الاسلام والعقل والبلوغ والعدالة والمرؤة وضبط الخبر والمشهود به عند التحمل والأداء ويفترقان في الحرية والذكورية والعدد والتهمة وقبول الفرع مع وجود الأصل فيقبل خبر العبد والمرأة والواحد ورواية الفرع مع حضور الاصل الذى هو شيخه ولا تقبل شهادتهم الا في المرأة في بعض المواضع مع غيرها وترد الشهادة بالتهمة كشهادته على عدوه وبما يدفع به عن نفسه ضررا أو يجر به إليها نفعا ولولده ووالده واختلفوا في شهادة الأعمى فمنعها الشافعي وطائفة وأجازها مالك وطائفة واتفقوا على قبول خبره وانما فرق الشرع بين الشهادة والخبر في هذه الأوصاف لأن الشهادة تخص فيظهر فيها التهمة والخبر يعمه وغيره من الناس أجمعين فتنتفى التهمة وهذه الجملة قول العلماء الذين يعتد بهم وقد شذ عنهم جماعة في أفراد بعض هذه الجملة فمن ذلك شرط بعض أصحاب الأصول أن يكون تحمله الرواية في حال البلوغ والاجماع يرد عليه وانما يعتبر البلوغ حال الرواية لا حال السماع وجوز بعض أصحاب الشافعي رواية الصبى وقبولها منه في حال الصبا
[ 62 ]
والمعروف من مذاهب العلماء مطلقا ما قدمناه وشرط الجبائى المعتزلي وبعض القدرية العدد في الرواية فقال الجبائى لا بد من اثنين عن اثنين كالشهادة وقال القائل من القدرية لا بد من أربعة عن أربعة في كل خبر وكل هذه الأقوال ضعيفة ومنكرة مطرحة وقد تظاهرت دلائل النصوص الشرعية والحجج العقلية على وجوب العمل بخبر الواحد وقد قرر العلماء في كتب الفقه والأصول ذلك بدلائله وأوضحوه أبلغ ايضاح وصنف جماعات من أهل الحديث وغيرهم مصنفات مستكثرات مستقلات في خبر الواحد ووجوب العمل به والله أعلم ثم ان قولنا تشترط العدالة والمروءة يدخل فيه مسائل كثيرة معروفة في كتب الفقه يطول الكلام بتفصيلها قال رحمه الله (وهو الأثر المشهور عن رسول الله ص = من حدث عنى بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة حدثنا وكيع عن شعبة عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن سمرة بن جندب ح وحدثنا أبو بكر بن أبى شيبة أيضا حدثنا وكيع عن شعبة وسفيان عن حبيب عن ميمون بن أبى شبيب عن المغيرة
[ 63 ]
ابن شعبة قالا قال رسول الله ص = ذلك) أما قوله الأثر المشهور عن رسول الله ص = فهو جار على المذهب المختار الذى قاله المحدثين وغيرهم واصطلح عليه السلف وجماهير الخلف وهو أن الأثر يطلق على المروى مطلقا سواء كان عن رسول الله ص = أو عن صحابي وقال الفقهاء الخراسانيون الأثر هو ما يضاف الى الصحابي موقوفا عليه والله أعلم وأما المغيرة فبضم الميم على المشهور وذكر ابن السكيت وابن قتيبة وغيرهما انه يقال بكسرها ايضا وكان المغيرة بن شعبة رضى الله عنه أحد دهاة العرب كنيته أبو عيسى ويقال أبو عبد الله وأبو محمد مات سنة خمسين وقيل سنة أحدى وخمسين اسلم عام الخندق ومن طرف أخباره أنه حكى عنه أنه أحصن في الاسلام ثلثمائة امرأة وقيل ألف امرأة وأما سمرة بن جندب بضم الدال وفتحها وهو سمرة بن جندب بن هلال الفزارى كنيته أبو سعيد ويقال أبو عبد الله ويقال أبو عبد الرحمن ويقال أبو محمد ويقال أبو سليمان مات بالكوفة في آخر خلافة معاوية رحمهم الله وأما سفيان المذكور هنا فهو الثوري أبو عبد الله وقد تقدم أن السين من سفيان مضمومة وتفتح وتكسر وأما الحكم فهو ابن عتيبة بالمثناة من فوق وآخره باء موحدة ثم هاء وهو من أفقه التابعين وعبادهم رضى الله عنه وأما حبيب فهو ابن أبى ثابت قيس التابعي الجليل قال أبو بكر بن عياش كان بالكوفة ثلاثة ليس لهم رابع حبيب بن أبي ثابت والحكم وحماد وكانوا اصحاب الفتيا ولم يكن أحد الا ذل لحبيب وفي هذين الاسنادين لطيفتان من علم الاسناد احداهما أنهما اسنادان رواتهما كلهم كوفيون الصحابيان وشيخا مسلم ومن بينهما الا شعبة فانه واسطى ثم بصرى وفي صحيح مسلم من هذا النوع كثير جدا ستراه في مواضعه حيث ننبه عليه ان شاء الله تعالى واللطيفة الثانية أن كل واحد من الاسنادين فيه تابعي روى عن تابعي وهذا كثير وقد يروى ثلاثة تابعيون بعضهم عن بعض وهو أيضا كثير لكنه دون الأول وسننبه على كثير من هذا في مواضعه وقد يروى أربعة تابعيون بعضهم عن بعض وهذا قليل جدا وكذلك وقع مثل هذا كله في الصحابة رضى الله عنهم صحابي عن صحابي كثير وثلاثة صحابة بعضهم عن بعض وأربعة بعضهم عن بعض وهو قليل جدا وقد جمعت أنا الرباعيات من الصحابة والتابعين في أول شرح صحيح البخاري بأسانيدها وجمل من طرقها وأما عبد الرحمن ابن ابى ليلى فانه من أجل التابعين قال عبد الله بن الحارث ما شعرت ان النساء ولدت مثله وقال
[ 64 ]
عبد الملك بن عمير رأيت عبد الرحمن بن أبى ليلى في حلقة فيها نفر من أصحاب رسول الله ص = يستمعون لحديثه وينصتون له فيهم البراء بن عازب مات سنة ثلاث وثمانين واسم أبى ليلى يسار وقيل بلال وقيل بلال بضم الموحدة وبين اللامين مثناة من تحت وقيل داود وقيل لا يحفظ اسمه وأبو ليلى صحابي قتل مع على رضى الله عنهما بصفين وأما ابن أبى ليلى الفقيه المتكرر في كتب الفقه والذى له مذهب معروف فاسمه محمد وهو ابن عبد الرحمن هذا وهو ضعيف عند المحدثين والله أعلم وأما أبو بكر بن أبى شيبة فاسمه عبد الله وقد أكثر مسلم من الرواية عنه وعن أخيه عثمان ولكن عن أبى بكر أكثر وهما أيضا شيخا البخاري وهما منسوبان الى جدهما واسم أبيهما محمد بن ابراهيم بن عثمان بن خواستى بخاء معجمة مضمومة ثم واو مخففة ثم ألف ثم سين مهملة ساكنة ثم تاء مثناة من فوق ثم ياء مثناة من تحت ولأبي بكر وعثمان ابني أبى شيبة أخ ثالث اسمه القاسم ولا رواية له في الصحيح كان ضعيفا وأبو شيبة هو ابراهيم بن عثمان وكان قاضى واسط وهو ضعيف متفق على ضعفه وأما ابنه محمد والد بنى أبى شبية فكان على قضاء فارس وكان ثقة قاله يحيى بن معين وغيره ويقال لأبى شيبة وابنه وبنى ابنه عبسيون بالموحدة والسين المهملة وأما أبو بكر وعثمان فحافظان جليلان واجتمع في مجلس أبي بكر نحو ثلاثين ألف رجل وكان أجل من عثمان وأحفظ وكان عثمان أكبر منه سنا وتأخرت وفاة عثمان فمات سنة تسع وثلاثين ومائتين ومات أبو بكر سنة خمس وثلاثين ومن طرف ما يتعلق بأبى بكر ما ذكره أبو بكر الخطيب البغدادي قال حدث عن أبى بكر محمد بن سعد كاتب الواقدي ويوسف بن يعقوب أبو عمرو والنيسابوري وبين وفاتيهما مائة وثمان أو سبع سنين والله أعلم وأما ذكر مسلم رحمه الله متن الحديث ثم قوله حدثنا أبو بكر وذكر اسناديه الى الصحابيين ثم قال قالا قال رسول الله ص = ذلك فهو جائز بلا شك وقد قدمنا بيانه في الفصول السابقة وما يتعلق به والله أعلم فهذا مختصر ما يتعلق باسناد هذا الحديث ويحتمل ما ذكرناه من حال بعض رواته وان كان ليس هو غرضنا لكنه أول موضع جرى ذكرهم فأشرنا إليه رمزا وأما متنه فقوله ص = يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين ضبطناه يرى بضم الياء والكاذبين بكسر الباء وفتح النون على الجمع وهذا هو المشهور في اللفظتين قال القاضى عياض الرواية فيه عندنا الكاذبين على الجمع ورواه أبو نعيم الاصبهاني في كتابه المستخرج على صحيح
[ 65 ]
مسلم في حديث سمرة الكاذبين بفتح الباء وكسر النون على التثنية واحتج به على أن الراوى له يشارك البادئ بهذا الكذب ثم رواه أبو نعيم من رواية المغيرة الكاذبين أو الكاذبين على الشك في التثنية والجمع وذكر بعض الأئمة جواز بفتح الياء من يرى وهو ظاهر حسن فأما من ضم الياء فمعناه يظن وأما من فتحها فظاهر ومعناه وهو يعلم ويجوز أن يكون بمعنى يظن أيضا فقد حكى رأى بمعنى ظن وقيد بذلك لانه لا يأثم الا بروايته ما يعلمه أو يظنه كذبا أما ما لا يعلمه ولا يظنه فلا اثم عليه في روايته وان ظنه غيره كذبا أو علمه وأما فقه الحديث فظاهر ففيه تغليظ الكذب والتعرض له وأن من غلب على ظنه كذب ما يرويه فرواه كان كاذبا وكيف لا يكون كاذبا وهو مخبر بما لم يكن وسنوضح حقيقة الكذب وما يتعلق بالكذب على رسول الله ص = قريبا ان شاء الله تعالى فنقول باب تغليظ الكذب على رسول الله ص = فيه قوله ص = لا تكذبوا على فانه من يكذب على يلج النار وفي رواية من تعمد على كذبا فليتبوأ مقعده من النار وفي رواية من كذب على متعمدا وفي رواية ان كذبا على ليس ككذب على أحد فمن كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار أما أسانيده ففيه غندر بضم الغين المعجمة واسكان النون وفتح الدال المهملة هذا هو المشهور فيه وذكر الجوهرى في صحاحه أنه يقال بفتح الدال وضمها اسمه محمد بن جعفر الهذلى مولاهم البصري أبو عبد الله وقيل أبو بكر وغندر لقب لقبه به ابن جريج روينا عن عبيد الله بن عائشة عن بكر بن كلثوم السلمى قال قدم علينا ابن جريج البصرة فاجتمع الناس عليه فحدث عن الحسن البصري بحديث فأنكره الناس عليه فقال ابن عائشة انما سماه غندرا بن جريج في ذلك اليوم كان يكثر الشغب عليه فقال اسكت يا غندر وأهل الحجاز يسمون المشغب غندرا ومن طرف أحوال غندر رحمه الله أنه بقى خمسين سنة يصوم يوما ويفطر يوما ومات في ذى القعدة سنة ثلاث وتسعين ومائة وقيل سنة أربع وتسعين
[ 66 ]
وفيه ربعى بن حراش فربعي بكسر الراء واسكان الموحدة وحراش بكسر الحاء المهملة وبالراء وآخره شين معجمة وقد قدمنا في آخر الفصول أنه ليس في الصحيحين حراش بالحاء المهملة سواه ومن عداه بالمعجمة وهو ربعى بن حراش بن جحش العبسى بالموحده الكوفى أبو مريم أخو مسعود الذى تكلم بعد الموت وأخوهما ربيع وربعي تابعي كبير جليل لم يكذب قط وحلف أنه لا يضحك حتى يعلم أين مصيره فما ضحك الا بعد موته وكذلك حلف أخوه ربيع أن لا يضحك حتى يعلم أفى الجنة هو أو في النار قال غاسله فلم يزل متبسما على سريره ونحن نغسله حتى فرغنا توفى ربعى سنة احدى ومائة وقيل سنة أربع ومائة وقيل توفى في ولاية الحجاج ومات الحجاج سنة خمس وتسعين وأما قوله (حدثنا اسماعيل يعنى ابن عليه) فانما قال يعنى لأنه لم يقع في الرواية ابن عليه فأتى بيعنى وقد تقدم بيان هذا في الفصول وأوضحت هناك مقصوده وعلية هي أم اسماعيل وأبوه ابراهيم بن سهم بن مقسم الاسدي أسد خزيمة مولاهم واسماعيل بصرى وأصله من الكوفة كنيته أبو بشر قال شعبة اسماعيل بن علية ريحانة الفقهاء وسيد المحدثين وقال محمد بن سعد علية أم اسماعيل هي علية بنت حسان مولاه لبنى شيبان وكان امرأة نبيلة عاقلة وكان صالح المرى وغيره من وجوه البصرة وفقهائها يدخلون عليها فتبرز فتحادثهم وتسائلهم ومن طرف ما يتعلق باسماعيل بن علية ما ذكره الخطيب البغدادي قال حدث عن اسماعيل بن علية ابن جريج وموسى بن سهل الوشا وبين وفاتيهما مائة وتسع وعشرون سنة وقيل سبع وعشرون قال وحدث عن ابن علية ابراهيم بن طهمان وبين
[ 67 ]
وفاته ووفاته الوشا مائة وعشر سنين وقيل مائة وخمس وعشرون سنة قال وحدث عن ابن علية شعبة وبين وفاته ووفاة الوشا مائة وثماني عشر سنة وحدث عن ابن علية عبد الله بن وهب وبين وفاته ووفاة الوشا احدى وثمانون سنة مات الوشا يوم الجمعة أول ذى القعدة سنة ثمان وتسعين ومائتين وقوله في الاسناد الآخر (حدثنا محمد بن عبيد الله الغبرى حدثنا أبو عوانة عن أبى حصين عن أبى صالح عن أبى هريرة) اما الغبرى فبغين معجمة مضمومة ثم باء موحدة مفتوحة منسوب الى غبر أبى قبيلة معروفة في بكر بن وائل ومحمد هذا بصرى وأما أبو عوانة فبفتح العين وبالنون واسمه الوضاح بن عبد الله الواسطي وأما أبو حصين فبفتح الحاء المهملة وكسر الصاد وقد تقدم في آخر الفصول أنه ليس في الصحيحين له نظير وأن من سواه حصين بضم الحاء وفتح الصاد الا حضين بن المنذر فانه بالضاد المعجمة واسم أبى حصين عثمان ابن عاصم الأسدى الكوفى التابعي وأما أبو صالح فهو السمان ويقال الزيات واسمه ذكوان كان يجلب الزيت والسمن الى الكوفة وهو مدنى توفى سنة احدى ومائة وفى درجته وقريب منه جماعة يقال لكل واحد منهم أبو صالح وأما أبو هريرة فهو أول من كنى بهذه الكنية واختلف في اسمه واسم أبيه على نحو من ثلاثين قولا وأصحها عبد الرحمن بن صخر قال أبو عمرو ابن عبد البر لكثرة الاختلاف فيه لم يصح عندي فيه شئ يعتمد عليه الا أن عبد الله وعبد الرحمن هو الذى يسكن إليه القلب في اسمه في الاسلام قال وقال محمد بن اسحق اسمه عبد الرحمن بن صخر قال وعلى هذا اعتمدت طائفة صنفت في الأسماء والكنى وكذا قال الحاكم أبو أحمد أصح شئ عندنا في اسمه عبد الرحمن بن صخر وأما سبب تكنيه أبا هريرة فانه كانت له في صغره هريرة صغيرة يلعب بها ولأبي هريرة رضى الله عنه منقبة عظيمة وهى أنه أكثر الصحابة رضى الله عنهم رواية عن رسول الله ص = وذكر الامام الحافظ بقى بن مخلد الأندلسى في مسنده لأبى هريرة خمسة آلاف حديث وثلثمائة وأربعة وسبعين حديثا
[ 68 ]
وليس لأحد من الصحابة رضى الله عنهم هذا القدر ولا ما يقاربه قال الامام الشافعي رحمه الله أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره وكان أبو هريرة ينزل المدينة بذى الحليفة وله بها دار مات بالمدينة سنة تسع وخمسين وهو ابن ثمان وسبعين سنة ودفن بالبقيع وماتت عائشة رضى الله عنها قبله بقليل وصلى عليها وقيل انه مات سنة سبع وخمسين وقيل سنة ثمان والصحيح سنة تسع وكان من ساكنى الصفة وملازميها قال أبو نعيم في حيلة الأولياء كان عريف أهل الصفة وأشهر من سكنها والله أعلم وأما متن الحديث فهو حديث عظيم في نهاية من الصحة وقيل انه متواتر ذكر أبو بكر البزار في مسنده أنه رواه عن النبي عليه السلام نحو من أربعين نفسا من الصحابة رضى الله عنهم وحكى الامام أبو بكر الصيرفى في شرحه لرسالة الشافعي رحمهما الله أنه روى عن أكثر من ستين صحابيا مرفوعا وذكر أبو القاسم عبد الرحمن بن مندة عدد من رواه فبلغ بهم سبعة وثمانين ثم قال وغيرهم وذكر بعض الحفاظ أنه روى عن اثنين وستين صحابيا وفيهم العشرة المشهود لهم بالجنة قال ولا يعرف حديث اجتمع على رواية العشرة الا هذا ولا حديث يروى عن أكثر من ستين صحابيا الا هذا وقال بعضهم رواه مائتان من الصحابة ثم لم يزل في ازدياد وقد اتفق البخاري ومسلم على اخراجه في صحيحهما من حديث على والزبير وأنس وأبى هريرة وغيرهم وأما ايراد أبى عبد الله الحميدى صاحب الجمع بين الصحيحين حديث أنس في أفراد مسلم فليس بصواب فقد اتفقا عليه والله أعلم وأما لفظ متنه فقوله ص = فليتبوأ مقعده من النار قال العلماء معناه فلينزل وقيل فليتخذ منزله من النار وقال الخطابى أصله من مباءة الابل وهى أعطانها ثم قيل انه دعاء بلفظ الامر أي بوأه الله ذلك وكذا فليلج النار وقيل هو خبر بلفظ الامر أي معناه فقد استوجب ذلك فليوطن نفسه عليه ويدل عليه الرواية الاخرى يلج النار وجاء في رواية بني له بيت في النار ثم معنى الحديث أن هذا جزاؤه وقد يجازى به وقد يعفو الله الكريم عنه ولا يقطع عليه بدخول النار وهكذا سبيل كل ما جاء من الوعيد بالنار لأصحاب الكبائر غير الكفر فكلها يقال فيها هذا جزاؤه وقد يجازى
[ 69 ]
وقد يعفى عنه ثم ان جوزي وأدخل النار فلا يخلد فيها بل لابد من خروجه منها بفضل الله تعالى ورحمته ولا يخلد في النار أحد مات على التوحيد وهذه قاعدة متفق عليها عند أهل السنة وسيأتى دلائلها في كتاب الايمان قريبا ان شاء الله والله أعلم وأما الكذب فهو عند المتكلمين من أصحابنا الأخيار عن الشئ على خلاف ما هو عمدا كان أو سهوا هذا مذهب أهل السنة وقالت المعتزلة شرطه العمدية ودليل خطاب هذه الاحاديث لنا فانه قيده عليه السلام بالعمد لكونه قد يكون عمدا وقد يكون سهوا مع أن الاجماع والنصوص المشهورة في الكتاب والسنة متوافقة متظاهرة على أنه لا اثم على الناسي والغالط فلو أطلق عليه السلام الكذب لتوهم أنه يأثم الناسي أيضا فقيده وأما الروايات المطلقة فمحمولة على المقيدة بالعمد والله أعلم واعلم أن هذا الحديث يشتمل على فوائد وجمل من القواعد احداها تقرير هذه القاعدة لأهل السنة أن الكذب يتناول اخبار العامد والساهى عن الشئ بخلاف ما هو الثانية تعظيم تحريم الكذب عليه ص = وأنه فاحشة عظيمة وموبقة كبيرة ولكن لا يكفر بهذا الكذب الا أن يستحله هذا هو المشهور من مذاهب العلماء من الطوائف وقال الشيخ أبو محمد الجوينى والد امام الحرمين أبى المعالى من أئمة أصحابنا يكفر بتعمد الكذب عليه ص = حكى امام الحرمين عن والده هذا المذهب وأنه كان يقول في درسه كثيرا من كذب على رسول الله ص = عمدا كفر وأريق دمه وضعف امام الحرمين هذا القول وقاله انه لم يره لأحد من الاصحاب وانه هفوة عظيمة والصواب ما قدمناه عن الجمهور والله أعلم ثم ان من كذب على رسول الله ص = عمدا في حديث واحد فسق وردت رواياتة كلها وبطل الاحتجاج بجميعها فلو تاب وحسنت توبته فقد قال جماعة من العلماء منهم أحمد بن حنبل وأبو بكر الحميدى شيخ البخاري وصاحب الشافعي وأبو بكر الصيرفى من فقهاء اصحابنا الشافعيين وأصحاب الوجوه منهم ومتقدميهم في الاصول والفروع لا تؤثر توبته في ذلك ولا تقبل روايته أبدا بل يحتم جرحه دائما وأطلق الصيرفى وقال كل من أسقطنا خبره من أهل النقل بكذب
[ 70 ]
وجدناه عليه لم نعد لقبوله بتوبة تظهر ومن ضعفنا نقله لم نجعله قويا بعد ذلك قال وذلك مما افترقت فيه الرواية والشهادة ولم أر دليلا لمذهب هؤلاء ويجوز أن يوجه بأن ذلك جعل تغليظا وزجرا بليغا عن الكذب عليه ص = لعظم مفسدته فانه يصير شرعا مستمرا الى يوم القيامة بخلاف الكذب على غيره والشهادة فان مفسدتهما قاصرة ليست عامة قلت وهذا الذى ذكره هؤلاء الأئمة ضعيف مخالف للقواعد الشرعية والمختار القطع بصحته توبته في هذا وقبول رواياته بعدها إذا صحت توبته بشروطها المعروفة وهى الاقلاع عن المعصية والندم على فعلها والعزم على أن لا يعود إليها فهذا هو الجارى على قواعد الشرع وقد أجمعوا على صحة رواية من كان كافرا فأسلم وأكثر الصحابة كانوا بهذه الصفة وأجمعوا على قبول شهادته ولا فرق بين الشهادة والرواية في هذا والله أعلم الثالثة أنه لافرق في تحريم الكذب عليه ص = بين ما كان في الاحكام وما لا حكم فيه كالترغيب والترهيب والمواعظ وغير ذلك فكله حرام من أكبر الكبائر وأقبح القبائح باجماع المسلمين الذين يعتد بهم في الاجماع خلافا للكرامية الطائفة المبتدعة في زعمهم الباطل أنه يجوز وضع الحديث في الترغيب والترهيب وتابعهم على هذا كثيرون من الجهلة الذين ينسبون أنفسهم الى الزهد أو ينسبهم جهلة مثلهم وشبهة زعمهم الباطل انه جاء في رواية من كذب على متعمدا ليضل به فليتبوأ مقعده من النار وزعم بعضهم ان هذا كذب له عليه الصلاة والسلام لا كذب عليه وهذا الذى انتحلوه وفعلوه واستدلوا به غاية الجهالة ونهاية الغفلة وأدل الدلائل على بعدهم من معرفة شئ من قواعد الشرع وقد جمعوا فيه جملا من الاغاليط اللائقة بعقولهم السخيفة وأذهانهم البعيدة الفاسدة فخالفوا قول الله عز وجل تقف ما ليس لك به علم ان السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤلا وخالفوا صريح هذه الأحاديث المتواترة والاحاديث الصريحة المشهورة في اعظام شهادة الزور وخالفوا اجماع أهل الحل والعقد وغير ذلك من الدلائل القطعيات في تحريم الكذب على آحاد الناس فكيف بمن قوله شرع وكلامه وحى وإذا نظر في قولهم وجد كذبا على الله تعالى قال الله تعالى وما ينطق عن الهوى ان هو الا وحى يوحى ومن أعجب الاشياء قولهم هذا كذب له وهذا جهل
[ 71 ]
منهم بلسان العرب وخطاب الشرع فان كل ذلك عندهم كذب عليه وأما الحديث الذى تعلقوا به فأجاب العلماء عنه بأجوبة أحسنها وأخصرها أن قوله ليضل الناس زيادة باطلة اتفق الحفاظ على ابطالها وأنها لا تعرف صحيحة بحال الثاني جواب أبى جعفر الطحاوي أنها لو صحت لكانت للتأكيد كقول الله تعالى أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس الثالث أن اللام ليضل ليست لام التعليل بل هي لام الصيرورة والعاقبة معناه أن عاقبة كذبه ومصيره الى الاضلال به كقوله تعالى آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا ونظائره في القرآن وكلام العرب أكثر من أن يحصر وعلى هذا يكون معناه فقد يصير أمر كذبه اضلالا وعلى الجملة مذهبهم أرك من أن يعتنى بايراده وأبعد من أن يهتم بابعاده وأفسد من أن يحتاج الى افساده والله أعلم الرابعة يحرم رواية الحديث الموضوع على من عرف كونه موضوعا أو غلب على ظنه وضعه فمن روى حديثا علم أو ظن وضعه ولم يبين حال روايته وضعه فهو داخل في هذا الوعيد مندرج في جملة الكاذبين على رسول الله ص = ويدل أيضا الحديث السابق من حدث عنى بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين ولهذا قال العلماء ينبغى لمن أراد رواية حديث أو ذكره أن ينظر فان كان صحيحا أو حسنا قال رسول الله ص = كذا أو فعله أو نحو ذلك من صيغ الجزم وان كان ضعيفا فلا يقل قال أو فعل أو أمر أو نهى ويشبه ذلك من صيغ الجزم بل يقول روى عنه كذا أو جاء عنه كذا أو يروى أو يذكر أو يحكى أو يقال أو بلغنا وما أشبه والله سبحانه أعلم قال العلماء وينبغى لقارئ الحديث أن يعرف من النحو واللغة وأسماء الرجال ما يسلم به من قوله ما لم يقل وإذا صح في الرواية ما يعلم أنه خطأ فالصواب الذى عليه الجماهير من السلف والخلف أنه يرويه على الصواب ولا يغيره في الكتاب لكن يكتب في الحاشية انه وقع في الرواية كذا وأن الصواب خلافه كذا ويقول عند
[ 72 ]
الرواية كذا وقع في هذا الحديث أو في روايتنا والصواب كذا فهذا أجمع للمصلحة فقد يعتقده خطأ ويكون له وجه يعرفه غيره ولو فتح باب تغير الكتاب لتجاسر عليه غير أهله قال العلماء وينبغى للراوى وقارئ الحديث إذا اشتبه عليه لفظه فقرأها على الشك أن يقول عقيبه أو كما قال والله أعلم وقد قدمنا في الفصول السابقة الخلاف في جواز الرواية بالمعنى لمن هو كامل المعرفة قال العلماء ويستحب لمن روى بالمعنى أن يقول بعده أوكما قال أو نحو هذا كما فعلته الصحابة فمن بعدهم والله أعلم وأما توحد الزبير وأنس وغيرهما من الصحابة رضى الله عنهم في الرواية عن رسول الله ص = والاكثار منها فلكونهم خافوا الغلط والنسيان والغالط والناسى وان كان لا اثم عليه فقد ينسب الى تفريط لتساهله أو نحو ذلك وقد تعلق بالناسى بعض الاحكام الشرعية كغرامات المتلفات وانتقاض الطهارات وغير ذلك من الاحكام المعروفات والله سبحانه وتعالى أعلم باب النهى عن الحديث بكل ما سمع فيه خبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم قال قال رسول الله ص = كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع وفى الطريق الآخر عن خبيب أيضا عن حفص عن أبى هريرة عن النبي ص = بمثل ذلك وعن عمر بن الخطاب وعن عبد الله بن مسعود رضى الله عنهما بحسب المرء من الكذب أن يحدث بكل ما سمع وفيه غير ذلك من نحوه أما أسانيده فخبيب بضم الخاء المعجمة وقد تقدم في آخر الفصل بيانه وأنه ليس في الصحيحين خبيب بالمعجمة الا ثلاثة هذا وخبيب بن عدى وأبو خبيب كنيته ابن الزبير وفيه هشيم بضم الهاء وهو ابن بشير السلمى الواسطي أبو معاوية اتفق أهل عصره فمن بعدهم على جلالته وكثرة حفظه واتقانه وصيانته وكان مدلسا وقد قال في روايته هنا عن سليمان التميمي وقد قدمنا
[ 73 ]
في الفصول أن المدلس إذا قال عن لا يحتج به الا أن يثبت سماعه من جهة أخرى وان كان في الصحيحين من ذلك فمحمول على ثبوت سماعه من جهة أخرى وهذا منه وفيه أبو عثمان النهدي بفتح النون واسكان الهاء منسوب الى جد من أجداده وهو نهد بن زيد بن ليث وأبو عثمان من كبار التابعين وفضلائهم واسمه عبد الرحمن بن مل بفتح الميم وضمها وكسرها واللام مشددة على الاحوال الثلاث ويقال ملء بكسر الميم واسكان اللام وبعدها همزة وأسلم أبو عثمان على عهد النبي ص = ولم يلقه وسمع جماعات من الصحابة وروى عنه جماعات من التابعين وهو كوفى ثم بصرى كان بالكوفة مستوطنا فلما قتل الحسين رضى الله عنه تحول منها فنزل البصرة وقال لا أسكن بلدا قتل فيها ابن بنت رسول الله ص = وروينا عن الامام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى أنه قال لاأعلم في التابعين مثل أبى عثمان النهدي وقيس ابن أبى حازم ومن طرف أخباره ما رويناه عنه أنه قال بلغت نحوا من ثلاثبن ومائة سنة وما من شئ الا وقد أنكرته الا أملى فانى أجده كما هو مات سنة خمس وتسعين وقيل سنة مائة والله أعلم وفى الاسناد الآخر عبد الرحمن حدثنا سفيان عن أبى اسحاق عن أبى الاحوص عن عبد الله أما عبد الرحمن فابن مهدى الامام المشهور أبو سعيد البصري وأما سفيان فهو الثوري الامام المشهور أبو عبد الله الكوفى وأما أبو اسحاق فهو السبيعى بفتح السين واسمه عمرو بن عبد الله الهمداني الكوفى التابعي الجليل قال أحمد بن عبد الله العجلى سمع ثمانية وثلاثين من أصحاب النبي ص = وقال على بن المدنى روى أبو اسحاق عن سبعين أو ثمانين لم يرو عنهم غيره وهو منسوب الى جد من أجداده اسمه السبيع بن صعب بن معاوية وأما أبو الاحوص فاسمه عوف بن مالك الجشمى الكوفى التابعي المعروف لأبيه صحبة وأما عبد الله فابن مسعود الصحابي السيد الجليل أبو عبد الرحمن الكوفى وأما ابن وهب في الاسناد الآخر فهو عبد الله ابن وهب بن مسلم أبو محمد القرشى الفهرى مولاهم البصري الامام المتفق على حفظه واتقانه
[ 74 ]
وجلالته رضى الله عنه وفى الاسناد الآخر يونس عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله ابن عتبة أما يونس فهو ابن يزيد أبو يزيد القرشى الأموي مولاهم الايلى بالمثناة من تحت وفى يونس ست لغات ضم النون وكسرها وفتحها مع الهمز وتركه وكذلك في يوسف اللغات الست والحركات الثلاث في سينه ذكر ابن السكيت معظم اللغات فيهما وذكر أبو البقاء باقيهن وأما ابن شهاب فهو الامام المشهور التابعي الجليل وهو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله ابن شهاب بن عبد الله بن الحرث بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى أبو بكر القرشى الزهري المدنى سكن الشام وأدرك جماعة من الصحابة نحو عشرة وأكثر من الروايات عن التابعين وأكثروا من الروايات عنه وأحواله في العلم والحفظ والصيانة والاتقان والاجتهاد في تحصيل العلم والصبر على المشقة فيه وبذل النفس في تحصيله والعبادة والورع والكرم وهوان الدنيا عنده وغير ذلك من أنواع الخير أكثر من أن يحصر وأشهر من أن يشهر وأما عبيد الله ابن عبد الله فهو أحد الفقهاء السبعة الامام الجليل رضى الله عنهم أجمعين وأما فقه الاسناد فهكذا وقع في الطريق الأول عن حفص عن النبي عليه السلام مرسلا فان حفصا تابعي وفى الطريق الثاني عن حفص عن أبى هريرة عن النبي ص = متصلا فالطريق الاول رواه مسلم من رواية معاذ وعبد الرحمن بن مهدى وكلاهما عن شعبة وكذلك رواه غندر عن شعبة فأرسله والطريق الثاني عن على بن حفص عن شعبة قال الدارقطني الصواب المرسل عن شعبة كما رواه معاذ وابن مهدى وغندر قلت وقد رواه أبو داود في سننه أيضا مرسلا ومتصلا فرواه مرسلا عن حفص بن عمر النميري عن شعبة ورواه متصلا من رواية على بن حفص وإذا ثبت أنه روى متصلا ومرسلا فالعمل على أنه متصل هذا هو الصحيح الذى قاله الفقهاء وأصحاب الاصول وجماعة من أهل الحديث ولا يضر كون الأكثرين رووه مرسلا فان الوصل زيادة من ثقة وهى مقبولة وقد تقدمت هذه المسألة موضحة في الفصول السابقة والله اعلم وأما قوله في الطريق الثاني (بمثل ذلك) فهى رواية صحيحة وقد تقدم في الفصول
[ 75 ]
بيان هذا وكيفية الرواية به وقوله (بحسب المرء من الكذب) هو باسكان السين ومعناه يكفيه ذلك من الكذب فانه قد استكثر منه وأما معنى الحديث والآثار التى في الباب ففيها الزجر عن التحديث بكل ما سمع الانسان فانه يسمع في العادة الصدق والكذب فإذا حدث بكل ما سمع فقد كذب لاخباره بما لم يكن وقد تقدم ان مذهب أهل الحق أن الكذب الاخبار عن الشئ بخلاف ما هو ولا يشترط فيه التعمد لكن التعمد شرط في كونه اثما والله أعلم وأما قوله (ولا يكون اماما وهو يحدث بكل ما سمع) فمعناه أنه حدث بكل ما سمع كثر الخطأ في روايته فترك الاعتماد عليه والاخذ عنه وأما قوله (أراك قد كلفت بعلم القرآن) فهو بفتح الكاف وكسر اللام وبالفاء ومعناه ولعت به ولازمته قال ابن فارس وغيره من أهل اللغة الكلف الايلاع بالشئ وقال أبو القاسم الزمخشري الكلف الايلاع بالشئ مع شغل قلب
[ 76 ]
ومشقة وأما قوله (اياك والشناعة في الحديث) فهى بفتح الشين وهى القبح قال أهل اللغة الشناعة القبح وقد شنع الشئ بضم النون أي قبح فهو أشنع وشنيع وشنعت بالشئ بكسر النون وشنعته أي أنكرته وشنعت على الرجل أي ذكرته بقبيح ومعنى كلامه أنه حذره أن يحدث بالاحاديث المنكرة التى يشنع على صاحبها وينكر ويقبح حال صاحبها فيكذب أو يستراب في رواياته فتسقط منزلته ويذل في نفسه والله سبحانه وتعالى أعلم باب النهى عن الرواية عن الضعفاء والاحتياط في تحملها فيه من الاسماء أبو هانئ هو بهمزة آخره وفيه حرملة بن يحيى التجيبى هو بمثناة من فوق مضمومة على المشهور وقال صاحب المطالع بفتح أوله وضمه قال وبالضم يقول أصحاب الحديث وكثير من الادباء قال وبعضهم لا يجيز فيه الا الفتح ويزعم أن التاء أصلية وفى باب التاء ذكره صاحب العين يعنى فتكون أصلية الا أنه قال تجيب وتجوب قبيلة يعنى قبيلة من كندة قال وبالفتح قيدته على جماعة شيوخي وعلى ابن سراج وغيره وكان ابن السيد البطليوسى يذهب الى صحة الوجهين هذا كلام صاحب المطالع وقد ذكر ابن فارس في المجمل أن تجوب قبيلة من كندة وتجيب بالضم بطن لهم شرف قال وليست التاء فيهما أصلا وهذا هو الصواب الذى لا يجوز غيره وأما حكم صاحب العين بأن التاء أصل فخطأ ظاهر والله أعلم وحرملة هذا كنيته أبو حفص وقيل أبو عبد الله وهو صاحب الامام الشافعي رحمه الله وهو الذى يروى عن الشافعي كتابه المعروف
[ 77 ]
في الفقه والله أعلم وأما أبو شريح الراوى عن شراحيل فاسمه عبد الرحمن بن شريح بن عبيد الله الاسكندرانى المصرى وكانت له عبادة وفضل وشراحيل بفتح الشين غير مصروف وأما قول مسلم وحدثني أبو سعيد الاشج قال حدثنا وكيع قال حدثنا الاعمش عن المسيب بن رافع عن عامر بن عبدة قال قال عبد الله فهذا اسناد اجتمع فيه طرفتان من لطائف الاسناد احداهما ان اسناده كوفى كله والثانية أن فيه ثلاثة تابعين يروى بعضهم عن بعض وهم الاعمش والمسيب وعامر وهذه فائدة نفيسة قل أن يجتمع في اسناد هاتان اللطيفتان فأما عبد الله الذى يروي عنه عامر بن عبدة فهو ابن مسعود الصحابي أبو عبد الرحمن الكوفى وأما أبو سعيد الاشج شيخ مسلم فاسمه عبد الله بن سعيد بن حصين الكندى الكوفى قال أبو حاتم أبو سعيد الاشج امام أهل زمانه وأما المسيب بن رافع فبفتح الياء بلا خلاف كذا قال القاضى عياض في المشارق وصاحب المطالع أنه لا خلاف في فتح يائه بخلاف سعيد بن المسيب فانهم اختلفوا في فتح يائه وكسرها كما سيأتي في موضعه ان شاء الله تعالى وأما عامر بن عبدة فآخره هاء وهو بفتح الباء واسكانها وجهان أشهرهما وأصحهما الفتح قال القاضى عياض روينا فتحها عن على بن المدينى ويحيى بن معين وأبى مسلم المستملى قال وهو الذى ذكره عبد الغنى في كتابه وكذا رأيته في تاريخ البخاري قال وروينا الاسكان عن أحمد ابن حنبل وغيره وبالوجهين ذكره الدارقطني وابن ماكولا والفتح أشهر قال القاضى وأكثر الرواة يقولون عبد بغير هاء والصواب اثباتها وهو قول الحافظ أحمد بن حنبل وعلى بن المدينى ويحيى بن معين والدارقطني وعبد الغنى بن سعيد وغيرهم والله أعلم وفى الرواية الاخرى عن ابن طاوس عن أبيه عن عبد الله بن عمرو ابن العاصى فأما ابن طاوس فهو عبد الله الزاهد الصالح بن زاهد الصالح وأما العاصى فأكثر ما يأتي في كتب الحديث والفقه ونحوها بحذف الياء وهى لغة والفصيح الصحيح العاصى باثبات الياء وكذلك شداد بن الهادى وابن أبى المولى فالفصيح الصحيح في كل ذلك وما أشبه اثبات الياء ولا اغترار بوجوده في كتب الحديث أو أكثرها بحذفها والله أعلم ومن طرف أحوال عبد الله بن عمرو بن العاصى أنه ليس بينه وبين أبيه في الولادة الا احدى عشرة سنة وقيل اثنتا عشرة وأما سعيد بن عمرو الاشعثى فبالثاء المثلثة منسوب الى جده وهو سعيد بن عمرو ابن سهل بن اسحاق بن محمد بن الاشعث بن قيس الكندى أبو عمرو الكوفى وأما هشام بن
[ 78 ]
حجير فبضم الحاء وبعدها جيم مفتوحة وهشام هذا مكى وأما بشير بن كعب فبضم الموحدة وفتح المعجمة وأما أبو عامر العقدى فبفتح العين والقاف منسوب الى العقد قبيلة معروفة من بجيلة وقيل من قيس وهم من الأزد وذكر أبو الشيخ الامام الحافظ عن هارون بن سليمان قال سموا العقد لأنهم كانوا أهل بيت لئاما فسموا عقدا واسم أبى عامر عبد الملك بن عمرو بن قيس البصري قيل انه مولى للعقديين أما رباح الذى يروى عنه العقدى فهو بفتح الراء وبالموحدة وهو رباح بن أبى معروف وقد قدمنا في الفصول أن كل ما في الصحيحين على هذه الصورة فرباح بالموحدة الا زياد بن رياح أبا قيس الراوى عن أبى هريرة في أشراط الساعة فبالمثناة وقاله البخاري بالوجهين وأما نافع بن عمر الراوى عن ابن أبى مليكة فهو القرشى الجمحى المكى وأما ابن أبى مليكة فاسمه عبد الله بن أبى مليكة واسم أبى مليكة زهير بن عبد الله ابن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة التيمى المكى أبو بكر تولى القضاء والاذان لابن الزبير رضى الله عنهم وأما قول مسلم حدثنا حسن بن على الحلواني حدثنا يحيى ابن آدم حدثنا ابن ادريس عن الاعمش عن أبى اسحاق فهو اسناد كوفى كله الا الحلواني فأما الاعمش سليمان بن مهران أبو محمد التابعي وأبو اسحاق عمرو بن عبد الله السبيعى التابعي فتقدم ذكرهما وأما ابن ادريس الراوى عن الاعمش فهو عبد الله بن ادريس بن يزيد الاودى
[ 79 ]
الكوفى أبو محمد المتفق على امامته وجلالته واتقانه وفضيلته وورعه وعبادته روينا عنه أنه قال لبنته حين بكت عند حضور موته لا تبكى فقد ختمت القرآن في هذا البيت أربعة آلاف ختمة قال أحمد بن حنبل كان ابن ادريس نسيج وحده وأما على بن خشرم فبتح الخاء واسكان الشين المعجمتين وفتح الراء وكنيته على أبو الحسن مروزى وهو ابن أخت بشر بن الحارث الحافى رضى الله عنهما وأما أبو بكر بن عياش فهو الامام المجمع على فضله واختلف في اسمه فقال المحققون الصحيح أن اسمه كنيته لا اسم له غيرها وقيل اسمه محمد وقيل عبد الله وقيل سالم وقيل شعبة وقيل رؤبة وقيل مسلم وقيل خداش وقيل مطرف وقيل حماد وقيل حبيب وروينا عن ابنه ابراهيم قال قال لى أبى ان أباك لم يأت فاحشة قط وانه يختم القرآن منذ ثلاثين سنة كل يوم مرة وروينا عنه أنه قال لابنه يا بنى اياك أن تعصى الله في هذه الغرفة فانى ختمت فيها اثنى عشر ألف ختمة وروينا عنه أنه قال لبنته عند موته وقد بكت يا بنية لا تبكى أتخافين أن يعذبنى الله تعالى وقد ختمت في هذه الزاوية أربعة وعشرين ألف ختمة هذا ما يتعلق بأسماء هذا الباب ولا ينبغى لمطالعه أن ينكر هذه الاحرف في أحوال هؤلاء الذين تستنزل الرحمة بذكرهم مستطيلا لها فذلك من علامة عدم فلاحه ان دام عليه والله يوفقنا لطاعته بفضله ومنته أما لغات الباب فالدجالون جمع دجال قال ثعلب كل كذاب فهو دجال وقيل الدجال المموه يقال دجل فلان إذا موه ودجل الحق بباطله إذا غطاه وحكى ابن فارس هذا الثاني عن ثعلب أيضا
[ 80 ]
قوله (يوشك أن تخرج فتقرأ على الناس قرآنا) معناه تقرأ شيأ ليس بقرآن وتقول انه قرآن لتغر به عوام الناس فلا يغترون وقوله يوشك هو بضم الياء وكسر الشين معناه يقرب ويستعمل أيضا ماضيا فيقال أوشك كذا أي قرب ولا يقبل قول من أنكره من أهل اللغة فقال لم يستعمل ماضيا فان هذا نفى يعارضه اثبات غيره والسماع وهما مقدمان على نفيه وأما قول ابن عباس رضى الله عنهما (فلما ركب الناس الصعب والذلول) وفى الرواية الأخرى ركبتم كل صعب وذلول فهيهات فهو مثال حسن وأصل الصعب والذلول في الابل فالصعب العسر المرغوب عنه والذلول السهل الطيب المحبوب المرغوب فيه فالمعنى سلك الناس كل مسلك مما يحمد ويذم وقوله فهيهات أي بعدت استقامتكم أو بعد أن نثق بحديثكم وهيهات موضوعة لاستبعاد الشئ واليأس منه قال الامام أبو الحسن الواحدى هيهات اسم سمى به الفعل وهو بعد في الخبر لا في الأمر قال ومعنى هيهات بعد وليس له اشتقاق لأنه بمنزلة الأصوات قال وفيه زيادة معنى ليست في بعد وهو أن المتكلم يخبر عن اعتقاده استبعاد ذلك الذى يخبر عن بعده فكأنه بمنزلة قوله بعد جدا وما أبعده لا على أن يعلم المخاطب مكان ذلك الشئ في البعد ففى هيهات زيادة على بعد وان كنا نفسره به ويقال هيهات ما قلت وهيهات لما قلت
[ 81 ]
وهيهات لك وهيهات انت قال الواحدي وفي معنى هيهات ثلاثة أقوال أحدها أنه بمنزلة بعد كما ذكرناه أولا وهو قول أبى علي الفارسي وغيره من حذاق النحويين والثانى بمنزلة بعيد وهو قول الفراء والثالث بمنزلة البعد وهو قول الزجاج وابن الأنباري فالأول نجعله بمنزلة الفعل والثانى بمنزلة الصفة والثالث بمنزلة المصدر وفي هيهات ثلاث عشرة لغة ذكرهن الواحدى هيهات بفتح التاء وكسرها وضمها مع التنوين فيهن وبحذفه فهذه ست لغات وايهات بالألف بدل الهاء الأولى وفيها اللغات الست أيضا والثالثة عشرة أيها بحذف التاء من غير تنوين وزاد غير الواحدى أيئات بهمزتين بدل الهاءين والفصيح المستعمل من هذه اللغات استعمالا فاشيا هيهات بفتح التاء بلا تنوين قال الازهرى واتفق أهل اللغة على أن تاء هيهات ليست أصلية واختلفوا في الوقف عليها فقال أبو عمرو والكسائي يوقف بالهاء وقال الفراء بالتاء وقد بسطت الكلام في هيهات وتحقيق ما قيل فيها في تهذيب الاسماء واللغات وأشرت هنا الى مقاصده والله اعلم وأما قوله (فجعل ابن عباس لا يأذن لحديثه) فبفتح الذال أي لا يستمع ولا يضغى ومنه سميت الأذن وقوله (انا كنا
[ 82 ]
مرة) أي وقتا ويعنى به قبل ظهور الكذب وأما قول ابن أبى مليكة (كتبت الى ابن عباس رضى الله عنهما أسأله أن يكتب لي كتابا ويخفى عنى فقال ولد ناصح أنا أختار له الأمور اختيارا وأخفى عنه قال فدعا بقضاء على رضى الله عنه فجعل يكتب منه أشياء ويمر بالشئ فيقول والله ما قضى بهذا على الا أن يكون ضل) فهذا مما اختلف العلماء في ضبطه فقال القاضى عياض رحمه الله ضبطنا هذين الحرفين وهما ويخفى عنى وأخفى عنه بالحاء المهملة فيهما عن جميع شيوخنا الا عن أبى محمد الخشنى فإنى قرأتهما عليه بالخاء المعجمة قال وكان أبو بحر يحكى لنا عن شيخه القاضى أبى الوليد الكنانى أن صوابه بالمعجمة قال القاضى عياض رحمه الله ويظهر لى ان رواية الجماعة هي الصواب وأن معنى أحفى أنقص من احفاء الشوارب وهو جزها أي امسك عنى من حديثك ولا تكثر على أو يكون الاحفاء الالحاح أو الاستقصاء ويكون عنى بمعنى على اي استقصى ما تحدثني هذا كلام القاضى عياض رحمه الله وذكر صاحب مطالع الأنوار قول القاضى ثم قال وفي هذا نظر قال وعندي أنه بمعنى المبالغة في البر بة والنصيحة له من قوله تعالى بى حفيا أي أبالغ له وأستقصى في النصيحة له والاختيار فيما ألقى إليه من صحيح الآثار وقال الشيخ الامام أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله هما بالخاء المعجمة أي يكتم عنى اشياء ولا يكتبها إذا كان عليه فيها مقال من الشيع المختلفة وأهل الفتن فانه إذا كتبها ظهرت وإذا ظهرت خولف فيها وحصل فيها قال وقيل مع أنها ليست مما يلزم بيانها لابن أبى مليكه وان لزم فهو ممكن بالمشافهة دون المكاتبة قال وقوله ولد ناصح مشعر بما ذكرته وقوله أنا أختار له وأخفى عنه اخبار منه
[ 83 ]
باجابته الى ذلك ثم حكى الشيخ الرواية التي ذكرها القاضى عياض ورجحها وقال هذا تكلف ليست به رواية متصلة نضطر الى قبوله هذا كلام الشيخ أبو عمرو وهذا الذي اختاره من الخاء المعجمة هو الصحيح وهو الموجود في معظم الاصول الموجودة بهذه البلاد والله اعلم وأما قوله والله ما قضى على بهذا الا أن يكون ضل فمعناه ما يقضى بهذا الا ضال ولا يقضي به على الا ان يعرف أنه ضل وقد علم أنه لم يضل فيعمل أنه لم يقض به والله اعلم وقوله في الرواية الأخرى (فمحاه الاقدر وأشار سفيان بن عيينة بذراعه) قدر منصوب غير منون معناه محاه الاقدر ذراع والظاهر أن هذا الكتاب كان درجا مستطيلا والله اعلم وأما قوله (قاتلهم الله أي علم أفسدوا) فأشار بذلك الى ما أدخلته الروافض والشيعة في علم على رضى الله عنه وحديثه وتقولوه عليه من الاباطيل وأضافوه إليه من الروايات والاقاويل المفتعلة والمختلقة وخلطوه بالحق فلم يتميز ما هو صحيح عنه مما اختلقوه وأما قوله قاتلهم الله فقال القاضى معناه لعنهم الله وقيل باعدهم وقيل قتلهم قال وهؤلاء استوجبوا عنده ذلك لشناعة ما أتوه كما فعله كثير منهم والا فلعنة المسلم غير جائزة وأما قول المغيرة (لم يكن بصدق على على الا من أصحاب عبد الله بن مسعود) فهكذا هو في الاصول الا من أصحاب فيجوز في من وجهان أحدهما أنها لبيان الجنس والثانى أنها زائدة وقوله يصدق ضبط على وجهين أحدهما بفتح الياء واسكان الصاد وضم
[ 84 ]
الدال والثانى بضم الياء وفتح الصاد والدال المشددة والمغيرة هذا هو ابن مقسم الضبى أبو هشام وقد تقدم أن المغيرة بضم الميم وكسرها والله اعلم أما أحكام الباب فحاصلها أنه لا يقبل رواية المجهول وأنه يجب الاحتياط في أخذ الحديث فلا يقبل الا من أهله وأنه لا ينبغى أن يروى عن الضعفاء والله سبحانه وتعالى اعلم باب بيان أن الاسناد من الدين وأن الرواية لا تكون الا عن الثقات وأن جرح الرواة بما هو فيهم جائز بل واجب وأنه ليس من الغيبة المحرمة بل من الذب عن الشريعة المكرمة قال رحمه الله (حدثنا حسن بن الربيع قال حدثنا حماد بن زيد عن أيوب وهشام عن محمد وحدثنا فضيل عن هشام وحدثنا مخلد بن حسين عن هشام عن ابن سيرين) اما هشام أولا فمجرور معطوف على أيوب وهو هشام بن حسان القردوسى بضم القاف ومحمد هو ابن سيرين والقائل وحدثنا فضيل وحدثنا مخلد هو حسن بن الربيع وأما فضيل فهو ابن عياض أبو على الزاهد السيد الجليل رضى الله عنه وأما قوله (وينظر الى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم) فهذه مسألة قد قدمناها في أول الخطبة وبينا المذاهب فيها قوله (حدثنا اسحاق بن ابراهيم الحنظلي) هو ابن راهويه الامام المشهور حافظ أهل زمانه وأما الاوزاعي فهو أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو بن محمد
[ 85 ]
بضم المثناة من تحت وكسر الميم الشامي الدمشقي امام أهل الشأم في زمنه بلا مدافعة ولا مخالفة كان يسكن دمشق خارج باب الفراديس ثم تحول الى بيروت فسكنها مرابطا الى أن مات بها وقد انعقد الاجماع على امامته وجلالته وعلو مرتبته وكمال فضيلته وأقاويل السلف كثيرة مشهورة في ورعه وزهده وعيادته وقيامه بالحق وكثرة حديثه وفقهه وفصاحته وأتباعه السنة واجلال أعيان أئمة زمانه من جميع الاقطار له واعترافهم بمزيته وروينا من غير وجه أنه أفتى في سبعين ألف مسألة وروى عن كبار التابعين وروى عنه قتادة والزهرى ويحيى بن أبى كثير وهم من التابعين وليس هو من التابعين وهذا من رواية الأكابر عن الاصاغر واختلفوا في الأوزاع التي نسب إليها فقيل بطن من حمير وقل قرية كانت عند باب الفراديس من دمشق وقيل من اوزاع القبائل أي فرقهم وبقايا مجتمعة من قبائل شتى وقال أبو زرعة الدمشقي كان اسم الأوزاعي عبد العزيز فسمى نفسه عبد الرحمن وكان ينزل الاوزاع فغلب ذلك عليه وقال محمد بن سعد الأوزاع بطن من همدان الأوزاعي من أنفسهم والله اعلم قوله (لقيت طاوسا فقلت حدثنى فلان كيت وكيت فقال ان كان مليا فخذ عنه) قوله كيت وكيت هما بفتح التاء وكسرها لغتان نقلهما الجوهرى في صحاحه عن أبى عبيدة وقوله ان كان مليا يعنى ثقة ضابطا متقنا يوثق بدينه ومعرفته ويعتمد عليه كما يعتمد على معاملة الملى بالمال ثقة بذمته وأما قول مسلم (وحدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي) فهذا الدارمي هو صاحب المسند المعروف كنيته أبو محمد السمرقندى منسوب الى دارم بن مالك بن حنظلة بن زيد مناة بن تميم وكان أبو محمد الدارمي هذا أحد حفاظ المسلمين في زمانه قل من كان يدانيه في الفضيلة والحفظ قال رجاء بن مرجى ما أعلم أحدا هو أعلم بحديث رسول الله ص = من الدارمي وقال أبو حاتم هو امام أهل زمانه وقال أبو حامد بن الشرقي انما أخرجت خراسان من أئمة الحديث خمسة
[ 86 ]
رجال محمد بن يحيى ومحمد بن اسماعيل وعبد الله بن عبد الرحمن ومسلم بن الحجاج وابراهيم بن أبى طالب وقال محمد بن عبد الله غلبنا الدارمي بالحفظ والورع ولد الدارمي سنة احدى وثمانين ومائة ومات سنة خمس وخمسين ومائتين رحمه الله قال مسلم رحمه الله (حدثنا نصر ابن على الجهضمى حدثنا الأصمعى عن ابن أبى الزناد عن أبيه) أما الجهضمى فبفتح الجيم واسكان الهاء وفتح الضاد المعجمة قال الامام الحافظ أبو سعد عبد الكريم بن محمد بن منصور السمعاني في كتابه الانساب هذه النسبة الى الجهاضمة وهي محلة بالبصرة قال وكان نصر بن على هذا قاضى البصرة وكان من العلماء المتقنين وكان المستعين بالله بعث إليه ليشخصه للقضاء فدعاه أمير البصره لذلك فقال أرجع فأستخير الله تعالى فرجع الى بيته نصف النهار فصلى ركعتين وقال اللهم ان كان لي عندك خير فاقبضني اليك فنام فأنبهوه فإذا هو ميت وكان ذلك في شهر ربيع الآخر سنة خمسين ومائتين وأما الأصمعى فهو الامام المشهور من كبار أئمة اللغة والمكثرين والمعتمدين منهم واسمه عبد الملك بن قريب بقاف مضمومة ثم راء مفتوحة ثم ياء مثناة من تحت ساكنة ثم باء موحدة ابن عبد الملك بن أصمع البصري أبو سعيد نسب الى جده وكان الاصمعي من ثقات الرواة ومتقنيهم وكان جامعا للغة والغريب والنحو والأخبار والملح والنوادر قال الشافعي رحمه الله تعلى ما رأيت بذلك العسكر أصدق لهجة من الاصمعي وقال الشافعي رحمه الله تعالى ايضا ما عبر أحد من العرب بأحسن من عبارة الأصمعي وروينا عن الاصمعي قال احفظ ست عشرة ألف أرجوزة وأما أبو الزناد بكسر الزاى فاسمه عبد الله بن ذكوان كنيته أبو عبد الرحمن وأبو الزناد لقب له كان يكرهه واشتهر به وهو قرشي مولاهم مدنى وكان الثوري يسمى أبا الزناد أمير المؤمنين في الحديث قال البخاري أصح أسانيد أبى هريرة
[ 87 ]
أبو الزناد عن الاعرج عن أبى هريرة وقال مصعب كان أبو الزناد فقيه أهل المدينة وأما ابن أبى الزناد فهو عبد الرحمن ولأبي الزناد ثلاثة بنين يروون عنه عبد الرحمن وقاسم وأبو القاسم وأما مسعر فبكسر الميم وهو ابن كدام الهلالي العامري الكوفى أبو سلمة المتفق على جلالته وحفظه واتقانه وقوله (لا يحدث عن رسول الله ص = الا الثقات) معناه لا يقبل الا من الثقات وأما قوله رحمه الله (وحدثني محمد بن عبد الله بن قهزاد من أهل مرو قال سمعت عبدان بن عثمان يقول سمعت ابن المبارك يقول الاسناد من الدين) ففيه لطيفة من لطائف الاسناد الغريبة وهو أنه اسناد خرساني كله من شيخنا أبى اسحاق ابراهيم بن عمر بن مضر الى آخره فانى قد قدمت ان الاسناد من شيخنا الى مسلم خراسانيون نيسابوريون وهؤلاء الثلاثة المذكورون أعنى محمدا وعبدان وابن المبارك خراسانيون مروزيون وهذا قل أن يتفق مثله في هذه الازمان أما قهزاذ فبقاف مضمومة ثم هاء ساكنة ثم زاى ثم ألف ثم ذال معجمة هذا هو الصحيح المشهور المعروف في ضبطه وحكى صاحب مطالع الانوار عن بعضهم أنه قيده بضم الهاء وتشديد الزاى وهو أعجمى فلا ينصرف قال ابن ماكولا مات محمد ابن عبد الله بن قهزاد هذا يوم الأربعاء لعشر خلون من المحرم سنة اثنتين وستين ومائتين فنحصل من هذا أن مسلما رحمه الله مات قبل شيخه هذا بخمسة أشهر ونصف كما قدمناه أول هذا الكتاب من تاريخ وفاة مسلم رحمه الله وأما عبدان فبفتح العين وهو لقب له واسمه عبد الله بن عثمان بن جبلة العتكى مولاهم أبو عبد الرحمن المرزوى قال البخاري في تاريخه
[ 88 ]
توفى عبدان سنة احدى أو اثنتين وعشرين ومائتين وأما بن المبارك فهو السيد الجليل جامع أنواع المحاسن أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي مولاهم سمع جماعات من التابعين وروى عنه جماعات من كبار العلماء وشيوخه وأئمة عصره كسفيان الثوري وفضيل ابن عياض وآخرين وقد أجمع العلماء على جلالته وامامته وكبر مجله وعلو مرتبته روينا عن الحسن بن عيسى قال اجتمع جماعة من اصحاب ابن المبارك مثل الفضل بن موسى ومخلد بن حسين ومحمد بن النضر فقالوا تعالوا حتى نعد خصال ابن المبارك من أيوب الخير فقالوا جمع العلم والفقه والأدب والنحو واللغة والزهد والشعر والفصاحة والورع والانصاف وقيام الليل والعبادة والشدة في رأيه وقلة الكلام فيما لا يعنيه وقلة الخلاف على أصحابه وقال العباس ابن مصعب جمع ابن المبارك الحديث والفقه والعربية وأيام الناس والشجاعة والتجارة والسخاء والمحبة عند الفرق وقال محمد بن سعد صنف ابن المبارك كتبا كثيرة في ابواب العلم وصنوفه واحواله مشهورة معروفة وأما مرو فغير مصروفة وهي مدينة عظيمة بخراسان وأمهات مدائن خراسان أربع نيسابور ومرو وبلخ وهراة والله اعلم قوله (حدثنى العباس ابن أبى رزمة قال سمعت عبد الله يقول بيننا وبين القوم القوائم يعنى الاسناد) أما رزمة فبراء مكسورة ثم زاى ساكنة ثم مم ثم هاء وأما عبد الله فهو ابن المبارك ومعنى هذا الكلام ان جاء باسناد صحيح قبلنا حديثه والا تركناه فجعل الحديث كالحيوان لا يقوم بغير اسناد كما لا يقوم الحيوان بغير قوائم ثم أنه وقع في بعض الاصول العباس بن رزمة وفي بعضها العباس بن أبى رزمة وكلاهما مشكل ولم يذكر البخاري في تاريخه وجماعه من أصحاب كتب أسماء الرجال العباس بن رزمة ولا العباس بن أبى رزمة وانما ذكروا عبد العزيز بن أبى رزمة أبا محمد المروزى سمع عبد الله بن المبارك ومات في المحرم سنة ست ومائتين واسم أبى رزمة غزوان والله اعلم قوله (أبا اسحاق الطالقاني هو بفتح اللام قال قلت لابن
[ 89 ]
المبارك الحديث الذي جاء ان من البر بعد البر أن تصلى لأبويك مع صلاتك وتصوم لهما مع صومك قال ابن المبارك عمن هذا قلت من حديث شهاب بن خراش قال ثقة عمن قلت عن الحجاج بن دينار قال ثقة عمن قال قلت قال رسول الله ص = قال يا أبا سحق ان بين الحجاج بن دينار وبين النبي ص = مفاوز تنقطع فيها أعناق المطى ولكن ليس في الصدقة اختلاف) معنى هذه الحكاية أنه لا يقبل الحديث الا باسناد صحيح وقوله مفاوز جمع مفازة وهي الارض القفر البعيدة عن العمارة وعن الماء التي يخاف الهلاك فيها قيل سميت مفازة للتفاؤل بسلامة سالكها كما سموا اللديغ سليما وقيل لأن من قطعها فاز ونجا وقيل لأنها تهلك صاحبها يقال فوز الرجل إذا هلك ثم ان هذه العبارة التي استعملها هنا استعارة حسنة وذلك لأن الحجاج بن دينار هذا من تابعي التابعين فأقل ما يمكن أن يكون بينه وبين النبي ص = اثنان التابعي والصحابى فلهذا قال بينهما مفاوز أي انقطاع كثير وأما قوله ليس في الصدقة اختلاف فمعناه ان هذا الحديث لا يحتج به ولكن من أراد بر والديه فليتصدق عنهما فان الصدقة تصل الى الميت وينتفع بها بلا خلاف بين المسلمين وهذا هو الصواب وأما ما حكاه أقضى القضاة أبو الحسن الماوردى البصري الفقيه
[ 90 ]
الشافعي في كتابه الحاوى عن بعض أصحاب الكلام من أن الميت لا يلحقه بعد موته ثواب فهو مذهب باطل قطعيا وخطأ بين مخالف لنصوص الكتاب والسنة واجماع الامة فلا التفات إليه ولا تعريج عليه وأما الصلاة والصوم فمذهب الشافعي وجماهير العلماء أنه لا يصل ثوابها الى الميت الا إذا كان الصوم واجبا على الميت فقضاه عنه وليه أو من أذن له الولي فان فيه قولين للشافعي أشهرهما عنه أنه لا يصلح وأصحهما عند محققى متأخرى أصحابه أنه يصح وستأتى المسألة في كتاب الصيام ان شاء الله تعالى وأما قراءة القرآن فالمشهور من مذهب الشافعي أنه لا يصل ثوابها الى الميت وقال بعض أصحابه يصل ثوابها الى الميت وذهب جماعات من العلماء الى أنه يصل الى الميت ثواب جميع العبادات من الصلاة والصوم والقراءة وغير ذلك وفى صحيح البخاري في باب من مات وعليه نذر أن ابن عمر أمر من ماتت أمها وعليها صلاة أن تصلى عنها وحكى صاحب الحاوى عن عطاء بن أبى رباح واسحاق بن راهويه أنهما قالا بجواز الصلاة عن الميت وقال الشيخ أبو سعد عبد الله بن محمد بن هبة الله بن أبى عصرون من أصحابنا المتأخرين في كتابه الانتصار الى اختيار هذا وقال الامام أبو محمد البغوي من أصحابنا في كتابه التهذيب لا يبعد أن يطعم عن كل صلاة مد من طعام وكل هذه المذاهب ضعيفة ودليلهم القياس على الدعاء والصدقة والحج فانها تصل بالاجماع ودليل الشافعي وموافقيه قول الله تعالى وأن ليس للانسان الا ما سعى وقول النبي ص = إذا مات ابن آدم انقطع عمله الا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له واختلف أصحاب الشافعي في ركعتي الطواف في حج الأجير هل تقعان عن الأجير أم عن المستأجر والله أعلم وأما خراش المذكور فبكسر الخاء المعجمة وقد تقدم في الفصول أنه ليس في الصحيحين حراش بالمهملة الا والد ربعى وأما قول مسلم (حدثنى أبو بكر بن النضر بن أبى النضر قال حدثنى أبو النضر هاشم ابن القاسم قال حدثنا أبو عقيل صاحب بهية) فهكذا وقع في الاصول أبو بكر بن النضر
[ 91 ]
ابن أبى النضر قال حدثنى أبو النضر وأبو النضر هذا هو جد أبى بكر هذا وأكثر ما يستعمل أبو بكر ابن أبى النضر واسم أبى النضر هاشم بن القاسم ولقب أبى النضر قيصر وأبو بكر هذا الاسم له لا كنيته هذا هو المشهور وقال عبد الله بن أحمد الدورقى اسمه أحمد قال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر قيل اسمه محمد وأما أبو عقيل فبفتح العين وبهية بضم الباء الموحدة وفتح الهاء وتشديد الياء وهى امرأة تروى عن عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها قيل انها سمتها بهية ذكره أبو على الغساني في تقييد المهمل وروى عن بهية مولاها أبو عقيل المذكور واسمه يحيى بن المتوكل الضرير المدنى وقيل الكوفى وقذ ضعفه يحيى بن معين وعلى بن المدنى وعمرو بن على وعثمان بن سعيد الدارمي وابن عمار والنسائي ذكر هذا كله الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد بأسانيده عن هؤلاء فان قيل فإذا كان هذا حاله فكيف روى له مسلم فجوابه من وجهين أحدهما أنه لم يثبت جرحه عنده مفسرا ولا يقبل الجرح الا مفسرا والثانى أنه لم يذكره أصلا ومقصودا بل ذكره استشهادا لما قبله وأما قوله في الرواية الاولى للقاسم بن عبيد الله (لأنك ابن امامى هدى أبى بكر وعمر رضى الله عنهما وفى الرواية الثانية وأنت ابن امامى الهدى يعنى عمر وابن عمر رضى الله عنهما) فلا مخالفة بينهما فان القاسم هذا هو ابن عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب فهو ابنهما وأم القاسم هي أم عبد الله بنت القاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق رضى الله عنه فابو بكر جده الأعلى لأمه وعمر جده الأعلى لأبيه وابن عمر جده الحقيقي لأبيه رضى الله عنهم أجمعين وأما قول سفيان في رواية الثانية (أخبروني عن أبى عقيل) فقد يقال
[ 92 ]
فيه هذه رواية عن مجهولين وجوابه ما تقدم أن هذا ذكره متابعة واستشهادا والمتابعة والاستشهاد يذكرون فيهما من لا يحتج به على انفراده لأن الاعتماد على ما قبلهما لا عليهما وقد تقدم بيان هذا في الفصول والله أعلم قوله (سئل ابن عون عن حديث لشهر وهو قائم على أسكفة الباب فقال أن شهرا نزكوه قال يقول أخذته ألسنة الناس تكلموا فيه) أما ابن عون فهو الامام الجليل المجمع على جلالته وورعه عبد الله بن عون بن ارطبان أبو عون البصري كان يسمى سيد القراء أي العلماء وأحواله ومناقبه أكثر من أن تحصر وقوله أسكفة الباب هي العتبة السفلى التى توطأ وهى بضم الهمزة والكاف وتشديد الفاء وقوله نزكوه هو بالنون والزى المفتوحتين معناه طعنوا فيه وتكلموا بجرحه فكأنه يقول طعنوه بالنيزك بفتح النون واسكان المثناة من تحت وفتح الزى وهو رمح قصير وهذا الذى ذكرته هو الرواية الصحيحة المشهورة وكذا ذكرها من أهل الأدب واللغة والغريب الهروي في غريبه وحكى القاضى عياض عن كثيرين من رواة مسلم أنهم رووه تركوه بالتاء والراء وضعفه القاضى وقال
[ 93 ]
الصحيح بالنون والزى قال وهو الأشبه بسياق الكلام وقال غير القاضى رواية التاء تصحيف وتفسير مسلم يردها ويدل عليها أيضا أن شهرا ليس متروك بل وثقه كثيرون من كبار أئمة السلف أو أكثرهم فممن وثقه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وآخرون وقال أحمد بن حنبل ما أحسن حديثه ووثقه وقال أحمد بن عبد الله العجلى هو تابعي ثقة وقال ابن أبى خيثمة عن يحيى بن معين هو ثقة ولم يذكر ابن أبى خيثمة غير هذا وقال أبو زرعة لا بأس به وقال الترمذي قال محمد يعنى البخاري شهر حسن الحديث وقوى أمره وقال انما تكلم فيه ابن عون ثم روى عن هلال بن أبى زينب عن شهر وقال يعقوب بن شيبة شهر ثقة وقال صالح بن محمد شهر روى عنه الناس من أهل الكوفة وأهل البصرة وأهل الشام ولم يوقف منه على كذب وكان رجلا ينسك أي يتعبد الا أنه روى أحاديث لم يشركه فيها أحد فهذا كلام هؤلاء الأئمة في الثناء عليه وأما ما ذكر من جرحه أنه أخذ خريطة من بيت المال فقد حمله العلماء المحققون على محمل صحيح وقول أبى حاتم بن حيان أنه سرق من رفيقه في الحج عيبة غير مقبول عند المحققين بل أنكروه والله أعلم وهو شهر بن حوشب بفتح الحاء المهملة والشين المعجمة أبو سعيد ويقال أبو عبد الله وأبو عبد الرحمن وأبو الجعد الاشعري الشامي الحمصى وقيل الدمشقي وقوله أخذته ألسنة الناس جمع لسان على لغة من جعل اللسان مذكرا وأما من جعله مؤنثا فجمعه ألسن بضم السين قاله ابن قتيبة والله أعلم وقوله رحمه الله (حدثنا حجاج ابن الشاعر حدثنا شبابة) هو حجاج بن يوسف بن حجاج الثقفى أبو محمد البغدادي كان أبوه يوسف شاعرا صحب أبا نواس وحجاج هذا يوافق الحجاج بن يوسف بن الحكم الثقفى أبا محمد الوالى الجائر المشهور بالظلم وسفك الدماء فيوافق في اسمه واسم أبيه وكنيته ونسبته ويخالف في جده وعصره وعدالته وحسن طريقته وأما شبابة فبفتح الشين المعجمة وبالبائين الموحدتين وهو شبابة بن سوار أبو عمرو الفزارى مولاهم المدانى قيل اسمه مروان
[ 94 ]
وشبابة لقب وأما قوله (عباد بن كثير من تعرف حاله) فهو بالتاء المثناة فوق خطابا يعنى أنت عارف بضعفه وأما الحسين بن واقد فبالقاف وأما محمد بن أبى عتاب فبالعين المهملة وأما قول يحيى بن سعيد (لم نر الصالحين في شئ أكذب منهم في الحديث) وفى الرواية الأخرى لم تر ضبطناه في الأول بالنون وفى الثاني بالتاء المثناة ومعناه ما قاله مسلم انه يجرى الكذب على ألسنتهم ولا يتعمدون ذلك لكونهم لا يعانون صناعة أهل الحديث فيقع الخطأ في رواياتهم ولا يعرفونه ويرون الكذب ولا يعلمون أنه كذب وقد قدمنا أن مذهب أهل الحق أن الكذب هو الاخبار عن الشئ بخلاف ما هو عمدا كان أو سهوا أو غلطا وقوله (فلقيت أبا محمد بن يحيى بن سعيد القطان) فالقطان مجرور صفة ليحيى وليس منصوبا على أنه صفة
[ 95 ]
لمحمد والله أعلم قوله (فأخذه البول فقام فنظرت في الكراسة فإذا فيها حدثنى أبان عن أنس) أما قوله أخذه البول فمعناه ضغطه وأزعجه واحتاج الى اخراجه وأما الكراسة بالهاء في آخرها فمعروفة قال أبو جعفر النحاس في كتابه صناعة الكتاب الكراسة معناها الكتبة المضموم بعضها الى بعض والورق الذى قد ألصق بعضه الى بعض مشتق من قولهم رسم مكرس إذا ألصقت الريح التراب به قال وقال الخليل الكراسة مأخوذة من أكراس الغنم وهو أن تبول في الموضع شيئا بعد شئ فيتلبد وقال أقضى القضاة الماوردى أصل الكرسي العلم ومنه قيل للصحيفة يكون فيها علم مكتوب كراسه والله أعلم وأما أبان ففيه وجهان لأهل العربية الصرف وعدمه فمن لم يصرفه جعله فعلا ماضيا والهمزة زائدة فيكون أفعل ومن صرفه جعل الهمزة أصلا فيكون فعالا وصرفه هو الصحيح وهو الذى اختاره الامام محمد بن جعفر في كتابه جامع اللغة والامام أبو محمد بن السيد البطليوسى قال رحمه الله (وسمعت الحسن بن على الحلواني يقول رأيت في كتاب عفان حديث هشام أبى المقدام حديث عمر بن عبد العزيز قال هشام حدثنى رجل يقال له يحيى بن فلان عن محمد بن كعب قلت لعفان انهم يقولون هشام سمعه من محمد بن كعب فقال انما ابتلى من قبل هذا الحديث فكان يقول حدثنى يحيى عن محمد ثم ادعى بعد أنه سمعه من محمد) أما قوله حديث عمر فيجوز في اعرابه النصب والرفع فالرفع على تقدير هو حديث عمر والنصب على وجهين أحدهما البدل من قوله حديث هشام
[ 96 ]
والثانى على تقدير أعنى وقوله قال هشام حدثنى رجل الى آخره هو بيان للحديث الذي رآه في كتاب عفان وأما هشام هذا فهو ابن زياد الأموي مولاهم البصري ضعفه الأئمة ثم هنا قاعدة ننبه عليها ثم نحيل عليها فيما بعد ان شاء الله تعالى وهى أن عفان رحمه الله قال انما ابتلى هشام يعنى انما ضعفوه من قبل هذا الحديث كان يقول حدثنى يحيى عن محمد ثم ادعى بعد أنه سمعه من محمد وهذا القدر وحده لا يقتضى ضعفا لانه ليس فيه تصريح بكذب لاحتمال أنه سمعه من محمد ثم نسيه فحدث به عن يحيى عنه ثم ذكر سماعه من محمد فرواه عنه ولكن انضم الى هذا قرائن وأمور اقتضت عند العلماء بهذا الفن الحذاق فيه المبرزين من أهله العارفين بدقائق أحوال رواته أنه لم يسمعه من محمد فحكموا بذلك لما قامت الدلائل الظاهرة عندهم بذلك وسيأتى بعد هذا أشياء كثيرة من أقوال الأئمة في الجرح بنحو هذا وكلها يقال فيها ما قلنا هنا والله أعلم قال رحمه الله (حدثنا محمد بن عبد الله بن قهزاذ قال سمعت عبد الله بن عثمان بن جبلة يقول لعبد الله بن المبارك من هذا الرجل الذى رويت عنه حديث عبد الله بن عمرو يوم الفطر يوم الجوائز قال سليمان بن الحجاج انظر ما وضعت في يدك منه قال ابن قهزاذ وسمعت وهب بن زمعة يذكر سفيان بن عبد الملك قال قال
[ 97 ]
عبد الله يعنى ابن مبارك رأيت روح بن غطيف صاحب الدم قدر الدرهم وجلست إليه مجلسا فجعلت أستحيى من أصحابي أن يرونى جالسا معه كره حديثه) أما قهزاذ فتقدم ضبطه وأما عبد الله بن عثمان بن جبلة فهو الملقب بعبدان وتقدم بيانه وجبلة بفتح الجيم الموحدة واما حديث يوم الفطر يوم الجوائز فهو ما روى إذا كان يوم الفطر وقفت الملائكة على أفواه الطرق ونادت يا معشر المسلمين اغدوا الى رب رحيم يأمر بالخير ويثيب عليه الجزيل أمركم فصمتم وأطعتم ربكم فاقبلوا جوائزكم فإذا صلوا العيد نادى مناد من السماء ارجعوا الى منازلكم راشدين فقد غفرت ذنوبكم كلها ويسمى ذلك اليوم يوم الجوائز وهذا الحديث رويناه في كتاب المستقصى في فضائل المسجد الاقصى تصنيف الحافظ أبى محمد بن عساكر الدمشقي رحمه الله والجوائز جمع جائزة وهى العطاء وأما قوله انظر ما وضعت في يدك فضبطناه بفتح التاء من وضعت ولا يمتنع ضمها وهو مدح وثناء على سليمان بن الحجاج وأما زمعة فباسكان الميم وفتحها وأما غطيف فبغين معجمة مضمومة ثم طاء مهملة مفتوحة هذا هو الصواب وحكى القاضى عن أكثر شيوخه أنهم رووه غضيف بالضاد المعجمة قال وهو خطأ قال البخاري في تاريخه هو منكر الحديث وقوله صاحب الدم قدر الدرهم يريد وصفه وتعريفه بالحديث الذى رواه روح هذا عن الزهري عن أبى سلمة عن أبى هريرة يرفعه تعاد الصلاة من قدر الدرهم يعنى من الدم وهذا الحديث ذكره البخاري في تاريخه وهو حديث باطل لا أصل له عند أهل الحديث والله أعلم وقوله أستحيى هو بياءين ويجوز حذف احداهما وسيأتى ان شاء الله تعالى تفسير حقيقة الحياء في بابه من كتاب الايمان وقوله كره حديثه هو بضم الكاف ونصب الهاء أي كراهية له والله أعلم قوله (ولكنه يأخذ عمن أقبل وأدبر) يعنى عن الثقات والضعفاء
[ 98 ]
قوله (عن الشعبى قال حدثنى الحارث الأعور الهمداني أما الهمداني فباسكان الميم وبالدال المهملة وأما الشعبى فبفتح الشين واسمه عامر بن شراحبيل وقيل ابن شراحبيل والاول هو المشهور منسوب الى شعب بطن من همدان ولد لست سنين خلت من خلافة عمر بن الخطاب رضى الله عنه وكان الشعبى اماما عظيما جليلا جامعا للتفسير والحديث والفقه والمغازى والعبادة قال الحسن كان الشعبى والله كثير العلم عظيم الحلم قديم السلم من الاسلام بمكان وأما الحارث الأعور فهو الحارث بن عبد الله وقيل ابن عبيد أبو زهير الكوفى متفق على ضعفه قال رحمه الله (وحدثنا أبو عامر عبد الله بن براد الاشعري قال حدثنا أبو أسامة عن مفضل عن مغيرة قال سمعت الشعبى يقول حدثنى الاعور وهو يشهد أنه أحد الكذابين) هذا اسناد كله كوفيون فأما براد فبباء موحدة مفتوحة ثم راء مشددة ثم ألف ثم دال مهملة وهو عبد الله بن براد بن يوسف بن أبى بردة بن أبى موسى الاشعري الكوفى وأما أبو أسامة فاسمه حماد بن أسامة بن يزيد القرشى مولاهم الكوفى الحافظ الضابط المتقن العابد وأما مفضل فهو ابن مهلهل أبو عبد الرحمن السعدى الكوفى الحافظ الضابط المتقن العابد وأما مغيرة فهو ابن مقسم أبو هشام الضبى الكوفى وتقدم أن ميم المغيرة تضم وتكسر وأما قوله أحد الكذابين فبفتح النون على الجمع والضمير في قوله وهو يشهد يعود الى الشعبى والقائل وهو يشهد هو المغيرة والله أعلم وأما قول الحارث (تعلمت الوحى في سنتين أو في ثلاث سنين وفى الرواية الأخرى القرآن هين الوحى أشد) فقد ذكره مسلم في جملة
[ 99 ]
ما أنكر على الحارث وجرح به وأخذ عليه من قبيح مذهبه وغلوه في التشيع وكذبه على القاضى عياض رحمه الله وأرجو أن هذا من أخف أقواله لاحتماله الصواب فقد فسره بعضهم بأن الوحى هنا الكتابة ومعرفة الخط قاله الخطابى يقال أوحى ووحى إذا كتب وعلى هذا ليس على الحارث في هذا درك وعليه الدرك في غيره قال القاضى ولكن لما عرف قبح مذهبه وغلوه في مذهب الشيعة ودعواهم الوصية الى على رضى الله عنه وسر النبي ص = إليه من الوحى وعلم الغيب ما لم يطلع غيره عليه يزعمهم سئ الظن بالحارث في هذا وذهب به ذلك المذهب ولعل هذا القائل فهم من الحارث معنى منكرا فيما أراده والله أعلم قوله (حدثنا زائدة عن منصور والمغيرة عن ابراهيم) فالمغيرة مجرور معطوف على منصور قوله (وأحس الحارث بالشر) هكذا ضبطناه من أصول محققة أحس ووقع في كثير من الاصول أو أكثرها حسن بغير ألف وهما لغتان حس وأحس ولكن أحس أفصح وأشهر وبها جاء القرآن العزيز قال الجوهرى وآخرون حس وأحس لغتان بمعنى علم وأيقن وأما قول الفقهاء وأصحاب الاصول الحاسة والحواس الخمس فانما يصح على اللغة القليلة حس بغير ألف والكثير في حس بغير ألف أن يكون بمعنى قتل قوله (اياكم والمغيرة بن سعيد وأبا عبد الرحيم فانهما كذابان)
[ 100 ]
أما المغيرة بن سعيد فقال النسائي في كتابه كتاب الضعفاء هو كوفى دجال أحرق بالنار زمن النخعي ادعى النبوة وأما أبو عبد الرحمن فقيل هو شقيق الضبى الكوفى القاص وقيل هو سلمة ابن عبد الرحمن النخعي وكلاهما يكنى أبا عبد الرحيم وهما ضعيفان وسيأتى ذكرهما قريبا أيضا ان شاء الله تعالى قوله (وحدثني أبو كامل الجحدرى) هو بجيم مفتوحة ثم حاء ساكنة ثم دال مفتوحة مهملتين واسم أبى كامل فضيل بن حسين بالتصغير فيهما ابن طلحة البصري قال أبو سعيد السمعاني هو منسوب الى جحدر اسم رجل قوله (كنا نأتى أبا عبد الرحمن السلمى ونحن غلمة أيفاع وكان يقول لا تجالسوا القصاص غير أبى الاحوص واياكم وشقيقا قال وكان شقيق هذا يرى رأى الخوارج وليس بأبى وائل) أما أبو عبد الرحمن السلمى فبضم السين واسمه عبد الله بن حبيب بن ربيعة بضم الراء وفتح الموحدة وكسر المثناة المشددة وآخره هاء الكوفى التابعي الجليل وقوله غلمة جمع غلام واسم الغلام يقع على الصبى من حين يولد على اختلاف حالاته الى أن يبلغ وقوله أيفاع أي شببة قال القاضى عياض معناه بالغون يقال غلام يافع ويفع ويفعة بفتح الفاء فيهما إذا شب وبلغ أو كاد يبلغ قال الثعالبي إذا قارب البلوغ أو بلغه يقال له يافع وقد أيفع وهو نادر وقال أبو عبيد أيفع الغلام إذا شارف الاحتلام ولم يحتلم هذا آخر نقل القاضى عياض وكأن اليافع مأخوذ من اليفاع بفتح الياء وهو ما ارتفع من الارض قال الجوهرى ويقال غلمان أيفاع ويفعة أيضا وأما القصاص بضم القاف فجمع قاص وهو الذى يقرأ القصص على الناس قال أهل اللغة القصة الامر والخبر وقد اقتصصت الحديث إذا رويته على وجهه وقص عليه الخبر قصصا بفتح القاف والاسم أيضا القصص بالفتح والقصص بكسر القاف اسم جمع للقصة وأما شقيق
[ 101 ]
الذى نهى عن مجالسته فقال القاضى عياض هو شقيق الضبى الكوفى القاص ضعفه النسائي كنيته أبو عبد الرحيم قال بعضهم وهو أبو عبد الرحيم الذى حذر منه ابراهيم قبل هذا في الكتاب وقيل ان أبا عبد الرحيم الذى حذر منه ابراهيم هو سلمة بن عبد الرحمن النخعي ذكر ذلك ابن أبى حاتم الرازي في كتابه عن ابن المدينى وقول مسلم وليس بأبى وائل يعنى ليس هذا الذى نهى عن مجالسته بشقيق بن سلمة أبى وائل الاسدي المشهور معدود في كبار التابعين هذا آخر كلام القاضى رحمه الله قوله (وحدثنا أبو غسان محمد بن عمرو الرازي) هو بفتح الغين المعجمة وتشديد السين المهملة المسموع في كتب المحدثين ورواياتهم غسان غير مصروف وذكره ابن فارس في المجمل وغيره من أهل اللغة في باب غسن وفى باب عسس وهذا تصريح بانه يجوز صرفه وترك صرفه فمن جعل النون أصلا صرفه ومن جعلها زائدة لم يصرفه وأبو غسان هذا هو الملقب بزنيج بضم الزاى وبالجيم قوله في جابر الجعفي (كان يؤمن بالرجعة) هي بفتح الراء قال الازهرى وغيره لا يجوز فيها الا الفتح وأما رجعة المرأة المطلقة ففيها لغتان الكسر والفتح قال القاضى عياض رحمه الله تعالى وحكى في هذه الرجعة التى كان يؤمن بها جابر الكسر أيضا ومعنى ايمانه بالرجعة هو ما تقوله الرافضة وتعتقده بزعمها الباطل أن عليا كرم الله وجهه في السحاب فلا نخرج يعنى مع من يخرج من ولده حتى ينادى من السماء أن اخرجوا معه وهذا نوع من أباطيلهم وعظيم من جهالاتهم الللائقة بأذهانهم السخيفة وعقولهم الواهية قوله رحمه الله تعالى (وحدثني سلمة بن شبيب حدثنا الحميدى حدثنا سفيان) هو سفيان
[ 102 ]
ابن عيينة الامام المشهور واما الحميدى فهو عبد الله بن الزبير بن عيسى بن عبد الله بن الزبير ابن عبيد الله بن حميد أبو بكر القرشى الأسدى المكى وقوله (حدثنا أبو يحيى الحمانى) هو بكسر الحاء المهملة واسمه عبد الحميد بن عبد الرحمن الكوفى منسوب الى حمان بطن من همدان وأما الجراح بن مليح فبفتح الميم وكسر اللام وهو والد وكيع وهذا الجراح ضعيف عند المحدثين ولكنه مذكور هنا في المتابعات وقوله (عندي سبعون ألف حديث عن أبى جعفر) أبو جعفر هذا هو محمد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب رضى الله عنهم المعروف بالباقر لأنه بقر العلم أي شقه وفتحه فعرف أصله وتمكن فيه وقوله (سمعت أبا الوليد يقول سمعت سلام بن أبى مطيع) اسم أبي الوليد هشام بن عبد الملك وهو الطيالسي وسلام بتشديد اللام واسم أبى مطيع سعد قوله (ان الرافضة تقول ان عليا رضى الله
[ 103 ]
عنه في السحاب فلا نخرج) الى آخره نخرج بالنون وسموا رافضة من الرفض وهو الترك قال الاصمعي وغيره سموا رافضة لأنهم رفضوا زيد بن على فتركوه قال رحمه الله (وحدثني سلمة حدثنا الحميدى حدثنا سفيان قال سمعت جابرا يحدث بنحو من ثلاثين ألف حديث) قال أبو على الغساني الجيانى سقط ذكر سلمة بن شبيب بين مسلم والحميدي عند ابن ماهان والصواب رواية الجلودى باثباته فان مسلما لم يلق الحميدى قال أبو عبد الله بن حذاء أحد رواة كتاب مسلم سألت عبد الغنى بن سعد هل روى مسلم عن الحميدى فقال لم أره الا في هذا الموضع وما أبعد ذلك أو يكون سقط قبل الحميدى رجل قال القاضى عياض وعبد الغنى انما رأى من مسلم نسخة ابن ماهان فلذلك قال ما قال ولم تكن نسخة الجلودى دخلت مصر قال وقد ذكر مسلم قبل هذا حدثنا سلمة حدثنا الجلودى في حديث آخر كذا هو عند جميعهم وهو الصواب هنا أيضا ان شاء الله تعالى قوله (الحارث بن حصيرة) هو بفتح الحاء وكسر الضاد المهملتين وآخره هاء وهو أزدى كوفى سمع زيد بن وهب قاله البخاري قال رحمه الله (حدثنى أحمد بن ابراهيم الدورقى) هو بفتح الدال واسكان الواو وفتح الراء وبالقاف واختلف في معنى هذه النسبة فقيل كان أبوه ناسكا أي عابدا وكانوا في ذلك الزمان يسمون
[ 104 ]
الناسك دورقيا وهذا القول مروى عن أحمد الدورقى هذا وهو من أشهر الاقوال وقيل هي نسبة الى القلانس الطوال التى تسمى الدورقية وقيل منسوب الى دورق بلدة بفارس أو غيرها قوله (ذكر أيوب رجلا فقال لم يكن بمستقيم اللسان وذكر آخر فقال هو يزيد في الرقم) أيوب هذا هو السختيانى تقدم ذكره أول الكتاب وهذان اللفظان كناية عن الكذب وقول أيوب في عبد الكريم رحمه الله كان غير ثقة لقد سألني عن حديث لعكرمة ثم قال سمعت عكرمة هذا القطع بكذبه وكونه غير ثقة بمثل هذه القضية قد يستشكل من حيث انه يجوز أن يكون سمعه من عكرمة ثم نسيه فسأل عنه ثم ذكره فرواه ولكن عرف كذبه بقرائن وقد قدمت ايضاح هذا في أول هذا الباب وممن نص على ضعف عبد الكريم هذا سفيان بن عيينة وعبد الرحمن بن مهدى ويحيى بن سعيد القطان وأحمد بن حنبل وابن عدى وكان عبد الكريم هذا من فضلاء فقهاء البصرة والله أعلم قوله (قدم علينا أبو داود الأعمى فجعل يقول حدثنا البراء وحدثنا زيد بن أرقم فذكرنا ذلك لقتادة فقال كذب ما سمع منهم انما كان
[ 105 ]
إذا ذاك سائل يتكفف الناس من زمن طاعون الجارف وفى رواية الاخرى قبل الجارف) أما أبو داود هذا فاسمه نفيع بن الحارث القاص الأعمى متفق على ضعفه قال عمرو بن على هو متروك وقال يحيى بن معين وأبو زرعة ليس هو بشئ وقال أبو حاتم منكر الحديث وضعفه آخرون وقوله ما سمع منهم يعنى البراء وزيدا وغيرهما ممن زعم أنه روى عنه فانه زعم أنه رأى ثمانية عشر بدريا كما صرح به في الرواية الأخرى في الكتاب وقوله يتكفف الناس معناه يسألهم في كفه أو بكفه ووقع في بعض النسخ يتطفف بالطاء وهو بمعنى يتكفف أي يسأل في كفه الطفيف وهو القليل وذكر ابن أبى حاتم في كتابه الجرح والتعديل وغيره يتنطف ولعله مأخوذ من قولهم ما تنطفت به أي ما تلطخت وأما طاعون الجارف فسمى بذلك لكثرة من مات فيه من الناس وسمى الموت جارفا لاجترافه الناس وسمى السيل جارفا لاجترافه على وجه الارض والجرف الغرف من فوق الارض وكشح ما عليها وأما الطاعون فوباء معروف وهو بثر وورم مؤلم جدا يخرج مع لهب ويسود ما حوله أو يخضر أو يحمر حمرة بنفسجية كدرة ويحصل معه خفقان القلب والقئ وأما زمن طاعون الجارف فقد اختلف فيه أقوال العلماء رحمهم الله اختلافا شديدا متباينا تباينا بعيدا فمن ذلك ما قاله الامام الحافظ أبو عمر بن عبد البر في أول التمهيد قال مات أيوب السختيانى في سنة اثنتين وثلاثين ومائة في طاعون الجارف ونقل ابن قتيبة في المعارف عن الاصمعي أن طاعون الجارف كان في زمن ابن الزبير سنة سبع وستين وكذا قال أبو الحسن على بن محمد بن أبى سيف المدايني في كتاب التعازى أن الطاعون الجارف كان في زمن ابن الزبير رضى الله عنهما سنة سبع وستين في شوال وكذا ذكر الكلاباذى في كتابه في رجال البخاري معنى هذا فانه قال ولد أيوب السختيانى سنة ست وستين وفى قول انه ولد قبل الجارف بسنة وقال القاضى عياض في هذا الموضع كان الجارف سنة تسع عشرة ومائة وذكر الحافظ عبد الغنى المقدسي في ترجمة عبد الله بن مطرف عن يحيى القطان قال مات مطرف بعد طاعون الجارف وكان الجارف سنة سبع وثمانين وذكر في ترجمة يونس بن عبيد أنه رأى أنس بن مالك وأنه ولد بعد الجارف ومات سنة سبع
[ 106 ]
وثلاثين ومائة فهذه أقوال متعارضة فيجوز أن يجمع بينهما بأن كل طاعون من هذه تسمى جارفا لأن معنى الجرف موجود في جميعها وكانت الطواعين كثيرة ذكر ابن قتيبة في المعارف عن الاصمعي أن أول طاعون كان في الاسلام طاعون عمواس بالشام في زمن عمر بن الخطاب رضى الله عنه فيه توفى أبو عبيدة بن الجراح رضى الله عنه ومعاذ بن جبل وامرأتاه وابنه رضى الله عنهم ثم الجارف في زمن ابن الزبير ثم طاعون الفتيات لأنه بدأ في العذارى والجوازى بالبصرة وبواسط وبالشام والكوفة وكان الحجاج يومئذ بواسط في ولاية عبد الملك بن مروان وكان يقال له طاعون الأشراف يعنى لما مات فيه من الأشراف ثم طاعون عدى بن أرطاة سنة مائة ثم طاعون غراب سنة سبع وعشرين ومائة وغراب رجل ثم طاعون مسلم بن قتيبة سنة احدى وثلاثين ومائة في شعبان وشهر رمضان وأقلع في شوال وفيه مات أيوب السختيانى قال ولم يقع بالمدينة ولا بمكة طاعون قط هذا ما حكاه ابن قتيبة وقال أبو الحسن المدايني كانت الطواعين المشهورة العظام في الاسلام خمسة طاعون شيرويه بالمدائن على عهد النبي ص = في سنة ست من الهجرة ثم طاعون عمواس في زمن عمر بن الخطاب رضى الله عنه وكان بالشام مات فيه خمسة وعشرون ألفا ثم طاعون الجارف في زمن ابن الزبير في شوال سنة تسع وستين هلك في ثلاثة أيام في كل يوم سبعون ألفا مات فيه لانس بن مالك رضى الله عنه ثلاثة وثمانون ابنا ويقال ثلاثة وسبعون ابنا ومات لعبد الرحمن بن أبى بكرة أربعون ابنا ثم طاعون الفتيات في شوال سنة سبع وثمانين ثم كان طاعون في سنة احدى وثلاثين ومائة في رجب واشتد في شهر رمضان فكان يحصى في سكة المريد في كل يوم ألف جنازة أياما ثم خف في شوال وكان بالكوفة طاعون وهو الذى مات فيه المغيرة بن شعبة سنة خمسين هذا ما ذكره المدائني وكان طاعون عمواس سنة ثمانى عشرة وقال أبو زرعة الدمشقي كان سنة سبع عشرة أو ثمانى عشرة
[ 107 ]
وعمواس قرية بين الرملة وبيت المقدس نسب الطاعون إليها لكونه بدأ فيها وقيل لأنه عم الناس وتواسوا فيه ذكر القولين للحافظ عبد الغنى في ترجمة أبى عبيدة بن الجراح رضى الله عنه وعمواس بفتح العين والميم فهذا مختصر ما يتعلق بالطاعون فإذا علم ما قالوه في طاعون الجارف فان قتادة ولد سنة احدى وستين ومات سنة سبع عشرة ومائة على المشهور وقيل سنة ثمان عشرة ويلزم من هذا بطلان ما فسر به القاضى عياض رحمه الله طاعون الجارف هنا ويتعين أحد الطاعونين فاما سنة سبع وستين فان قتادة كان ابن ست سنين في ذلك الوقت ومثله يضبطه واما سنة سبع وثمانين وهو الا ظهر ان شاء الله تعالى والله أعلم وأما قوله (لا يعرض لشئ من هذا) فهو بفتح الياء وكسر الراء ومعناه لا يعتنى بالحديث وقوله (ما حدثنا الحسن عن بدرى مشافهة ولا حدثنا سعيد بن المسيب عن بدرى مشافهة الا عن سعد بن مالك) المراد بهذا الكلام ابطال قول أبى داود الاعمى هذا وزعمه أنه لقى ثمانية عشر بدريا فقال قتادة الحسن البصري وسعيد بن المسيب أكبر من أبى داود الاعمى وأجل وأقدم سنا وأكثر اعتناء بالحديث وملازمة أهله والاجتهاد في الأخذ عن الصحابة ومع هذا كله ما حدثنا واحد منهما عن بدرى واحد فكيف يزعم أبو داود الاعمى أنه لقى ثمانية عشر بدريا هذا بهتان عظيم وقوله سعد بن مالك هو سعد بن أبى وقاص واسم أبى وقاص مالك بن أهيب ويقال وهيب وأما المسيب والد سعيد فصحابي مشهور رضى الله عنه وهو بفتح الياء هذا هو المشهور وحكى صاحب مطالع الانوار عن على بن المدينى أنه قال أهل العراق يفتحون الياء وأهل المدينة يكسرونها قال وحكى أن سعيدا كان يكره الفتح وسعيد امام التابعين وسيدهم ومقدمهم في الحديث والفقه وتعبير الرؤيا والورع والزهد وغير ذلك وأحواله أكثر من أن تحصر وأشهر من أن تذكر وهو مدنى كنيته أبو محمد والله أعلم قوله (عن رقبة أن أبا جعفر الهاشمي المدنى كان يضع
[ 108 ]
أحاديث كلام حق) أما رقبة فعلى لفظ رقبة الانسان وهو رقبة بن مسقلة بفتح الميم واسكان السين المهملة وفتح القاف ابن عبد الله العبدى الكوفى أبو عبد الله وكان عظيم القدر جليل الشأن رحمه الله وأما قوله كلام حق فبنصب كلام وهو بدل من أحاديث ومعناه كلام صحيح المعنى وحكمة من الحكم ولكنه كذب فنسبه الى النبي ص = وليس هو من كلامه ص = وأما أبو جعفر هذا فهو عبد الله بن مسور المدائني أبو جعفر الذى تقدم في أول كتاب في الضعفاء والواضعين قال البخاري في تاريخه هو عبد الله بن مسور بن عون بن جعفر بن أبى طالب أبو جعفر القرشى الهاشمي وذكر كلام رقبة وهو هذا الكلام الذى هنا ثم انه وقع في الاصول هنا المدنى وفى بعضها المدينى بزيادة ياء ولم أر في شئ منها هنا المدائني ووقع في أول الكتاب المدائني فأما المدينى والمدنى فنسبة الى مدينة النبي ص = والقياس المدنى بحذف الياء ومن أثبتها فهو على الاصل وروى أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي الامام الحافظ في كتاب الانساب المتفقة في الخط المتماثلة في النقط والضبط باسناده عن الامام أبى عبد الله البخاري قال المدينى يعنى بالياء هو الذى أقام بالمدينة ولم يفارقها والمدنى الذى تحول عنها وكان منها قال رحمه الله (حدثنا الحسن الحلواني قال حدثنا نعيم قال أبو اسحاق ابراهيم بن سفيان وحدثنا محمد بن يحيى قال حدثنا نعيم بن حماد حدثنا أبو داود الطيالسي) هكذا وقع في كثير من الاصول المحققة قول أبى اسحاق ولم يقع قوله في بعضها وأبو اسحاق هذا صاحب مسلم ورواية الكتاب عنه فيكون قد ساوى مسلما في هذا الحديث وعلا فيه برجل وأما أبو داود الطيالسي فاسمه سليمان بن أبى داود تقدم بيانه
[ 109 ]
قوله (قلت لعوف بن أبى جميلة ان عمرو بن عبيد حدثنا عن الحسن أن رسول الله ص = قال من حمل علينا السلاح فليس منا قال كذب والله عمرو ولكنه أراد أن يحوزها الى قوله الخبيث) أما عوف فتقدم بيانه في أول الكتاب وأما عمرو بن عبيد فهو القدري المعتزلي الذى كان صاحب الحسن البصري وقوله ص = من حمل علينا السلاح فليس منا صحيح مروى من طرق وقد ذكرها مسلم رحمه الله بعد هذا ومعناه عند أهل العلم أنه ليس ممن اهتدى بهدينا واقتدى بعلمنا وعملنا وحسن طريقتنا كما يقول الرجل لولده إذا لم يرض فعله لست منى وهكذا القول في كل الاحاديث الواردة بنحو هذا القول كقوله ص = من غش فليس منا وأشباهه ومراد مسلم رحمه الله بادخال هذا الحديث هنا بيان أن عوفا جرح عمرو بن عبيد وقال كذب وانما كذبه مع أن الحديث صحيح لكونه نسبه الى الحسن وكان عوف من كبار أصحاب الحسن والعارفين بأحاديثه فقال كذب في نسبته الى الحسن فلم يرو الحسن هذا أو لم يسمعه هذا من الحسن وقوله أراد أن يحوزها الى قوله الخبيث معناه كذب بهذه الرواية ليعضد بها مذهبه الباطل الردئ وهو الاعتزال فانهم يزعمون أن ارتكاب المعاصي يخرج صاحبه عن الايمان ويخلده في النار ولا يسمونه كافرا بل فاسقا مخلدا في النار وسيأتى الرد
[ 110 ]
عليهم بقواطع الأدلة في كتاب الايمان ان شاء الله تعالى وقول أيوب السختيانى (انما نفر أو نفرق من تلك الغرائب) معناه انما نهرب أو نخاف من هذه الغرائب التى يأتي بها عمرو بن عبيد مخافة من كونها كذبا فنقع في الكذب على رسول الله ص = ان كانت أحاديث وان كانت من الآراء والمذاهب فحذرا من الوقوع في البدع أو في مخالفة الجمهور وقوله نفرق بفتح الراء وقوله نفر أو نفرق شك من الراوى في احداهما قوله (حدثنا عمرو بن عبيد قبل أن يحدث) هو بضم الياء واسكان الحاء وكسر الدال يعنى قبل أن يصير مبتدعا قدريا قوله (كتبت الى شعبة أساله عن أبى شيبة قاضى واسط فكتب الى لا تكتب عنه شيئا ومزق كتابي) وأبو شيبة هذا هو جد أولاد أبى شيبة وهم أبو بكر وعثمان والقاسم بنو محمد بن ابراهيم أبى شيبة وأبو شبية ضعيف وقد قدمنا بيانه وبيانهم في أول الكتاب وواسط مصروف كذا سمع من العرب وهى من بناء الحجاج بن يوسف وقوله
[ 111 ]
مزق كتابي هو بكسر الزاى أمره بتمزيقه مخافة من بلوغه الى أبى شيبة ووقوفه على ذكره له بما يكره لئلا يناله منه أذى أو يترتب على ذلك مفسدة قوله في صالح المرى (كذب) هو من نحو ما قدمناه في قوله لم نر الصالحين في شئ أكذب منهم في الحديث معناه ما قاله مسلم يجرى الكذب على ألسنتهم من غير تعمد وذلك لأنهم لا يعرفون صناعة هذا الفن فيخبرون بكل ما سمعوه وفيه الكذب فيكونون كاذبين فان الكذب الاخبار عن الشئ على خلاف ما هو سهوا كان الاخبار أو عمدا كما قدمناه وكان صالح هذا من كبار العباد الزهاد الصالحين وهو صالح ابن بشير بفتح الباء وكسر الشين أبو بشير البصري القاضى وقيل له المرى لأن امرأة من بنى مرة أعتقته وأبوه عربي وأمه معتقة للمرأة المرية وكان صالح رحمه الله حسن الصوت بالقرآن وقد مات بعض من سمع قراءته وكان شديد الخوف من الله تعالى كثير البكاء قال عفان ابن مسلم كان صالح إذا أخذ في قصصه كأنه رجل مذعور يفزعك أمره من حزنه وكثرة بكائه كأنه ثكلى والله أعلم قوله (عن مقسم) هو بكسر الميم وفتح السين قوله (قلت للحكم
[ 112 ]
ما تقول في أولاد الزنى قال يصلى عليهم قلت من حديث من يروى قال يروى عن الحسن البصري فقال الحسن بن عمارة حدثنا الحكم عن يحيى بن الجزار عن على) معنى هذا الكلام أن الحسن بن عمارة كذب فروى هذا الحديث عن الحكم عن يحيى عن على وانما هو عن الحسن البصري من قوله وقد قدمنا أن مثل هذا وان كان يحتمل كونه جاء عن الحسن وعن على لكن الحفاظ يعرفون كذب الكذابين بقرائن وقد يعرفون ذلك بدلائل قطعية يعرفها أهل هذا الفن فقولهم مقبول في كل هذا والحسن بن عمارة متفق على ضعفه وتركه وعمارة بضم العين ويحيى بن الجزار بالجيم والزاى وبالراء آخره قال صاحب المطالع ليس في الصحيحين والموطأ غيره ومن سواه خزار أو خراز بالخاء فيهما قال رحمه الله (حدثنا الحسن الحلواني قال سمعت يزيد بن هارون وذكر زياد بن ميمون فقال حلفت أن لا أروى عنه شيئا ولا عن خالد بن محدوج قال لقيت زياد بن ميمون فسألته عن حديث فحدثني به عن بكر المزني ثم عدت إليه فحدثني به عن مورق ثم عدت إليه فحدثني به عن الحسن وكان ينسبهما الى الكذب) أما محدوج فبميم مفتوحة ثم حاء ساكنة ثم دال مضمومة مهملتين ثم واو ثم جيم وخالد هذا واسطى ضعيف ضعفه أيضا النسائي وكنيته أبو روح رأى أنس بن مالك رضى الله عنه وأما زياد بن ميمون فبصرى كنيته أبو عمار ضعيف قال البخاري في تارخه تركوه وأما بكر المزني فهو بفتح الباء واسكان الكاف وهو بكر بن عبد الله المزني بالزاى أبو عبد الله البصري التابعي
[ 113 ]
الجليل الفقيه رحمه الله وأما مورق فبضم الميم وفتح الواو وكسر الراء المشددة وهو مورق بن المشمرج بضم الميم الأولى وفتح الشين المعجمة وكسر الراء وبالجيم العجلى الكوفى أبو المعتمر التابعي الجليل العابد وأما قوله وكان ينسبهما الى الكذب فالقائل هو الحلواني والناسب يزيد ابن هارون والمنسوبان خالد بن محدوج وزياد بن ميمون وأما قوله حلفت أن لا أروى عنهما ففعله نصيحة للمسلمين ومبالغة في التنفير عنهما لئلا يغتر أحد بهما فيروى عنهما الكذب فيقع في الكذب على رسول الله ص = وربما راج حديثهما فاحتج به وأما حكمه بكذب ميمون فلكونه حدثه بالحديث عن واحد ثم عن آخر ثم عن آخر فهو جار على ما قدمناه من انضمام القرائن والدلائل على الكذب والله أعلم قوله (حديث العطارة) قال القاضى عياض رحمه الله هو حديث رواه زياد بن ميمون هذا عن أنس أن امرأة يقال لها الحولاء عطارة كانت بالمدينة فدخلت على عائشة رضى الله عنها وذكرت خبرها مع زوجها وأن النبي ص = ذكر لها في فضل الزوج وهو حديث طويل غير صحيح ذكره ابن وضاح بكماله ويقال ان هذه العطارة هي الحولاء بنت تويت قوله (فأنا لقيت زياد بن ميمون وعبد الرحمن بن مهدى) فعبد الرحمن مرفوع معطوف على الضمير في قوله لقيت قوله (ان كان لا يعلم الناس فانتما لا تعلمان أنى لم الق أنسا) هكذا وقع في الأصول فأنتما لا تعلمان
[ 114 ]
ومعناه فأنتما تعلمان فيجوز أن تكون لا زائدة ويجوز أن يكون معناه أفأنتما لا تعلمان ويكون استفهام تقرير وحذف همزة الاستفهام قوله (سمعت شبابة يقول كان عبد القدوس يحدثنا فيقول سويد بن عقلة قال شبابة وسمعت عبد القدوس يقول نهى رسول الله ص = أن يتخذ الروح عرضا قال فقيل له أي شئ هذا فقال يعنى يتخذ كوة في حائطه ليدخل عليه الروح) المراد بهذا المذكور بيان تصحيف عبد القدوس وغباوته واختلال ضبطه وحصول الوهم في اسناده ومتنه فاما الاسناد فانه قال سويد بن عقلة بالغين المهملة والقاف وهو تصحيف ظاهر وخطأ بين وانما هو غفلة بالغين المعجمة والفاء المفتوحتين وأما المتن فقال الروح بفتح الراء وعرضا بالعين المهملة واسكان الراء وهو تصحيف قبيح وخطأ صريح وصوابه الروح بضم الراء وغرضا بالغين المعجمة والراء المفتوحتين ومعناه نهى أن نتخذ الحيوان الذى فيه الروح غرضا أي هدفا للرمي فيرمى إليه بالنشاب وشبهه وسيأتى ايضاح هذا الحديث وبيان فقهه في كتاب الصيد والذبائح ان شاء الله تعالى وأما شبابة فتقدم بيان اسمه وضبطه وأما الكوة فبفتح الكاف على اللغة المشهورة قال صاحب المطالع وحكى فيها الضم وقوله ليدخل عليه الروح أي النسيم قوله (قال حماد بعدما جلس مهدى بن هلال ما هذه العين المالحة التى نبعت قبلكم قال نعم يا أبا اسماعيل) أما مهدى هذا فمتفق على ضعفه قال النسائي هو بصرى متروك يروى عن داود بن أبى هند ويونس بن عبيد وقوله العين المالحة كناية عن ضعفه وجرحه وقوله قال نعم يا أبا اسماعيل كأنه وافقه على جرحه وأبو اسماعيل كنيته حماد بن زيد
[ 115 ]
قوله (سمعت أبا عوانة قال ما بلغني عن الحسن حديث الا أتيت به أبان بن أبى عياش فقرأه على) أما أبو عوانة فاسمه الوضاح بن عبد الله وأبان يصرف ولا يصرف والصرف أجود وقد تقدم ذكر أبى عوانة وأبان ومعنى هذا الكلام أنه كان يحدث عن الحسن بكل ما يسأل عنه وهو كاذب في ذلك قوله (ان حمزة الزيات رأى النبي ص = في المنام فعرض عليه ما سمعه من أبان فما عرف منه الا شيئا يسيرا) قال القاضى عياض رحمه الله هذا ومثله استئناس واستظهار على ما تقرر من ضعف أبان لا أنه يقطع بأمر المنام ولا أنه تبطل بسببه سنة ثبتت ولا تثبت به سنة لم تثبت وهذا باجماع العلماء هذا كلام القاضى وكذا قاله غيره من أصحابنا وغيرهم فنقلوا الاتفاق على أنه لا يغير بسبب ما يراه النائم ما تقرر في الشرع وليس هذا الذى ذكرناه مخالفا لقوله ص = من رأني في المنام فقد رأني فان معنى الحديث أن رؤيته صحيحة وليست من أضغاث الاحلام وتلبيس الشيطان ولكن لا يجوز اثبات حكم شرعى به لأن حالة النوم ليست حالة ضبط وتحقيق لما يسمعه الرائى وقد اتفقوا على أن من شرط من تقبل روايته وشهادته أن يكون متيقظا لا مغفلا ولا سئ الحفظ ولا كثير الخطأ ولا مختل الضبط والنائم ليس بهذه الصفة فلم تقبل روايته لاختلال ضبطه هذا كله في منام يتعلق باثبات حكم على خلاف ما يحكم به الولاة أما إذا رأى النبي ص = يأمره بفعل ما هو مندوب إليه أو ينهاه عن منهى عنه أو يرشده الى فعل مصلحة فلا خلاف في استحباب العمل على وفقه لأن ذلك ليس حكما بمجرد المنام بل تقرر من أصل ذلك الشئ والله أعلم قوله (حدثنا الدارمي)
[ 116 ]
قد تقدم بيانه وأنه منسوب الى دارم وأما أبو اسحاق الفزارى فبفتح الفاء واسمه ابراهيم ابن محمد بن الحسن بن أسماء بن جارحة الكوفى الامام الجليل المجمع على جلالته وتقدمه في العلم وفضيلته والله أعلم قوله (قال أبو اسحاق الفزارى اكتب عن بقية ما روى عن المعروفين ولا تكتب عنه ما روى عن غير المعروفين ولا تكتب عن اسماعيل ابن عياش ما روى عن المعروفين ولا غيرهم) هذا الذى قاله أبو اسحاق الفزارى في اسماعيل خلاف قول جمهور الأئمة قال عباس سمعت يحيى بن معين يقول اسماعيل بن عياش ثقة وكان أحب الى أهل الشام من بقية وقال ابن أبي خيثمة سمعت يحيى بن معين يقول هو ثقة والعراقيون يكرهون حديثه وقال البخاري ما روى عن الشاميين أصح وقال عمرو بن على إذا حدث عن أهل بلاده فصحيح وإذا حدث عن أهل المدينة مثل هشام بن عروة ويحيى بن سعيد وسهيل بن أبى صالح فليس بشئ وقال يعقوب ابن سفيان كنت أسمع أصحابنا يقولون علم الشام عند اسماعيل بن عياش والوليد بن مسلم قال يعقوب وتكلم قوم في اسماعيل وهو ثقة عدل أعلم الناس بحديث الشام ولا يدفعه دافع وأكثر ما تكلموا قالوا يغرب عن ثقات المكيين والمدنيين وقال يحيى بن معين اسماعيل ثقة فيما روى عن الشاميين وأما روايته عن أهل الحجاز فان كتابه ضاع فخلط في حفظه عنهم وقال أبو حاتم هو لين يكتب حديثه ولا أعلم أحدا كف عنه الا أبا اسحاق الفزارى وقال الترمذي قال أحمد هو أصلح من بقية فان لبقية أحاديث مناكير وقال أحمد بن أبى الحوارى قال لى وكيع يروون عندكم عن اسماعيل بن عياش فقلت أما الوليد ومروان فيرويان عنه وأما الهيثم بن خارجة ومحمد بن اياس فلا فقال وأى شئ الهيثم وابن اياس انما أصحاب البلد الوليد ومروان والله أعلم قال رحمه الله (وحدثنا اسحاق بن ابراهيم الحنظلي قال سمعت بعض أصحاب عبد
[ 117 ]
الله قال قال ابن المبارك نعم الرجل بقية لولا أنه يكنى الاسامي ويسمى الكنى كان دهرا يحدثنا عن أبى سعيد الوحاظى فنظرنا فإذا هو عبد القدوس) قوله سمعت بعض أصحاب عبد الله هذا مجهول ولا يصح الاحتجاج به ولكن ذكره مسلم متابعة لا أصلا وقد تقدم في الكتاب نظير هذا وقد قدمنا وجه ادخاله هنا وأما قوله يكنى الاسامي ويسمى الكنى فمعناه انه إذا روى عن انسان معروف باسمه كناه ولم يسمه وإذا روى عن معروف بكنيته سماه ولم يكنه وهذا نوع من التدليس وهو قبيح مذموم فانه يلبس أمره على الناس ويوهم أن ذلك الراوى ليس هو ذلك الضعيف فيخرجه عن حاله المعروفة بالجرح المتفق عليه وعلى تركه الى حالة الجهالة التى تؤثر عند جماعة من العلماء بل يحتجون بصاحبها وتفضي توفقا عن الحكم بصحته أو ضعفه عند الآخرين وقد يعتضد المجهول فيحتج به أو يرجح به غيره أو يستأنس به وأقبح هذا النوع أن يكنى الضعيف أو يسميه بكنية الثقة أو باسمه لاشتراكهما في ذلك وشهرة الثقة به فيوهم الاحتجاج به وقد قدمنا حكم التدليس وبسطه في الفصول المتقدمة والله أعلم واما الوحاظى فبضم الواو وتخفيف الحاء المهملة وبالظاء المعجمة وحكى صاحب المطالع وغيره فتح الواو أيضا قال أبو على الغساني وحاظة بطن من حمير وعبد القدوس هذا هو الشامي الذى تقدم تضعيفه وتصحيفه وهو عبد القدوس بن حبيب الكلاعى بفتح الكاف أبو سعيد الشامي فهو كلاعى وحاظى وقول الدارمي (سمعت أبا نعيم وذكر المعلى بن عرفان
[ 118 ]
فقال حدثنا أبو وائل قال خرج علينا ابن مسعود بصفين فقال أبو نعيم أتراه بعث بعد الموت) معنى هذا الكلام أن المعلى كذب على أبى وائل في قوله هذا لأن ابن مسعود رضى الله عنه توفى سنة اثنتين وثلاثين وقيل سنة ثلاث وثلاثين والأول قول الأكثرين وهذا قبل انقضاء خلافة عثمان رضى الله عنه بثلاث سنين وصفين كانت في خلافة على رضى الله عنه بعد ذلك بسنتين فلا يكون ابن مسعود رضى الله عنه خرج عليهم بصفين الا أن يكون بعث بعد الموت وقد علمتم أنه لم يبعث بعد الموت وأبو وائل مع جلالته وكمال فضيلته وعلو مرتبته والاتفاق على صيانته لا يقول خرج علينا من لم يخرج عليهم هذا مالا شك فيه فتعين أن يكون الكذب من المعلى بن عرفان مع ما عرف من ضعفه وقوله أتراه هو بضم التاء ومعناه أتظنه وأما صفين فبكسر الصاد والفاء المشددة وبعدها ياء في الاحوال الثلاث الرفع والنصب والجر وهذه هي اللغة المشهورة وفيها لغة أخرى حكاها أبو عمر الزاهد عن ثعلب عن الفراء وحكاها صاحب المطالع وغيره من المتأخرين صفون بالواو في حال الرفع وهى موضع الوقعة بين أهل الشام والعراق مع على ومعاوية رضى الله عنهما واما عرفان والد المعلى فبضم العين المهملة واسكان الراء وبالفاء هذا هو المشهور وحكى فيه كسر العين وبالكسر ضبطه الحافظ أبو عامر العبدرى والمعلى هذا أسدى كوفى ضعيف قال البخاري رحمه الله في تاريخه هو منكر الحديث وضعفه النسائي أيضا وغيره وأما أبو نعيم فهو الفضل بن دكين بضم المهملة ودكين لقب واسمه عمرو بن حماد بن زهير وأبو نعيم كوفي من أجل أهل زمانه ومن أتقنهم رحمه الله قال رحمه الله (وحدثني أبو جعفر الدارمي) اسم أبى جعفر هذا أحمد بن سعيد بن صخر النيسابوري كان
[ 119 ]
ثقة عالما ثبتا متقنا أحد حفاظ الحديث وكان أكثر أيامه الرحلة في طلب الحديث قوله (صالح مولى التوأمة) هو بتاء مثناة من فوق ثم واو ساكنة ثم همزة مفتوحة قال القاضى عياض رحمه الله هذا صوابها قال وقد يسهل بفتح الواو وينقل إليها حركة الهمزة قال القاضى ومن ضم التاء وهمز الواو فقد أخطأ وهى رواية أكثر المشايخ والرواة وكما قيدناه أولا قيده أصحاب المؤتلف والمختلف وكذلك أتقناه على أهل المعرفة من شيوخنا قال والتوأمة هذه هي بنت أمية بن خلف الجمحى قاله البخاري وغيره قال الواقدي وكانت مع أخت لها في بطن واحد فلذلك قيل التوأمة وهى مولاة أبى صالح وأبو صالح هذا اسمه نبهان هذا آخر كلام القاضى ثم ان مالكا رحمه الله حكم بضعف صالح مولى التوأمة وقال ليس هو بثقة وقد خالفه غيره فقال يحيى بن معين صالح هذا ثقة حجة فقيل ان مالكا ترك السماع منه فقال انما أدركه مالك بعد ما كبر وخرف وكذلك الثوري انما أدركه بعد أن خرف فسمع منه أحاديث منكرات ولكن من سمع منه قبل أن يختلط فهو ثبت وقال أحمد بن عدى لا بأس به إذا سمعوا منه قديما مثل ابن أبى ذئب وابن جريج وزياد بن سعد وغيرهم وقال أبو زرعة صالح هذا ضعيف وقال أبو حاتم الرازي ليس بقوى وقال أبو حاتم بن حبان تغير صالح مولى التوأمة في سنة خمس وعشرين ومائة واختلط حديثه الأخير بحديثه القديم ولم يتميز فاستحق الترك والله أعلم وأما أبو الحويرث الذى قال مالك انه ليس بثقة فهو بضم الحاء واسمه عبد الرحمن بن معاوية ابن الحويرث الانصاري الزرقى المدنى قال الحاكم أبو أحمد ليس بالقوى عندهم وأنكر أحمد ابن حنبل قول مالك انه ليس بثقة وقال روى عنه شعبة وذكره البخاري في تاريخه ولم يتكلم فيه قال وكان شعبة يقول أبو الجويرية وحكى الحاكم أبو أحمد هذا القول ثم قال وهو وهم وأما شعبة الذى روى عنه ابن أبى ذئب وقال مالك ليس هو بثقة فهو شعبة القرشى الهاشمي المدنى
[ 120 ]
أبو عبد الله وقيل أبو يحيى مولى ابن عباس سمع ابن عباس رضى الله عنهما ضعفه كثيرون مع مالك وقال أحمد بن حبنل ويحيى بن معين ليس به بأس قال ابن عدى ولم أجد له حديثا منكرا وأما ابن أبى ذئب فهو السيد الجليل محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبى ذئب واسمه هشام ابن شعبة بن عبد الله القرشى العامري المدنى فهو منسوب الى جد جده وأما حرام بن عثمان الذى قال مالك ليس هو بثقة فهو بفتح الحاء وبالراء قال البخاري هو أنصاري سلمى منكر الحديث قال الزبير كان يتشيع روى عن ابن جابر بن عبد الله وقال النسائي هو مدنى ضعيف قوله (وسألته يعنى مالكا عن رجل فقال لو كان ثقة لرأيته في كتبي) هذا تصريح من مالك رحمه الله بأن من أدخله في كتابه فهو ثقة فمن وجدناه في كتابه حكمنا بأنه ثقة عند مالك وقد لا يكون ثقة عند غيره وقد اختلف العلماء في رواية العدل عن المجهول هل يكون تعديلا له فذهب بعضهم الى أنه تعديل وذهب الجماهير الى أنه ليس بتعديل وهذا هو الصواب فانه قد يروى عن غير ثقة لا للاحتجاج به بل للاعتبار والاستشهاد أو لغير ذلك أما إذا قال مثل قول مالك أو نحوه فمن أدخله في كتابه فهو عنده عدل أما إذا قال أخبرني الثقة فانه يكفى في التعديل عند من يوافق القائل في المذهب وأسباب الجرح على المختار فأما من لا يوافقه أو يجهل حاله فلا يكفى في التعديل في حقه لأنه قد يكون فيه سبب جرح لا يراه القائل جارحا ونحن نراه جارحا فان أسباب الجرح تخفى ومختلف فيها وربما لو ذكر اسمه اطلعنا فيه على جارح قوله (عن شرحبيل بن سعد وكان متهما) قد قدمنا أن شرحبيل اسم عجمى لا ينصرف وكان شرحبيل هذا من أئمة المغازى قال سفيان بن عيينة لم يكن أحد أعلم منه بالمغازي فاحتاج وكانوا يخافون إذا جاء الى الرجل يطلب منه شيئا فلم يعطه أن يقول لم يشهد أبوك بدرا قال غير سفيان كان شرحبيل مولى للانصار وهو مدنى كنيته أبو سعد قال محمد بن سعد كان شيخا
[ 121 ]
قديما روى عن زيد بن ثابت وعامة أصحاب رسول الله ص = وبقى الى آخر الزمان حتى ااختلط واحتاج حاجة شديدة وليس يحتج به قوله (ابن قهزاذ عن الطالقاني) تقدم ضبطهما في الباب الذى قبل هذا قوله (لو خيرت بين أن أدخل الجنة وبين أن ألقى عبد الله بن محرر لاخترت أن ألقاه ثم أدخل الجنة) ومحرر بضم الميم وفتح الحاء المهملة وبالراء المكررة الاولى مفتوحة وقد تقدم في أول الكتاب قوله (قال زيد يعنى ابن أبى أنيسة لا تأخذوا عن أخى) أما أنيسة فبضم الهمزة وفتح النون واسم أبى أنيسة زيد وأما الاخ المذكور فاسمه يحيى وهو المذكور في الرواية الاخرى وهو جزرى يروى عن الزهري وعمر بن شعيب وهو ضعيف قال البخاري ليس هو بذاك وقال النسائي ضعيف متروك الحديث واما أخوه زيد فثقفة جليل احتج به البخاري ومسلم قال محمد بن سعد كان ثقة كثير الحديث فقيها راوية للعلم قوله (حدثنى أحمد بن ابراهيم الدورقى قال حدثنى عبد السلام الوابصى) أما الدورقى فتقدم بيانه في وسط هذا الباب وأما الوابصى فبكسر الباء الموحدة وبالصاد المهملة وهو عبد السلام بن عبد الرحمن بن صخر بن عبد الرحمن بن وابصة بن معبد الاسدي أبو الفضل الرقى بفتح الراء قاضى الرقة وحران وحلب وقضى ببغداد
[ 122 ]
قوله (ذكر فرقد عند أيوب فقال ليس بصاحب حديث) وفرقد بفتح الفاء واسكان الراء وفتح القاف وهو فرقد بن يعقوب السبخى بفتح السين المهملة والموحدة وبالخاء المعجمة منسوب الى سبخة البصرة أبو يعقوب التابعي العابد لا يحتج بحديثه عند أهل الحديث لكونه ليس صنعته كما قدمناه في قوله لم نر الصالحين في شئ أكذب منهم في الحديث وقال يحيى بن معين في رواية عنه ثقة قوله (فضعفه جدا) هو بكسر الجيم وهو مصدر جد يجد جدا ومعناه تضعيفا بليغا قوله (سمعت يحيى بن سعيد القطان ضعف حكيم بن جبير وعبد الاعلى وضعف يحيى بن موسى ابن دينار وقال حديثه ريح وضعف موسى بن الدهقان وعيسى بن أبى عيسى المدنى) هكذا وقع في الاصول كلها وضعف يحيى بن موسى باثبات لفظة بن بين يحيى وموسى وهو غلط بلا شك والصواب حذفها كذا قاله الحفاظ منهم أبو على الغساني الجيانى وجماعات آخرون والغلط فيه من رواة كتاب مسلم لا من مسلم ويحيى هو ابن سعيد القطان المذكور أولا فضعف يحيى بن سعيد حكيم بن جبير وعبد الاعلى وموسى بن دينار وموسى ين الدهقان وعيسى وكل هؤلاء متفق على ضعفهم وأقوال الأئمة في تضعيفهم مشهورة فأما حكيم فاسدي كوفى متشيع قال أبو حاتم الرازي هو غال في التشييع وقيل لعبد الرحمن بن مهدى
[ 123 ]
ولشعبة لم تركتما حديث حكيم قالا نخاف النار وأما عبد الأعلى فهو ابن عامر الثعالبي بالمثلثة الكوفى وأما موسى بن دينار فمكي يروى عن سالم قاله النسائي وأما موسى بن الدهقان فبصرى يروى عن ابن كعب بن مالك والدهقان بكسر الدال وأما عيسى بن أبى عيسى فهو عيسى بن ميسرة أبو موسى ويقال أبو محمد الغفاري المدنى أصله كوفى يقال له الخياط والحناط والخباط الاول في الخياطة والثانى الى الحنطة والثالث الى الخبط قال يحيى بن معين كان خياطا ثم ترك ذلك وصار حناطا ثم ترك ذلك وصار يبيع الخبط قوله (لا تكتب حديث عبيدة بن معتب والسرى بن اسماعيل ومحمد بن سالم) هؤلاء الثلاثة مشهورون بالضعف والترك فعبيدة بضم العين هذا هو الصحيح الشهور في كتب المؤتلف والمختلف وغيرهما وحكى صاحب المطالع عن بعض رواة البخاري أنه ضبطه بضم العين وفتحها ومعتب بضم الميم وفتح المهملة وكسر المثناة فوق بعدها موحدة وعبيدة هذا ضبى كوفى كنيته أبو عبد الكريم وأما السرى فهمداني
[ 124 ]
باسكان الميم كوفى وأما محمد بن سالم فهمداني كوفى أيضا فاستوى الثلاثة في كونهم كوفيين متروكين والله أعلم قال رحمه الله في الاحاديث الضعيفة (ولعلها أو أكثرها أكاذيب لا أصل لها) هكذا هو في الاصول المحققة من رواية الفراوى عن الفارسى عن الجلودى وذكر القاضى عياض أنه هكذا هو في رواية الفارسى عن الجلودى وأنها الصواب وأنه وقع في روايات شيوخهم عن العذري عن الرازي عن الجلودى وأقلها أو أكثرها قال القاضى وهذا مختل مصحف وهذا الذى قاله القاضى فيه نظر ولا ينبغى أن يحكم بكونه تصحيفا فان لهذه الرواية وجها في الجملة لمن تدبرها قوله (وأهل القناعة) هي بفتح القاف أي الذين يقنع بحديثهم لكمال حفظهم واتقانهم وعدالتهم قوله (ولا مقنع) هو بفتح الميم والنون في جملة المسائل والقواعد التى تتعلق بهذا الباب احداها اعلم أن جرح الرواة جائز بل واجب بالاتفاق للضرورة الداعية إليه لصيانة الشريعة المكرمة وليس هو من الغيبة المحرمة بل من النصيحة لله تعالى ورسوله ص = والمسلمين ولم يزل فضلاء الأئمة وأخيارهم وأهل الورع منهم يفعلون ذلك كما ذكر مسلم في هذا الباب عن جماعات منهم ما ذكره وقد ذكرت أنا قطعة صالحة من كلامهم فيه في أول شرح صحيح البخاري رحمه الله ثم على الجارح تقوى الله تعالى في ذلك والتثبيت فيه والحذر من التساهل بجرح سليم من الجرح أو بنقص من لم يظهر نقصه فان مفسدة الجرح عظيمة فانها غيبة مؤبدة مبطلة لأحاديثه مسقطة لسنة عن النبي ص = ورادة لحكم من أحكام الدين ثم انما يجوز الجرح لعارف به مقبول القول فيه أما إذا لم يكن الجارح من أهل المعرفة أو لم يكن ممن يقبل قوله فيه فلا يجوز له الكلام في أحد فان تكلم كان كلامه غيبة محرمة كذا ذكره القاضى
[ 125 ]
عياض رحمه الله وهو ظاهر قال وهذا كالشاهد يجوز جرحه لأهل الجرح ولو عابه قائل بما جرح به أدب وكان غيبة الثانية الجرح لا يقبل الا من عدل عارف بأسبابه وهل يشترط في الجارح والمعدل العدد فيه خلاف للعلماء والصحيح أنه لا يشترط بل يصير مجروحا أو عدلا بقول واحد لأنه من باب الخبر فيقبل فيه الواحد وهل يشترط ذكر سبب الجرح أم لا اختلفوا فيه فذهب الشافعي وكثيرون الى اشتراطه لكونه قد يعده مجروحا بما لا يجرح لخفاء الاسباب ولاختلاف العلماء فيها وذهب القاضى أبو بكر بن الباقلانى في آخرين الى أنه لا يشترط وذهب آخرون الى أنه لا يشترط من العارف بأسبابه ويشترط من غيره وعلى مذهب من اشترط في الجرح التفسير يقول فائدة الجرح فيمن جرح مطلقا أن يتوقف عن الاحتجاج به الى أن يبحث عن ذلك الجرح ثم من وجد في الصحيحين ممن جرحه بعض المتقدمين يحمل ذلك على أنه لم يثبت جرحه مفسرا بما يجرح ولو تعارض جرح وتعديل قدم الجرح على المختار الذى قاله المحققون والجماهير ولا فرق بين أن يكون عدد المعدلين أكثر أو أقل وقيل إذا كان المعدلون أكثر قدم التعديل والصحيح الاول لأن الجارح اطلع على أمر خفى جهله المعدل الثالثة قد ذكر مسلم رحمه الله في هذا الباب أن الشعبى روى عن الحارث الاعور وشهد أنه كاذب وعن غيره حدثنى فلان وكان متهما وعن غيره الرواية عن المغفلين والضعفاء والمتروكين فقد يقال لم حدث هؤلاء الأئمة عن هؤلاء مع علمهم بأنهم لا يحتج بهم ويجاب عنه بأجوبة أحدها أنهم رووها ليعرفوها وليبينوا ضعفها لئلا يلتبس في وقت عليهم أو على غيرهم أو يتشككوا في صحتها الثاني أن الضعيف يكتب حديثه ليعتبر به أو يستشهد كما قدمناه في فصل المتابعات ولا يحتج به على انفراده الثالث أن روايات الراوى الضعيف يكون فيها الصحيح والضعيف والباطل فيكتبونها ثم يميز أهل الحديث والاتقان بعض ذلك من بعض وذلك سهل عليهم معروف عندهم وبهذا احتج سفيان الثوري رحمه الله حين نهى عن الرواية عن الكلبى فقيل له أنت تروى عنه فقال أنا أعلم صدقه من كذبه الرابع أنهم قد يروون عنهم أحاديث الترغيب والترهيب وفضائل الاعمال والقصص وأحاديث الزهد ومكارم الاخلاق ونحو ذلك مما لا يتعلق بالحلال والحرام وسائر الاحكام وهذا الضرب من الحديث يجوز عند أهل الحديث وغيرهم التساهل فيه ورواية ما سوى الموضوع منه والعمل به لأن أصول ذلك صحيحة مقررة
[ 126 ]
في الشرع معروفة عند أهله وعلى كل حال فان الأئمة لا يروون عن الضعفاء شيئا يحتجون به على انفراده في الاحكام فإن هذا شئ لا يفعله امام من أئمة المحدثين ولا محقق من غيرهم من العلماء وأما فعل كثيرين من الفقهاء أو أكثرهم ذلك واعتمادهم عليه فليس بصواب بل قبيح جدا وذلك لأنه ان كان يعرف ضعفه لم يحل له أن يحتج به فانهم متفقون على أنه لا يحتج بالضعيف في الاحكام وان كان لا يعرف ضعفه لم يحل له أن يهجم على الاحتجاج به ممن غير بحث عليه بالتفتيش عنه ان كان عارفا أو بسؤال أهل العلم به ان لم يكن عارفا والله أعلم المسألة الرابعة في بيان أصناف الكاذبين في الحديث وحكمهم وقد نقحها القاضى عياض رحمه الله تعالى فقال الكاذبون ضربان أحدهما ضرب عرفوا بالكذب في حديث رسول الله ص = وهم أنواع منهم من يضع عليه ما لم يقله أصلا اما ترافعا واستخفافا كالزنادقة وأشباههم ممن لم يرج للدين وقارا واما حسبه بزعمهم وتدنيا كجهلة المتعبدين الذين وضعوا الأحاديث في الفضائل والرغائب واما اغرابا وسمعة كفسقة المحدثين واما تعصبا واحتجاجا كدعاة المبتدعة ومتعصبي المذاهب واما اتباعا لهوى أهل الدنيا فيما أرادوه وطلب العذر لهم فيما أتوه وقد تعين جماعة من كل طبقة من هذه الطبقات عند أهل الصنعة وعلم الرجال ومنهم من لا يضع متن الحديث ولكن ربما وضع للمتن الضعيف اسنادا صحيحا مشهورا ومنهم من يقلب الأسانيد أو يزيد فيها ويتعمد ذلك اما للاغراب على غيره واما لرفع الجهالة عن نفسه ومنهم من يكذب فيدعى سماع ما لم يسمع ولقاء من لم يلق ويحدث بأحاديثهم الصحيحة عنهم ومنهم من يعمد الى كلام الصحابة وغيرهم وحكم العرب والحكماء فينسبها الى النبي ص = وهؤلاء كلهم كذابون متروكو الحديث وكذلك من تجاسر بالحديث بما لم يحققه ولم يضبطه أو هو شاك فيه فلا يحدث عن هؤلاء ولا يقبل ما حدثوا به ولو لم يقع منهم ما جاؤا به الا مرة واحدة كشاهد الزور إذا تعمد ذلك سقطت شهادته واختلف هل تقبل روايته في المستقبل إذا ظهرت توبته قلت المختار الاظهر قبول توبته كغيرة من أنواع الفسق وحجة من ردها أبدا وان حسنت توبته التغليظ وتعظيم العقوبة في هذا الكذب والمبالغة في الزجر عنه كما قال ص = ان كذبا على ليس ككذب على أحد قال القاضى والضرب الثاني من لا يستجيز شيئا من هذا كله في الحديث ولكنه يكذب في حديث الناس قد عرف بذلك فهذا أيضا لا تقبل
[ 127 ]
روايته ولا شهادته وتنفعه التوبة ويرجع الى القبول فأما من يندر منه القليل من الكذب ولم يعرف به فلا يقطع بجرحه بمثله لاحتمال الغلط عليه والوهم وان اعترف بتعمد ذلك المرة الواحدة ما لم يضر به مسلما فلا يجرح بهذا وان كانت معصية لندروها ولأنها لا تلحق بالكبائر الموبقات ولأن أكثر الناس قلما يسلمون من مواقعات بعض الهنات وكذلك لا يسقطها كذبه فيما هو من باب التعريض أو الغلو في القول إذ ليس بكذب في الحقيقة وان كان في صورة الكذب لأنه لا يدخل تحت حد الكذب ولا يريد المتكلم به الاخبار عن ظاهرة لفظه وقد قال ص = أما أبو الجهم فلا يضع العصا عن عاتقة وقد قال ابراهيم الخليل ص = هذه أختى هذا آخر كلام القاضى رحمه الله وقد أتقن هذا الفصل رحمه الله ورضى عنه والله أعلم باب صحة الاحتجاج بالحديث المعنعن إذا أمكن لقاء المعنعنين ولم يكن فيهم مدلس حاصل هذا الباب أن مسلما رحمه الله ادعى اجماع العلماء قديما وحديثا على أن المعنعن وهو الذى فيه فلان عن فلان محمول على الاتصال والسماع إذا أمكن لقاء من أضيفت العنعنة إليهم بعضهم بعضا يعنى مع برأتهم من التدليس ونقل مسلم عن بعض أهل عصره أنه قال لا تقوم الحجة بها ولا يحمل على الاتصال حتى يثبت أنهما اللتقيا في عمرهما مرة فأكثر ولا يكفى امكان تلاقيهما قال مسلم وهذا قول ساقط مخترع مستحدث لم يسبق قائله إليه ولا مساعد له من أهل العلم عليه وان القول به بدعة باطلة وأطنب مسلم رحمه الله في الشناعة على قائله واحتج مسلم رحمه الله بكلام
[ 128 ]
مختصره ان المعنعن عند أهل العلم محمول على الاتصال إذا ثبت التلاقي مع احتمال الارسال وكذا إذا امكن التلاقي وهذا الذى صار إليه مسلم قد أنكره المحققون وقالوا هذا الذى صار إليه ضعيف والذى رده هو المختار الصحيح الذى عليه أئمة هذا الفن على بن المدينى والبخاري وغيرهما وقد زاد جماعة من المتأخرين على هذا فاشترط القابسى أن يكون قد أدركه ادراكا بينا وزاد أبو المظفر السمعاني الفقيه الشافعي فاشترط طول الصحبة بينهما وزاد أبو عمرو الدانى المقرى فاشترط معرفته بالرواية عنه ودليل هذا المذهب المختار الذى ذهب إليه ابن المدينى والبخاري وموافقوهما ان المعنعن عند ثبوت التلاقي انما حمل على الاتصال لأن الظاهر ممن ليس بمدلس أنه لا يطلق ذلك الا على السماع ثم الاستقراء يدل عليه فان عادتهم أنهم لا يطلقون ذلك الا فيما سمعوه الا المدلس ولهذا رددنا رواية المدلس فإذا ثبت التلاقي غلب على الظن الاتصال والباب مبنى على غلبة الظن فاكتفينا به وليس هذا المعنى موجودا فيما إذا أمكن التلاقي ولم يثبت فانه لا يغلب على الظن الاتصال فلا يجوز الحمل على الاتصال ويصير كالمجهول فان روايته مردودة لا للقطع بكذبه أو ضعفه بل للشك في حاله ولله أعلم هكذا حكم المعنعن من غير مدلس وأما المدلس فتقدم بيان حكمه في الفصول السابقة هذا كله تفريع على المذهب الصحيح المختار الذى ذهب إليه السلف والخلف من أصحاب الحديث والفقه والاصول أن المعنعن محمول على الاتصال بشرطه الذى قدمناه على الاختلاف فيه وذهب بعض أهل العلم الى أنه لا يحتج بالمعنعن مطلقا لاحتمال الانقطاع وهذا المذهب مردود باجماع السلف ودليلهم ما أشرنا إليه من حصول غلبة الظن مع الاستقراء والله أعلم هذا حكم المعنعن أما إذا قال حدثنى فلان أن فلانا قال كقوله حدثنى الزهري أن سعيد بن المسيب قال كذا أو حدث بكذا أو نحوه فالجمهور على أن لفظة أن كعن فيحمل على الاتصال بالشرط المتقدم وقال أحمد بن حنبل ويعقوب بن شيبة وأبو بكر البرديجى لا تحمل أن على الاتصال وان كانت عن للاتصال والصحيح الأول وكذا قال وحدث وذكر وشبهها فكله محمول على الاتصال والسماع قوله (لو ضربنا عن حكايته) كذا هو في الاصول ضربنا وهو صحيح وان كانت لغة قليلة
[ 129 ]
قال الازهرى يقال ضربت عن الأمر وأضربت عنه بمعنى كففت وأعرضت والمشهور الذى قاله الأكثرون أضربت بالألف وقوله (لكان رأيا متينا) أي قويا وقوله (واخمال ذكر قائله) أي اسقاطه والخامل الساقط وهو بالخاء المعجمة وقوله (أجدى على الانام) هو بالجيم والأنام بالنون ومعناه أنفع للناس هذا هو الصواب والصحيح ووقع في كثير من الاصول أجدى عن الأثام بالثاء المثلثة وهذا وان كان له وجه فالوجه هو الأول ويقال في الانام أيضا الانيم حكاه الزبيدى والواحدي وغيرهما قوله (وسوء رويته) بفتح الراء وكسر الواو وتشديد الياء أي فكره قوله (حتى يكون عنده العلم بأنهما قد اجتمعا) هكذا ضبطناه وكذا هو في الاصول الصحيحة المعتمدة حتى بالتاء المثناة من فوق ثم المثناة من تحت ووقع في بعض النسخ حين
[ 130 ]
بالياء ثم بالنون وهو تصحيف قال مسلم رحمه الله (فيقال لمخترع هذا القول قد أعطيت في جملة قولك أن خبر الواحد الثقة حجة يلزم به العمل) هذا الذى قاله مسلم رحمه الله تنبيه على القاعدة العظيمة التى ينبنى عليها معظم أحكام الشرع وهو وجوب العمل بخبر الواحد فينبغي الاهتمام بها والاعتناء بتحقيقها وقد أطنب العلماء رحمهم الله في الاحتجاج لها وايضاحها
[ 131 ]
وأفردها جماعة من السلف بالتصنيف واعتنى بها أئمة المحدثين وأصول الفقه وأول من بلغنا تصنيفه فيها الامام الشافعي رحمه الله وقد تقررت أدلتها النقلية والعقلية في كتب أصول الفقه ونذكر هنا طرفا في بيان خبر الواحد والمذاهب فيه مختصرا قال العلماء الخبر ضربان متواتر وآحاد فالمتواتر ما نقله عدد لا يمكن مواطأتهم على الكذب عن مثلهم ويستوى طرفاه والوسط ويخبرون عن حسى لا مظنون ويحصل العلم بقولهم ثم المختار الذى عليه المحققون والأكثرون أن ذلك لا يضبط بعدد مخصوص ولا يشترط في المخبرين الاسلام ولا العدالة وفيه مذاهب أخرى ضعيفة وتفريعات معروفة مستقصاة في كتب الاصول وأما خبر الواحد فهو ما لم يوجد فيه شروط المتواتر سواء كان الراوى له واحدا أو أكثر واختلف في حكمه فالذي عليه جماهير المسلمين من الصحابة والتابعين فمن بعدهم من المحدثين والفقهاء وأصحاب الاصول أن خبر الواحد الثقة حجة من حجج الشرع يلزم العمل بها ويفيد الظن ولا يفيد العلم وأن وجوب العمل به عرفناه بالشرع لا بالعقل وذهبت القدرية والرافضة وبعض أهل الظاهر الى أنه لا يجب العمل به ثم منهم من يقول منع من العمل به دليل العقل ومنهم من يقول منع دليل الشرع وذهبت طائفة الى أنه يجب العمل به من جهة دليل العقل وقال الجبائى من المعتزلة لا يجب العمل الا بما رواه اثنان عن اثنين وقال غيره لا يجب العمل الا بما رواه أربعة عن أربعة وذهبت طائفة من أهل الحديث الى أنه يوجب العلم وقال بعضهم يوجب العلم الظاهر دون الباطن وذهب بعض المحدثين الى أن الآحاد التى في صحيح البخاري أو صحيح مسلم
[ 132 ]
تفيد العلم دون غيرها من الآحاد وقد قدمنا هذا القول وابطاله في الفصول وهذه الأقاويل كلها سوى قول الجمهور باطلة وابطال من قال لا حجة فيه ظاهر فلم تزل كتب النبي ص = وآحاد رسله يعمل بها ويلزمهم النبي ص = العمل بذلك واستمر على ذلك الخلفاء الراشدون فمن بعدهم ولم تزل الخلفاء الراشدون وسائر الصحابة فمن بعدهم من السلف والخلف على امتثال خبر الواحد إذا أخبرهم بسنة وقضائهم به ورجوعهم إليه في القضاء والفتيا ونقضهم به ما حكموا به على خلافه وطلبهم خبر الواحد عند عدم الحجة ممن هو عنده واحتجاجهم بذلك على من خالفهم وانقياد المخالف لذلك وهذا كله معروف لاشك في شئ منه والعقل لا يحيل العمل بخبر الواحد وقد جاء الشرع بوجوب العمل به فوجب المصير إليه وأما من قال يوجب العلم فهو مكابر للحس وكيف يحصل العلم واحتمال الغلط والوهم والكذب وغير ذلك متطرق إليه والله أعلم قال مسلم رحمه الله حكاية عن مخالفه (والمرسل في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة) هذا الذى قاله هو المعروف من مذاهب المحدثين وهو قول الشافعي وجماعة من الفقهاء وذهب مالك وأبو حنيفة وأحمد وأكثر الفقهاء الى جواز الاحتجاج بالمرسل وقد قدمنا في الفصول السابقة بيان أحكام المرسل واضحة وبسطناها بسطا شافيا وان كان لفظه مختصرا وجيزا والله أعلم قوله (فان عزب عنى معرفة ذلك أوقفت الخبر) يقال عزب الشئ عنى بفتح الزاى ويعزب بكسر الزاى وضمها لغتان فصيحتان قرئ بهما في السبع والضم أشهر وأكثر ومعناه ذهب وقوله أوقفت الخبر
[ 133 ]
كذا هو في الاصول أوقفت وهى لغة قليلة والفصيح المشهور وقفت بغير ألف قوله (في ذكر هشام لما أحب أن يرويها مرسلا) ضبطناه لما بفتح اللام وتشديد الميم ومرسلا بفتح السين ويجوز تخفيف لما وكسر سين مرسلا قوله (وينشط أحيانا) هو بفتح الياء والشين أي يخف في أوقات
[ 134 ]
قوله (عن عائشة رضى الله عنها كنت أطيب رسول الله ص = لحله ولحرمه) يقال حرمه بضم الحاء وكسرها لغتان ومعناه لاحرامه قال القاضى عياض رحمه الله قيدناه عن شيوخنا بالوجهين قال وبالضم قيده الخطابى والهروى وخطأ الخطابى أصحاب الحديث في كسره وقيده ثابت بالكسر وحكى عن المحدثين الضم وخطأهم فيه وقال صوابه الكسر كما قال لحله وفى هذا الحديث استحباب التطيب عند الاحرام وقد اختلف فيه السلف والخلف ومذهب الشافعي وكثيرين استحبابه ومذهب مالك في آخرين كراهيته وسيأتى بسط المسألة في كتاب الحج ان شاء الله تعالى قوله في الرواية الاخرى (عن عائشة رضى الله عنها كان النبي ص = إذا اعتكف يدنى الى رأسه فأرجله وأنا حائض) فيه جمل من العلم منها أن أعضاء الحائض طاهرة وهذا مجمع عليه ولا يصح ما حكى عن أبى يوسف من نجاسة يدها وفيه جواز ترجيل المعتكف شعره ونظره الى امرأته ولمسها شيئا منه بغير شهوة منه واستدل به أصحابنا وغيرهم على أن الحائض لا تدخل المسجد وأن الاعتكاف لا يكون الا في المسجد ولا يظهر فيه دلالة لواحد منهما فانه لا شك في كون هذا هو المحبوب وليس في الحديث أكثر من هذا فأما الاشتراط والتحريم في حقها فليس فيه لكن لذلك دلائل أخر مقررة في كتب الفقه واحتج القاضي عياض رحمه الله به على أن قليل الملامسة لا تنقض الوضوء ورد به
[ 135 ]
على الشافعي وهذا الاستدلال منه عجب وأى دلالة فيه لهذا وأين في هذا الحديث أن النبي ص = لمس بشرة عائشة رضى الله عنها وكان على طهارة ثم صلى بها فقد لا يكون كان متوضئا ولو كان فما فيه أنه ما جدد طهارة ولأن الملموس لا ينتقض وضوءه على أحد قولى الشافعي ولأن لمس الشعر لا ينقض عند الشافعي كذا نص في كتبه وليس في الحديث أكثر من مسها الشعر والله أعلم قوله (وروى الزهري وصالح بن أبى حسان) هكذا هو في الاصول ببلادنا وكذا ذكره القاضى عياض عن معظم الاصول ببلادهم وذكر أبو على الغساني انه وجد في نسخة الرازي أحد رواتهم صالح بن كسيان قال أبو على وهو وهم والصواب صالح بن أبى حسان وقد ذكر هذا الحديث النسائي وغيره من طريق ابن وهب عن ابن أبى ذئب عن صالح بن أبى حسان عن أبى سلمة قلت قال الترمذي عن البخاري صالح بن أبى حسان ثقة وكذا وثقه غيره وانما ذكرت هذا لأنه ربما اشتبه بصالح بن حسان أبى الحرث البصري المدينى ويقال الانصاري وهو في طبقة صالح بن أبى حسان هذا فانهما يرويان جميعا عن أبى سلمة بن عبد الرحمن ويروى عنهما جميعا ابن أبى ذئب ولكن صالح بن حسان متفق على ضعفه وأقوالهم في ضعفه مشهورة وقال الخطيب البغدادي في الكفاية أجمع نقاد الحديث على ترك الاحتجاج بصالح بن حسان هذا لسوء حفظه وقلة ضبطه والله أعلم قوله (فقال يحيى بن أبى كثير في هذا الخبر في القبلة أخبرني أبو سلمة أن عمر بن عبد العزيز أخبره أن عروة أخبره أن عائشة رضى الله عنها أخبرته) هذه الرواية اجتمع فيها أربعة من التابعين يروى بعضهم عن بعض أولهم يحيى بن أبى كثير وهذا من أطرف الطرف وأغرب لطائف الاسناد ولهذا
[ 136 ]
نظائر قليلة في الكتاب وغيره سيمر بك ان شاء الله تعالى ما تيسر منها وقد جمعت جملة منها في أول شرح صحيح البخاري رحمه الله وقد تقدم التثبيه على هذا وفى الاسناد لطيفة أخرى وهو أنه من رواية الاكبار عن الاصاغر فان أبا سلمة من كبار التابعين وعمر بن عبد العزيز من أصاغرهم سنا وان كان من كبارهم علما وقدرا ودينا وورعا وزهدا وغير ذلك واسم أبى سلمة هذا عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف هذا هو المشهور وقيل اسمه اسماعيل وقال عمرو ابن على لا يعرف اسمه وقال أحمد بن حنبل كنيته هي اسمه حكى هذه الاقوال فيه الحافظ أبو محمد عبد الغنى المقدسي رحمه الله وأبو سلمة هذا من أجل التابعين ومن أفقههم وهو أحد الفقهاء السبعة على أحد الاقوال فيهم وأما يحيى بن أبى كثير فتابعي صغير كنيته أبو نصر رأى أنس ابن مالك وسمع السائب بن يزيد وكان جليل القدر واسم أبى كثير صالح وقيل سيار وقيل نشيط وقيل دينار قوله (لزمه ترك الاحتجاج في قياد قوله) هو بقاف مكسورة ثم ياء مثناة
[ 137 ]
من تحت أي مقتضاه قوله (إذا كان ممن عرف بالتدليس) قد قدمنا بيان التدليس في الفصول السابقة فلا حاجة الى اعادته قوله (فما ابتغى ذلك من غير مدلس) هكذا وقع في أكثر الاصول فما ابتغى بضم التاء وكسر الغين على ما لم يسم فاعله وفى بعضها ابتغى بفتح التاء والغين وفى بعض الاصول المحققة فمن ابتغى ولكل واحد وجه قوله (فمن ذلك أن عبد الله بن يزيد الانصاري وقد رأى النبي ص = قد روى عن حذيفة وعن أبى مسعود الانصاري وعن كل واحد منهما حديثا يسنده) أما حديثه عن أبى مسعود فهو حديث نفقة الرجل على أهله وقد خرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما وأما حديثه عن حذيفة فقوله أخبرني النبي ص = بما هو كائن الحديث خرجه مسلم وأما أبو مسعود فاسمه عقبة ابن عمرو الانصاري المعروف بالبدرى قال الجمهور سكن بدرا ولم يشهدها مع النبي ص = وقال الزهري والحكم ومحمد ابن اسحاق التابعيون والبخاري شهدها وأما قوله
[ 138 ]
وعن كل واحد فكذا هو في الاصول وعن بالواو والوجه حذفها فانها تغير المعنى قوله (وهى في زعم من حكينا قوله واهية) هو بفتح الزاى وضمها وكسرها ثلاث لغات مشهورة ولو قال ضعيفة بدل واهية لكان أحسن فان هذا القائل لا يدعى أنها واهية شديدة الضعف متناهية فيه كما هو معنى واهية بل مقتصر على أنها ضعيفة لا تقوم بها الحجة قوله (وهذا أبو عثمان النهدي وأبو رافع الصائغ وهما ممن أدرك الجاهلية وصحبا أصحاب رسول الله ص = من البدريين هلم جرا ونقلا عنهما الأخبار حتى نزلا الى مثل أبى هريرة وابن عمر
[ 139 ]
وذويهما وقد أسند كل واحد منهما عن كعب رضى الله عنه عن النبي ص = حديثا) وأما أبو عثمان النهدي فاسمه عبد الرحمن بن مل وتقدم بيانه وأما أبو رافع فاسمه نفيع المدنى قال ثابت لما أعتق أبو رافع بكى فقيل له ما يبكيك فقال كان لى أجران فذهب أحدهما وأما قوله أدرك الجاهلية فمعناه كانا رجلين قبل بعثة رسول الله ص = والجاهلية ما قبل بعثة رسول الله ص = سموا بذلك لكثرة جهالاتهم وقوله من البدريين هلم جرا قال القاضى عياض ليس هذا الموضوع استعمال هلم جرا لانها انما تستعمل فيما اتصل الى زمان المتكلم بها وانما أراد مسلم فمن بعدهم من الصحابة وقوله جرا منون قال صاحب المطالع قال ابن الانباري معنى هلم جرا سيروا وتمهلوا في سيركم وتثبتوا وهو من الجر وهو ترك النعم في سيرها فيستعمل فيما دووم عليه من الأعمال قال ابن الانباري فانتصب جرا على المصدر أي جروا جرا أو على الحال أو على التمييز وقوله وذويهما فيه اضافة ذى الى غير الأجناس والمعروف عند أهل العربية أنها لا تستعمل الا مضافة الى الأجناس كذى مال وقد جاء في الحديث وغيره من كلام العرب اضافة أحرف منها الى المفردات كما في الحديث وتصل ذا رحمك وكقولهم ذو يزن وذو نواس وأشباهها قالوا هذا كله مقدر فيه الانفصال فتقدير ذى رحمك الذى له معك رحم وأما حديث أبى عثمان عن أبى فقوله كان رجل لا أعلم أحدا أبعد بيتنا من المسجد منه الحديث وفيه قول النبي ص = أعطاك الله ما احتسبت خرجه مسلم وأما حديث أبى رافع عنه فهو أن النبي ص = كان يعتكف في العشر الآخر فسافر عاما فلما كان العام المقبل اعتكف عشرين يوما رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه في سننهم ورواه جماعات من أصحاب المسانيد قوله (وأسند أبو عمرو الشيباني وأبو معمر عبد الله بن سخبرة كل واحد منهما عن أبى مسعود الانصاري عن النبي ص = خبرين) أما أبو عمرو الشيباني فاسمه سعد بن اياس تقدم ذكره وأما سخبرة فبسين مهملة مفتوحة ثم خاء معجمة
[ 140 ]
ساكنة ثم موحدة مفتوحة وأما الحديثان اللذان رواهما الشيباني فأحدهما حديث جاء رجل الى النبي ص = فقال انه أبدع بى والآخر جاء رجل الى النبي ص = بناقة مخطومة فقال لك بها يوم القيامة سبعمائة أخرجهما مسلم وأسند أبو عمرو الشيباني أيضا عن أبى مسعود حديث المستشار مؤتمن رواه ابن ماجه وعبد بن حميد في مسنده وأما حديثا أبى معمر فأحدهما كان النبي ص = يمسح مناكبنا في الصلاة أخرجه مسلم والآخر لا تجزى صلاة لا يقيم الرجل صلبه فيها في الركوع رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم من أصحاب السنن والمسانيد قال الترمذي هو حديث حسن صحيح والله أعلم قال مسلم رحمه الله (وأسند عبيد بن عمير عن أم سلمة زوج النبي ص = حديثا) هو قولها لما مات أبو سلمة قلت غريب وفى أرض غربة لا بكينة بكاء يتحدث عنه أخرجه مسلم واسم أم سلمة هند بنت أبى أميمة واسمه حذيفة وقيل سهيل بن المغيرة المخزومية تزوجها النبي ص = سنة ثلاث وقيل اسمها رملة وليس بشئ قوله (وأسند قيس بن أبى حازم عن أبى مسعود ثلاثة أخبار) هي حديث ان الايمان ههنا وان القسوة وغلظ القلوب في الفدادين وحديث ان الشمس والقمر لا يكسفان لموت أحد وحديث لاأكاد أدرك الصلاة مما يطول بنا فلان أخرجها كلها البخاري ومسلم في صحيحيهما واسم أبى حازم عبد عوف وقيل عوف بن عبد الحارث البجلى صحابي قوله (وأسند عبد الرحمن بن أبى ليلى عن أنس رضى الله عنه عن النبي ص = حديثا) هو قوله أمر أبو طلحة أم سليم اصنعي طعاما للنبى ص =
[ 141 ]
أخرجه مسلم وقد تقدم اسم أبى ليلى وبيان الاختلاف فيه وبيان ابنه وابن ابنه قوله (وأسند ربعى بن حراش عن عمران بن حصين عن النبي ص = حديثين وعن أبى بكرة عن النبي ص = حديثا) أما حديثاه عن عمران فأحدهما في اسلام حصين والد عمران وفيه قوله كان عبد المطلب خيرا لقومك منك رواه عبد بن حميد في مسنده والنسائي في كتابه عمل اليوم والليلة باسنادهما الصحيحين والحديث الآخر لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله رواه النسائي في سننه وأما حديثه عن أبى بكرة فهو إذا المسلمان حمل أحدهما على أخيه السلاح فهما على جرف جهنم أخرجه مسلم وأشار إليه البخاري واسم أبى بكرة نفيع بن الحارث بن كلدة بفتح الكاف واللام الثقفى كنى بأبى بكرة لأنه تدلى من حصن الطائف الى رسول الله ص = ببكرة وكان أبو بكرة ممن اعتزل يوم الجمل فلم يقاتل مع أحد من الفريقين وأما ربعى بكسر الراء وحراش بالحاء المهملة فتقدم بيانهما قوله (وأسند نافع بن جبير بن مطعم عن أبى شريح الخزاعى عن النبي ص = حديثا) أما حديثه فهو حديث من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن الى جاره أخرجه مسلم في كتاب الايمان هكذا من رواية نافع بن جبير وقد أخرجه البخاري ومسلم أيضا من رواية سعيد بن أبى سعيد المقبرى وأما أبو شريح فاسمه خويلد بن عمرو وقيل عبد الرحمن وقيل عمرو بن خويلد وقيل هانئ بن عمرو وقيل كعب ويقال فيه أبو شريح الخزاعى والعدوى والكعبي قوله (وأسند النعمان بن أبى عياش عن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه ثلاثة أحاديث عن النبي ص =) أما الحديث الاول فمن صام يوما في سبيل الله
[ 142 ]
باعد الله وجهه من النار سبعين خريفا والثانى ان في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها أخرجهما معا البخاري ومسلم والثالث ان أدنى أهل الجنة منزلة من صرف الله وجهه الحديث أخرجه مسلم وأما أبو سعيد الخدرى فاسمه سعد بن مالك بن سنان منسوب الى خدرة بن عوف ابن الحرث بن الخزرج توفى أبو سعيد بالمدينة سنة أربع وستين وقيل سنة أربع وسبعين وهو ابن أربع وسبعين وأما أبو عياش والد النعمان فبالشين المعجمة واسمه زيد بن الصامت وقيل زيد بن النعمان وقيل عبيد بن معاوية بن الصامت وقيل عبد الرحمن قوله (وأسند عطاء بن يزيد الليثى عن تميم الدارى عن النبي ص = حديثا) هو حديث الدين النصيحة وأما تميم الدارى فكذا هو في مسلم واختلف فيه رواة الموطأ ففى رواية يحيى وابن بكير وغيرهما الديرى بالياء وفى رواية القعنبى وابن القاسم وأكثرهم الدارى بالألف واختلف العلماء في أنه الى ما نسب فقال الجمهور الى جد من أجداده وهو الدار بن هانئ فانه تميم بن أوس ابن خارجة بن سور بضم السين ابن جذيمة بفتح الجيم وكسر الذال المعجمة ابن ذراع بن عدى ابن الدار بن هانئ بن جبيب بن نمارة بن لخم وهو مالك بن عدى وأما من قال الديرى فهو نسبة الى دير كان تميم فيه قبل الاسلام وكان نصرانيا هكذا رواه أبو الحسين الرازي في كتابه مناقب الشافعي باسناده الصحيح عن الشافعي أنه قال في النسبتين ما ذكرناه وعلى هذا أكثر العلماء ومنهم من قال الدارى بالألف الى دارين وهو مكان عند البحرين وهو محط السفن كان يجلب إليه العطر من الهند ولذلك قيل للعطار دارى ومنهم من جعله بالياء نسبة الى قبيلة أيضا وهو بعيد شاذ حكاه والذى قبله صاحب المطالع قال وصوب بعضهم الديرى قلت وكلاهما صواب فنسب الى القبيلة بالألف والى الدير بالياء لاجتماع الوصفين فيه قال صاحب المطالع وليس في الصحيحين والموطأ دارى ولا ديرى الا تميم وكنيته تميم أبو رقية أسلم سنة تسع وكان بالمدينة ثم انتقل الى الشام فنزل ببيت المقدس وقد روى عنه النبي ص = قصة الجساسة وهذه منقبة شريفة لتميم ويدخل في رواية الاكابر عن الاصاغر والله أعلم قوله
[ 143 ]
(وأسند سليمان بن يسار عن رافع بن خديج عن النبي ص = حديثا) هو حديث المحاقلة أخرجه مسلم قوله (وأسند حميد بن عبد الرحمن الحميرى عن أبى هريرة عن النبي ص = أحاديث) من هذه الأحاديث أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل أخرجه مسلم منفردا به عن البخاري قال أبو عبد الله الحميدى رحمه الله في آخر مسند أبى هريرة من الجمع بين الصحيحين ليس لحميد بن عبد الرحمن الحميرى عن أبى هريرة في الصحيح غير هذا الحديث قال وليس له عند البخاري في صحيحه عن أبى هريرة شئ وهذا الذى قاله الحميدى صحيح وربما اشتبه حميد بن عبد الرحمن الحميرى هذا بحميد ابن عبد الرحمن بن عوف الزهري الراوى عن أبى هريرة أيضا وقد رويا له في الصحيحين عن أبى هريرة أحاديث كثيرة فقد يقف من لا خبرة له على شئ منهما فينكر قول الحميدى توهما منه أن حميدا هذا هو ذاك وهو خطأ صريح وجهل قبيح وليس للحميري عن أبى هريرة أيضا في الكتب الثلاثة التى هي تمام أصول الاسلام الخمسة أعنى سنن أبى داود والترمذي والنسائي
[ 144 ]
غير هذا الحديث قوله (كلاما خلفا) باسكان الميم وهو الساقط الفاسد قوله (وعليه التكلان) هو بضم التاء واسكان الكاف أي الاتكال والله أعلم بالصواب ولله الحمد والنعمة والفضل والمنة وبه التوفيق والعصمة كتاب الايمان (بيان الايمان والاسلام والاحسان ووجوب الايمان باثبات قدر الله سبحانه وتعالى) (وبيان الدليل على التبرى ممن لا يؤمن بالقدر واغلاظ القول في حقه) أهم ما يذكر في الباب اختلاف العلماء في الايمان والاسلام وعمومهما وخصوصهما وأن الايمان يزيد وينقص أم لا وأن الأعمال من الايمان أم لا وقد أكثر العلماء رحمهم الله تعالى من المتقدمين والمتأخرين القول في كل ما ذكرناه وأنا أقتصر على نقل أطراف من متفرقات كلامهم يحصل منها مقصود ما ذكرته مع زيادات كثيرة قال الامام أبو سليمان أحمد بن محمد ابن ابراهيم الخطابى البستى الفقيه الاديب الشافعي المحقق رحمه الله في كتابه معالم السنن ما أكثر ما يغلط الناس في هذه المسألة فأما الزهري فقال الاسلام الكلمة والايمان العمل واحتج بالآية يعنى قوله سبحانه وتعالى قالت الأعراب آمنا لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل
[ 145 ]
الايمان في قلوبكم وذهب غيره الى أن الاسلام والايمان شئ واحد واحتج بقوله تعالى من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين قال الخطابى وقد تكلم في هذا الباب رجلان من كبراء أهل العلم وصار كل واحد منهما الى قول من هذين ورد الآخر منهما على المتقدم وصنف عليه كتابا يبلغ عدد أوراقه المئين قال الخطابى والصحيح من ذلك أن يقيد الكلام في هذا ولا يطلق وذلك أن المسلم قد يكون مؤمنا في بعض الاحوال ولا يكون مؤمنا في بعضها والمؤمن مسلم في جميع الاحوال فكل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمنا وإذا حملت الأمر على هذا استقام لك تأويل الآيات واعتدل القول فيها ولم يختلف شئ منها وأصل الايمان التصديق وأصل الاسلام الاستسلام والانقياد فقد يكون المرء مستسلما في الظاهر غير منقاد في الباطن وقد يكون صادقا في الباطن غير منقاد في الظاهر وقال الخطابى أيضا في قول النبي ص = الايمان بضع وسبعون شعبة في هذا الحديث بيان أن الايمان الشرعي اسم لمعنى ذى شعب وأجزاء له أدنى وأعلى والاسم يتعلق ببعضها كما يتعلق بكلها والحقيقة تقتضي جميع شعبه وتستوفى جملة أجزائه كالصلاة الشرعية لها شعب وأجزاء والاسم يتعلق ببعضها والحقيقة تقتضي جميع أجزائها وتستوفيها ويدل عليه قوله ص = الحياء شعبة من الايمان وفيه اثبات التفاضل في الايمان وتباين المؤمنين في درجاته هذا آخر كلام الخطابى وقال الامام أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي الشافعي رحمه الله في حديث سؤال جبريل ص = عن الايمان والاسلام وجوابه قال جعل النبي ص = الاسلام اسما لما ظهر من الاعمال وجعل الايمان اسما لما بطن من الاعتقاد وليس ذلك لأن الأعمال ليست من الايمان والتصديق بالقلب ليس من الاسلام بل ذلك تفصيل لجملة هي كلها شئ واحد وجماعها الدين ولذلك قال ص = ذاك جبريل أتاكم يعلمكم دينكم والتصديق والعمل يتناولهما اسم الايمان والاسلام جميعا يدل عليه قوله سبحانه وتعالى الدين عند الله الاسلام لكم الاسلام دينا يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه فأخبر سبحانه وتعالى أن الدين الذى رضيه ويقبله من عباده هو الاسلام ولا يكون الدين في محل القبول والرضا الا بانضمام التصديق الى العمل هذا كلام البغوي وقال الامام أبو عبد الله محمد بن اسماعيل بن محمد بن الفضل التميمي الاصبهاني الشافعي رحمه
[ 146 ]
الله في كتابه التحرير في شرح صحيح مسلم الايمان في اللغة هو التصديق فان عنى به ذلك فلا يزيد ولا ينقص لأن التصديق ليس شيئا يتجزأ حتى يتصور كماله مرة ونقصه أخرى والايمان في لسان الشرع هو التصديق بالقلب والعمل بالأركان وإذا فسر بهذا تطرق إليه الزيادة والنقص وهو مذهب أهل السنة قال فالخلاف في هذا على التحقيق انما هو أن المصدق بقلبه إذا لم يجمع الى تصديقه العمل بمواجب الايمان هل يسمى مؤمنا مطلقا أم لا والمختار عندنا أنه لا يسمى به قال رسول الله ص = لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن لأنه لم يعمل بموجب الايمان فيستحق هذا الاطلاق هذا آخر كلام صاحب التحرير وقال الامام أبو الحسن على بن خلف بن بطال المالكى المغربي في شرح صحيح البخاري مذهب جماعة أهل السنة من سلف الامة وخلفها أن الايمان قول وعمل يزيد وينقص والحجة على زيادته وقانه ما أورده البخاري من الآيات يعنى قوله عز وجل ايمانا مع ايمانهم وقوله تعالى هدى وقوله تعالى الله الذين اهتدوا هدى وقوله تعالى اهتدوا زادهم هدى وقوله تعالى ويزداد الذين آمنوا ايمانا وقوله تعالى زادته هذه ايمانا فأما الذين آمنو فزادتهم ايمانا وقوله تعالى فزادهم ايمانا وقوله تعالى زادهم الا ايمانا وتسليما قال ابن بطال فايمان من لم تحصل له الزيادة ناقص قال فان قيل الايمان في اللغة التصديق فالجواب أن التصديق يكمل بالطاعات كلها فما ازداد المؤمن من أعمال البر كان ايمانه أكمل وبهذه الجملة يزيد الايمان وبنقصانها ينقص فمتى نقصت أعمال البر نقص كمال الايمان ومتى زادت زاد الايمان كمالا هذا توسط القول في الايمان وأما التصديق بالله تعالى ورسوله ص = فلا ينقص ولذلك توقف مالك رحمه الله في بعض الروايات عن القول بالنقصان إذ لا يجوز نقصان التصديق لأنه إذا نقص صار شكا وخرج عن اسم الايمان وقال بعضهم انما توقف مالك عن القول بنقصان الايمان خشية أن يتأول عليه موافقة الخوارج الذين يكفرون أهل المعاصي من المؤمنين بالذنوب وقد قال مالك بنقصان الايمان مثل قول جماعة أهل السنة قال عبد الرزاق سمعت من أدركت من شيوخنا وأصحابنا سفيان الثوري ومالك بن أنس وعبيد الله بن عمر والاوزاعي ومعمر بن راشد وابن جريح وسفيان بن عيينة يقولون الايمان قول وعمل يزيد وينقص وهذا قول ابن مسعود وحذيفة والنخعي والحسن البصري وعطاء وطاوس ومجاهد وعبد الله بن المبارك فالمعنى
[ 147 ]
الذى يستحق به العبد المدح والولاية من المؤمنين هو اتيانه بهذه الامور الثلاثة التصديق بالقلب والاقرار باللسان والعمل بالجوارح وذلك أنه لا خلاف بين الجميع أنه لو أقر وعمل على غير علم منه ومعرفة بربه لا يستحق اسم مؤمن ولو عرفه وعمل وجحد بلسانه وكذب ما عرف من التوحيد لا يستحق اسم مؤمن وكذلك إذا أقر بالله تعالى وبرسله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ولم يعمل بالفرائض لا يسمى مؤمنا بالاطلاق وان كان في كلام العرب يسمى مؤمنا بالتصديق فذلك غير مستحق في كلام الله تعالى لقوله عز وجل المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم ايمانا وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك المؤمنون حقا فأخبرنا سبحانه وتعالى أن المؤمن من كانت هذه صفته وقال ابن بطال في باب من قال الايمان هو العمل فان قيل قد قدمتم أن الايمان هو التصديق قيل التصديق هو أول منازل الايمان ويوجب للمصدق الدخول فيه ولا يوجب له استكمال منازله ولا يسمى مؤمنا مطلقا هذا مذهب جماعة أهل السنة أن الايمان قول وعمل قال أبو عبيد وهو مالك والثوري والاوزاعي ومن بعدهم من أرباب العلم والسنة الذين كانوا مصابيح الهدى وأئمة الدين من أهل الحجاز والعراق والشام وغيرهم قال ابن بطال وهذا المعنى أراد البخاري رحمه الله اثباته في كتاب الايمان وعليه بوب أبوابه كلها فقال باب أمور الايمان وباب الصلاة من الايمان وباب الزكاة من الايمان وباب الجهاد من الايمان وسائر أبوابه وانما أراد الرد على المرجئة في قولهم ان الايمان قول بلا عمل وتبيين غلطهم وسوء اعتقادهم ومخالفتهم للكتاب والسنة ومذاهب الأئمة ثم قال ابن بطال في باب آخر قال المهلب الاسلام على حقيقة هو الايمان الذى هو عقد القلب المصدق لاقرار اللسان الذى لا ينفع عند الله تعالى غيره وقالت الكرامية وبعض المرجئة الايمان هو الاقرار باللسان دون عقد القلب ومن أقوى ما يرد به عليهم اجماع الأمة على اكفار المنافقين وان كانوا قد أظهروا الشهادتين قال الله تعالى ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره انهم كفروا بالله ورسوله الى قوله تعالى أنفسهم وهم كافرون هذا آخر كلام ابن بطال وقال الشيخ الامام أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله قوله ص = الاسلام أن تشهد أن لا اله الا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتى الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت ان استطع إليه سبيلا
[ 148 ]
والايمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر بالقدر خيره وشره قال هذا بيان لأصل الايمان وهو التصديق الباطن وبيان أصل الاسلام وهو الاستسلام والانقياد وحكم الاسلام في الظاهر ثبت بالشهادتين وانما أضاف اليهما الصلاة والزكاة والحج والصوم لكونها أظهر شعائر الاسلام وأعظمها وبقيامه بها يتم استسلامه وتركه لها يشعر بانحلال قيد انقياده أو اختلاله ثم ان اسم الايمان يتناول ما فسر به الاسلام في هذا الحديث وسائر الطاعات لكونها ثمرات للتصديق الباطن الذى هو أصل الايمان ومقويات ومتممات وحافظات له ولهذا فسر ص = الايمان في حديث وفد عبد القيس بالشهادتين والصلاة والزكاة وصوم رمضان واعطاء الخمس من المغنم ولهذا لا يقع اسم المؤمن المطلق على من ارتكب كبيرة أو بدل فريضة لأن اسم الشئ مطلقا يقع على الكامل منه ولا يستعمل في الناقص ظاهرا الا بقيد ولذلك جاز اطلاق نفيه عنه في قوله ص = لا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن واسم الاسلام يتناول أيضا ما هو أصل الايمان وهو التصديق الباطن ويتناول أصل الطاعات فان ذلك كله استسلام قال فخرج مما ذكرناه وحققنا أن الايمان والاسلام يجتمعان ويفترقان وأن كل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمنا قال وهذا تحقيق وافر بالتوفيق بين متفرقات نصوص الكتاب والسنة الواردة في الايمان والاسلام التى طالما غلط فيها الخائضون وما حققناه من ذلك موافق لجماهير العلماء من أهل الحديث وغيرهم هذ آخر كلام الشيخ أبى عمرو بن الصلاح فإذا تقرر ما ذكرناه من مذاهب السلف وأئمة الخلف فهى متظاهرة متطابقة على كون الايمان يزيد وينقص وهذا مذهب السلف والمحدثين وجماعة من المتكلمين وأنكر أكثر المتكلمين زيادته ونقصانه وقالوا متى قبل الزيادة كان شكا وكفرا قال المحققون من أصحابنا المتكلمين نفس التصديق لا يزيد ولا ينقص والايمان الشرعي يزيد وينقص بزيادة ثمراته وهي الاعمال ونقصانها قالوا وفى هذا توفيق بين ظواهر النصوص التى جاءت بالزيادة وأقاويل السلف وبين أصل وضعه في اللغة وما عليه المتكلمون وهذا الذى قاله هؤلاء وان كان ظاهرا حسنا فالأظهر والله أعلم أن نفس التصديق يزيد بكثرة النظر وتظاهر الادلة ولهذا يكون ايمان الصديقين أقوى من ايمان غيرهم بحيث لا تعتريهم الشبه ولا يتزلزل ايمانهم بعارض بل لا تزال قلوبهم منسرخة نيرة وان اختلفت عليهم
[ 149 ]
الاحوال وأما غيرهم من المؤلفة ومن قاربهم ونحوهم فليسوا كذلك فهذا مما لا يمكن انكاره ولا يتشكك عاقل في أن نفس تصديق أبى بكر الصديق رضى الله عنه لا يساويه تصديق آحاد الناس ولهذا قال البخاري في صحيحه قال ابن أبى مليكة أدركت ثلاثين من أصحاب النبي ص = كلهم يخاف النفاق على نفسه ما منهم أحد يقول انه على ايمان جبريل وميكائيل والله أعلم وأما اطلاق اسم الايمان على الاعمال فمتفق عليه عند أهل الحق ودلائله في الكتاب والسنة أكثر من أن تحصر وأشهر من أن تشهر قال الله تعالى كان الله ليضيع ايمانكم أجمعوا على أن المراد صلاتكم وأما الاحاديث فستمر بك في هذا الكتاب منها جمل مستكثرات والله أعلم واتفق أهل السنة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين على أن المؤمن الذى يحكم بأنه من أهل القبلة ولا يخلد في النار لا يكون الا من اعتقد بقلبه دين الاسلام اعتقادا جازما خاليا من الشكوك ونطق بالشهادتين فان اقتصر على أحداهما لم يكن من أهل القبلة أصلا الا إذا عجز عن النطق لخلل في لسانه أو لعدم التمكن منه لمعالجة المنية أو لغير ذلك فانه يكون مؤمنا أما إذا أتى بالشهادتين فلا يشترط معهما أن يقول وأنا برئ من كل دين خالف الاسلام الا إذا كان من الكفار الذين يعتقدون اختصاص رسالة نبينا ص = الى العرب فانه لا يحكم باسلامه الا بأن يتبرأ ومن أصحابنا أصحاب الشافعي رحمه الله من شرط أن يتبرأ مطلقا وليس بشئ أما إذا اقتصر على قوله لا اله الا الله ولم يقل محمد رسول الله فالمشهور من مذهبنا ومذاهب العلماء أنه لا يكون مسلما ومن أصحابنا من قال يكون مسلما ويطالب بالشهادة الاخرى فان أبى جعل مرتدا ويحتج لهذا القول بقوله ص = أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله الا الله فإذا قالوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم وهذا محمول عند الجماهير على قول الشاهدتين واستغنى بذكر احداهما عن الأخرى لارتباطها وشهرتهما والله أعلم أما إذا أقر بوجوب الصلاة أو الصوم أو غيرهما من أركان الاسلام وهو على خلاف ملته التى كان عليها فهل يجعل بذلك مسلما فيه وجهان لاصحابنا فمن جعله مسلما قال كل ما يكفر المسلم بانكاره يصير الكافر بالاقرار به مسلما أما إذا أقر بالشهادتين بالعجمية وهو يحسن العربية فهل يجعل بذلك مسلما فيه وجهان لاصحابنا الصحيح منهما أنه يصير مسلما لوجود الاقرار وهذا الوجه هو الحق ولا يظهر للآخر وجه وقد بينت ذلك مستقصى في شرح المهذب والله أعلم واختلفا
[ 150 ]
العلماء من السلف وغيرهم في اطلاق الانسان قوله أنا مؤمن فقال طائفة لا يقول أنا مؤمن مقتصرا عليه بل يقول أنا مؤمن ان شاء الله وحكى هذا المذهب بعض أصحابنا عن أكثر أصحابنا المتكلمين وذهب آخرون الى جواز الاطلاق وأنه لا يقول ان شاء الله وهذا هو المختار وقول أهل التحقيق وذهب الأوزاعي وغيره الى جواز الامرين والكل صحيح باعتبارات مختلفة فمن أطلق نظر الى الحال وأحكام الايمان جارية عليه في الحال ومن قال ان شاء الله فقالوا فيه هو اما للتبرك واما لاعتبار العاقبة وما قدر الله تعالى فلا يدرى أيثبت على الايمان أم يصرف عنه والقول بالتخيير حسن صحيح نظرا الى مأخذ القولين الاولين ورفعا لحقيقة الخلاف وأما الكافر ففيه خلاف غريب لاصحابنا منهم من قال يقال هو كافر ولا يقول ان شاء الله ومنهم من قال هو في التقييد كالمسلم على ما تقدم فيقال على قول التقييد هو كافر ان شاء الله نظرا الى الخاتمة وأنها مجهولة وهذا القول اختاره بعض المحققين والله أعلم واعلم أن مذهب أهل الحق أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب ولا يكفر أهل الاهواء والبدع وأن من جحد ما يعلم من دين الاسلام ضرورة حكم بردته وكفره الا أن يكون قريب عهد بالاسلام أو نشأ ببادية بعيدة ونحوه ممن يخفى عليه فيعرف ذلك فان استمر حكم بكفره وكذا حكم من استحل الزنا أو الخمر أو القتل أو غير ذلك من المحرمات التى يعلم تحريمها ضرورة فهذه جمل من المسائل المتعلقة بالايمان قدمتها في صدر الكتاب تمهيدا لكونها مما يكثر الاحتياج إليه ولكثرة تكررها وتردادها في الاحاديث فقدمتها لأحيل عليها إذا مررت بما يحرج عليها والله أعلم بالصواب وله الحمد والنعمة وبه التوفيق والعصمة قال الامام أبو الحسين مسلم بن الحجاج رضى الله عنه (حدثنى أبو خيثمة زهير بن حرب ثنا وكيع عن كهمس عن عبد الله بن بريدة عن يحيى بن
[ 151 ]
يعمر ح وثنا عبيد الله بن معاذ العنبري وهذا حديثه ثنا أبى ثنا كهمس عن ابن بريدة عن يحيى ابن يعمر قال كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهنى الى آخر الحديث) اعلم أن مسلم رحمه الله سلك في هذا الكتاب طريقة في الاتقان والاحتياط والتدقيق والتحقيق مع الاختصار البليغ والايجاز التام في نهاية من الحسن مصرحة بغزارة علومه ودقة نظره وحذقه وذلك يظهر في الاسناد تارة وفى المتن تارة وفيهما تارة فينبغي للناظر في كتابه أن ينتبه لما ذكرته فانه يجد عجائب من النفائس والدقائق تقر بآحاد أفراد عينه وينشرح لها صدره وتنشطه للاشتغال بهذا العلم واعلم أنه لا يعرف أحد شارك مسلما في هذه النفائس التى يشير إليها من دقائق علم الاسناد وكتاب البخاري وان كان أصح وأجل وأكثر فوائد في الاحكام والمعاني فكتاب مسلم يمتاز بزوائد من صنعة الاسناد وستري مما أنبه عليه من ذلك ما ينشرح له صدرك ويزداد به الكتاب ومصنفه في قلبك جلالة ان شاء الله تعالى فإذا تقرر ما قلته ففى هذه الاحرف التى ذكرها من الاسناد أنواع مما ذكرته فمن ذلك أنه قال أولا حدثنى أبو خيثمة ثم قال في الطريق الآخر وحدثنا عبيد الله بن معاذ ففرق بين حدثنى وحدثنا وهذا تنبيه على القاعدة المعروفة عند أهل الصنعة وهى أنه يقول فيما سمعه وحده من لفظ الشيخ حدثنى وفيما سمعه مع غيره من لفظ الشيخ حدثنا وفيما قرأه وحده على الشيخ أخبرني وفيما قرئ بحضرته في جماعة على الشيخ أخبرنا وهذا اصطلاح معروف عندهم وهو مستحب عندهم ولو تركه وأبدل حرفا من ذلك بآخر صح السماع ولكن ترك الأولى والله أعلم ومن ذلك أنه قال في الطريق الاول حدثنا وكيع عن كهمس عن عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر ثم في الطريق الثاني أعاد الرواية عن كهمس عن ابن بريدة عن يحيى فقد يقال هذا تطويل لا يليق باتقان مسلم واختصاره فكان ينبغى أن يقف بالطريق الأول على وكيع ويجتمع معاذ ووكيع في الرواية عن كهمس عن ابن بريدة وهذا الاعتراض فاسد لا يصدر الا من شديد الجهالة بهذا الفن فان مسلما رحمه الله يسلك الاختصار لكن بحيث لا يحصل خلل ولا يفوت به مقصود وهذا الموضع يحصل في الاختصار فيه خلل ويفوت به مقصود وذلك لأن وكيعا قال عن كهمس ومعاذ قال حدثنا
[ 152 ]
كهمس وقد علم بما قدمناه في باب المعنعن أن العلماء اختلفوا في الاحتجاج بالمعنعن ولم يختلفوا في المتصل بحدثنا فأتى مسلم بالروايتين كما سمعتا ليعرف المتفق عليه من المختلف فيه وليكون راويا باللفظ الذى سمعه ولهذا نظائر في مسلم ستراها مع التنبيه عليها ان شاء الله تعالى وان كان مثل هذا ظاهرا لمن له أدنى اعتناء بهذا الفن الا أنى أنبه عليه لغيرهم ولبعضهم ممن قد يغفل ولكلهم من جهة أخرى وهو أنه يسقط عنهم النظر وتحرير عبارة عن المقصود وهنا المقصود آخر وهو أن في رواية وكيع قال عن عبد الله بن بريدة وفى رواية معاذ قال عن ابن بريدة فلو أتى بأحد اللفظين حصل خلل فانه ان قال ابن بريدة لم ندر ما اسمه وهل هو عبد الله هذا أو أخوه سليمان بن بريدة وان قال عبد الله بن بريدة كان كاذبا على معاذ فانه ليس في روايته عبد الله والله أعلم وأما قوله في الرواية الاولى عن يحيى بن يعمر فلا يظهر لذكره أولا فائدة وعادة مسلم وغيره في مثل هذا أن لا يذكروا يحيى بن يعمر لأن الطريقين اجتمعتا في ابن بريدة ولفظهما عنه بصيغة واحدة الا أنى رأيت في بعض النسخ في الطريق الاولى عن يحيى فحسب وليس فيها ابن يعمر فان صح هذا فهو مزيل للانكار الذى ذكرناه فانه يكون فيه فائدة كما قررناه في ابن بريدة والله أعلم ومن ذلك قوله حدثنا عبيد الله بن معاذ وهذا حديثه فهذه عادة لمسلم رحمه الله قد أكثر منها وقد استعملها غيره قليلا وهى مصرحة بما ذكرته من تحقيقه وورعه واحتياطه ومقصوده أن الراويين اتفقا في المعنى واختلفا في بعض الالفاظ وهذا لفظ فلان ولآخر بمعناه والله أعلم وأما قوله (ح) بعد يحيى ابن يعمر في الرواية الاولى فهى حاء التحويل من اسناد الى اسناد فيقول القارئ إذا انتهى إليها ح قال وحدثنا فلان هذا هو المختار وقد قدمت في الفصول السابقة بيانها والخلاف فيها والله أعلم فهذا ما حضرني في الحال في التنبيه على دقائق هذا الاسناد وهو تنبيه على ما سواه وأرجو أن يتفطن به لما عداه ولا ينبغى للناظر في هذا الشرح أن يسأم من شئ من ذلك يجده مبسوطا واضحا فانى انما أقصد بذلك ان شاء الله الكريم الايضاح والتيسير والنصيحة لمطالعه واعانته واغنائه من مراجعة غيره في بيانه وهذا مقصود الشروح فمن استطال شيئا من هذا وشبهه فهو بعيد من الاتقان مباعد للفلاح في هذا الشان فليعز نفسه لسوء حاله وليرجع عما ارتكبه من قبيح فعاله ولا ينبغى لطالب التحقيق والتنقيح والاتقان والتدقيق أن يلتفت الى كراهة أو سآمة ذوى البطالة وأصحاب الغباوة والمهانة والملالة بل
[ 153 ]
يفرح بما يجده من العلم مبسوطا وما يصادفه من القواعد والمشكلات واضحا مضبوطا ويحمد الله الكريم على تيسيره ويدعو لجامعه الساعي في تنقيحه وايضاحه وتقريره وفقنا الله الكريم لمعالى الامور وجنبنا بفضله جميع أنواع الشرور وجمع بيننا وبين أحبابنا في دار الحبور والسرور والله أعلم وأما ضبط أسماء المذكورين في هذا الاسناد فخيثمة بفتح المعجمة واسكان المثناة تحت وبعدها مثلثة وأما كهمس بفتح الكاف واسكان الهاء وفتح الميم وبالسين المهملة وهو كهمس بن الحسن أبو الحسن التميمي البصري وأما يحيى بن يعمر فبفتح الميم ويقال بضمها وهو غير مصروف لوزن الفعل كنية يحيى بن يعمر أبو سليمان ويقال أبو سعيد ويقال أبو عدى البصري ثم المروزى قاضيها من بنى عوف بن بكر بن أسد قال الحاكم أبو عبد الله في تاريخ نيسابور يحيى بن يعمر فقيه أديب نحوى مبرر أخذ النحو عن أبى الاسود نفاه الحجاج الى خراسان فقبله قتيبة بن مسلم وولاه قضاء خرسان وأما معبد الجهنى فقال أبو سعيد عبد الكريم بن محمد بن منصور السمعاني التميمي المروزى في كتاب الانساب الجهنى بضم الجيم نسبة الى جهينة قبيلة من قضاعة واسمه زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة نزلت الكوفة وبها محلة تنسب إليهم وبقيتهم نزلت البصرة قال وممن نزل جهينة فنسب إليهم معبد بن خالد الجهنى كان يجلس الحسن البصري وهو أول من تكلم في البصرة بالقدر فسلك أهل البصرة بعده مسلكه لما رأوا عمرو بن عبيد ينتحله قتله الحجاج بن يوسف صبرا وقيل انه معبد بن عبد الله بن عويمر هذا آخر كلام السمعاني وأما البصرة فبفتح الباء وضمها وكسرها ثلاث لغات حكاها الأزهري والمشهور الفتح ويقال لها البصيرة بالتصغير قال صاحب المطالع ويقال لها تدمر ويقال لها المؤتفكة لأنها ائتفكت بأهلها في أول الدهر والنسب إليها بصرى بفتح الباء وكسرها وجهان مشهوران قال السمعاني يقال البصرة قبة الاسلام وخزانة العرب بناها عتبة بن غزوان في خلافة عمر بن الخطاب رضى الله عنه بناها سنة سبع عشرة من الهجرة وسكنها الناس سنة ثمانى عشرة ولم يعبد الصنم قط على أرضها هكذا كان يقول لى أبو الفضل عبد الوهاب بن أحمد بن معاوية الواعظ بالبصرة قال أصحابنا والبصرة داخلة في أرض سواد العراق وليس لها حكمه والله أعلم وأما قوله أول من قال في القدر فمعناه أول من قال بنفى القدر وخالف الصواب الذى عليه أهل الحق ويقال القدر والقدر بفتح الدال واسكانها
[ 154 ]
لغتان مشهورتان وحكاهما ابن قتيبة عن الكسائي وقالهما غيره واعلم أن مذهب أهل الحق اثبات القدر ومعناه أن الله تبارك وتعالى قدر الاشياء في القدم وعلم سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده سبحانه وتعالى وعلى صفات مخصوصة فهى تقع على حسب ما قدرها سبحانه وتعالى وأنكرت القدرية هذا وزعمت أنه سبحانه وتعالى لم يقدرها ولم يتقدم علمه سبحانه وتعالى بها وأنها مستأنفة العلم أي انما يعلمها سبحانه بعد وقوعها وكذبوا على الله سبحانه وتعالى وجل عن أقوالهم الباطلة علوا كبيرا وسميت هذه الفرقة قدرية لانكارهم القدر قال أصحاب المقالات من المتكلمين وقد انقرضت القدرية القائلون بهذا القول الشنيع الباطل ولم يبق أحد من أهل القبلة عليه وصارت القدرية في الأزمان المتأخرة تعتقد اثبات القدر ولكن يقولون الخير من الله والشر من غيره تعالى عن قولهم وقد حكى أبو محمد بن قتيبة في كتابه غريب الحديث وأبو المعالى امام الحرمين في كتابه الارشاد في أصول الدين أن بعض القدرية قال لسنا بقدرية بل أنتم القدرية لاعتقادكم اثبات القدر قال ابن قتيبة والامام هذا تمويه من هؤلاء الجهلة ومباهتة وتواقح فان أهل الحق يفوضون أمورهم الى الله سبحانه وتعالى ويضيفون القدر والافعال الى الله سبحانه وتعالى وهؤلاء الجهلة يضيفونه الى أنفسهم ومدعى الشئ لنفسه ومضيفه إليها أولى بأن ينسب إليه ممن يعتقده لغيره وينفه عن نفسه قال الامام وقد قال رسول الله ص = القدرية مجوس هذه الامة شبههم بهم لتقسيمهم الخير والشر في حكم الارادة كما قسمت المجوس فصرفت الخير الى يزدان والشر الى أهرمن ولا خفاء باختصاص هذا الحديث بالقدرية هذا كلام الامام وابن قتيبة وحديث القدرية مجوس هذه الامة رواه أبو حازم عن ابن عمر عن رسول الله ص = أخرجه أبو داود في سننه والحاكم أبو عبد الله في المستدرك على الصحيحين وقال صحيح على شرط الشيخين ان صح سماع أبى حازم من ابن عمر قال الخطابى انما جعلهم ص = مجوسا لمضاهاة مذهبهم مذهب المجوس في قولهم بالاصلين النور والظلمة يزعمون أن الخير من فعل النور والشر من فعل الظلمة فصاروا ثنوية وكذلك القدرية يضيفون الخير الى الله تعالى والشر الى غيره والله سبحانه وتعالى خالق الخير والشر جميعا لا يكون شئ منهما الا بمشيئته فهما مضافان إليه سبحانه وتعالى خلقا وايجادا والى الفاعلين لهما من عبادة فعلا واكتسابا والله أعلم قال الخطابى وقد يحسب كثير من الناس أن معنى القضاء
[ 155 ]
والقدر اجبار الله سبحانه وتعالى العبد وقهره على ما قدره وقضاه وليس الامر كما يتوهمونه وانما معناه الاخبار عن تقدم علم الله سبحانه وتعالى بما يكون من اكتساب العبد وصدورها عن تقدير منه وخلق لها خيرها وشرها قال والقدر اسم لما صدر مقدرا عن فعل القادر يقال قدرت الشئ وقدرته بالتخفيف والتثقيل بمعنى واحد والقضاء في هذا معناه الخلق كقوله تعالى فقضاهن سبع سموات في يومين أي خلقهن قلت وقد تظاهرت الأدلة القطعيات من الكتاب والسنة واجماع الصحابة وأهل الحل والعقد من السلف والخلف على اثبات قدر الله سبحانه وتعالى وقد أكثر العلماء من التصنيف فيه ومن أحسن المصنفات فيه وأكثرها فوائد كتاب الحافظ الفقيه أبى بكر البيهقى رضى الله عنه وقد قرر أئمتنا من المتكلمين ذلك أحسن تقرير بدلائلهم القطعية السمعية والعقلية والله أعلم قوله (فوفق لنا عبد الله بن عمر) هو بضم الواو وكسر الفاء المشددة قال صاحب التحرير معناه جعل وفقا لنا وهو من الموافقة التى هي كالالتحام يقال أتانا لتيفاق الهلال وميفاقه أي حين أهل لا قبله ولا بعده وهى لفظة تدل على صدق الاجتماع والالتئام وفى مسند أبى يعلى الموصلي فوافق لنا بزيادة ألف والموافقة المصادفة قوله (فاكتنفته أنا وصاحبى) يعنى صرنا في ناحيتيه ثم فسره فقال أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله وكنفا الطائر جناحاه وفى هذا تنبيه على أدب الجماعة في مشيهم مع فاضلهم وهو أنهم يكتنفونه ويحفون به قوله (فظننت أن صاحبي سيكل الكلام الى) معناه يسكت ويفوضه الى لاقدامي وجرأتي وبسطة لساني فقد جاء عنه في رواية لأنى كنت أبسط لسانا قوله (ظهر قبلنا ناس يقرؤن القرآن ويتقفرون العلم) هو بتقديم القاف على الفاء ومعناه يطلبونه ويتتبعونه هذا هو المشهور وقيل معناه يجمعونه ورواه بعض شيوخ المغاربة من طريق ابن ماهان يتفقرون بتقديم الفاء وهو صحيح أيضا معناه يبحثون عن غامضه ويستخرجون خفيه وروى
[ 156 ]
في غير مسلم يتفقون بتقديم القاف وحذف الراء وهو صحيح أيضا ومعناه أيضا يتتبعون قال القاضى عياض ورأيت بعضهم قال فيه يتقعرون بالعين وفسره بأنهم يطلبون قعره أي غامضه وخفيه ومنه تقعر في كلامه إذا جاء بالغريب منه وفى رواية أبى يعلى الموصلي يتفقهون بزيادة الهاء وهو الظاهر قوله (وذكر من شأنهم) هذا الكلام من كلام بعض الرواة الذين دون يحيى بن يعمر والظاهر أنه من ابن بريدة الراوى عن يحيى بن يعمر يعنى وذكر ابن يعمر من حال هؤلاء ووصفهم بالفضيلة في العلم والاجتهاد في تحصيله والاعتناء به قوله (يزعمون أن لا قدر وأن الأمر أنف) هو بضم الهمزة والنون أي مستأنف لم يسبق به قدر ولا علم من الله تعالى وانما يعلمه بعد وقوعه كما قدمنا حكايته عن مذهبهم الباطل وهذا القول قول غلاتهم وليس قول القدرية وكذب قائله وضل وافترى عافانا الله وسائر المسلمين قوله (قال يعنى ابن عمر رضى الله عنهما فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أنى برئ منهم وأنهم برآء منى والذى يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر) هذا الذى قاله ابن عمر رضى الله عنهما ظاهر في تكفيره القدرية قال القاضى عياض رحمه الله هذا في القدرية الاول الذين نفوا تقدم علم الله تعالى بالكائنات قال والقائل بهذا كافر بلا خلاف وهؤلاء الذين ينكرون القدر هم الفلاسفة في الحقيقة قال غيره ويجوز أنه لم يرد بهذا الكلام التكفير المخرج من الملة فيكون من قبيل كفران النعم الا أن قوله ما قبله الله منه ظاهر في التكفير فان احباط الاعمال انما يكون بالكفر الا أنه يجوز أن يقال في مسلم لا يقبل عمله لمعصيته وان كان صحيحا كما أن الصلاة في الدار المغصوبة صحيحة غير محوجة الى القضاء عند جماهير العلماء بل باجماع السلف وهى غير مقبولة فلا ثواب فيها على المختار عند أصحابنا والله أعلم وقوله فأنفقه يعنى في سبيل الله تعالى أي طاعته كما جاء في رواية أخرى قال نفطويه
[ 157 ]
سمى الذهب ذهبا لأنه يذهب ولا يبقى قوله (لا يرى عليه أثر السفر) ضبطناه بالياء المثناة من تحت المضمومة وكذلك ضبطناه في الجمع بين الصحيحين وغيره وضبطه الحافظ أبو حازم العدوى هنا نرى بالنون المفتوحة وكذا هو في مسند أبى يعلى الموصلي وكلاهما صحيح قوله (ووضع كفيه على فخذيه) معناه أن الرجل الداخل وضع كفيه على فخذي نفسه وجلس على هيئة المتعلم والله أعلم قوله ص = (الاسلام أن تشهد أن لا اله الا الله وأن محمدا رسول الله والايمان أن تؤمن بالله الى آخره) هذا قد تقدم بيانه وايضاحه بما يغنى عن اعادته قوله (فعجبنا له يسأله ويصدقه) سبب تعجبهم أن هذا خلاف عادة السائل الجاهل انما هذا كلام خبير بالمسئول عنه ولم يكن في ذلك الوقت من يعلم هذا غير النبي ص = قوله ص = (الاحسان أن تعبد الله كأنك تراه فان لم تكن تراه فانه يراك) هذا من جوامع الكلم التى أوتيها ص = لأنا لو قدرنا أن أحدنا قام في عبادة وهو يعاين ربه سبحانه وتعالى لم يترك شيئا مما يقدر عليه من الخضوع والخشوع وحسن السمت واجتماعه بظاهره
[ 158 ]
وباطنه على الاعتناء بتتميمها على أحسن وجوهها الا أتى به فقال ص = اعبد الله في جميع أحوالك كعبادتك في حال العيان فان التتميم المذكور في حال العيان انما كان لعلم العبد باطلاع الله سبحانه وتعالى عليه فلا يقدم العبد على تقصير في هذا الحال للاطلاع عليه وهذا المعنى موجود مع عدم رؤية العبد فينبغي أن يعمل بمقتضاه فمقصود الكلام الحث على الاخلاص في العبادة ومراقبة العبد ربه تبارك وتعالى في اتمام الخشوع والخضوع وغير ذلك وقد ندب أهل الحقائق الى مجالسة الصالحين ليكون ذلك مانعا من تلبسه بشئ من النقائص احتراما لهم واستحياء منهم فكيف بمن لا يزال الله تعالى مطلعا عليه في سره وعلانيته قال القاضى عياض رحمه الله وهذا الحديث قد اشتمل على شرح جميع وظائف العبادات الظاهرة والباطنة من عقود الايمان وأعمال الجوارح وخلاص السرائر والتحفظ من آفات الأعمال حتى أن علوم الشريعة كلها راجعة إليه ومتشعبة منه قال وعلى هذا الحديث وأقسامه الثلاثة ألفنا كتابنا الذى سميناه بالمقاصد الحسان فيما يلزم الانسان إذ لا يشذ شئ من الواجبات والسنن والرغائب والمحظورات والمكروهات عن أقسامه الثلاثة والله أعلم قوله ص = (ما المسئول عنها بأعلم من السائل) فيه أنه ينبغى للعالم والمفتى وغيرهما إذا سئل عما لا يعلم أن يقول لا أعلم وأن ذلك لا ينقصه بل يستدل به على ورعه وتقواه ووفور علمه وقد بسطت هذا بدلائله وشواهده وما يتعلق به في مقدمة شرح المهذب المشتملة على أنواع من الخير لا بد لطالب العلم من معرفة مثلها وادامة النظر فيه والله أعلم قوله (فأخبرني عن أماراتها) هو بفتح الهمزة والأمارة والأمار باثبات الهاء وحذفها هي العلامة قوله ص = (أن تلد الأمة ربتها) وفى الرواية الأخرى ربها على التذكير وفى الأخرى بعلها وقال يعنى السراري ومعنى ربها وربتها سيدها ومالكها وسيدتها ومالكتها قال الأكثرون من العلماء هو اخبار عن كثرة السرارى وأولادهن فان ولدها من سيدها بمنزلة سيدها لأن مال الانسان صائر الى ولده وقد يتصرف فيه في الحال تصرف
[ 159 ]
المالكين إما بتصريح أبيه له بالاذن واما بما يعلمه بقرينة الحال أو عرف الاستعمال وقيل معناه أن الاماء يلدن الملوك فتكون أمه من جملة رعيته وهو سيدها وسيد غيرها من رعيته وهذا قول ابراهيم الحربى وقيل معناه أن تفسد أحوال الناس فيكثر بيع أمهات الأولاد في آخر الزمان فيكثر تردادها في أيدى المشترين حتى يشتريها ابنها ولا يدرى ويحتمل على هذا القول أن لا يختص هذا بأمهات الاولاد فانه متصور في غيرهن فان الأمة تلد ولدا حرا من غير سيدها بشبهة أو ولدا رقيقا بنكاح أو زنا ثم تباع الأمة في الصورتين بيعا صحيحا وتدور في الايدى حتى يشتريها ولدها وهذا أكثر وأعم من تقديره في أمهات الاولاد وقيل في معناه غير ما ذكرناه ولكنها أقوال ضعيفة جدا أو فاسدة فتركتها وأما بعلها فالصحيح معناه أن البعل هو المالك أو السيد فيكون بمعنى ربها على ما ذكرناه قال أهل اللغة بعل الشئ ربه ومالكه وقال ابن عباس رضى الله عنهما والمفسرون في قوله سبحانه وتعالى بعلا أي ربا وقيل المراد بالبعل في حديث الزوج ومعناه نحو ما تقدم أنه يكثر بيع السرارى حتى يتزوج الانسان أمه وهو لا يدرى وهذا أيضا معنى صحيح الا أن الاول أظهر لانه إذا أمكن حمل الروايتين في القضية الواحدة على معنى واحد كان أولى والله أعلم واعلم أن هذا الحديث ليس فيه دليل على اباحة بيع أمهات الاولاد ولا منع بيعهن وقد استدل امامان من كبار العلماء به على ذلك فاستدل أحدهما على الاباحة والآخر على المنع وذلك عجب منهما وقد أنكر عليهما فانه ليس كل ما أخبر ص = بكونه من علامات الساعة يكون محرما أو مذموما فان تطاول الرعاء في البنيان وفشو المال وكون خمسين امرأة لهن قيم واحد ليس بحرام بلا شك وانما هذه علامات والعلامة لا يشترط فيها شئ من ذلك بل تكون بالخير والشر والمباح والمحرم والواجب غيره والله أعلم قوله ص = (وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان) أما العالة فهم الفقراء والعائل الفقير والعيلة الفقر وعال الرجل يعيل عيلة أي افتقر والرعاء بكسر الراء وبالمد ويقال فيهم رعاة بضم الراء وزيادة الهاء بلا مد ومعناه أن أهل البادية وأشباههم من أهل الحاجة والفاقة تبسط لهم الدنيا حتى يتباهون في البنيان والله أعلم قوله (فلبث مليا) هكذا ضبطناه لبث آخرة ثاء مثلثة من غير تاء وفى
[ 160 ]
كثير من الاصول المحققة لبثت بزيادة تاء المتكلم وكلاهما صحيح وأما مليا بتشديد الياء فمعناه وقتا طويلا وفى رواية أبى داود والترمذي أنه قال ذلك بعد ثلاث وفى شرح السنة للبغوي بعد ثالثة وظاهر هذا أنه بعد ثلاث ليال وفى ظاهر هذا مخالفة لقوله في حديث أبى هريرة بعد هذا ثم أدبر الرجل فقال رسول الله ص = ردوا على الرجل فأخذوا ليردوه فلم يروا شيئا فقال النبي ص = هذا جبريل فيحتمل الجمع بينهما أن عمر رضى الله عنه لم يحضر قول النبي ص = لهم في الحال بل كان قد قام من المجلس فأخبر النبي ص = الحاضرين في الحال وأخبر عمر رضى عنه بعد ثلاث إذ لم يكن حاضرا وقت اخبار الباقين والله أعلم قوله (ص = هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم) فيه أن الايمان والاسلام والاحسان تسمى كلها دينا واعلم أن هذا الحديث يجمع أنواعا من العلوم والمعارف والآداب واللطائف بل هو أصل الاسلام كما حكيناه عن القاضى عياض وقد تقدم في ضمن الكلام فيه جمل من فوائده ومما لم نذكره من فوائد أن فيه أنه ينبغى لمن حضر مجلس العالم إذا علم بأهل المجلس حاجة الى مسألة لا يسألون عنها أن يسأل هو عنها ليحصل الجواب للجميع وفيه أنه ينبغى للعالم أن يرفق بالسائل ويدينه منه ليتمكن من سؤاله غير هائب ولا منقبض وانه ينبغى للسائل أن يرفق في سؤاله والله أعلم قوله (حدثنى محمد بن عبيد الغبرى وأبو كامل الجحدرى وأحمد بن عبدة) أما الغبرى فبضم الغين المعجمة وفتح الموحدة وقد تقدم بيانه واضحا في أول مقدمة الكتاب والجحدري اسمه الفضيل بن حسين وهو بفتح الجيم وبعدها حاء ساكنة وتقدم أيضا بيانه في المقدمة وعبدة باسكان الباء وقد تقدم في الفصول بيان عبدة وعبيدة وفى هذا الاسناد مطر الوراق هو مطر بن طهمان أبو رجاء الخرساني سكن البصرة كان يكتب المصاحف فقيل له الوراق قوله (فحججنا حجة) هي بكسر الحاء وفتحها لغتان فالكسر هو
[ 161 ]
المسموع من العرب والفتح هو القياس كالضربة وشبهها كذا قاله أهل اللغة قوله (عثمان بن غياث) هو بالغين المعجمة وحجاج بن الشاعر هو حجاج بن يوسف بن حجاج الثقفى أبو محمد البغدادي وقد تقدم في أوائل الكتاب بيانه واتفاقه مع الحجاج بن يوسف الوالى الظالم المعروف وافتراقه وفى الاسناد يونس وقد تقدم فيه ست لغات ضم النون وكسرها وفتحها مع الهمز فيهن وتركه وفى الاسناد الآخر أبو بكر بن أبى شيبة واسمعيل بن عيلة وهو اسمعيل ابن ابراهيم في الطريق الاخرى وقد تقدم بيانه وبيان حال أبى بكر بن أبى شيبة وحال أخيه عثمان وأبيهما محمد وجدهما أبى شيبة ابراهيم وأخيهما القاسم وأن اسم أبى بكر عبد الله والله أعلم وفى هذا الاسناد أبو حيان عن أبى زرعة بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلى فأبو حيان بالمثناة تحت واسمه يحيى بن سعيد بن حيان التميمي تيم الرباب الكوفى وأما أبو زرعة فاسمه هرم وقيل
[ 162 ]
عمرو بن عمرو وقيل عبيد الله وقيل عبد الرحمن قوله (كان رسول الله ص = يوما بارزا) أي ظاهرا ومنه قول الله تعالى الارض بارزة لله جميعا الجحيم برزوا لجالوت قوله ص = (أن تؤمن بالله ولقائه وتؤمن بالبعث الآخر) هو بكسر الخاء واختلف في المراد بالجمع بين الايمان بلقاء الله تعالى والبعث فقيل اللقاء يحصل بالانتقال الى دار الجزاء والبعث بعده عند قيام الساعة وقيل اللقاء ما يكون بعد البعث عند الحساب ثم ليس المراد باللقاء رؤية الله تعالى فان أحد لا يقطع لنفسه برؤية الله تعالى لأن الرؤية مختصة بالمؤمنين ولا يدرى الانسان بماذا يختم له وأما وصف البعث بالآخر فقيل هو مبالغة في البيان والايضاح وذلك لشدة الاهتمام به وقيل سببه أن خروج الانسان الى الدنيا بعث من الارحام وخروجه من القبر للحشر بعث من الارض فقيد البعث بالآخر ليتميز والله أعلم قوله ص = (الاسلام أن تعبد الله لا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة الى آخره) أما العبادة فهى الطاعة مع خضوع فيحتمل أن يكون المراد بالعبادة هنا معرفة الله تعالى والاقرار بوحدانيته فعلى هذا يكون عطف الصلاة والصوم والزكاة عليها لادخالها في الاسلام فانها لم تكن دخلت في العبادة وعلى هذا انما اقتصر على هذه الثلاث لكونها من أركان الاسلام وأظهر شعائره والباقى ملحق بها ويحتمل أن يكون المراد بالعبادة الطاعة مطلقا فيدخل جميع وظائف الاسلام فيها فعلى هذا يكون عطف الصلاة وغيرها من باب ذكر الخاص بعد العام تنبيها على شرفه ومزيته كقوله تعالى أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح ونظائره وأما قوله ص = لا تشرك به فانما ذكره بعد العبادة لأن الكفار كانوا يعبدونه سبحانه وتعالى في الصورة ويعبدون معه أوثانا يزعمون أنها شركاء فنفى هذا والله أعلم قوله ص = (وتقيم الصلاة
[ 163 ]
المكتوبة وتؤدى الزكاة المفروضة وتصوم رمضان) أما تقييد الصلاة بالمكتوبة فلقوله تعالى ان الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا وقد جاء في أحاديث وصفها بالمكتوبة كقوله ص = إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة الا المكتوبة وأفضل الصلاة بعد المكتوبة صلاة الليل وخمس صلوات كتبهن الله وأما تقيد الزكاة بالمفروضة وهى المقدرة فقيل احتراز من الزكاة المعجلة قبل الحول فانها زكاة وليست مفروضة وقيل انما فرق بين الصلاة والزكاة في التقييد لكراهة تكرير اللفظ الواحد ويحتمل أن يكون تقييد الزكاة بالمفروضة للاحتراز عن صدقة التطوع فانها زكاة لغوية وأما معنى اقامة الصلاة فقيل فيه قولان أحدهما أنه ادامتها والمحافظة عليها والثانى اتمامها على وجهها قال أبو على الفارسى والأول أشبه قلت وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله ص = قال اعتدلوا في الصفوف فان تسوية الصف من اقامة الصلاة معناه والله أعلم من اقامتها المأمور بها في قوله تعالى وأقيمو الصلاة وهذا يرجح القول الثاني والله أعلم وأما قوله ص = وتصوم رمضان ففيه حجة لمذهب الجماهير وهو المختار الصواب أنه لا كراهة في قول رمضان من غير تقييد بالشهر خلافا لمن كرهه وستأتى المسألة في كتاب الصيام ان شاء الله تعالى موضحة بدلائلها وشواهدها والله أعلم قوله ص = (سأحدثك عن أشراطها) هي بفتح الهمزة واحدها شرط بفتح الشين والراء والاشراط العلامات وقيل مقدماتها وقيل صغار أمورها قبل تمامها وكله متقارب قوله ص = (وإذا تطاول رعاء البهم) هو بفتح الباء واسكان الهاء وهى الصغار من أولاد الغنم الضأن والمعز جميعا وقيل أولاد الضأن خاصة واقتصر عليه الجوهرى في صحاحه والواحدة بهمة قال
[ 164 ]
الجوهرى وهى تقع على المذكر والمؤنث والسخال أولاد المعزى قال فإذا جمعت بينهما قلت بهام وبهم أيضا وقيل ان البهم يختص بأولاد المعز واليه أشار القاضى عياض بقوله وقد يختص بالمعز وأصله كل ما استبهم عن الكلام ومنه البهيمة ووقع في رواية البخاري رعاء الابل البهم بضم الباء وقال القاضى عياض رحمه الله ورواه بعضهم بفتحها ولا وجه له مع ذكر الابل قال ورويناه برفع الميم وجرها فمن رفع جعله صفة للرعاء أي انهم سود وقيل لا شئ لهم وقال الخطابى هو جمع بهيم وهو المجهول الذى لا يعرف ومنه أبهم الامر ومن جر الميم جعله صفة للابل أي السود لرداءتها والله أعلم قوله (يعنى السرارى) هو بتشديد الياء ويجوز تخفيفها لغتان معروفتان الواحدة سرية بالتشديد لا غير قال ابن السكيت في اصلاح المنطق كل ما كان واحده مشددا من هذا النوع جاز في جمعه التشديد والتخفيف والسرية الجارية المتخذة للوطء مأخوذة من السر وهو النكاح قال الازهرى السرية فعلية من السر وهو النكاح قال وكان أبو الهيثم يقول السر والسرور فقيل لها سرية لأنها سرور مالكها قال الازهرى وهذا القول أحسن والأول أكثر قوله (عن عمارة وهو ابن القعقاع) فعمارة بالضم والقعقاع بفتح القاف الاولى وقوله وهو ابن قد قدمنا بيان فائدته في الفصول وفى المقدمة وأنه لم يقع في الرواية نسبه فأراد
[ 165 ]
بيانه بحيث لا يزيد في الرواية على ما سمع والله أعلم قوله ص = (سلونى) هذا ليس بمخالف للنهى عن سؤاله فان هذا المأمور به هو فيما يحتاج إليه وهو موافق لقول الله تعالى فاسألوا أهل الذكر قوله ص = (وإذا رأيت الحفاة العراة الصم البكم ملوك الارض فذاك من أشراطها) المراد بهم الجهلة السفلة الرعاع كما قال سبحانه وتعالى بكم عمي لما لم ينتفعوا بجوارحهم هذه فكأنهم عدموها هذا هو الصحيح في معنى الحديث والله أعلم قوله ص = (هذا جبريل أراد أن تعلموا إذا لم تسألوا) ضبطناه على وجهين
[ 166 ]
أحدهما تعلموا بفتح التاء والعين وتشديد اللام أي تتعلموا والثانى تعلموا باسكان العين وهما صحيحان والله أعلم باب بيان الصلوات التى هي أحد أركان الاسلام فيه قتيبة بن سعيد الثقفى اختلف فيه فقيل قتيبة اسمه وقيل بل هو لقب واسمه علي قاله أبو عبد الله ابن منده وقيل اسمه يحيى قاله ابن عدى وأما قوله الثقفى فهو مولاهم قيل ان جده جميلا كان مولى للحجاج بن يوسف الثقفى وفيه أبو سهيل عن أبيه اسم أبى سهيل نافع بن مالك بن أبى عامر الأصبحي ونافع مالك بن أنس الامام وهو تابعي سمع أنس بن مالك قوله (رجل من أهل نجد ثائر الرأس) هو برفع ثائر صفة لرجل وقيل يجوز نصبه على الحال ومعنى ثائر الرأس قائم شعره منتفشه وقوله (نسمع دوى صوته ولا نفقه ما يقول) روى نسمع ونفقه بالنون المفتوحة فيهما وروى بالياء المثناة من تحت المضمومة فيهما والاول هو الاشهر الأكثر الاعرف وأما دوى صوته فهو بعده في الهواء ومعناه شدة صوت لا يفهم وهو بفتح الدال وكسر الواو وتشديد الياء هذا هو المشهور وحكى صاحب المطالع فيه ضم الدال أيضا قوله (هل على غيرها قال لا الا أن تطوع) المشهور فيه تطوع بتشديد الطاء على ادغام احدى التاءين في الطاء وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى هو المحتمل للتشديد والتخفيف على الحذف قال أصحابنا وغيرهم من اللعلماء
[ 167 ]
قوله ص = الا أن تطوع استثناء منقطع ومعناه لكن يستحب لك أن تطوع وجعله بعض العلماء استثناء متصلا واستدلوا به على أن من شرع في صلاة نفل أو صوم نفل وجب عليه اتمامه ومذهبنا أنه يستحب الاتمام ولا يجب والله أعلم قوله (فأدبر الرجل وهو يقول والله لا أزيد على هذا ولا أنقص فقال رسول الله ص = أفلح ان صدق) قيل هذا الفلاح راجع الى قوله لا أنقص خاصة والا ظهر أنه عائد الى المجموع بمعنى أنه إذا لم يزد ولم ينقص كان مفلحا لأنه أتى بما عليه ومن أتى بما عليه فهو مفلح وليس في هذا أنه إذا أتى بزائد لا يكون مفلحا لأن هذا مما يعرف بالضرورة فانه إذا أفلح بالواجب فلأن يفلح بالواجب والمندوب أولى فان قيل كيف قال لا أزيد على هذا وليس في هذا الحديث جميع الواجبات ولا المنهيات الشرعية ولا السنن المندوبات فالجواب أنه جاء في رواية البخاري في آخر هذا الحديث زيادة توضح المقصود قال فأخبره رسول الله ص = بشرائع الاسلام فأدبر الرجل وهو يقول والله لا أزيد ولا أنقص مما فرض الله تعالى على شيئا فعلى عموم قوله بشرائع الاسلام وقوله مما فرض الله على يزول الاشكال في الفرائض وأما النوافل فقيل يحتمل أن هذا كان قبل شرعها وقيل يحتمل أنه أراد لا أزيد في الفرض بتغير صفته كأنه يقول لا أصلى الظهر خمسا وهذا تأويل ضعيف ويحتمل أنه أراد أنه لا يصلى النافلة مع أنه لا يخل بشئ من الفرائض وهذا مفلح بلا شك وان كانت مواظبته على ترك السنن مذمومة وترد بها الشهادة الا أنه ليس بعاص بل هو مفلح ناج والله أعلم واعلم انه لم يأت في هذا الحديث ذكر الحج ولا جاء ذكره في حديث جبريل من رواية أبى هريرة وكذا غير هذا من هذه الأحاديث لم يذكر في بعضها
[ 168 ]
الصوم ولم يذكر في بعضها الزكاة وذكر في بعضها صلة الرحم وفى بعضها أداء الخمس ولم يقع في بعضها ذكر الايمان فتفاوتت هذه الاحاديث في عدد خصال الايمان زيادة ونقصا واثباتا وحذفا وقد أجاب القاضى عياض وغيره رحمه الله عنها بجواب لخصه الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى وهذبه فقال ليس هذا باختلاف صادر من رسول الله ص = بل هو من تفاوت الرواة في الحفظ والضبط فمنهم من قصر فاقتصر على ما حفظه فأداه ولم يتعرض لما زاده غيره بنفى ولا اثبات وان كان اقتصاره على ذلك يشعر بأنه الكل فقد بان بما أتى به غيره من الثقات أن ذلك ليس بالكل وأن اقتصاره عليه كان لقصور حفظه عن تمامه ألا ترى حديث النعمان بن قوقل الآتى قريبا اختلفت الروايات في خصاله بالزيادة والنقصان مع أن راوي الجميع راو واحد وهو جابر بن عبد الله رضي الله عنهما في قضية واحدة ثم ان ذلك لا يمنع من ايراد الجميع في الصحيح لما عرف في مسألة زيادة الثقة من أنا نقبلها هذا آخر كلام الشيخ وهو تقرير حسن والله أعلم قوله ص = (أفلح وأبيه ان صدق) هذا مما جرت عادتهم أن يسألوا عن الجواب عنه مع قوله ص = من كان حالفا فليحلف بالله وقوله ص = ان الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم وجوابه أن قوله ص = أفلح وأبيه ليس هو حلفا انما هو كلمة جرت عادة العرب أن تدخلها في كلامها غير قاصدة بها حقيقة الحلف والنهى انما ورد فيمن قصد الحلف لما فيه من اعظام المحلوف به ومضاهاته به الله سبحانه وتعالى فهذا هو الجواب المرضى وقيل يحتمل أن يكون هذا قبل النهى عن الحلف بغير الله تعالى والله أعلم وفى هذا الحديث أن الصلاة التى هي ركن من أركان الاسلام التى أطلقت في باقى الأحاديث هي الصلوات الخمس وأنها في كل يوم وليلة على كل مكلف بها وقولنا بها احتراز من الحائض والنفساء فانها مكلفة بأحكام الشرع الا الصلاة وما ألحق بها مما هو مقرر في كتب الفقه وفيه أن وجوب صلاة الليل منسوخ في حق الامة وهذا مجمع عليه واختلف قول
[ 169 ]
الشافعي رحمه الله في نسخه في حق رسول الله ص = والأصح نسخه وفيه أن الصلاة الوتر ليست بواجبة وأن صلاة العيد أضا ليست بواجبة وهذا مذهب الجماهير وذهب أبو حنيفة رحمه الله وطائفة الى وجوب الوتر وذهب أبو سعيد الاصطخرى من أصحاب الشافعي الى أن صلاة العيد فرض كفاية وفيه أنه لا يجب صوم عاشوراء ولا غيره سوى رمضان وهذا مجمع عليه واختلف العلماء هل كان صوم عاشوراء واجبا قبل ايجاب رمضان أم كان الأمر به ندبا وهما وجهان لأصحاب الشافعي أظهرهما لم يكن واجبا والثانى كان واجبا وبه قال أبو حنيفة رحمه الله وفيه أنه ليس في المال حق سوى الزكاة على من ملك نصابا وفيه غير ذلك والله أعلم باب السؤال عن أركان الاسلام فيه حديث أنس رضى الله عنه قال نهينا أن نسأل رسول الله ص = عن شئ فكان يعجبنا أن يجئ الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع فجاء رجل من أهل البادية فقال يا محمد أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله تعالى أرسلك قال صدق الى آخر الحديث قوله (نهينا أن نسأل) يعنى سؤال ما لا ضرورة إليه كما قدمنا بيانه قريبا في الحديث الآخر سلونى أي عما تحتاجون إليه وقوله (الرجل من أهل البادية) يعنى من لم يكن بلغه النهى عن السؤال وقوله (العاقل) لكونه أعرف بكيفية السؤال وآدابه والمهم منه وحسن المراجعة فان هذه أسباب عظم الانتفاع بالجواب ولأن أهل البادية هم الاعراب ويغلب فيهم الجهل والجفاء ولهذا جاء في الحديث من بدا جفا والبادية والبدو بمعنى وهو ما عدا الحاضرة والعمران والنسبة إليها بدوى والبداوة الاقامة بالبادية وهى بكسر الباء عند جمهور أهل اللغة وقال أبو زيد هي بفتح الباء قال ثعلب لا أعرف البداوة بالفتح الا عن أبى زيد
[ 170 ]
قوله (فقال يا محمد) قال العلماء لعل هذا كان قبل النهى عن مخاطبته ص = باسمه قبل نزول قول الله عز وجل تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا على أحد التفسيرين أي لا تقولوا يا محمد بل يا رسول الله يا نبى الله ويحتمل أن يكون بعد نزول الآية ولم تبلغ الآية هذا القائل وقوله (زعم رسولك أنك تزعم أن الله تعالى أرسلك قال صدق) فقوله زعم وتزعم مع تصديق رسول الله ص = اياه دليل على أن زعم ليس مخصوصا بالكذب والقول المشكوك فيه بل يكون أيضا في القول المحقق والصدق الذى لاشك فيه وقد جاء من هذا كثير في الاحاديث وعن النبي ص = قال زعم جبريل كذا وقد أكثر سيبويه وهو امام العربية في كتابه الذى هو امام كتب العربية من قوله زعم الخليل زعم أبو الخطاب يريد بذلك القول المحقق وقد نقل ذلك جماعات من أهل اللغة وغيرهم ونقله أبو عمر الزاهد في شرح الفصيح عن شيخه أبى العباس ثعلب عن العلماء باللغة من الكوفيين والبصريين والله أعلم ثم اعلم أن هذا الرجل الذى جاء من أهل البادية اسمه ضمام بن ثعلبة بكسر الضاد المعجمة كذا جاء مسمى في رواية البخاري وغيره قوله (قال فمن خلق السماء قال الله قال فمن خلق الارض قال الله قال فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل قال الله قال فبالذى خلق السماء وخلق الارض ونصب هذه الجبال آلله أرسلك قال نعم وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا قال صدق قال فبالذى أرسلك آلله أمرك بهذا قال نعم) هذه جملة تدل على أنواع من العلم قال صاحب التحرير هذا من حسن سؤال هذا الرجل وملاحة
[ 171 ]
سياقته وترتيبه فانه سأل أولا عن صانع المخلوقات من هو ثم أقسم عليه به أن يصدقه في كونه رسولا للصانع ثم لما وقف على رسالته وعلمها أقسم عليه بحق مرسله وهذا ترتيب يفتقر الى عقل رصين ثم ان هذه الأيمان جرت للتأكيد وتقرير الأمر لا لافتقاره إليها كما أقسم الله تعالى على أشياء كثيرة هذا كلام صاحب التحرير القاضى عياض والظاهر أن هذا الرجل لم يأت الا بعد اسلامه وانما جاء مستثبتا ومشافها للنبى ص = والله أعلم وفى هذا الحديث جمل من العلم غير ما تقدم منها أن الصلوات الخمس متكررة في كل يوم وليلة وهو معنى قوله في يومنا وليلتنا وأن صوم شهر رمضان يجب في كل سنة قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله وفيه دلالة لصحة ما ذهب إليه أئمة العلماء من أن العوام المقلدين مؤمنين وأنه يكتفى منهم بمجرد اعتقاد الحق جزما من غير شك وتزلزل خلافا لمن أنكر ذلك من المعتزلة وذلك أنه ص = قرر ضماما على ما اعتمد عليه في تعريف رسالته وصدقه ومجرد اخباره اياه بذلك ولم ينكر عليه ذلك ولا قال يجب عليك معرفة ذلك بالنظر في معجزاتي والاستدلال بالأدلة القطعية هذا كلام الشيخ وفى هذا الحديث العمل بخبر الواحد وفيه غير ذلك والله أعلم
[ 172 ]
باب بيان الايمان الذى يدخل به الجنة (وأن من تمسك بما أمر به دخل الجنة) فيه حديث أبى أيوب وأبى هريرة وجابر رضى الله عنهم أما حديثا أبى أيوب وأبى هريرة فرواهما أيضا البخاري وأما حديث جابر فانفرد به مسلم أما ألفاظ الباب فأبو أيوب اسمه خالد ابن زيد الانصاري وأبو هريرة عبد الرحمن بن صخر على الأصح من نحو ثلاثين قولا وقد تقدم بيانه بزيادات في مقدمة الكتاب قول مسلم رحمه الله تعالى (حدثنا محمد بن عبد الله ابن نمير ثنا أبى ثنا عمرو بن عثمان ثنا موسى بن طلحة حدثنى أبو أيوب وفى الطريق الآخر حدثنى محمد بن حاتم وعبد الرحمن بن بشر قالا ثنا بهز قال ثنا شعبة قال ثنا محمد بن عثمان بن عبد الله ابن موهب وأبوه عثمان أنهما سمعا موسى بن طلحة) هكذا هو في جميع الاصول في الطريق الأول عمرو بن عثمان وفى الثاني محمد بن عثمان واتفقوا على أن الثاني وهم وغلط من شعبة وأن صوابه عمرو بن عثمان كما في الطريق الأول قال الكلاباذى وجماعات لا يحصون من أهل هذا الشان هذا وهم من شعبة فانه كان يسميه محمدا وانما هو عمرو وكذا وقع على الوهم من رواية شعبة في كتاب الزكاة من البخاري والله أعلم وموهب بفتح الميم والهاء واسكان الواو بينهما قوله (أن أعرابيا) هو بفتح الهمزة وهو البدوى أي الذى يسكن البادية وقد تقدم قريبا بيانها قوله (فأخذ بخطام ناقة أو بزمامها) هما بكسر الخاء والزاى قال الهروي في الغريبين قال الازهرى الخطام هو الذى يخطم به البعير وهو أن يؤخذ حبل من ليف أو شعر أو كتان فيجعل في أحد طرفيه حلقة يسلك فيها الطرف الآخر حتى يصير كالحلقة ثم يقلد البعير ثم يثنى على مخطمه فإذا ضفر من الأدم فهو جرير فاما الذى يجعل في الأنف دقيقا فهو الزمام هذا
[ 173 ]
كلام الهروي عن الأزهري وقال صاحب المطالع الزمام للابل ما تشد به رؤسها من حبل وسير ونحوه لتقاد به والله أعلم قوله ص = (لقد وفق هذا) قال أصحابنا المتكلمون التوفيق خلق قدرة الطاعة والخذلان خلق قدرة المعصية قوله ص = (تعبد الله لا تشرك به شيئا) قد تقدم بيان حكمة الجمع بين هذين اللفظين وتقدم بيان المراد باقامة الصلاة وسبب تسميتها مكتوبة وتسمية الزكاة مفروضة وبيان قوله لاأزيد ولا أنقص وبيان اسم أبى زرعة الراوى عن أبى هريرة وأنه هرم وقيل عمرو وقيل عبد الرحمن وقيل عبيد الله قوله ص = (وتصل الرحم) أي تحسن الى أقاربك ذوى رحمك بما تيسر على حسب حالك وحالهم من انفاق أو سلام أو زيادة أو طاعتهم أو غير ذلك وفى الرواية الاخرى وتصل ذا رحمك وقد تقدم بيان جواز اضافة ذى الى المفردات في آخر المقدمة قوله ص = (دع الناقة) انما قاله لأنه كان ممسكا بخطامها أو زمامها ليتمكن من سؤاله بلا مشقة فلما حصل جوابه قال دعها قوله (حدثنا أبو الاحوص عن أبى اسحق)
[ 174 ]
قد تقدم بيان اسميهما في مقدمة الكتاب فأبو الاحوص سلام بالتشديد ابن سليم وأبو اسحاق عمرو بن عبد الله السبيعى قوله ص = (ان تمسك بما أمر به دخل الجنة) كذا هو في معظم الاصول المحققة وكذا ضبطناه أمر بضم الهمزة وكسر الميم وبه بباء موحدة مكسورة مبنى لما لم يسم فاعله وضبطه الحافظ أبو عامر العبدرى أمرته بفتح الهمزة وبالتاء المثناة من فوق التى هي ضمير المتكلم وكلاهما صحيح والله أعلم وأما ذكره ص = صلة الرحم في هذا الحديث وذكر الأوعية في حديث وفد عبد القيس وغير ذلك في غيرهما فقال القاضى عياض وغيره رحمهم الله ذلك بحسب ما يخص السائل ويعنيه والله أعلم وأما قوله ص = (من سره أن ينظر الى رجل من أهل الجنة فلينظر الى هذا) فالظاهر منه أن النبي ص = علم أنه يوفى بما التزم وأنه يدوم على ذلك ويدخل الجنة وأما قول مسلم في حديث جابر (حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة وأبو كريب قالا ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبى سفيان عن جابر) فهذا اسناد كلهم كوفيون الا جابرا وأبا سفيان فان جابرا مدنى وأبا سفيان واسطى ويقال
[ 175 ]
مكى وقد تقدم أن اسم أبى بكر بن أبى شيبة عبد الله بن محمد بن ابراهيم وابراهيم هو أبو شيبة وأما أبو كريب فاسمه محمد بن العلاء الهمداني باسكان الميم وبالدال المهملة وأبو معاوية محمد بن خازم بالخاء المعجمة والاعمش سليمان بن مهران أبو محمد وأبو سفيان طلحة بن نافع القرشى مولاهم وقد تقدم أن في سين سفيان ثلاث لغات الضم والكسر والفتح وقول الاعمش عن أبى سفيان مع أن الاعمش مدلس والمدلس إذا قال عن لا يحتج به الا أن يثبت سماعه من جهة أخرى وقد قدمنا في الفصول وفى شرح المقدمة أن ما كان في الصحيحين عن المدلسين بعن فمحمول على ثبوت سماعهم من جهة أخرى الله أعلم قوله (أتى النعمان بن قوقل النبي ص = فقال يا رسول الله أرأيت إذا صليت المكتوبة وحرمت الحرام وأحللت الحلال أأدخل الجنة فقال رسول الله ص = نعم) أما قوقل فبقافين مفتوحتين بينهما واو ساكنة وآخره لام وأما قوله وحرمت الحرام فقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى الظاهر أنه أراد به أمرين أن يعتقده حراما وأن لا يفعله بخلاف تحليل الحلال فانه يكفى فيه مجرد اعتقاده حلالا قوله (عن الاعمش عن أبى صالح) تقدم في أوائل مقدمة الكتاب أن اسم أبى صالح ذكوان (قول الحسن بن أعين ثنا معقل وهو ابن عبيد الله عن أبى الزبير) أما أعين فهو
[ 176 ]
بفتح الهمزة وبالعين المهملة وآخره نون وهو الحسن بن محمد بن أعين القرشى مولاهم أبو على الحرانى والأعين من في عينه سعة وأما معقل فبفتح الميم واسكان العين المهملة وكسر القاف وأما أبو الزبير فهو محمد بن مسلم بن تدرس بمثناة فوق مفتوحة ثم دال مهملة ساكنة ثم راء مضمومة ثم سين مهملة وقوله وهو ابن عبيد الله قد تقدم مرات بيان فائدته وهو أنه لم يقع في الرواية لفظة ابن عبيد الله فأراد ايضاحه بحيث لا يزيد في الرواية باب بيان أركان الاسلام ودعائمه العظام قال مسلم رحمه الله (حدثنا محمد بن عبد اللله بن نمير الهمداني ثنا أبو خالد يعنى سليمان بن حيان الاحمر عن أبى مالك الاشجعى عن سعد بن عبيدة عن بن عمر رضى الله عنهما عن النبي ص = قال بنى الاسلام على خمسة على أن يوحد الله وإقام الصلاة وايتاء الزكاة وصيام رمضان والحج فقال رجل الحج وصيام رمضان فقال لا صيام رمضان والحج هكذا سمعته من
[ 177 ]
رسول الله ص = وفى الرواية الثانية بنى الاسلام على خمس على أن يعبد الله ويكفر بما دونه واقام الصلاة وايتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان وفى الرواية الثالثة بنى الاسلام على خمس شهادة أن لا اله الا الله وأن محمدا عبده ورسوله واقام الصلاة وايتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان وفى الرواية الرابعة أن رجلا قال لعبد الله بن عمر رضى الله عنهما ألا تغزو فقال انى سمعت رسول الله ص = يقول ان الاسلام بنى على خمس شهادة ان لا اله الا الله واقام الصلاة وايتاء الزكاة وصيام رمضان وحج البيت) أما الاسناد الأول المذكور هنا فكله كوفيون الا عبد الله بن عمر رضى الله عنهما فانه مكى مدنى وأما الهمداني فباسكان الميم وبالدال المهملة وضبط هذا للاحتياط واكمال الايضاح والا فهو مشهور معروف وأيضا فقد قدمت في آخر الفصول أن جميع ما في الصحيحين فهو همداني بالاسكان والمهملة وأما حيان فبالمثناة وتقدم أيضا في الفصول بيان ضبط هذه الصورة وأما أبو مالك الاشجعى فهو سعد
[ 178 ]
ابن طارق المسمى في الرواية الثانية وأبوه صحابي وأما ضبط ألفاظ المتن فوقع في الاصول بنى الاسلام على خمسة في الطريق الاول والرابع بالهاء فيها وفى الثاني والثالث خمس بلا هاء وفى بعض الاصول المعتمدة في الرابع بلا هاء وكلاهما صحيح والمراد برواية الهاء خمسة أركان أو أشياء أو نحو ذلك وبرواية حذف الهاء خمس خصال أو دعائم أو قواعد أو نحو ذلك والله أعلم وأما تقديم الحج وتأخيره ففى الرواية الاولى والرابعة تقدم الصيام وفى الثانية والثالثة تقديم الحج ثم اختلف العلماء في انكار ابن عمر على الرجل الذى قدم الحج مع أن ابن عمر رواه كذلك كما وقع في الطريقين المذكورين والاظهر والله أعلم أنه يحتمل أن ابن عمر سمعه من النبي ص = مرتين مرة بتقديم الحج ومرة بتقديم الصوم فرواه أيضا على الوجهين في وقتين فلما رد عليه الرجل وقدم الحج قال ابن عمر لا ترد على ما لا علم لك به ولا تعترض بما لا تعرفه ولا تقدح فيما لا تتحققه بل هو بتقديم الصوم هكذا سمعته من رسول الله ص = وليس في هذا نفى لسماعه على الوجه الآخر ويحتمل أن ابن عمر كان سمعه مرتين بالوجهين كما ذكرنا ثم لما رد عليه الرجل نسى الوجه الذى رده فأنكره فهذان الاحتمالان هما المختاران في هذا وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى محافظة ابن عمر رضى الله عنهما على ما سمعه من رسول الله ص = ونهيه عن عكسه تصلح حجة لكون الواو تقتضي الترتيب وهو مذهب كثير من الفقهاء الشافعين وشذوذ من النحويين ومن قال لا تقتضي الترتيب وهو المختار وقول الجمهور فله أن يقول لم يكن ذلك لكونها تقتضي الترتيب بل لأن فرض صوم رمضان نزل في السنة الثانية من الهجرة ونزلت فريضة الحج سنة ست وقيل سنة تسع بالتاء المثناة فوق ومن حق الأول أن يقدم في الذكر على الثاني فمحافظة ابن عمر رضى الله عنهما لهذا وأما رواية تقديم الحج فكأنه وقع ممن كان يروى الرواية بالمعنى ويروى أن تأخير الأول أو الأهم في الذكر شائع في اللسان فتصرف فيه بالتقديم والتأخير لذلك مع كونه لم يسمع نهى ابن عمر رضى الله عنهما عن ذلك فافهم ذلك فانه من المشكل الذى لم أرهم بينوه هذا آخر كلام الشيخ أبى عمرو بن الصلاح وهذا الذى قاله ضعيف من وجهين احدهما ان الروايتين قد ثبتتا في الصحيح وهما صحيحتان في المعنى لا تنافى بينهما كما قدمنا ايضاحه فلا يجوز ابطال احداهما الثاني أن فتح باب احتمال التقديم والتأخير في مثل هذا قدح في الرواة والروايات فانه لو فتح ذلك لم يبق لنا
[ 179 ]
وثيق بشئ من الروايات الا القليل ولا يخفى بطلان هذا وما يترتب عليه من المفاسد وتعلق من يتعلق به ممن في قلبه مرض والله أعلم ثم اعلم أنه وقع في رواية أبى عوانة الاسفراينى في كتابه المخرج على صحيح مسلم وشرطه عكس ما وقع في مسلم من قول الرجل لابن عمر قدم الحج فوقع فيه أن ابن عمر رضى الله عنهما قال للرجل اجعل صيام رمضان آخرهن كما سمعت من رسول الله ص = قال الشيخ أبو عمرو ابن الصلاح رحمه الله لا يقاوم هذه الرواية ما رواه مسلم قلت وهذا محتمل أيضا صحته ويكون قد جرت القضية مرتين لرجلين والله أعلم وأما اقتصاره في الرواية الرابعة على احدى الشهادتين فهو اما تقصير من الراوى في حذف الشهادة الأخرى التى أثبتها غيره من الحفاظ واما أن يكون وقعت الرواية من أصلها هكذا ويكون من الحذف للاكتفاء بأحد القرينتين ودلالته على الآخر المحذوف والله أعلم وقوله ص = على أن يوحد الله بضم الياء المثناة من تحت وفتح الحاء مبنى لما لم يسم فاعله وأما اسم الرجل الذى رد عليه ابن عمر رضى الله عنهما تقديم الحج فهو يزيد بن بشر السكسكى ذكره الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي في كتابه الأسماء المبهمة وأما قوله ألا تغزو فهو بالتاء المثناة من فوق للخطاب ويجوز أن يكتب تغزوا بالألف وبحذفها فالأول قول الكتاب المتقدمين والثانى قول بعض المتأخرين وهو الأصح حكاهما ابن قتيبة في أدب الكاتب وأما جواب ابن عمر له بحديث بنى الاسلام على خمس فالظاهر أن معناه ليس الغزو بلازم على الأعيان فان الاسلام بنى على خمس ليس الغزو منها والله أعلم ثم ان هذا الحديث أصل عظيم في معرفة الدين وعليه اعتماده وقد جمع أركانه والله أعلم باب الامر بالايمان بالله تعالى ورسوله ص = وشرائع الدين والدعاء إليه والسؤال عنه وحفظه وتبليغه من لم يبلغه هذا الباب فيه حديث ابن عباس وحديث أبى سعيد الخدرى رضى الله عنهم فأما حديث ابن عباس ففى البخاري أيضا وأما حديث أبى سعيد ففى مسلم خاصة قوله في الرواية الأولى (حدثنا حماد
[ 180 ]
ابن زيد عن أبى جمرة قال سمعت ابن عباس رضى الله عنهما وقوله في الرواية الثانية (أخبرنا عباد بن عباد عن أبى جمرة عن ابن عباس رضى الله عنهما) قد يتوهم من لا يعانى هذا الفن أن هذا تطويل لا حاجة إليه وأنه خلاف عادته وعادة الحفاظ فان عادتهم في مثل هذا أن يقولوا عن حماد وعباد عن أبى جمرة عن ابن عباس وهذا التوهم يدل على شدة غباوة صاحبه وعدم مؤانسته بشئ من هذا الفن فان ذلك انما يفعلونه فيما استوى فيه لفظ الرواة وهنا اختلف لفظهم ففى رواية حماد عن أبى جمرة سمعت ابن عباس وفى رواية عباد عن أبى جمرة عن ابن عباس وهذا التنبيه الذى ذكرته ينبغى أن يتفطن لمثله وقد نبهت على مثله بأبسط من هذه العبارة في الحديث الأول من كتاب الايمان ونبهت عليه أيضا في الفصول وسأنبه على مواضع منه أيضا مفرقة في مواضع من الكتاب ان شاء الله تعالى والمقصود أن تعرف هذه الدقيقة ويتيقظ الطالب لما جاء منها فيعرفه وان لم أنص عليه اتكالا على فهمه بما تكرر التنبيه به وليستدل أيضا بذلك على عظم اتقان مسلم رحمه الله وجلالته وورعه ودقة نظره وحذقه والله أعلم وأما أبو جمرة وهو بالجيم والراء واسمه نصر بن عمران بن عصام وقيل ابن عاصم الضبعى بضم الضاد المعجمة البصري قال صاحب المطالع ليس في الصحيحين والموطأ أبو جمرة ولا جمرة بالجيم الا هو قلت وقد ذكر الحاكم أبو أحمد الحافظ الكبير شيخ الحاكم أبى عبد الله في كتاب الاسماء والكنى أبا جمرة نصر بن عمران هذا في الافراد فليس عنده في المحدثين من يكنى أبا جمرة بالجيم سواه ويروى عن ابن عباس حديثا واحدا ذكر فيه معاوية بن أبى سفيان وارسال النبي ص = إليه ابن عباس وتأخره واعتذاره رواه مسلم في الصحيح وحكى الشيخ أبو عمرو بن الصلاح في كتابه علوم الحديث والقطعة التى شرحها في أول مسلم عن بعض الحفاظ أنه قال ان شعبة بن الحجاج روى عن سبعة رجال يروون كلهم عن ابن عباس كلهم يقال له أبو حمزة بالحاء والزاى الا أبا جمرة نصر بن عمران فبالجيم والراء قال والفرق بينهم يدرك بان شعبة إذا أطلق وقال عن أبى جمرة عن ابن عباس فهو بالجيم وهو نصر بن عمران وإذا روى
[ 181 ]
عن غيره ممن هو بالحاء والزاى فهو يذكر اسمه أو نسبه والله أعلم قوله (قدم وفد عبد القيس على رسول الله ص =) قال صاحب التحرير الوفد الجماعة المختارة من القوم ليتقدموهم في لقى العظماء والمصير إليهم في المهمات واحدهم وافد قال وفد عبد القيس هؤلاء تقدموا قبائل عبد القيس للمهاجرة الى رسول الله ص = وكانوا أربعة عشر راكبا الاشج العصرى رئيسهم ومزيدة بن مالك المحاربي وعبيدة بن همام المحاربي وصحار بن العباس المرى وعمرو بن مرحوم العصرى والحارث بن شعيب العصرى والحارث بن جندب من بنى عايش ولم نعثر بعد طول التتبع على أكثر من أسماء هؤلاء قال وكان سبب وفودهم أن منقذ ابن حيان أحد بنى غنم بن وديعة كان متجره الى يثرب في الجاهلية فشخص الى يثرب بملاحف وتمر من هجر بعد هجرة النبي ص = فبينا منقذ بن حيان قاعد إذ مر به النبي ص = فنهض منقذ إليه فقال النبي ص = أمنقذ بن حيان كيف جميع هيئتك وقومك ثم سأله عن أشرافهم رجل رجل يسميهم بأسمائهم فأسلم منقذ وتعلم سورة الفاتحة واقرأ باسم ربك ثم رحل قبل هجر فكتب النبي ص = معه الى جماعة عبد القيس كتابا فذهب به وكتمه أياما ثم اطلعت عليه امرأته وهى بنت المنذر بن عائذ بالذال المعجمة ابن الحارث والمنذر هو الاشج سماه رسول الله ص = به لأثر كان في وجهه وكان منقذ رضى الله عنه يصلى ويقرأ فنكرت امرأته ذلك فذكرته لأبيها المنذر فقالت أنكرت بعلى منذ قدم من يثرب أنه يغسل أطرافه ويستقبل الجهة تعنى القبلة فيحنى ظهره مرة ويضع جبنه مرة ذلك ديدنه منذ قدم فتلاقيا فتجاريا ذلك فوقع الاسلام في قلبه ثم ثار الاشج الى قومه عصرو محارب بكتاب رسول الله ص = فقرأه عليهم فوقع الاسلام في قلوبهم وأجمعوا على السير الى رسول الله ص = فسار الوافد فلما دنوا من المدينة قال النبي ص = لجلسائه أتاكم وفد عبد القيس خير أهل المشرق وفيهم الاشج العصرى غير ناكثين ولا مبدلين ولا مرتابين إذ لم يسلم قوم حتى وتروا قال وقولهم (انا هذا الحى من ربيعة) لانه عبد القيس ابن أفصى يعنى بفتح الهمزة وبالفاء والصاد المهملة المفتوحة ابن دعمى بن جديلة بن أسد
[ 182 ]
ابن ربيعة بن نزار وكانوا ينزلون البحرين الخط وأعنابها وسرة القطيف والسفار والظهران الى لرمل الى الاجرع ما بين هجر الى قصر وبينونة ثم الجوف والعيون والاحساء الى حد أطراف الدهنا وسائر بلادها ما ذكره صاحب التحرير قولهم انا هذا الحى فالحي منصوب على التخصيص قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح الذى نختاره نصب الحى على التخصيص ويكون الخبر في قولهم من ربيعة ومعناه انا هذا الحى حى من ربيعة وقد جاء بعد هذا في الرواية الاخرى انا حى بن ربيعة وأما معنى الحى فقال صاحب المطالع الحى اسم لمنزل القبيلة ثم سميت القبيلة به لأن بعضهم يحيا ببعض قولهم (وقد حالت بيننا وبينك كفار مضر) سببه أن كفار مضر كانوا بينهم وبين المدينة فلا يمكنهم الوصول الى المدينة الا عليهم قولهم (ولا نخلص اليك الا في شهر الحرام) معنى نخلص نصل ومعنى كلامهم انا لا نقدر على الوصول اليك خوفا من أعدائنا الكفار الا في الشهر الحرام فانهم لا يتعرضون لنا كما كانت عادة العرب من تعظيم الاشهر الحرم وامتناعهم من القتال فيها وقولهم شهر الحرام كذا هو في الاصول كلها باضافة شهر الى الحرام وفى الرواية الاخرى أشهر الحرم والقول فيه كالقول في نظائره من قولهم مسجد الجامع وصلاة الاولى ومنه قول الله تعالى الغربي قوله الآخرة فعلى مذهب النحويين الكوفيين هو من اضافة الموصوف الى صفته وهو جائز عندهم وعلى مذهب البصريين لا تجوز هذه الاضافة ولكن هذا كله عندهم على حذف في الكلام للعلم به فتقديره شهر الوقت الحرام وأشهر الاوقات الحرم ومسجد المكان الجامع ودار الحياة الآخرة وجانب المكان الغربي ونحو ذلك والله أعلم ثم ان قولهم شهر الحرام المراد به جنس الاشهر الحرم وهى أربعة أشهر حرم كما نص عليه القرآن العزيز وتدل عليه الرواية الاخرى بعد هذه الا في اشهر الحرم والاشهر الحرم هي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب هذه الأربعة هي الأشهر الحرم باجماع العلماء من أصحاب الفنون ولكن اختلفوا في الادب المستحسن في كيفية عدها على قولين حكاهما الامام أبو جعفر النحاس في كتابه صناعة الكتاب قال ذهب الكوفيون الى أنه يقال المحرم ورجب وذو القعدة وذو الحجة قال والكتاب يميلون الى هذا القول ليأتوا
[ 183 ]
بهن من سنة واحدة قال وأهل المدينة يقولون ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب وقوم ينكرون هذا ويقولون جاءوا بهن من سنتين قال أبو جعفر وهذا غلط بين وجهل باللغة لأنه قد علم المراد وأن المقصود ذكرها وأنها في كل سنة فكيف يتوهم أنها من سنتين قال والأولى والاختيار ما قاله أهل المدينة لأن الأخبار قد تظاهرت عن رسول الله ص = كما قالوا من رواية ابن عمر وأبى هريرة وأبى بكرة رضى الله عنهم قال وهذا أيضا قول أكثر أهل التأويل قال النحاس وأدخلت الألف والام في المحرم دون غيره من الشهور قال وجاء من الشهور ثلاثة مضافات شهر رمضان وشهرا ربيع يعنى والباقى غير مضافات وسمى الشهر شهرا لشهرته وظهوره والله أعلم قوله ص = (آمركم بأربع وأنها كم عن أربع الايمان بالله ثم فسرها لهم فقال شهادة أن لا اله الا الله وأن محمدا رسول الله واقام الصلاة وايتاء الزكاة وأن تؤدوا خمس ما غنمتم وفى رواية شهادة أن لا اله الا الله وعقد واحدة) وفى الطريق الأخرى قال وأمرهم بأربع ونهاهم عن أربع قال أمرهم بالايمان بالله وحده قال وهل تدرون ما الايمان بالله قالوا الله ورسوله أعلم قال شهادة أن لا اله الا الله وأن محمد رسول الله واقام الصلاة وايتاء الزكاة صوم رمضان وأن تؤدوا خمسا من المغنم وفى الرواية الأخرى قال آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وصوموا رمضان وأعطوا الخمس من الغنائم هذه ألفاظه هنا وقد ذكر البخاري هذا الحديث في مواضع كثيرة من صحيحه وقال فيه في بعضها شهادة أن لا اله الا الله وحده لا شريك له ذكره في باب اجازة خبر الواحد وذكره في باب بعد باب نسبة اليمن الى اسماعيل ص = في آخر
[ 184 ]
ذكر الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وقال فيه آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع الايمان بالله وشهادة أن لا اله الا الله واقام الصلاة وايتاء الزكاة وصوم رمضان بزيادة واو وكذلك قال فيه في أول كتاب الزكاة الايمان بالله وشهادة أن لا اله الا الله بزيادة واو أيضا ولم يذكر فيها الصيام وذكر في باب حديث وفد عبد القيس الايمان بالله شهادة أن لا اله الا الله فهذه ألفاظ هذه القطعة في الصحيحين وهذه الألفاظ مما يعد من المشكل وليست مشكلة عند أصحاب التحقيق والاشكال في كونه ص = قال آمركم بأربع والمذكور في أكثر الروايات خمس واختلف العلماء في الجواب عن هذا على أقوال أظهرها ما قاله الامام ابن بطال رحمه الله تعالى في شرح صحيح البخاري قال أمرهم بالاربع التى وعدهم بها ثم زادهم خامسة يعنى أداء الخمس لأنهم كانوا مجاورين لكفار مضر فكانوا أهل جهاد وعلم وذكر الشيخ أبو عمرو بن الصلاح نحو هذا فقال قوله أمرهم بالايمان بالله أعاده لذكر الاربع ووصفه لها بأنها ايمان ثم فسرها بالشهادتين والصلاة والزكاة والصوم فهذا موافق لحديث بنى الاسلام على خمس ولتفسير الاسلام بخمس في حديث جبريل ص = وقد سبق أن ما يسمى اسلاما يسمى ايمانا وأن الاسلام والايمان يجتمعان ويفترقان وقد قيل انما يذكر الحج في هذا الحديث لكونه لم يكن نزل فرضه وأما قوله ص = وأن تؤدوا خمسا من المغنم فليس عطفا على قوله شهادة ان لا اله الا الله فانه يلزم منه أن يكون الاربع خمسا وانما هو عطف على قوله بأربع فيكون مضافا الى الأربع لا واحدا منها وان كان واحدا من مطلق شعب الايمان قال وأما عدم ذكر الصوم في الرواية الاولى فهو اغفال من الراوى وليس من الاختلاف الصادر من رسول الله ص = بل من اختلاف الرواة الصادر من تفاوتهم في الضبط والحفظ على ما تقدم بيانه فافهم ذلك وتدبره تجده ان شاء الله تعالى مما هدانا الله سبحانه وتعالى لحله من العقد هذا آخر كلام الشيخ أبى عمرو وقيل في معناه غير ما قالاه مما ليس بظاهر فتركناه والله أعلم وأما قول الشيخ ان ترك الصوم في بعض الروايات اغفال من الراوى وكذا قاله القاضى عياض وغيره وهو ظاهر لا شك فيه قال القاضى عياض رحمه الله وكانت وفادة عبد القيس عام الفتح قبل خروج النبي ص = الى مكة ونزلت فريضة الحج سنة تسع بعدها على الاشهر والله أعلم وأما قوله ص = وأن تؤدوا خمس ما غنمتم ففيه ايجاب الخمس من الغنائم وان
[ 185 ]
لم يكن الامام في السرية الغازية وفى هذا تفصيل وفروع سننبه عليها في بابها أن وصلناه ان شاء الله تعالى ويقال خمس بضم الميم واسكانها وكذلك الثلث والربع والسدس والسبع والثمن والتسع والعشر بضم ثانيها ويسكن والله أعلم وأما قوله ص = وأنها كم عن الدباء والحنتم والنقير والمقير وفى رواية المزفت بدل المقير فنضبطه ثم نتكلم على معناه ان شاء الله تعالى فالدباء بضم الدال وبالمد وهو القرع اليابس أي الوعاء منه وأما الحنتم فبحاء مهملة مفتوحة ثم نون ساكنة ثم تاء مثناة من فوق مفتوحة ثم ميم الواحدة حنتمة وأما النقير فبالنون المفتوحة والقاف وأما المقير فبفتح القاف والياء فاما الدباء فقد ذكرناه وأما الحنتم فاختلف فيها فأصح الاقوال وأقواها أنها جرار خضر وهذا التفسير ثابت في كتاب الاشربة من صحيح مسلم عن أبى هريرة وهو قول عبد الله بن مغفل الصحابي رضى الله عنه وبه قال الاكثرون أو كثيرون من أهل اللغة وغريب الحديث والمحدثين والفقهاء والثانى أنها الجرار كلها قاله عبد الله بن عمر وسعيد بن جبير وأبو سلمة والثالث أنها جرار يؤتى بها من مصر مقيرات الاجواف وروى ذلك عن أنس بن مالك رضى الله عنه ونحوه عن ابن أبى ليلى وزاد أنها حمر والرابع عن عائشة رضى الله عنها جرار حمر أعناقها في جنوبها يجلب فيها الخمر من مصر والخامس عن ابن أبى ليلى أيضا أفواهها في جنوبها يجلب فيها الخمر من الطائف وكان ناس ينتبذون فيها يضاهون به الخمر والسادس عن عطاء جرار كانت تعمل من طين وشعر ودم وأما النقير فقد جاء في تفسيره في الرواية الاخيرة أنه جذع ينقر وسطه وأما المقير فهو المزفت وهو المطلى بالقار وهو الزفت وقيل الزفت نوع من القار والصحيح الاول فقد صح عن ابن عمر رضى الله عنهما أنه قال المزفت هو المقير وأما معنى النهى عن هذه الاربع فهو أنه نهى عن الانتباذ فيها وهو أن يجعل في الماء حبات من تمر أو زبيب أو نحوهما ليحلو ويشرب وانما خصت هذه بالنهي لانه يسرع إليه الاسكار فيها فيصير حرما نجسا وتبطل ماليته فنهى عنه لما فيه من اتلاف المال ولانه ربما شربه بعد اسكاره من لم يطلع عليه ولم ينه عن الانتباذ في أسقية الادم بل أذن فيها لانها لرقتها لا يخفى فيها المسكر بل إذا صار مسكرا شقها غالبا ثم ان هذا النهى كان في أول الامر ثم نسخ بحديث بريدة رضى الله عنه أن النبي ص = قال كنت نهيتكم عن الانتباذ الا في الأسقية فانتبذوا في كل وعاء ولا تشربوا مسكرا رواه مسلم في الصحيح هذا الذى ذكرناه من
[ 186 ]
كونه منسوحا هو مذهبنا ومذهب جماهير العلماء قال الخطابى القول بالنسخ هو أصح الاقاويل قال وقال قوم التحريم باق وكرهوا الانتباذ في هذه الاوعية ذهب إليه مالك وأحمد واسحاق وهو مروى عن ابن عمر وعباس رضى الله عنهم والله اعلم قوله (قال أبو بكر حدثنا غندر عن شعبة وقال الآخران ثنا محمد بن جعفر قال ثنا شعبة) هذا من احتياط مسلم رضى الله عنه فان غندرا هو محمد بن جعفر ولكن أبو بكر ذكره بلقبه والآخران باسمه ونسبه وقال أبو بكر عنه عن شعبة وقال الآخران عنه حدثنا شعبة فحصلت مخالفة بينهما وبينه من وجهين فلهذا نبه عليه مسلم رحمه الله تعالى وقد تقدم في المقدمة أن دال غندر مفتوحة على المشهور وأن الجوهرى حكى ضمها أيضا وتقدم بيان سبب تلقيبه بغندر قوله (كنت أترجم بين يدى ابن عباس وبين الناس) كذا هو في الاصول وتقديره بين يدى ابن عباس بينه وبين الناس فحذف لفظة بينه للدلالة الكلام عليها ويجوز أن يكون المراد بين ابن عباس وبين الناس كما جاء في البخاري وغيره بحذف يدى فتكون يدى عبارة عن الجملة كما قال الله تعالى ينظر المرء ما قدمت يداه أي قدم والله أعلم وأما معنى الترجمة فهو التعبير عن لغة بلغة ثم قيل انه كان يتكلم بالفارسية فكان يترجم لابن عباس عمن يتكلم بها قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى وعندي أنه كان يبلغ كلام ابن عباس الى من خفى عليه من الناس اما لزحام منع من سماعه فأسمعهم وأما لاختصار منع من فهمه فأفهمهم أو نحو ذلك قال واطلاقه لفظ الناس يشعر بهذا قال وليست الترجمة مخصوصة بتفسير لغة بلغة أخرى فقد أطلقوا على قولهم باب كذا اسم الترجمة لكونه يعبر عما يذكره بعده هذا كلام الشيخ والظاهر أن معناه أنه يفهمهم عنه ويفهمه عنهم والله أعلم قوله (فأتته امرأة تسأله عن نبيذ الجر) أما الجر فبفتح الجيم وهو اسم جمع الواحدة جرة ويجمع أيضا على جرار وهو هذا الفخار المعروف وفى هذا دليل على جواز استفتاء المرأة الرجال الاجانب وسماعها صوتهم وسماعهم صوتها للحاجة وفي قوله ان وفد
[ 187 ]
عبد القيس الخ دليل على أن مذهب ابن عباس رضى الله عنه أن النهى عن الانتباذ في هذه الاوعية ليس بمنسوخ بل حكمه باق وقد قدمنا بيان الخلاف فيه قوله ص = (مرحبا بالقوم) منصوب على المصدر استعمله العرب وأكثرت منه تريد به البر وحسن اللقاء ومعناه صادفت رحبا وسعة قوله ص = (غير خزايا ولا ندامى) هكذا هو في الاصول الندامى بالالف والام وخزايا بحذفهما وروى في غير هذا الموضع بالالف واللام فيهما وروى باسقاطهما فيهما والرواية فيه غير بنصب الراء على الحال وأشار صاحب التحرير الى أنه يروى أيضا بكسر الراء على الصفة للقوم والمعروف الاول ويدل عليه ما جاء في رواية البخاري مرحبا بالقوم الذين جاؤا غير خزايا ولا ندامى والله أعلم أما خزايا فجمع خزيان كحيران وحيارى وسكران وسكارى والخزيان المستحى وقيل الذليل المهان وأما الندامى فقيل أنه جمع ندمان بمعنى نادم وهى لغة في نادم حكاها القزاز صاحب جامع اللغة والجوهري في صحاحه وعلى هذا هو على بابه وقيل هو جمع نادم اتباعا للخزايا وكان أصل نادمين فأتبع لخزايا تحسينا للكلام وهذا الاتباع كثير في كلام العرب وهو من فصيحه ومنه قول النبي ص = ارجعن مأزورات غير مأجورات أتبع مأزورات لمأجورات ولو أفراد ولم يضم إليه مأجورات لقال موزورات كذا قاله الفراء وجماعات قالوا ومنه قول العرب انى لآتيه بالغدايا والعشايا جمعوا الغداة على غدايا اتباعا لعشايا ولو أفردت لم يجز الاغدوات وأما معناه فالمقصود أنه لم يكن منكم تأخر عن الاسلام ولا عناد ولا أصابكم اسار ولا سباء ولا ما أشبه ذلك مما تستحيون بسببه أو تذلون أو تهانون أو تندمون والله أعلم قوله (فقالوا يا رسول الله انا نأتيك من شقة بعيدة) الشقة بضم الشين وكسرها لغتان مشورتان أشهرهما وأفصحهما الضم وهى التى جاء بها القرآن العزيز قال الامام أبو اسحاق الثعلبي وقرأ عبيد بن عمير بكسر الشين وهى لغة قيس والشقة السفر البعيد كذا قاله
[ 188 ]
ابن السكيت وابن قتيبة وقطرب وغيرهم قيل سميت شقة لانها تشق على الانسان وقيل هي المسافة وقيل الغاية التى يخرج الانسان إليها فعلى القول الاول يكون قولهم بعيدة مبالغة في بعدها والله أعلم قولهم (فمرنا بأمر فصل) هو بتنوين أمر قال الخطابى وغيره هو البين الواضح الذى ينفصل به المراد ولا يشكل قوله ص = (وأخبروا به من ورائكم وقال أبو بكر في روايته من وراءكم) هكذا ضبطناه وكذا هو في الاصول الاول بكسر الميم والثانى بفتحها وهما يرجعان الى معنى واحد قوله (وحدثنا نصر بن على الجهضمى) هو بفتح الجيم والضاد المعجمة واسكان الهاء بينهما وقد تقدم بيانه في شرح المقدمة قوله (قالا جميعا) فلفظة جميعا منصوبة على الحال ومعناه اتفقا واجتمعا على التعديت بما يذكره اما مجتمعين في وقت واحد واما في وقتين ومن اعتقد
[ 189 ]
أنه لابد أن يكون ذلك في وقت واحد فقد غلط غلطا بينا قوله (وقال رسول الله ص = للاشج أشج عبد القيس ان فيك لخصلتين يحبهما الله الحلم والأناة) وأما الاشج فاسمه المنذر بن عائذ بالذال المعجمة العصرى بفتح العين والصاد المهملتين هذا هو الصحيح المشهور الذى قاله ابن عبد البر والاكثرون أو الكثيرون وقال ابن الكلبى اسمه المنذر بن الحارث بن زياد بن عصر بن عوف وقيل اسمه المنذر بن عامر وقيل المنذر بن عبيد وقيل اسمه عائذ بن المنذر وقيل عبد الله بن عوف وأما الحلم فهو العقل وأما الأناة فهى التثبت وترك العجلة وهى مقصورة وسبب قول النبي ص = ذلك له ما جاء في حديث الوفد أنهم لما وصلوا المدينة بادروا الى النبي ص = وأقام الاشج عند رحالهم فجمعها وعقل ناقته ولبس أحسن ثيابه ثم أقبل الى النبي ص = فقر به النبي ص = وأجلسه الى جانبه ثم قال لهم النبي ص = تبايعون على أنفسكم وقومكم فقال القوم نعم فقال الاشج يا رسول الله انك لم تزاول الرجل عن شئ أشد عليه من دينه نبايعك على أنفسنا ونرسل من يدعوهم فمن اتبعنا كان منا ومن أبى قاتلناه قال صدقت ان فيك خصلتين الحديث قال القاضى عياض فالأناة تربصه حتى نظر في مصالحه ولم يعجل والحلم هذا القول الذى قاله الدال على صحة عقله وجودة نظره للعواقب قلت ولا يخالف هذا ما جاء في مسند أبى يعلى وغيره أنه لما قال رسول الله ص = للاشج ان فيك خصلتين الحديث قال يا رسول الله كانا في أم حدثا قال بل قديم قال قلت الحمد لله الذى جبلني على خلقين يحبهما قوله (حدثنا سعيد بن أبى عروبة عن قتادة قال حدثنا من لقى الوفد الذين قدموا على رسول
[ 190 ]
الله ص = من عبد القيس قال سعيد وذكر قتادة أبا نضرة عن أبى سعيد الخدرى) معنى هذا الكلام أن قتادة حدث بهذا الحديث عن أبى نضرة عن أبى سعيد الخدرى كما جاء مبينا في الرواية التى بعد هذا من رواية ابن أبى عدى وأما أبو عروبة بفتح العين فاسمه مهران وهكذا يقوله أهل الحديث وغيرهم عروبة بغير ألف ولام وقال ابن قتيبة في كتابه أدب الكاتب في باب ما تغير من أسماء الناس هو ابن أبى العروبة بالالف واللام يعنى أن قولهم عروبة لحن وذكره ابن قتيبة في كتاب المعارف كما ذكره غيره فقال سعيد بن أبى عروبة يكنى أبا النضر لاعقب له يقال انه لم يمس امرأة قط واختلط في آخر عمره وهذا الذى قاله من اختلاطه كذا قاله غيره واختلاطه مشهور وقال يحيى بن معين وخلط سعيد بن أبى عروبة بعد هزيمة ابراهيم بن عبد الله بن حسن سنة ثنتين وأربعين يعنى ومائة ومن سمع منه بعد ذلك فليس بشئ ويزيد بن هرون صحيح السماع منه بواسط وأثبت الناس سماعا منه عبدة بن سليمان قلت وقد مات سعيد بن أبى عروبة سنة ست وخمسين ومائة وقيل سنة سبع وخمسين وقد تقرر من القاعدة التى قدمناها أن من علمنا أنه روى عن المختلط في حال سلامته قبلنا روايته واحتججنا بها ومن روى في حال الاختلاط أو شككنا فيه لم نحتج بروايته وقد قدمنا أيضا أن من كان من المختلطين محتجا به في الصحيحين فهو محمول على أنه ثبت أخذ ذلك عنه قبل الاختلاط والله أعلم وأما أبو نضرة بفتح النون واسكان الضاد المعجمة فاسمه المنذر بن مالك بن قطعة بكسر القاف واسكان الطاء العوقى بفتح العين والواو وبالقاف هذا هو المشهور
[ 191 ]
الذى قاله الجمهور وحكى صاحب المطالع أن بعضهم سكن الواو من العوقى والعوقة بطن من عبد القيس وهو بصرى والله أعلم وأما أبو سعيد الخدرى فاسمه سعد بن مالك بن سنان منسوب الى بنى خدرة وكان أبوه مالك رضى الله عنه صحابيا أيضا قتل يوم أحد شهيدا قوله ص = (فتقذفون فيه من القطيعاء) أما تقذفون فهو بتاء مثناة فوق مفتوحة ثم قاف ساكنة ثم ذال معجمة مكسورة ثم فاء ثم واو ثم نون كذا وقع في الاصول كلها في هذا الموضع الأول ومعناه تلقون فيه وترمون وأما قوله في الرواية الاخرى وهى رواية محمد بن المثنى وابن بشار عن ابن أبى عدى وتذيفون به من القطيعاء فليست فيها قاف وروى بالذال المعجمة وبالمهملة وهما لغتان فصيحتان وكلاهما بفتح التاء وهو من ذاف يذيف بالمعجمة كباع يبيع وداف يدوف بالمهملة كقال يقول واهمال الدال أشهر في اللغة وضبطه بعض رواة مسلم بضم التاء على رواية المهملة وعلى رواية المعجمة أيضا جعله من أذاف والمعروف فتحها من ذاف وأذاف ومعناه على الأوجه كلها خلط والله أعلم وأما القطيعاء فبضم القاف وفتح الطاء وبالمد وهو نوع من التمر صغار يقال له الشهريز بالشين المعجمة والمهملة وبضمها وبكسرهما قوله ص = (حتى أن أحدكم أوان أحدهم ليضرب ابن عمه بالسيف) معناه إذا شرب هذا الشراب سكر فلم يبق له عقل وهاج به الشر فيضرب ابن عمه الذى هو عنده من أحب أحبابه وهذه مفسدة عظيمة ونبه بها على ما سواها من المفاسد وقوله أحدكم أو أحدهم شك من الراوى والله أعلم قوله (وفى القول رجل أصابته جراحة) واسم هذا الرجل جهم
[ 192 ]
وكانت الجراحة في ساقه قوله ص = (في أسقية الأدم التى يلاث على أفواهها) أما الأدم فبفتح الهمزة والدال جمع أديم وهو الجلد الذى تم دباغه وأما يلاث على أفواهها فبضم المثناة من تحت وتخفيف اللام وآخره ثاء مثلثة كذا ضبطناه وكذا هو في أكثر الاصول وفى أصل الحافظ أبى عامر العبدرى ثلاث بالمثناة فوق وكلاهما صحيح فمعنى الاول يلف الخيط على أفواهها ويربط به ومعنى الثاني تلف الاسقية على أفواهها كما يقال ضربته على رأسه قوله (ان أرضنا كثيرة الجرذان) كذا ضبطناه كثيرة بالهاء في آخره ووقع في كثير من الاصول كثير بغير هاء قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح صح في أصولنا كثير من غير تاء التأنيث والتقدير فيه على هذا أرضنا مكان كثير الجرذان ومن نظائره قول الله عز وجل رحمة الله قريب من المحسنين وأما الجرذان فبكسر الجيم واسكان الراء وبالذال المعجمة جمع جرذ بضم الجيم وفتح الراء كنغر ونغران وصرد وصردان والجرذ نوع من الفار كذا قاله الجوهرى وغيره وقال الزبيدى في مختصر العين هو الذكر من الفار وأطاق جماعة من شراح الحديث أنه الفار قوله ص = (وان أكلتها الجرذان وان أكلتها الجرذان وان أكلتها الجرذان) هكذا هو في الأصول مكرر ثلاث مرات قوله (قالا ثنا بن أبى عدي) هو محمد بن ابراهيم وابراهيم هو
[ 193 ]
أبو عدي قوله (حدثنا أبو عاصم عن ابن جرير) وأما أبو عاصم فالضحاك بن مخلد النبيل وأما ابن جريج فهو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج قوله (حدثني محمد بن رافع ثنا عبد الرزاق انا ابن جريج قال أخبرني أبو قزعة أن أبا نضرة أخبره وحسنا أخبرهما أن أبا سعيد الخدري أخبره) هذا الاسناد معدود في المشكلات وقد اضطربت فيه أقوال الأئمة وأخطأ فيه جماعات من كبار الحفاظ والصواب فيه ما حققه وحرره وبسطه وأوضحه الامام الحافظ أبو موسى الاصبهاني في الجزء الذي جمعه فيه وما أحسنه وأجوده وقد لخصه الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله فقال هذا الاسناد أحد المعضلات ولاعضاله وقع فيه تعبيرات من جماعة واهمة فمن ذلك رواية أبي نعيم الاصبهاني في مستخرجه على كتاب مسلم باسناده أخبرني أبو قزعة أن أبا نضرة وحسنا أخبرهما أن أبا سعيد الخدري أخبره وهذا يلزم منه أن يكون أبو قزعة هو الذى أخبر أبا نضرة وحسنا عن أبى سعيد ويكون أبو قزعة هو الذى سمع من أبي سعيد وذلك منتف بلا شك ومن ذلك أن أبا على الغساني صاحب تقييد المهمل رد رواية مسلم هذه وقلده في ذلك صاحب المعلم ومن شأنه تقليده فيما يذكره من علم الأسانيد وصوبهما في ذلك القاضى عياض فقال أبو علي الصواب في الاسناد عن ابن جريج قال أخبرني أبو قزعة أن أبا نضرة وحسنا أخبراه أن أبا سعيد أخبره وذكر أنه انما قال أخبره ولم يقل أخبرهما لانه رد الضمير الى أبي نضرة وحده وأسقط الحسن لموضع الارسال فانه لم يسمع من أبي سعيد ولم يلقه وذكر أنه بهذا اللفظ الذى ذكره مسلم خرجه أبو علي بن السكن في مصنفه باسناده قال وأظن أن هذا من اصلاح ابن السكن وذكر الغساني أيضا أنه رواه كذلك أبو بكر البزار في مسنده الكبير باسناده وحكى عنه وعن عبد الغني بن سعيد الحافظ أنهما ذكرا أن حسنا هذا هو الحسن البصري وليس الأمر في ذلك على ما ذكروه بل
[ 194 ]
ما أورده مسلم في هذا الاسناد هو الصواب وكما أورده رواه أحمد بن حنبل عن روح بن عبادة عن ابن جريج وقد انتصر له الحافظ أبو موسى الاصبهاني رحمه الله وألف في ذلك كتابا لطيفا تبجح فيه باجادته واصابته مع وهم غير واحد فيه فذكر أن حسنا هذا هو الحسن بن مسلم بن يناق الذي روى عنه ابن جريج غير هذا الحديث وأن معنى هذا الكلام أن أبا نضرة أخبر بهذا الحديث أبا قزعة وحسن بن مسلم كليهما ثم أكد ذلك بأن أعاد فقال أخبرهما أن أبا سعيد أخبره يعني أخبر أبو سعيد أبا نضرة وهذا كما تقول ان زيدا جاءني وعمرا جاءني فقالا كذا وكذا وهذا من فصيح الكلام واحتج على أن حسنا فيه هو الحسن ابن مسلم بن يناق بن سلمة بن شبيب وهو ثقة رواه عن عبد الرزاق عن ابن جرير قال أخبرني أبو قزعة أن أبا نضرة أخبره وحسن بن مسلم بن يناق أخبرهما أن أبا سعيد أخبره الحديث ورواه أبو الشيخ الحافظ في كتابه المخرج على صحيح مسلم وقد أسقط أبو مسعود الدمشقي وغيره ذكر حسن من الاسناد لأنه مع اشكاله لا مدخل له في الرواية وذكر الحافظ أبو موسى ما حكاه أبو على الغساني وبين بطلانه وبطلان رواية من غير الضمير في قوله أخبرهما وغير ذلك من التغيرات ولقد أجاد وأحسن رضى الله عنه هذا آخر كلام الشيخ أبى عمرو رحمه الله وفى هذا القدر الذى ذكره أبلغ كفاية وان كان الحافظ أبو موسى قد أطنب في بسطه وايضاحه بأسناده واستشهاداته ولا ضرورة الى زيادة على هذا القدر والله أعلم وأما أبو قزعة المذكور فاسمه سويد بن حجير بحاء مهملة مضمومة ثم جيم مفتوحة وآخره راء وهو باهلي بصري انفرد مسلم بالرواية له دون البخاري وقزعة بفتح القاف وبفتح الزاي واسكانها ولم يذكر أبو علي الغساني في تقييد المهمل سوى الفتح وحكى القاضي عياض فيه الفتح والاسكان ووجد بخط ابن الأنباري بالاسكان وذكر ابن مكي في كتابه فيما يلحن فيه أن الاسكان هو الصواب والله أعلم قولهم (جعلنا الله فداك) هو بكسر الفاء وبالمد ومعناه يقيك المكاره قوله ص =
[ 195 ]
(وعليكم بالموكى) هو بضم الميم واسكان الواو مقصور غير مهموز ومعناه انبذوا في السقاء الدقيق الذي يوكى أي يربط فوه بالوكاء وهو الخيط الذي يربط به والله أعلم هذا ما يتعلق بألفاظ هذا الحديث وأما أحكامه ومعانيه فقد اندرج جمل منها فيما ذكرته وأنا أشير إليها ملخصة مختصرة مرتبة ففي هذا الحديث وفادة الرؤساء والأشراف الى الأئمة عند الأمور المهمة وفيه تقديم الاعتذار بين يدي المسألة وفيه بيان مهمات الاسلام وأركانه ما سوى الحج وقد قدمنا أنه لم يكن فرض وفيه استعانة العالم في تفهيم الحاضرين والفهم عنهم ببعض أصحابه كما فعله ابن عباس رضى الله عنهما وقد يستدل به على أنه يكفي في الترجمة في الفتوى والخبر قول واحد وفيه استحباب قول الرجل لزواره والقادمين عليه مرحبا ونحوه والثناء عليهم ايناسا وبسطا وفيه جواز الثناء على الانسان في وجهه إذا لم يخف عليه فتنة باعجاب ونحوه وأما استحبابه فيختلف بحسب الاحوال والاشخاص وأما النهي عن المدح في الوجه فهو في حق من يخاف عليه الفتة بما ذكرناه وقد مدح النبي ص = في مواضع كثيرة في الوجه فقال ص = لأبى بكر رضى الله عنه لست منهم وقال ص = يا أبا بكر لا تبك ان أمن الناس على صحبته وماله أبو بكر ولو كنت متخذا من أمتى خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا وقال له وأرجو أن تكون منهم أي من الذين يدعون من أبواب الجنة وقال ص = ائذن له وبشره بالجنة وقال ص = اثبت أحد فإنما عليك نبى وصديق وشهيدان وقال ص = دخلت الجنة ورأيت قصرا فقلت لمن هذا قالوا لعمر ابن الخطاب فأردت أن أدخله فذكرت غيرتك فقال عمر رضى الله عنه بأبى أنت وأمى يا رسول الله أعليك أغار وقال له ما لقيك الشيطان سالكا فجا غير فجك وقال ص = افتح لعثمان وبشره بالجنة وقال لعلى رضى الله عنه أنت منى وأنا منك وفى الحديث الآخر أما ترضى أن تكون منى بمنزلة هرون من موسى وقال ص = لبلال سمعت دق نعليك في الجنة وقال ص = لعبد بن سلام أنت على الاسلام حتى تموت وقال للانصاري ضحك الله عز وجل أو عجب من فعالكما وقال للانصار أنتم من أحب الناس الى
[ 196 ]
ونظائر هذا كثيرة من مدحه ص = في الوجه وأما مدح الصحابة والتابعين فمن بعدهم من العلماء والأئمة الذين يقتدى بهم رضى الله عنهم أجمعين فأكثر من أن يحصر والله أعلم وفي حديث الباب من الفوائد أنه لا عتب على طالب العلم والمستفتي إذا قال للعالم أوضح لى الجواب ونحو هذه العبارة وفيه أنه لا بأس بقول رمضان من غير ذكر الشهر وفيه جواز مراجعة العالم على سبيل الاسترشاد والاعتذار ليتلطف له في جواب لا يشق عليه وفيه تأكيد الكلام وتفخيمه ليعظم وقعه في النفس وفيه جواز قول الانسان لمسلم جعلني الله فداك فهذه أطراف مما يتعلق بهذا الحديث وهي وأن كانت طويلة فهى مختصرة بالنسبة الى طالبي التحقيق والله أعلم وله الحمد والمنة وبه التوفيق والعصمة باب الدعاء الى الشهادتين وشرائع الاسلام فيه بعث معاذ الى اليمن وهو متفق عليه في الصحيحين قوله (عن أبى معبد عن أبن عباس عن معاذ قال أبو بكر وربما قال وكيع عن ابن عباس ان معاذا قال) هذا الذى فعله مسلم رحمه الله نهاية التحقيق والاحتياط والتدقيق فإن الرواية الاولى قال فيها عن معاذ والثانية أن معاذا وبين أن وعن فرق فإن الجماهير قالوا أن كعن فيحمل على الاتصال وقال جماعة لا تلتحق ان بعن بل تحمل ان على الانقطاع ويكون مرسلا ولكنه هنا يكون مرسل صحابي له حكم المتصل على المشهور من مذاهب العلماء وفيه قول الاستاذ أبى اسحاق الاسفراينى الذي قدمناه في الفصول أنه لا يحتج به فاحتاط مسلم رحمه الله وبين اللفظين والله أعلم وأما أبو معبد فاسمه نافذ بالنون والفاء والذال المعجمة وهو مولى ابن عباس قال عمرو بن دينار كان من أصدق موالى ابن عباس رضى الله عنهما قوله ص = (انك تأتى قوما من أهل الكتاب
[ 197 ]
فادعهم الى شهادة أن لا إله الا الله وانى رسول الله فان هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله تعالى افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم فإن أطاعوا لذلك فإياك وكرائم اموالهم واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب) أما الكرائم فجمع كريمة قال صاحب المطالع هي جامعة الكمال الممكن في حقها من غزارة لبن وجمال صورة أو كثرة لحم أو صوف وهكذا الرواية فإياك وكرائم بالواو في قوله وكرائم قال ابن قتيبة ولا يجوز اياك كرائم أموالهم بحذفها ومعنى ليس بينها وبين الله حجاب أي انها مسموعة لا ترد وفي هذا الحديث قبول خبر الواحد ووجوب العمل به وفيه أن الوتر ليس بواجب لان بعث معاذ الى اليمن كان قبل وفاة النبي ص = بقليل بعد الامر بالوتر والعمل به وفيه أن السنة أن الكفار يدعون الى التوحيد قبل القتال وفيه أنه لا يحكم باسلامه الا بالنطق بالشهادتين وهذا مذهب أهل السنة كما قدمنا بيانه في اول كتاب الايمان وفيه ان الصلوات الخمس تجب في كل يوم وليلة وفيه بيان عظم تحريم الظلم وأن الامام ينبغى أن يعظ ولاته ويأمرهم بتقوى الله تعالى ويبالغ في نهيهم عن الظلم ويعرفهم قبح عاقبته وفيه أنه يحرم على الساعي أخذ كرائم المال في أداء الزكاة بل يأخذ الوسط ويحرم على رب المال اخراج شر المال وفيه ان الزكاة لا تدفع الى كافر ولا تدفع أيضا الى غنى من نصيب الفقراء واستدل به الخطابى وسائر أصحابنا على أن الزكاة لا يجوز نقلها عن بلد المال لقوله ص = فترد في فقرائهم وهذا الاستدلال ليس بظاهر لان الضمير في فقرائهم محتمل لفقراء المسلمين ولفقراء أهل تلك البلدة والناحية وهذا الاحتمال
[ 198 ]
أظهر واستدل به بعضهم على أن الكفار ليسوا بمخاطبين بفروع الشريعة من الصلاة والصوم والزكاة وتحريم الزنا ونحوها لكونه ص = قال فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم ان عليهم فدل على أنهم إذا لم يطيعوا لا يجب عليهم وهذا الاستدلال ضعيف فإن المراد أعلمهم أنهم مطالبون بالصلوات وغيرها في الدنيا والمطالبة في الدنيا لا تكون الا بعد الاسلام وليس يلزم من ذلك أن لا يكونوا مخاطبين بها يزاد في عذابهم بسببها في الآخرة ولانه ص = رتب ذلك في الدعاء الى الاسلام وبدأ بالاهم ألا تراه بدأ ص = بالصلاة قبل الزكاة ولم يقل أحد أنه يصير مكلفا بالصلاة دون الزكاة والله أعلم ثم اعلم أن المختار أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة المأمور به والمنهى عنه هذا قول المحققين والاكثرين وقيل ليسوا مخاطبين بها وقيل مخاطبون بالمنهى دون المأمور والله أعلم قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله هذا الذى وقع في حديث معاذ من ذكر بعض دعائم الاسلام دون بعض هو من تقصير الراوى كما بيناه فيما سبق من نظائره والله أعلم قوله (في الرواية الثانية حدثنا ابن أبى عمر) هو محمد بن يحيى بن أبى عمر العدنى أبو عبد الله سكن مكة وفيها عبد ابن حميد هو الامام المعروف صاحب المسند يكنى أبا محمد قيل اسمه عبد الحميد وفيها أبو عاصم هو النبيل الضحاك بن مخلد قوله (عن ابن عباس ان النبي ص = بعث معاذا) هذا اللفظ يقتضى أن الحديث من مسند ابن عباس وكذلك الرواية التي بعده وأما الاولى فمن مسند معاذ ووجه الجمع بينهما أن يكون ابن عباس سمع الحديث من معاذ فرواه تارة عنه متصلا وتارة أرسله فلم يذكر معاذا وكلاهما صحيح كما قدمناه أن مرسل الصحابي إذا لم يعرف المحذوف يكون حجة فكيف وقد عرفناه في هذا الحديث أنه معاذ ويحتمل ان ابن عباس سمعه من معاذ وحضر القضية فتارة رواها بلا واسطة لحضوره اياها وتارة رواها عن معاذ اما لنسيانه الحضور واما لمعنى آخر والله اعلم
[ 199 ]
قوله (حدثنا امية ابن بسطام العيشى) أما بسطام فبكسر الباء الموحدة هذا هو المشهور وحكى صاحب المطالع أيضا فتحها واختلف واختلف في صرفه فمنهم من صرفه ومنهم من لم يصرفه قال الشيخ أبو عمرو ابن الصلاح رحمه الله بسطام عجمى لا ينصرف قال ابن دريد ليس من كلام العرب قال ووجدته في كتاب ابن الجواليقى في المعرب مصروفا وهو بعيد هذا كلام الشيخ أبى عمرو وقال الجوهرى في الصحاح بسطام ليس من أسماء العرب وانما سمى قيس بن مسعود ابنه بسطاما باسم ملك من ملوك فارس كما سموا قابوس فعربره بكسر الباء والله اعلم واما العايشى فبالشين المعجمة وهو منسوب الى بنى عايش بن مالك بن تيم الله بن ثعلبة وكان أصله العايشى ولكنهم خففوه قال الحاكم أبو عبد الله والخطيب أبو بكر البغدادي العيشيون بالشين المعجمة بصريون والعبسيون بالباء الموحدة والسين المهملة كوفيون والعنسيون بالنون والسين المهملة شاميون وهذا الذى قالاه هو الغالب والله أعلم قوله ص = (فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله فإذا عرفوا الله فأخبرهم الى آخره) قال القاضى عياض رحمه الله هذا يدل على أنهم ليسوا بعارفين الله تعالى وهو مذهب حذاق المتكلمين في اليهود والنصارى أنهم غير عارفين الله تعالى وان كانوا يعبدونه ويظهرون معرفته لدلالة السمع عندهم على هذا وان كان العقل لا يمنع أن يعرف الله تعالى من كذب رسولا قال القاضى عياض رحمه الله ما عرف الله تعالى من شبهه وجسمه من اليهود أو اجاز عليه البداء أو أضاف إليه الولد منهم أو أضاف إليه الصاحبة والولد وأجاز الحلول عليه والانتقال والامتزاج من النصارى أو وصفه مما لا يليق به أو أضاف إليه الشريك والمعاند في خلقه من المجوس
[ 200 ]
والثنوية فمعبودهم الذى عبدوه ليس هو الله وان سموه به إذ ليس موصوفا بصفات الاله الواجبة له فاذن ما عرفوا الله سبحانه فتحقق هذه النكتة واعتمد عليها وقد رأيت معناها لمتقدمي أشياخنا وبها قطع الكلام أبو عمران الفارسى بين عامة اهل القيروان عند تنازعهم في هذه المسألة هذا آخر كلام القاضى رحمه الله تعالى قوله ص = في الرواية الاخيرة (فأخبرهم أن الله فرض عليهم زكاة تؤخذ من أموالهم) قد يستدل بلفظه من أموالهم على أنه إذا امتنع من الزكاة أخذت من ماله بغير اختياره وهذا الحكم لا خلاف فيه ولكن هل تبرأ ذمته ويجزيه ذلك في الباطن فيه وجهان لأصحابنا والله أعلم باب الامر بقتال الناس حتى يقولوا لا اله الا الله محمد رسول الله (ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ويؤمنوا بجميع ما جاء به النبي ص) (وان من فعل ذلك عصم نفسه وماله الا بحقها ووكلت سريرته الى الله تعالى) (وقتال من منع الزكاة أو غيرها من حقوق الاسلام واهتمام الامام بشعائر الاسلام) أما أسماء الرواة ففيه عقيل عن الزهري هو بضم العين وتقدم في الفصول بيانه وفيه يونس وقد تقدم بيانه وأن فيه ستة أوجه ضم النون وكسرها وفتحها مع الهمز وتركه وفيه سعيد ابن المسيب وقد قدمنا أن المسيب بفتح الياء على المشهور وقيل بكسرها وفيه أحمد بن عبدة باسكان الباء وفيه أمية بن بسطام تقدم بيانه في الباب قبله وفيه حفص بن غياث عن الاعمش عن أبى سفيان عن جابر وعن أبى صالح عن أبى هريرة فقوله وعن أبى صالح يعنى رواه الاعمش
[ 201 ]
أيضا عن أبى صالح وقد تقدم أن اسم ابى هريرة عبد الرحمن بن صخر على الاصح من نحو ثلاثين قولا وان اسم أبى صالح ذكوان السمان وأن اسم ابى سفيان طلحة بن نافع وأن اسم الاعمش سليمان بن مهران وأما غياث فبالغين المعجمة وآخره مثلثة وفيه أبو الزبير وقد تقدم في كتاب الايمان أن اسمه محمد بن مسلم بن تدرس بفتح المثناة فوق وفيه أبو غسان المسمعى مالك بن عبد الواحد هو بكسر الميم الاولى وفتح الثانية واسكان المهملة بينهما منسوب الى مسمع بن ربيعة وتقدم بيان صرف غسان وعدمه وأنه يجوز الوجهان فيه وفيه واقد بن محمد وهو بالقاف وقد قدمنا في الفصول أنه ليس في الصحيحين وافد بالفاء بل كله بالقاف وفيه أبو خالد الاحمر وأبو مالك عن ابيه فابو مالك اسمه سعد بن طارق وطارق الصحابي وقد تقدم ذكرهما في باب أركان الاسلام وتقدم فيه ايضا أن أبا خالد اسمه سليمان بن حيان بالمثناة وفيه عبد العزيز الدراوردى وهو بفتح الدال المهملة وبعدها راء ثم ألف ثم واو مفتوحة ثم راء أخرى ساكنة ثم دال اخرى ثم ياء النسب واختلف في وجه نسبته فالاصح الذى قاله المحققون انه نسبة الى داربجرد بفتح الدال الاولى وبعدها راء ثم الف ثم باء موحدة مفتوحة ثم جيم مكسورة ثم راء ساكنة ثم دال فهذا قول جماعات من أهل العربية واللغة منهم الاصمعي وابو حاتم السجستاني وقاله من المحدثين أبو عبد الله البخاري الامام وأبو حاتم بن حبان البستى وأبو نصر الكلاباذى وغيرهم قالوا وهو من شواذ النسب قال أبو حاتم وأصله درابى أو جردي ودرابى أجود قالوا ودرابجرد مدينة بفارس قال البخاري والكلاباذى كان جد عبد العزيز هذا منها وقال البستى كان أبوه منها وقال ابن قتيبة وجماعة من أهل الحديث هو منسوب الى دارورد ثم قيل دراورد هي درابحرد وقيل بل هي قرية بخراسان وقال السمعاني في كتاب الانساب قيل انه من أندرابه يعنى بفتح الهمزة وبعدها نون ساكنة ثم دال مهملة مفتوحة ثم راء ثم ألف ثم باء موحدة ثم هاء وهي مدينة من عمل بلخ وهذا الذى قاله السمعاني لائق بقول من يقول فيه الاندراوردى وأما فقهه ومعاينه فقوله (لما توفى رسول الله ص = واستخلف أبو بكر رضى الله عنه بعده وكفر من كفر
[ 202 ]
من العرب) قال الخطابى رحمه الله في شرح هذا الكلام كلاما حسنا لا بد من ذكره لما فيه من الفوائد قال رحمه الله مما يجب تقديمه في هذا ان يعلم ان أهل اردة كانوا صنفين صنف ارتدوا عن الدين ونابذوا الملة وعادوا الى الكفر وهم الذين عناهم أبو هريرة بقوله وكفر من كفر من العرب وهذه الفرقة طائفتان احداهما أصحاب مسيلمة من بنى حنيفة وغيرهم الذين صدقوه على دعواه في النبوة وأصحاب الاسود العنسي ومن كان من مستجيبية من أهل اليمن وغيرهم وهذه الفرقة باسرها منكرة لنبوة نبينا محمد ص = مدعية النبوة لغيره فقاتلهم أبو بكر رضي الله عنه حتى قتل الله مسيلمة باليمامة والعنسي يصنعاء وانفضت جموعهم وهلك أكثرهم والطائفة الاخرى ارتدوا عن الدين وانكروا الشرائع وتركوا الصلاة والزكاة وغيرها من أمور الدين وعادوا الى ما كانوا عليه في الجاهلية فلم يكن يسجد لله تعالى في بسيط الارض الا في ثلاثة مساجد مسجد مكة ومسجد المدينة ومسجد عبد القيس في البحرين في قرية يقال لها جواثا ففي ذلك يقول الاعور الشنى يفتخر بذلك والمسجد الثالث الشرقي كان لنا * والمنبران وفصل القول في الخطب أيام لامنبر للناس نعرفه * الا بطيبة والمحجوب ذى الحجب وكان هؤلاء المتمسكون بدينهم من الازد محصورين بجواثا الى ان فتح الله سبحانه على المسلمين اليمامة فقال بعضهم وهو رجل من بنى أبى بكر بن كلاب يستنجد أبا بكر الصديق رضى الله عنه الا أبلغ ابا بكر رسولا * وفتيان المدينة أجمعينا فهل لكم الى قوم كرام * يقعود في جواثا محصرينا كأن دمائهم في كل فج * دماء البدن تغشى الناظرينا توكلنا على الرحمن إنا وجدنا النصر للمتوكلينا والصنف الآخر هم الذين فرقوا بين الصلاة والزكاة فأقروا بالصلاة وأنكروا فرض الزكاة ووجوب أدائها الى الامام وهؤلاء على الحقيقة أهل بغى وانما لم يدعوا بهذا الاسم في ذلك
[ 203 ]
الزمان خصوصا لدخولهم في غمار اهل الردة فأضيف الاسم في الجملة الى الردة إذ كانت أعظم الامرين وأهمهما وأرخ قتال أهل البغى في زمن على بن أبي طالب رضى الله عنه إذ كانوا منفردين في زمانه لم يختلطوا بأهل الشرك وقد كان في ضمن هؤلاء المانعين للزكاة من كان يسمح بالزكاة ولا يمنعها الا ان رؤساءهم صدوهم عن ذلك الرأى وقبضوا على أيديهم في ذلك كبنى يربوع فانهم قد جمعوا صدقاتهم وأرادوا أن يبعثوا بها الى أبى بكر رضى الله عنه فمنعهم مالك بن نويرة من ذلك وفرقها فيهم وفي امر هؤلاء عرض الخلاف ووقعت الشبهة لعمر رضى الله عنه فراجع أبا بكر رضى الله عنه وناظره واحتج عليه بقول النبي ص = أمرت أن اقاتل الناس حتى يقولوا لا اله الا الله فمن قال لا اله الا الله فقد عصم نفسه وماله وكان هذا من عمر رضى الله عنه تعلقا بظاهر الكلام قبل ان ينظر في آخره ويتأمل شرائطه فقال له أبو بكر رضى الله عنه ان الزكاة حق المال يريد ان القضية قد تضمنت عصمة دم ومال معلقة بايفاء شرائطها والحكم المعلق بشرطين لا يحصل باحدهما والآخر معدوم ثم قايسه بالصلاة ورد الزكاة إليها وكان في ذلك من قوله دليل على أن قتال الممتنع من الصلاة كان اجماعا من الصحابة وكذلك رد المختلف فيه الى المتفق عليه فاجتمع في هذه القضية الاحتجاج من عمر رضى الله عنه بالعموم ومن أبى بكر رضى الله عنه بالقياس ودل ذلك على أن العموم يخص بالقياس وان جميع ما تضمنه الخطاب الوارد في الحكم الواحد من شرط واستثناء مراعى فيه ومعتبر صحته به فما استقر عند عمر صحة رأى ابى بكر رضى الله عنهما وبان له صوابه تابعه على قتال القوم وهو معنى قوله فلما رأيت الله قد شرح صدر ابى بكر للقتال عرفت انه الحق يشير الى انشراح صدره بالحجة التي ادلى بها والبرهان الذى اقامه نصا ودلالة وقد زعم زاعمون من الرافضة ان ابا بكر رضى الله عنه اول من سبى المسلمون وان القوم كانوا متأولين في منع الصدقة وكانوا يزعمون ان الخطاب في قوله تعالى خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم ان صلاتك سكن لهم خطاب خاص في مواجهة النبي ص = دون غيره وانه مقيد بشرائط لا توجد فيمن سواه وذلك انه ليس لاحد من التطهير والتزكية والصلاة على المتصدق ما للنبى ص = ومثل هذه الشبهة إذا وجد كان مما يعذر فيه أمثالهم ويرفع به السيف عنهم وزعموا ان قتالهم كان عسفا قال الخطابى رحمه الله وهؤلاء الذين زعموا ما ذكرناه قوم لاخلاق لهم في الدين
[ 204 ]
وانما راس مالهم البهت والتكذيب والوقيعة في السلف وقد بينا أن اهل الردة كانو اصنافا منهم من ارتد عن الملة ودعا الى نبوة مسيلمة وغيره ومنهم من ترك الصلاة والزكاة وانكر الشرائع كلها وهؤلاء هم الذين سماهم الصحابة كفارا ولذلك رأى أبو بكر رضى الله عنه سبى ذراريهم وساعده على ذلك أكثر الصحابة واستولد على بن أبى طالة رضى الله عنه جارية من سبى بنى حنيفة فولدت له محمد الذى يدعى ابن الحنفية ثم لم ينقض عصر الصحابة حتى اجمعوا على ان المرتد لا يسبى فأما مانعو الزكاة منهم المقيمون على اصل الدين فإنهم اهل بغى ولم يسموا على الانفراد منهم كفارا وان كانت الردة قد اضيفت إليهم لمشاركتهم المرتدين في منع بعض ما منعوه من حقوق الدين وذلك أن الردة اسم لغوى وكل من انصرف عن أمر كان مقبلا عليه فقد ارتد عنه وقد وجد من هؤلاء القوم الانصراف عن الطاعة ومنع الحق وانقطع عنهم اسم الثناء والمدح بالدين وعلق بهم الاسم القبيح لمشاركتهم القوم الذين كان ارتدادهم حقا وأما قوله تعالى من أموالهم صدقة وما ادعوه من كون الخطاب خاصا لرسول الله ص = فإن خطاب كتاب الله تعالى على ثلاثة أوجه خطاب عام كقوله تعالى أيها الذين آمنوا إذا قمتم الى الصلاة الآية وكقوله تعالى أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام وخطاب خاص للنبى ص = لا يشركه فيه غيره وهو ما أبين به عن غيره بسمة التخصيص وقطع التشريك كقوله تعالى الليل فتهجد به نافلة لك لا تعالى لك من دون المؤمنين وخطاب مواجهة للنبى ص = وهو وجميع أمته في المراد به سواء كقوله تعالى الصلاة لدلوك الشمس وكقوله تعالى قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم لا تعالى كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة ونحو ذلك من خطاب المواجهة فكل ذلك غير مختص برسول الله ص = بل تشاركه فيه الأمة فكذا قوله تعالى خذ من أموالهم صدقة فعلى القائم بعده ص = بأمر الأمة أن يحتذي حذوه في أخذها منهم وانما الفائدة في مواجهة النبي ص = بالخطاب أنه هو الداعي الى الله تعالى والمبين عنه معنى ما أراد فقدم اسمه في الخطاب ليكون سلوك الأمر في شرائع الدين على حسب ما ينهجه ويبينه لهم وعلى هذا المعنى قوله تعالى أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن فافتتح الخطاب بالنبوة باسمه خصوصا ثم خاطبه وسائر أمته بالحكم عموما وربما كان الخطاب له مواجهته والمراد غيره كقوله تعالى كنت في شك مما أنزلنا اليك
[ 205 ]
فاسئل الذين يقرؤن الكتاب من قبلك الى قوله تكونن من الممترين ولا يجوز أن يكون ص = قد شك قط في شئ مما أنزل إليه فأما التطهير والتزكية والدعاء من الامام لصاحب الصدقة فان الفاعل فيها قد ينال ذلك كله بطاعة الله وطاعة رسوله ص = فيها وكل الثواب موعود على عمل بر كان في زمنه ص = فإنه باق غير منقطع ويستحب للامام وعامل الصدقة أن يدعو للمصدق بالنماء والبركة في ماله ويرجى أن يستجيب الله ذلك ولا يخيب مسألته فإن قيل كيف تأولت أمر الطائفة التى منعت الزكاة على الوجه الذى ذهبت إليه وجعلتهم أهل بغى وهل إذا أنكرت طائفة من المسلمين في زماننا فرض الزكاة وامتنعوا من أدائها يكون حكمهم حكم أهل البغى قلنا لا فإن من أنكر فرض الزكاة في هذه الأزمان كان كافرا باجماع المسلمين والفرق بين هؤلاء وأولئك أنهم إنما عذروا لأسباب وأمور لا يحدث مثلها في هذا الزمان منها قرب العهد بزمان الشريعة الذى كان يقع فيه تبديل الأحكام بالنسخ ومنها أن القوم كانوا جهالا بأمور الدين وكان عهدهم بالاسلام قريبا فدخلتهم الشبهة فعذروا فأما اليوم وقد شاع دين الاسلام واستفاض في المسلمين علم وجوب الزكاة حتى عرفها الخاص والعام واشترك فيه العالم والجاهل فلا يعذر أحد بتأويل يتأوله في انكارها وكذلك الأمر في كل من أنكر شيئا مما أجمعت الأمة عليه من أمور الدين إذا كان علمه منتشرا كالصلوات الخمس وصوم شهر رمضان والاغتسال من الجنابة وتحريم الزنا والخمر ونكاح ذوات المحارم ونحوها من الأحكام الا أن يكون رجلا حديث عهد بالاسلام ولا يعرف حدوده فإنه إذا أنكر شيئا منها جهلا به لم يكفر وكان سبيله سبيل أولئك القوم في بقاء اسم الدين عليه فأما ما كان الاجماع فيه معلوما من طريق علم الخاصة كتحريم نكاح المرأة على عمتها وخالتها وأن القاتل عمدا لا يرث وأن للجدة السدس وما أشبه ذلك من الأحكام فإن من أنكرها لا يكفر بل يعذر فيها لعدم استفاضة علمها في العامة قال الخطابى رحمه الله وانما عرضت الشبهة لمن تأوله على الوجه الذى حكيناه عنه لكثرة ما دخله من الحذف في رواية أبى هريرة وذلك لأن القصد به لم يكن سياق الحديث على وجه وذكر القصة في كيفية الردة منهم وانما قصد به حكاية ما جرى بين أبى بكر وعمر رضى الله عنهما وما تنازعاه في استباحة قتالهم ويشبه أن يكون أبو هريرة انما لم يعن بذكر جميع القصة اعتمادا على معرفة المخاطبين بها إذ كانوا قد علموا كيفية القصة ويبين لك أن حديث أبى هريرة مختصر أن عبد الله
[ 206 ]
ابن عمر وأنسا رضى الله عنهم روياه بزيادة لم يذكرها أبو هريرة ففى حديث ابن عمر رضى الله عنهما عن رسول الله ص = قال أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا اله الا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم الا بحق الاسلام وحسابهم على الله وفى رواية أنس رضى الله عنه أن اقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا اله الا الله وأن محمد عبده ورسوله وأن يستقبلوا قبلتنا وأن يأكلوا ذبيحتنا وأن يصلوا صلاتنا فإذا فعلوا ذلك حرمت علينا دماؤهم وأموالهم الا بحقها لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين والله أعلم هذا آخر كلام الخطابى رحمه الله قلت وقد ثبت في الطريق الثالث المذكور في الكتاب من رواية أبى هريرة أن رسول الله ص = قال أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا اله الا الله ويؤمنوا بى وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم الا بحقها وفى استدلال أبى بكر واعتراض عمر رضى الله عنهما دليل على أنهما لم يحفظا عن رسول الله ص = ما رواه ابن عمر وأنس وأبو هريرة وكأن هؤلاء الثلاثة سمعوا هذه الزيادات التى في رواياتهم في مجلس آخر فإن عمر رضى الله عنه لو سمع ذلك لما خالف ولما كان احتج بالحديث فإنه بهذه الزيادة حجة عليه ولو سمع أبو بكر رضى الله عنه هذه الزيادة لاحتج بها ولما احتج بالقياس والعموم والله أعلم قوله (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله الا الله فمن قال لا اله الا الله فقد عصم منى ماله ونفسه الا بحقه وحسابه على الله) قال الخطابى رحمه الله معلوم أن المراد بهذا أهل الأوثان دون أهل الكتاب لانهم يقولون لا اله الا الله ثم يقاتلون ولا يرفع عنه السيف قال ومعنى وحسابه على الله أي فيما يستسرون به ويخفونه دون ما يخلون به في الظاهر من الأحكام الواجبة قال ففيه أن من أظهر الاسلام وأسر الكفر قبل اسلامه في الظاهر وهذا قول أكثر العلماء وذهب مالك الى أن توبة الزنديق لاتقبل ويحكى ذلك أيضا عن أحمد بن حنبل رضى الله عنهما هذا كلام الخطابى وذكر القاضى عياض معنى هذا وزاد عليه وأوضحه فقال اختصاص عصمة
[ 207 ]
المال والنفس بمن قال لا اله الا الله تعبير عن الاجابة الى الايمان وأن المراد بهذا مشركو العرب وأهل الأوثان ومن لا يوحد وهم كانوا أول من دعى الى الاسلام وقوتل عليه فأما غيرهم ممن يقر بالتوحيد فلا يكتفى في عصمته بقوله لا اله الا الله إذ كان يقولها في كفره وهى من اعتقاده فلذلك جاء في الحديث الآخر وأنى رسول الله ويقيم الصلاة ويؤتى الزكاة هذا كلام القاضى قلت ولا بد مع هذا من الايمان بجميع ما جاء به رسول الله ص = كما جاء في الرواية الأخرى لأبى هريرة هي مذكورة في الكتاب حتى يشهدوا أن لا اله الا الله ويؤمنوا بى وبما جئت به والله أعلم قلت اختلف أصحابنا في قبول توبة الزنديق وهو الذى ينكر الشرع جملة فذكروا فيه خمسة أوجه لاصحابنا أصحها والاصوب منها قبولها مطلقا للأحاديث الصحيحة المطلقة والثانى لا تقبل ويتحتم قتله لكنه ان صدق في توبته نفعه ذلك في الدار الآخرة وكان من أهل الجنة والثالث ان تاب مرة واحدة قبلت توبته فان تكرر ذلك منه لم تقبل والرابع ان اسلم ابتداء من غير طلب قبل منه وان كان تحت السيف فلا والخامس ان كان داعيا الى الضلال لم يقبل منه والا قبل منه والله أعلم قوله رضى الله عنه (والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة) ضبطنا بوجهين فرق وفرق بتشديد الراء وتخفيفها ومعناه من أطاع في الصلاة وجحد الزكاة أو منعها وفيه جواز الحلف وان كان في غير مجلس الحاكم وأنه ليس مكروها إذا كان لحاجة من تفخيم أمر ونحوه قوله (والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه الى رسول الله ص = لقاتلهم على منعه) هكذا في مسلم عقالا وكذا في بعض روايات البخاري وفى بعضها عناقا بفتح العين وبالنون وهى الأنثى من ولد المعز وكلاهما صحيح وهو محمول على أنه كرر الكلام مرتين فقال في مرة عقالا وفى الأخرى عناقا فروى عنه اللفظان فأما رواية العناق فهى محمولة على ما إذا كانت الغنم صغارا كلها بأن ماتت أماتها في بعض الحول فإذا حال حول الأمات زكى السخال الصغار بحول الأمات سواء بقى من الأمات شئ
[ 208 ]
أم لا هذا هو الصحيح المشهور وقال أبو القاسم الانماطى من أصحابنا لا يزكى الأولاد بحول الأمات الا أن يبقى من الأمات نصاب وقال بعض أصحابنا الا أن يبقى من الأمهات شئ ويتصور ذلك فيما إذا مات معظم الكبار وحدثت صغار فحال حول الكبار على بقيتها وعلى الصغار والله أعلم وأما رواية عقالا فقد اختلف العلماء قديما وحديثا فيها فذهب جماعة منهم الى أن المراد بالعقال زكاة عام وهو معروف في اللغة بذلك وهذا قول النسائي والنضر بن شميل وأبى عبيدة والمبرد وغيرهم من أهل اللغة وهو قول جماعة من الفقهاء واحتج هؤلاء على أن العقال يطلق على زكاة العام بقول عمرو بن العداء سعى عقالا فلم يترك لنا سبدا * فكيف لو قد سعى عمرو عقالين أراد مدة عقال فنصبه على الظرف وعمرو هذا الساعي هو عمرو بن عتبة بن أبى سفيان ولاه عمه معاوية بن أبى سفيان رضى الله عنهما صدقات كلب فقال فيه قائلهم ذلك قالوا ولأن العقال الذى هو الحبل الذى يعقل به البعير لا يجب دفعه في الزكاة فلا يجوز القتال عليه فلا يصح حمل الحديث عليه وذهب كثيرون من المحققين الى أن المراد بالعقال الحبل الذى يعقل به البعير وهذا القول يحكى عن مالك وابن أبى ذئب وغيرهما وهو اختيار صاحب التحرير وجماعة من حذاق المتأخرين قال صاحب التحرير قول من قال المراد صدقة عام تعسف وذهاب عن طريقة العرب لأن الكلام خرج مخرج التضييق والتشديد والمبالغة فتقتضى قلة ما علق به القتال وحقارته وإذا حمل على صدق العام لم يحصل هذا المعنى قال ولست أشبه هذا الا بتعسف من قال في قوله ص = لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده ان المراد بالبيضة بيضة الحديد التى يغطى بها الرأس في الحرب وبالحبل الواحد من حبال السفينة وكل واحد من هذين يبلغ دنانير كثيرة قال بعض المحققين ان هذا القول لا يجوز عند من يعرف اللغة ومخارج كلام العرب لأن هذا ليس موضع تكثير لما يسرقه فيصرف إليه بيضة تساوى دنانير وحبل لا يقدر السارق على حمله وليس من عادة العرب والعجم أن يقولوا قبح الله فلانا عرض نفسه للضرب في عقد جوهر وتعرض لعقوبة الغلول في جراب مسك وانما العادة في مثل هذا أن يقال لعنه الله تعرض لقطع اليد في حبل رث أو في كبة شعر وكل ما كان من هذا أحقر كان أبلغ فالصحيح هنا أنه أراد به العقال الذى يعقل به البعير ولم يرد
[ 209 ]
عينه وانما أراد قدر قيمته والدليل على هذا أن المراد به المبالغة ولهذا قال في الرواية الأخرى عناقا وفى بعضها لو منعوني جديا أذوط والأذوط صغير الفك والذقن هذا آخر كلام صاحب التحرير وهذا الذي اختاره هو الصحيح الذى لا ينبغى غيره وعلى هذا اختلفوا في المراد بمنعونى عقالا فقيل قدر قيمته وهو ظاهر متصور في زكاة الذهب والفضة والمعشرات والمعدن والزكاة وزكاة الفطر وفى المواشى أيضا في بعض أحوالها كما إذا وجب عليه سن فلم يكن عنده ونزل الى سن دونها واختار أن يرد عشرين درهما فمنع من العشرين قيمة عقال وكما إذا كانت غنمه سخالا وفيها سخلة فمنعها وهى تساوى عقالا ونظائر ما ذكرته كثيرة معروفة في كتب الفقه وانما ذكرت هذه الصورة تنبيها بها على غيرها وعلى أن متصور ليس بصعب فانى رأيت كثيرين ممن لم يعان الفقه يستصعب تصوره حتى حمله بعضهم وربما وافقه بعض المتقدمين على أن ذلك للمبالغة وليس متصورا وهذا غلط قبيح وجهل صريح وحكى الخطابى عن بعض العلماء أن معناه منعوني زكاة لعقال إذا كان من عروض التجارة وهذا تأويل صحيح أيضا ويجوز أن يراد منعوني عقالا أي منعوني الحبل نفسه على مذهب من يجوز القيمة ويتصور على مذهب الشافعي رحمه الله على أحد أقواله فإن للشافعي في الواجب في عروض التجارة ثلاثة أقوال أحدها يتعين أن يأخذ منها عرضا حبلا أو غيره كما يأخذ من الماشية من جنسها والثانى أنه لا يأخذ الا دراهم أو دنانير ربع عشر قيمته كالذهب والفضة والثالث يتخيز بين العرض والنقد والله أعلم وحكى الخطابى عن بعض أهل العلم أن العقال يؤخذ مع الفريضة لأن على صاحبها تسليمها وانما يقع قبضها التام برباطها قال الخطابى قال ابن عائشة كان من عادة المصدق إذا أخذ الصدقة أن يعمد الى قرن وهو بفتح القاف والراء وهو حبل فيقرن به بين بعيرين أي يشده في أعناقهما لئلا تشرد الابل وقال أبو عبيد وقد بعث النبي ص = محمد بن مسلمة على الصدقة فكان يأخذ مع كل فريضتين عقالهما وقرانهما وكان عمر رضى الله عنه أيضا يأخذ مع كل فريضة عقالا والله أعلم قوله (فما هو الا أن رأيت الله تعالى قد شرح صدر أبى بكر للقتال
[ 210 ]
فعرفت أنه الحق) معنى رأيت علمت وأيقنت ومعنى شرح فتح ووسع ولين ومعناه علمت بأنه جازم بالقتال لما ألقى الله سبحانه وتعالى في قلبه من الطمأنينة لذلك واستصوابه ذلك ومعنى قوله عرفت أنه الحق أي بما أظهر من الدليل وأقامه من الحجة فعرفت بذلك أن ما ذهب إليه هو الحق لا أن عمر قلد أبا بكر رضى الله عنهما فإن المجتهد لا يقلد المجتهد وقد زعمت الرافضة أن عمر رضى الله عنه انما وافق أبا بكر تقليدا وبنوه على مذهبهم الفاسد في وجوب عصمة الأئمة وهذه جهالة ظاهرة منهم والله أعلم قوله ص = في الرواية الأخرى (أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا اله الا الله ويؤمنوا بى وبما جئت به) فيه بيان ما اختصر في الروايات الأخر من الاقتصار على قول لا اله الا الله وقد تقدم بيان هذا وفيه دلالة ظاهرة لمذهب المحققين والجماهير من السلف والخلف أن الانسان إذا اعتقد دين الاسلام اعتقادا جازما لا تردد فيه كفاه ذلك وهو مؤمن من الموحدين ولا يجب عليه تعلم أدلة المتكلمين ومعرفة الله تعالى بها خلافا لمن أوجب ذلك وجعله شرطا في كونه من
[ 211 ]
أهل القبلة وزعم أنه لا يكون له حكم المسلمين الا به وهذا المذهب هو قول كثير من المعتزلة وبعض أصحابنا المتكلمين وهو خطأ ظاهر فان المراد التصديق الجازم وقد حصل ولأن النبي ص = اكتفى بالتصديق بما جاء به ص = ولم يشترط المعرفة بالدليل فقد تظاهرت بهذا أحاديث في الصحيحين يحصل بمجموعها التواتر بأصلها والعلم القطعي وقد تقدم ذكر هذه القاعدة في أول الايمان والله أعلم قوله (ثم قرأ انما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر) قال المفسرون معناه انما أنت واعظ ولم يكن ص = أمر إذ ذاك الا بالتذكير ثم أمر بعد بالقتال والمسيطر المسلط وقيل الجبار وقيل الرب والله أعلم واعلم أن هذا الحديث نطرقه مشتمل على أنواع من العلوم وجمل من القواعد وأنا أشير الى أطراف منها مختصرة ففيه أدل دليل على شجاعة أبى بكر رضى الله عنه وتقدمه في الشجاعة والعلم على غيره فانه ثبت للقتال في هذا الموطن العظيم الذى هو أكبر نعمة أنعم الله تعالى بها المسلمين بعد رسول الله ص = واستنبط رضى الله عنه من العلم بدقيق نظره ورصانة فكره
[ 212 ]
ما لم يشاركه في الابتداء به غيره فلهذا وغيره مما أكرمه الله تعالى به أجمع أهل الحق على أنه أفضل أمة رسول الله ص = وقد صنف العلماء رضى الله عنهم في معرفة رجحانه أشياء كثيرة مشهورة في الأصول وغيرها ومن أحسنها كتاب فضائل الصحابة رضى الله عنهم للامام أبى المظفر منصور بن محمد السمعاني الشافعي وفيه جواز مراجعة الأئمة والأكابر ومناظرتهم لاظهار الحق وفيه أن الايمان شرطه الاقرار بالشهادتين مع اعتقادهما اعتقاد جميع ما أتى به رسول الله ص = وقد جمع ذلك ص = بقوله أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله الا الله ويؤمنوا بى وبما جئت به وفيه وجوب الجهاد وفيه صيانة مال من أتى بكلمة التوحيد ونفسه ولو كان عند السيف وفيه أن الأحكام تجرى على الظاهر والله تعالى يتولى السراء وفيه جواز القياس والعمل به وفيه وجوب قتال ما نعى الزكاة أو الصلاة أو غيرهما من واجبات الاسلام قليلا كان أو كثيرا لقوله رضى الله عنه لو منعوني عقالا أو عناقا وفيه جواز التمسك بالعموم لقوله
[ 213 ]
فان الزكاة حق المال وفيه وجوب قتال أهل البغى وفيه وجوب الزكاة في السخال تبعا لأمهاتها وفيه اجتهاد الأئمة في النوازل وردها الى الأصول ومناظرة أهل العلم فيها ورجوع من ظهر له الحق الى قول صاحبه وفيه ترك تخطئة المجتهدين المختلفين في الفروع بعضهم بعضا وفيه أن الاجماع لا ينعقد إذا خالف من أهل الحل والعقد واحد وهذا هو الصحيح المشهور وخالف فيه أصحاب الأصول وفيه قبول توبة الزنديق وقد قدمت الخلاف فيه واضحا والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب وله الحمد والنعمة والفضل والمنة وبه التوفيق والعصمة باب الدليل على صحة اسلام من حضره الموت (ما لم يشرع في النزع وهو الغرغرة ونسخ جواز الاستغفار للمشركين والدليل على أن) (من مات على الشرك فهو من أصحاب الجحيم ولا ينقذه من ذلك شئ من الوسائل) فيه حديث وفاة أبى طالب وهو حديث اتفق البخاري ومسلم على اخراجه في صحيحيهما من رواية سعيد بن المسيب عن أبيه عن رسول الله ص = ولم يروه عن المسيب الا ابنه سعيد كذا قاله الحافظ وفى هذا رد على الحاكم أبى عبد الله بن البيع الحافظ رحمه الله في قوله لم يخرج البخاري ولا مسلم رحمهما الله عن أحد ممن لم يرو عنه الا راو واحد ولعله أراد من غير الصحابة والله أعلم أما أسماء رواة الباب ففيه حرملة التجيبى وقد تقدم بيانه في المقدمة وأن الأشهر فيه ضم التاء ويقال بفتحها واختاره بعضهم وتقدمت اللغات الست في يونس فيها وتقدم الخلاف في فتح الياء من المسيب والد سعيد هذا خاصة وكسرها وأن الأشهر الفتح واسم أبى طالب عبد مناف واسم أبى جهل عمرو بن هشام وفيه صالح عن الزهري عن ابن المسيب هو صالح بن كيسان وكان أكبر سننا من الزهري وابتدأ بالتعلم من الزهري ولصالح تسعون سنة مات بعد الأربعين ومائة واجتمع في الاسناد طرفتان احداهما رواية الأكابر عن الأصاغر والأخرى ثلاثة تابعيون بعضهم عن بعض وفيه أبو حازم عن سهل عن أبى هريرة وقد تقدم أن أبا حازم الراوى عن أبى هريرة اسمه سلمان مولى عزة
[ 214 ]
وأما أبو حازم عن سهل بن سعد فاسمه سلمة بن دينار وأما قوله (لما حضرت أبا طالب الوفاة) فالمراد قربت وفاته وحضرت دلائلها وذلك قبل المعاينة والنزع ولو كان في حال المعاينة والنزع لما نفعه الايمان ولقول الله تعالى التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال انى تبت الآن ويدل على أنه قبل المعاينة محاورته للنبى ص = ومع كفار قريش قال القاضى عياض رحمه الله وقد رأيت بعض المتكلمين على هذا الحديث جعل الحضور هنا على حقيقة الاحتضار وأن النبي ص = رجا بقوله ذلك حينئذ أن تنال الرحمة ببركته ص = قال القاضى رحمه الله وليس هذا بصحيح لما قدمناه وأما قوله (فلم يزل رسول الله ص = يعرضها عليه ويعيد له تلك المقالة) فهكذا وقع في جميع الاصول ويعيد له يعنى أبا طالب وكذا نقله القاضى رحمه الله عن جميع الأصول والشيوخ قال وفى نسخة ويعيدان له على التثنية لأبى جهل وابن أبى أمية قال القاضى وهذا أشبه وقوله يعرضها بفتح الياء وكسر الراء وأما قوله (قال أبو طالب آخر ما كلمهم به هو على ملة عبد المطلب) فهذا من أحسن الآداب والتصرفات وهو أن من حكى قول غيره القبيح أتى به بضمير الغيبة لقبح صورة لفظه الواقع وأما قوله ص = (أم والله لأستغفرن
[ 215 ]
لك) فهكذا ضبطناه أم غير ألف بعد الميم وفى كثير من الأصول أو أكثرها أما والله بألف بعد الميم وكلاهما صحيح قال الامام أبو السعادات هبة الله بن على بن محمد العلوى الحسنى المعروف بابن الشجرى في كتابة الامالى ما المزيدة للتوكيد ركبوها مع همزة الاستفهام واستعملوا مجموعها على وجهين أحدهما أن يراد به معنى حقا في قولهم أما والله لأفعلن والآخر أن يكون افتتاحا للكلام بمنزلة ألا كقولك أما ان زيدا منطلق وأكثر ما تحذف ألفها إذا وقع بعدها القسم ليدلوا على شدة اتصال الثاني بالاول لان الكلمة إذا بقيت على حرف واحد لم تقم بنفسها فعلم بحذف ألف ما افتقارها الى الاتصال بالهمزة والله أعلم وفيه جواز الحلف من غير استحلاف وكان الحلف هنا لتوكيد العزم على الاستغفار وتطييبا لنفس أبى طالب وكانت وفاة أبى طالب بمكة قبل الهجرة بقليل قال ابن فارس مات أبو طالب ولرسول الله ص = تسع وأربعون سنة وثمانية أشهر وأحد عشر يوما وتوفيت خديجة أم المؤمنين رضى الله عنها بعد موت أبى طالب بثلاثة أيام وأما قول الله تعالى كان للنبى والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين فقال المفسرون وأهل المعاني معناه ما ينبغى لهم قالوا وهو نهى والواو في قوله تعالى ولو كانوا أولى قربى واو الحال والله أعلم وأما قوله عز وجل لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء وهو أعلم بالمهتدين فقد أجمع المفسرون على أنها نزلت في أبى طالب وكذا نقل اجماعهم على هذا الزجاج وغيره وهى عامة فانه لا يهدى ولا يضل الا الله تعالى قال الفراء وغيره قوله تعالى من أحببت يكون على وجهين أحدهما معناه من أحببته لقرابته والثانى من أحببت أن يهتدى
[ 216 ]
قال ابن عباس ومجاهد ومقاتل وغيرهم وهو أعلم بالمهتدين أي بمن قدر له الهدى والله أعلم أما قوله (يقولون انما حمله على ذلك الجزع لأقررت بها عينك) فهكذا هو في جميع الاصول وجميع روايات المحدثين في مسلم وغيره الجزع بالجيم والزاى وكذا نقله القاضى عياض وغيره عن جميع روايات المحدثين وأصحاب الاخبار أي التواريخ والسير وذهب جماعات من أهل اللغة الى أنه الخرع بالخاء المعجمة والراء المفتوحتين أيضا وممن نص عليه كذلك الهروي في الغريبين ونقله الخطابى عن ثعلب مختارا له وقاله أيضا شمر ومن المتأخرين أبو قاسم الزمخشري قال القاضى عياض رحمه الله ونبهنا غير واحد من شيوخنا على أنه الصواب قالوا والخرع هو الضعف والخور قال الازهرى وقيل الخرع الدهش قال شمر كل رخو ضعيف خريع وخرع
[ 217 ]
قال والخرع الدهش قال ومنه قول أبى طالب والله أعلم وأما قوله لأقررت بها عينك فأحسن ما يقال فيه ما قاله أبو العباس ثعلب قال معنى أقر الله عينه أي بلغه الله أمنيته حتى ترضى نفسه وتقر عينه فلا تستشرق لشئ وقال الاصمعي معناه أبرد الله دمعته لأن دمعة الفرح باردة وقيل معناه أراد الله ما يسره والله أعلم باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعا هذا الباب فيه أحاديث كثيرة وتنتهى الى حديث العباس ابن عبد المطلب رضى الله عنه ذاق طعم الايمان من رضى بالله ربا واعلم أن مذهب أهل السنة وما عليه أهل الحق من السلف والخلف أن من مات موحدا دخل الجنة قطعا على كل حال فان كان سالما من المعاصي كالصغير والمجنون والذى اتصل جنونه بالبلوغ والتائب توبة صحيحة من الشرك أو غيره من المعاصي إذا لم يحدث معصية بعد توبته والموفق الذى لم يبتل بمعصية أصلا فكل هذا الصنف يدخلون الجنة ولا يدخلون النار أصلا لكنهم يردون على الخلاف المعروف في الورود والصحيح أن المراد به المرور على الصراط وهو منصوب على ظهر جهنم أعاذنا الله منها ومن سائر المكروه وأما من كانت له معصية كبيرة ومات من غير توبة فهو في مشيئة الله تعالى فان شاء عفا عنه وأدخله الجنة أولا وجعله كالقسم الاول وان شاء عذبه القدر الذى يريده سبحانه وتعالى ثم يدخله الجنة فلا يخلد في النار أحد مات على التوحيد ولو عمل من المعاصي ما عمل كما أنه لا يدخل الجنة أحد مات على الكفر ولو عمل من أعمال البر ما عمل هذا مختصر جامع لمذهب أهل الحق في هذه المسألة وقد تظاهرت أدلة الكتاب والسنة واجماع من يعتد به من الأمة على هذه القاعدة وتواترت بذلك نصوص تحصل العلم القطعي فإذا تقررت هذه القاعدة حمل عليها جميع ما ورد من أحاديث الباب وغيره فإذا ورد حديث في ظاهره مخالفة وجب تأويله عليها ليجمع بين نصوص الشرع وسنذكر من تأويل بعضها ما يعرف به تأويل الباقي ان شاء الله تعالى والله أعلم وأما شرح أحاديث الباب فنتكلم عليها مرتبة لفظا ومعنى اسنادا ومتنا فقوله في الاسناد الاول (عن اسماعيل بن ابراهيم وفى رواية أبى بكر
[ 218 ]
ابن أبى شيبة حدثنا ابن علية عن خالد قال حدثنى الوليد بن مسلم عن حمران عن عثمان رضى الله عنه قال قال رسول الله ص = من مات وهو يعلم أن لا اله الا الله دخل الجنة) أما اسماعيل بن ابراهيم فهو ابن عيلة وهذا من احتياط مسلم رحمه الله فان أحد الراويين قال ابن علية والآخر قال اسماعيل بن ابراهيم فبينهما ولم يقتصر على أحدهما وعلية أم اسماعيل وكان يكره أن يقال له ابن علية وقد تقدم بيانه وأاما خالد فهو ابن مهران الحذاء كما بينه في الرواية الثانية وهو ممدود وكنيته أبو المنازل بالميم المضمومة والنون والزاى واللام قال أهل العلم لم يكن خالد حذاء قط ولكنه كان يجلس إليهم فقيل له الحذاء لذلك هذا هو المشهور وقال فهد بن حيان بالفاء انما كان يقول احذوا على هذا النحو فلقب بالحذاء وخالد يعد في التابعين وأما الوليد بن مسلم بن شهاب العنبري البصري أبو بشر فروى عن جماعة من التابعين وربما اشتبه على بعض من لم يعرف الاسماء بالوليد بن مسلم الاموى مولاهم الدمشقي أبى العباس صاحب الاوزاعي ولا يشتبه ذلك على العلماء به فانهما مفترقان في النسب الى القبيلة والبلدة والكنية كما ذكرنا وفى الطبقة فان الاول أقدم طبقة وهو في طبقة كبار شيوخ الثاني ويفترقان أيضا في الشهرة والعلم والجلالة فان الثاني متميز بذلك كله قال العلماء انتهى علم الشام إليه والى اسماعيل بن عياش وكان أجل من ابن عياش رحمهم الله أجمعين والله أعلم وأما حمران فبضم الحاء المهملة واسكان الميم وهو حمران بن أبان مولى عثمان بن عفان رضى الله عنه كنية حمران أبو يزيد كان من سبى عين التمر وأما معنى الحديث وما أشبه فقد جمع القاضى عياض رحمه الله كلاما حسنا جمع فيه نفائس فأنا أنقل كلامه مختصرا ثم أضم بعده إليه ما حضرني من زيادة قال القاضى عياض رحمه الله اختلف الناس فيمن عصى الله تعالى من أهل الشهادتين فقالت المرجئة لا تضره المعصية مع الايمان وقالت الخوارج تضره ويكفر بها وقالت المعتزلة يخلد في النار إذا كانت معصية كبيرة ولا يوصف بأنه مؤمن ولا كافر ولكن يوصف بأنه
[ 219 ]
فاسق وقالت الاشعرية بل هو مؤمن وان لم يغفر له وعذب فلا بد من اخراجه من النار وادخاله الجنة قال وهذا الحديث حجة على الخوارج والمعتزلة وأما المرجئة فان احتجت بظاهره قلنا محملة على أنه غفر له أو أخرج من النار بالشفاعة ثم أدخل الجنة فيكون معنى قوله ص = دخل الجنة أي دخلها بعد مجازاته بالعذاب وهذا لا بد من تأويله لما جاء في ظواهر كثيرة من عذاب بعض العصاة فلا بد من تأويل هذا لئلا تتناقض نصوص الشريعة وفى قوله ص = وهو يعلم اشارة الى الرد على من قال من غلاة المرجئة ان مظهر الشهادتين يدخل الجنة وان لم يعتقد ذلك بقلبه وقد قيد ذلك في حديث آخر بقوله ص = غير شاك فيهما وهذا يؤكد ما قلناه قال القاضى وقد يحتج به أيضا من يرى أن مجرد معرفة القلب نافعة دون النطق بالشهادتين لاقتصاره على العلم ومذهب أهل السنة أن المعرفة مرتبطة بالشهادتين لا تنفع احداهما ولا تنجي من النار دون الاخرى الا لمن لم يقدر على الشهادتين لآفة بلسانه أو لم تمهله المدة ليقولها بل اخترمته المنية ولا حجة لمخالف الجماعة بهذا اللفظ إذ قد ورد مفسرا في الحديث الآخر من قال لا اله الا الله ومن شهد أن لا اله الا الله وأنى رسول الله وقد جاء هذا الحديث وأمثاله كثيرة في ألفاظها اختلاف ولمعانيها عند أهل التحقيق ائتلاف فجاء هذا اللفظ في هذا الحديث وفى رواية معاذ عنه ص = من كان آخر كلامه لا اله الا الله دخل الجنة وفى رواية عنه ص = من لقى الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة وعنه ص = ما من عبد يشهد أن لا اله الا الله وأن محمد رسول الله الا حرمه الله على النار ونحوه في حديث عبادة بن الصامت وعتبان بن مالك وزاد في حديث عبادة على ما كان من عمل وفى حديث أبى هريرة لا يلقى الله تعالى بهما عبد غير شاك فيهما الا دخل الجنة وان زنى وان سرق وفى حديث أنس حرم الله على النار من قال لا اله الا الله يبتغى بذلك وجه الله تعالى وهذه الاحاديث كلها سردها مسلم رحمه الله في كتابه فحكى عن جماعة من السلف رحمهم الله منهم ابن المسيب أن هذا كان قبل نزول الفرائض والأمر والنهى وقال بعضهم هي مجملة تحتاج الى شرح ومعناه من قال الكلمة وأدى حقها وفريضتها وهذا قول الحسن البصري وقيل ان ذلك لمن قالها عند الندم والتوبة ومات على ذلك وهذا قول البخاري وهذه التأويلات انما هي إذا حملت الاحاديث على ظاهرها وأما إذا نزلت منازلها فلا يشكل تأويلها على ما بينه
[ 220 ]
المحققون فنقر أولا أن مذهب أهل السنة بأجمعهم من السلف الصالح وأهل الحديث والفقهاء والمتكلمين على مذهبهم من الاشعريين أن أهل الذنوب في مشيئة الله تعالى وأن كل من مات على الايمان وتشهد مخلصا من قلبه بالشهادتين فانه يدخل الجنة فان كان تائبا أو سليما من المعاصي دخل الجنة برحمة ربه وحرم على النار بالجملة فان حملنا اللفظين الواردين على هذا فيمن هذه صفته كان بينا وهذا معنى تأويلي الحسن والبخاري وان كان هذا من المخلطين بتضييع ما أوجب الله تعالى عليه أو بفعل ما حرم عليه فهو في المشيئة لا يقطع في أمره بتحريمه على النار ولا باستحقاقه الجنة لاول وهلة بل يقطع بأنه لابد من دخوله الجنة آخرا وحاله قبل ذلك في خطر المشيئة ان شاء الله تعالى عذبه بذنبه وان شاء عفا عنه بفضله ويمكن أن تستقل الاحاديث بنفسها ويجمع بينها فيكون المراد باستقاق الجنة ما قدمناه من اجماع أهل السنة أنه لا بد من دخولها لكل موحد أما معجلا معافى وأما مؤخرا بعد عقابه والمراد بتحريم النار تحريم الخلود خلافا للخوارج والمعتزلة في المسئلتين ويجوز في حديث من كان آخر كلامه لا اله الا الله دخل الجنة أن يكون خصوصا لمن كان هذا آخر نطقه وخاتمة لفظه وان كان قبل مخلطا فيكون سببا لرحمة الله تعالى اياه ونجاته رأسا من النار وتحريمه عليها بخلاف من لم يكن ذلك آخر كلامه من الموحدين المخلطين وكذلك ما ورد في حديث عبادة من مثل هذا ودخوله من أي أبواب الجنة شاء يكون خصوصا لمن قال ما ذكره النبي ص = وقرن بالشهادتين حقيقة الايمان والتوحيد الذى ورد في حديثه فيكون له من الاجر ما يرجح على سيئاته ويوجب له المغفرة والرحمة ودخول الجنة لاول وهلة ان شاء الله تعالى والله أعلم هذا آخر كلام القاضى عياض رحمه الله وهو في نهاية الحسن وأما ما حكاه عن ابن المسيب وغيره فضعيف باطل وذلك لان راوي أحد هذه الاحاديث أبو هريرة رضى الله عنه وهو متأخر الاسلام أسلم عام خيبر سنة سبع بالاتفاق وكانت أحكام الشريعة مستقرة وأكثر هذه الواجبات كانت فروضها مستقرة وكانت الصلاة والصيام والزكاة وغيرها من الاحكام قد تقرر فرضها وكذا الحج على قول من قال فرض سنة خمس أو ست وهما أرجح من قول من قال سنة تسع والله أعلم وذكر الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى تأويلا آخر في الظواهر الواردة بدخول الجنة بمجرد الشهادة فقال يجوز أن يكون ذلك اقتصارا من بعض الرواة نشأ من
[ 221 ]
تقصيره في الحفظ والضبط لا من رسول الله ص = بدلالة مجيئه تاما في رواية غيره وقد تقدم نحو هذا التأويل قال ويجوز أن يكون اختصارا من رسول الله ص = فيما خاطب به الكفار عبدة الاوثان الذين كان توحيدهم لله تعالى مصحوبا بسائر ما يتوقف عليه الاسلام ومستلزما له والكافر إذا كان لا يقر بالوحدانية كالوثني والثنوى فقال لا اله الا الله وحاله الحال التى حكيناها حكم باسلامه ولا نقول والحالة هذه ما قاله بعض أصحابنا من أن من قال لا اله الا الله يحكم باسلامه ثم يجبر على قبول سائر الاحكام فان حاصله راجع الى أنه يجبر حينئذ على اتمام الاسلام ويجعل حكمه حكم المرتد ان لم يفعل من غير أن يحكم باسلامه بذلك في نفس الأمر وفى أحكام الآخرة ومن وصفناه مسلم في نفس الأمر وفى أحكام الآخرة والله أعلم قوله (حدثنا عبيد الله الاشجعى عن مالك بن مغول عن طلحة بن مصرف عن أبى صالح عن أبى هريرة رضى الله عنه قال كنا مع رسول الله ص = الحديث وفى الرواية الاخرى عن الاعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة أو عن أبى سعيد شك الاعمش قال لما كان يوم غزوة تبوك الحديث) هذان الاسنادان مما استدركه الدارقطني وعلله فأما الأول فعلله من جهة أن أبا أسامة وغيره خالفوا عبيد الله الاشجعى فرووه عن مالك بن مغول عن طلحة عن أبى صالح مرسلا وأما الثاني فعلله لكونه اختلف فيه عن الاعمش فقيل فيه أيضا عنه عن أبى صالح عن جابر وكان الاعمش يشك فيه قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله هذان الاستدراكان من الدارقطني مع أكثر استدراكاته على البخاري ومسلم قدح في أسانيدهما غير مخرج لمتون الاحاديث من حيز الصحة وقد ذكر في هذا الحديث أبو مسعود ابراهيم بن محمد
[ 222 ]
الدمشقي الحافظ فيما أجاب الدارقطني عن استدراكاته على مسلم رحمه الله أن الاشجعى ثقة مجود فإذا جود ما قصر فيه غيره حكم له به ومع ذلك فالحديث له أصل ثابت عن رسول الله ص = برواية الاعمش له مسندا وبرواية يزيد بن أبى عبيد واياس بن سلمة بن الاكوع عن سلمة قال الشيخ رواه البخاري عن سلمة عن رسول الله ص = وأما شك الاعمش فهو غير قادح في متن الحديث فانه شك في عين الصحابي الراوى له وذلك غير قادح لأن الصحابة رضى الله عنهم كلهم عدول هذا آخر كلام الشيخ أبى عمرو رحمه الله قلت وهذان الاستدراكان لا يستقيم واحد منهما أم الأول فلأنا قدمنا في الفصول السابقة أن الحديث الذى رواه بعض الثقات موصولا وبعضهم مرسلا فالصحيح الذى قاله الفقهاء وأصحاب الاصول والمحققون من المحدثين أن الحكم لرواية الوصل سواء كان راويها أقل عددا من رواية الارسال أو مساويا لأنها زيادة ثقة فهذا موجود هنا وهو كما قال الحافظ أبو مسعود الدمشقي جود وحفظ ما قصر فيه غيره وأما الثاني فلانهم قالوا إذا قال الراوى حدثني فلان أو فلان وهما ثقتان احتج به بلا خلاف لأن المقصود الرواية عن ثقة مسمى وقد حصل وهذه قاعدة ذكرها الخطيب البغدادي في الكفاية وذكرها غيره وهذا في غير الصحابة ففى الصحابة أولى فانهم كلهم عدول فلا غرض في تعيين الرواى منهم والله أعلم وأما ضبط لفظ الاسناد فمغول بكسر الميم واسكان الغين المعجمة وفتح الواو وأما مصرف فبضم الميم وفتح الصاد المهملة وكسر الراء هذا هو المشهور المعروف في كتب المحدثين وأصحاب المؤتلف وأصحاب اسماء الرجال وغيرهم وحكى الامام أبو عبد الله القلعى الفقيه الشافعي في كتابه ألفاظ المهذب أنه يروى بكسر الراء وفتحها وهذا الذى حكاه من رواية الفتح غريب منكر ولا أظنه يصح وأخاف أن يكون قلد فيه بعض الفقهاء أو بعض النسخ أو نحو ذلك وهذا كثير يوجد مثله في كتب الفقه وفى الكتب المصنفة في شرح ألفاظها فيقع فيها تصحيفات ونقول غريبة لا تعرف وأكثر هذه الغريبة أغاليط لكون الناقلين لها لم يتحروا فيها والله أعلم قوله (حتى
[ 223 ]
هم بنحر بعض حمائلهم) روى بالحاء وبالجيم وقد نقل جماعة من الشراح الوجهين لكن اختلفوا في الراجح منهما فممن نقل الوجهين صاحب التحرير والشيخ أبو عمرو بن الصلاح وغيرهما واختار صاحب التحرير الجيم وجزم القاضى عياض بالحاء ولم يذكر غيرها قال الشيخ أبو عمرو رحمه الله وكلاهما صحيح فهو بالحاء جمع حمولة بفتح الحاء وهي الابل التى تحمل وبالجيم جمع جمالة بكسرها جمع جمل ونظيره حجر وحجارة والجمل هو الذكر دون الناقة وفى هذا الذى هم به النبي ص = بيان لمراعاة المصالح وتقديم الأهم فالأهم وارتكاب أخف الضررين لدفع أضرهما والله أعلم قوله (فقال عمر رضى الله عنه يا رسول الله لو جمعت ما بقى من أزواد القوم) هذا فيه بيان جواز عرض المفضول على الفاضل ما يراه مصلحة لينظر الفاضل فيه فان ظهرت له مصلحة فعله ويقال بقى بكسر القاف وفتحها والكسر لغة أكثر العرب وبها جاء القرآن الكريم والفتح لغة طى وكذا يقولون فيما أشبهه والله أعلم قوله (فجاء ذو البر ببره وذو التمر بتمره قال وقال مجاهد وذو النواة بنواه) هكذا هو في أصولنا وغيرها الاول النواة بالتاء في آخره والثانى بحذفها وكذا نقله القاضى عياض عن الاصول كلها ثم قال ووجهه ذو النوى بنواه كما قال ذو التمر بتمره قال الشيخ أبو عمرو وجدته في كتاب أبى نعيم المخرج على صحيح مسلم ذو النوى بنواه قال وللواقع في كتاب مسلم وجه صحيح وهو أن يجعل النواة عبارة عن جملة من النوى أفردت عن غيرها كما أطلق اسم الكلمة على القصيدة أو تكون النواة من قبيل ما يستعمل في الواحد والجمع ثم ان القائل قال مجاهد هو طلحة بن مصرف قاله الحافظ عبد الغنى بن سعيد المصرى والله أعلم وفى هذا الحديث جواز خلط المسافرين أزوادهم وأكلهم منها مجتمعين وان كان بعضهم يأكل أكثر من بعض وقد نص أصحابنا على أن ذلك سنة والله أعلم قوله (كانوا يمصونها) هو بفتح الميم هذه اللغة الفصيحة
[ 224 ]
المشهور ويقال مصصت الرمانة والتمر وشبههما بكسر الصاد أمصها بفتح الميم وحكى الازهرى عن بعض العرب ضم الميم وحكى أبو عمر الزاهد في شرح الفصيح عن ثعلب عن ابن الاعرابي هاتين اللغتين مصصت بكسر الصاد أمص بفتح الميم ومصصت بفتح الصاد أمص بضم الميم مصافيهما فأنا ماص وهى ممصوصة وإذا أمرت منهما قلت مص الرمانة ومصها ومصها ومصها ومصها فهذه خمس لغات في الامر فتح الميم مع الصاد ومع كسرها وضم الميم مع فتح الصاد ومع كسرها وضمها هذا كلام ثعلب والفصيح المعروف في مصها ونحوه مما يتصل به هاء التأنيث لمؤنث أنه يتعين فتح ما يلى الهاء ولا يكسر ولا يضم قوله (حتى ملأ القوم أزودتهم) هكذا الرواية فيه في جميع الاصول وكذا نقله عن الاصول جميعها القاضى عياض وغيره قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح الازودة جمع زاد وهى لا تملأ انما تملأ بها أوعيتها قال ووجهه عندي أن يكون المراد حتى ملأ القوم أوعية أزودتهم فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه قال القاضى عياض ويحتمل أنه سمى الاوعية أزوادا باسم ما فيها كما في نظائره والله اعلم وفى هذا الحديث علم من أعلام النبوة الظاهرة وما أكثر نظائره التي يزيد مجموعها على شرط التواتر ويحصل العلم القطعي وقد جمعها العلماء وصنفوا فيها كتبا مشهورة والله اعلم قوله (لما كان يوم غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة) هكذا ضبطناه يوم غزوة تبوك والمراد باليوم هنا الوقت والزمان لا اليوم الذى هو ما بين طلوع الفجر وغروب الشمس وليس في كثير من الاصول أو أكثرها ذكر اليوم هنا وأما الغزوة فيقال فيها أيضا الغزاة وأما تبوك فهى من أدنى أرض الشام والمجاعة بفتح الميم وهو الجوع الشديد
[ 225 ]
قوله (فقالوا يا رسول الله لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا فأكلنا وادهنا) النواضح من الابل التى يستقى عليها قال أبو عبيد الذكر منها ناضح والانثى ناضحة قال صاحب التحرير قوله وادهنا ليس مقصوده ما هو المعروف من الادهان وانما معناه اتخذنا دهنا من شحومها وقولهم لو أذنت لنا هذا من أحسن آداب خطاب الكبار والسؤال منهم فيقال لو فعلت كذا أو أمرت بكذا لو أذنت في كذا وأشرت بكذا ومعناه لكان خيرا أو لكان صوابا ورأيا متينا أو مصلحة ظاهرة وما أشبه هذا فهذا أجمل من قولهم للكبير أفعل كذا بصيغة الأمر وفيه انه لا ينبغى لأهل العسكر من الغزاة أن يضيعوا دوابهم التى يستعينون بها في القتال بغير اذن الامام ولا يأذن لهم الا إذا راى مصلحة أو خاف مفسدة ظاهرة والله اعلم قوله (فجاء عمر فقال يا رسول الله ان فعلت قل الظهر) فيه جواز الاشارة على الأئمة والرؤساء وأن للمفضول أن يشير عليهم بخلاف ما رأوه إذا ظهرت مصلحته عنده وأن يشير عليهم بابطال ما أمروا بفعله والمراد بالظهر هنا الدواب سميت ظهرا لكونها يركب على ظهرها أو لكونها يستظهر بها ويستعان على السفر قوله (ثم ادع الله تعالى لهم عليها بالبركة لعل الله تعالى أن يجعل في ذلك) هكذا وقع في الاصول التى رأينا وفيه محذوف تقديره يجعل في ذلك بركة أو خيرا أو نحو ذلك فحذف المفعول به لأنه فضلة وأصل البركة كثرة الخير وثبوته وتبارك الله ثبت الخير عنده وقيل غير ذلك قوله (فدعا بنطع) فيه أربع لغات مشهورة أشهرها كسر النون مع فتح الطاء والثانية بفتحهما والثالثة بفتح النون مع اسكان الطاء والرابعة بكسر النون مع اسكان الطاء قوله
[ 226 ]
(وفضلت فضلة) يقال فضل وفضل بكسر الضاد وفتحها لغتان مشهورتان قوله (حدثنا داود بن رشيد حدثنا الوليد يعنى ابن مسلم عن ابن جابر قال حدثنى عمير بن هانئ قال حدثنى جنادة بن أبى أمية قال حدثنا عبادة بن الصامت) اما رشيد فبضم الراء وفتح الشين وأما الوليد بن مسلم فهو الدمشقي صاحب الأوزاعي وقد قدمنا في أول هذا الباب بيانه وقوله يعنى ابن مسلم قد قدمنا مرات فائدته وانه لم يقع نسبه في الرواية فأراد ايضاحه من غير زيادة في الرواية وأما ابن جابر فهو عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الدمشقي الجليل وأما هانئ فهو بهمز اخره وأما جنادة بضم الجيم فهو جنادة بن أبى أمية واسم أبى أمية كبير بالباء الموحدة وهو دوسى أزدى نزل فيهم شامى وجنادة وأبوه صحابيان هذا هو الصحيح الذى قاله الاكثرون وقد روى له النسائي حديثا في صوم يوم الجمعة أنه دخل على النبي ص = في ثمانية أنفس وهم صيام وله غير ذلك من الحديث الذى فيه التصريح بصحبته قال أبو سعيد بن يونس في تاريخ مصر كان من الصحابة وشهد فتح مصر وكذا قال غيره ولكن أكثر رواياته عن الصحابة وقال محمد بن سعد كاتب الواقدي قال ابن عبد الله العجلى هو تابعي من كبار التابعين وكنية جنادة أبو عبد الله كان صاحب غزو رضى الله عنه والله أعلم وهذا الاسناد كله شاميون الا داود بن رشيد فانه خوارزمى سكن بغداد قوله ص = (من قال أشهد أن
[ 227 ]
لا اله الا الله وحده وأن محمدا عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله وابن أمته وكلمته ألقاها الى مريم وروح منه وأن الجنة حق وأن النار حق أدخله الله من أي أبواب الجنة الثمانية شاء) هذا حديث عظيم الموقع وهو أجمع أو من أجمع الاحاديث المشتملة على العقائد فانه ص = جمع فيه ما يخرج عن جميع ملل الكفر على اختلاف عقائدهم وتباعدهم فاختصر ص = في هذه الاحرف على ما يباين به جميعهم وسمى عيسى عليه السلام كلمة لانه كان بكلمة كن فحسب من غير أب بخلاف غيره من بنى آدم قال الهروي سمى كلمة لانه كان عن الكلمة فسمى بها كما يقال للمطر رحمة قال الهروي وقوله تعالى وروح منه رحمة قال وقال ابن عرفة أي ليس من أب انما نفخ في أمه الروح وقال غيره منه أي مخلوقة من عنده وعلى هذا يكون اضافتها إليه اضافة تشريف كناقة الله وبيت الله والا فالعالم له سبحانه وتعالى ومن عنده والله أعلم قوله (حدثنا ابراهيم الدورقى) هو بفتح الدال وقد تقدم بيانه في المقدمة وتقدم أن اسم الاوزاعي عبد الرحمن بن عمرو مع بيان الاختلاف في الاوزاع التي نسب إليها قوله ص = (أدخله الله الجنة على ما كان من عمل) هذا محمول على ادخاله الجنة في الجملة فان كانت له معاص من الكبائر فهو في المشيئة فان عذب ختم له بالجنة وقد تقدم هذا في كلام القاضى وغيره مبسوطا مع بيان الاختلاف فيه والله أعلم قوله (عن ابن
[ 228 ]
عجلان عن محمد بن يحيى بن حيان عن ابن محيريز عن الصنابحى عن عبادة بن الصامت رضى الله عنه أنه قال دخلت عليه وهو في الموت فبكيت فقال مهلا) أما ابن عجلان بفتح العين فهو الامام أبو عبد الله محمد بن عجلان المدنى مولى فاطمة بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة كان عابدا فقيها وكان له حلقة في مسجد رسول الله ص = وكان يفتى وهو تابعي أدرك أنسا وأبا الطفيل قاله أبو نعيم روى عن أنس والتابعين ومن طرف أخباره أنه حملت به أمه أكثر من ثلاث سنين وقد قال الحاكم أبو أحمد في كتاب الكنى محمد بن عجلان يعد في التابعين ليس هو بالحافظ عنده ووثقه غيره وقد ذكره مسلم هنا متابعة قيل انه لم يذكر له في الاصول شيئا والله أعلم وأما حبان فبفتح الحاء وبالموحدة ومحمد بن يحيى هذا تابعي سمع أنس بن مالك رضى الله عنه وأما ابن محيريز فهو عبد الله بن محيريز بن جنادة بن وهب القرشى الجمحى من أنفسهم المكى أبو عبد الله التابعي الجليل سمع جماعة من الصحابة منهم عبادة بن الصامت وأبو محذورة وأبو سعيد الخدرى وغيرهم رضى الله عنهم سكن بيت المقدس قال الاوزاعي من كان مقتديا فليقتد بمثل ابن محيريز فان الله تعالى لم يكن ليضل أمة فيها مثل ابن محيريز وقال رجاء بن حيوة بعد موت ابن محيريز والله ان كنت لأعد بقاء ابن محيريز أمانا لاهل الارض وأما الصنابحى بضم الصاد المهملة فهو أبو عبد الله عبد الرحمن بن عسيلة بضم العين وفتح السين المهملتين المرادى والصنابح بطن من مراد وهو تابعي جليل رحل الى النبي ص = فقبض النبي ص = وهو في الطريق وهو بالجحفة قبل أن يصل بخمس ليال أوست فسمع أبا بكر الصديق وخلائق من الصحابة رضى الله عنهم أجمعين وقد يشتبه على غير المشتغل بالحديث الصنابحى هذا بالصنابح بن الاعسر الصحابي رضى الله عنه والله أعلم واعلم أن هذا الاسناد فيه لطيفة مستطرفة من لطائف الاسناد وهى أنه اجتمع فيه أربعة تابعيون يروى بعضهم عن بعض ابن عجلان وابن حبان وابن محيريز والصنابحى والله أعلم وأما قوله (عن الصنابحى عن عبادة أنه قال دخلت عليه) فهذا كثير يقع مثله وفيه صنعة حسنة وتقديره عن الصنابحى أنه حدث عن عبادة بحديث قال فيه دخلت عليه ومثله
[ 229 ]
ما سيأتي قريبا في كتاب الايمان في حديث ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين قال مسلم رحمه الله حدثنا يحيى بن يحيى قال أنا هشيم عن صالح بن صالح عن الشعبى قال رأيت رجلا سأل الشعبى فقال يا أبا عمرو ان من قبلنا من أهل خراسان ناس يقولون كذا فقال الشعبى حدثنى أبو بردة عن أبيه فهذا الحديث من النوع الذى نحن فيه فتقديره قال هشيم حدثنى صالح عن الشعبى بحديث قال فيه صالح رأيت رجلا سأل الشعبى ونظائر هذا كثيرة سننبه على كثير منها في مواضعها ان شاء الله تعالى والله أعلم وقوله (مهلا) هو باسكان الهاء ومعناه أنظرني قال الجوهرى يقال مهلا يا رجل بالسكون وكذلك للاثنين والجمع والمؤنث وهى موحدة بمعنى أمهل فإذا قيل لك مهلا قلت لا مهل والله ولا تقل لا مهلا وتقول ما مهل والله بمغنية عنك شيئا والله أعلم قوله (ما من حديث لكم فيه خير الا وقد حدثتمكوه) قال القاضى عياض رحمه فيه دليل على أنه كتم ما خشى الضرر فيه والفتنة مما لا يحتمله عقل كل واحد وذلك فيما ليس تحته عمل ولا فيه حد من حدود الشريعة قال ومثل هذا عن الصحابة رضي الله عنهم كثير في ترك الحديث بما ليس تحته عمل ولا تدعو إليه الضرورة أو لا تحمله عقول العامة أو خشيت مضرته على قائله أو سامعه لا سيما ما يتعلق بأخبار المنافقين والامارة وتعيين قوم وصفوا بأوصاف غير مستحسنة وذم آخرين ولعنهم والله أعلم قوله (وقد أحيط بنفسى) معناه قربت من الموت وأيست من النجاة والحياة قال صاحب التحرير أصل الكلمة في الرجل يجتمع عليه أعداؤه فيقصدونه فيأخذون عليه جميع الجوانب بحيث لا يبقى له في الخلاص مطمع فيقال أحاطوا به أي أطافوا به من
[ 230 ]
جوانبه ومقصوده رب موتى والله أعلم قوله (هداب بن خالد) هو بفتح الهاء وتشديد الدال المهملة وآخره باء موحدة ويقال هدبة بضم واسكان الدال وقد ذكره مسلم رحمه الله في مواضع من الكتاب يقول في بعضها هدبة وفى بعضها هداب واتفقوا على أن أحدهما اسم والآخر لقب ثم اختلفوا في الاسم منهما فقال أبو على الغساني وأبو محمد عبد الله بن الحسن الطبسى وصاحب المطالع والحافظ عبد الغنى المقدسي المتأخر هدبة هو الاسم وهداب لقب وقال غيرهم هداب اسم وهدبة لقب واختار الشيخ أبو عمرو هذا وأنكر الأول وقال أبو الفضل الفلكي الحافظ أنه كان يغضب إذا قيل له هدبة وذكره البخاري في تاريخه فقال هدبة بن خالد ولم يذكره هدابا فظاهره أنه أختار أن هدبة هو الاسم والبخاري أعرف من غيره فانه شيخ البخاري ومسلم رحمهم الله أجمعين والله أعلم قوله (كنت ردف رسول الله ص = ليس بينى وبينه الا مؤخرة الرحل فقال يا معاذ بن جبل قلت لبيك يا رسول الله وسعديك ثم سار ساعة ثم قال يا معاذ بن جبل قلت لبيك يا رسول الله وسعديك ثم سار ساعة ثم قال يا معاذ بن جبل قلت لبيك يا رسول الله وسعديك الى آخره الحديث) أما قوله ردف فهو بكسر الراء واسكان الدال هذه الرواية المشهورة التى ضبطها معظم الرواة وحكى القاضى عياض رحمه الله أن أبا على الطبري الفقيه الشافعي أحد رواة الكتاب ضبطه بفتح الراء وكسر الدال والردف والرديف هو الراكب يقال منه ردفته بكسر الدال في الماضي وفتحها في المضارع إذا ركبت خلفه وأردفته أنا وأصله من ركوبه على الردف وهو العجز قال القاضى ولا وجه لرواية الطبري الا أن يكون فعل هنا اسم فاعل مثل عجل وزمن ان صحت رواية الطبري والله تعالى أعلم قوله ليس بينى وبينه الا مؤخرة الرحل أراد المبالغة في شدة قربه ليكون
[ 231 ]
أوقع في نفس سامعه لكونه أضبط وأما مؤخرة الرحل فبضم الميم بعده همزة ساكنة ثم خاء مكسورة وهذا هو الصحيح وفيه لغة أخرى مؤخرة بفتح الهمزة والخاء المشددة قال القاضى عياض رحمه الله أنكر ابن قتيبة فتح الخاء وقال ثابت مؤخرة الرحل ومقدمته بفتحهما ويقال آخرة الرحل بهمزة ممدودة وهذه أفصح وأشهر وقد جمع الجوهرى في صحاحه فيها ست لغات فقال في قادمتى الرحل ست لغات مقدم ومقدمة بكسر الدال مخففة ومقدم ومقدمة بفتح الدال مشددة وقادم وقادمة قال وكذلك هذه اللغات كلها في آخرة الرحل وهى العود الذى يكون خلف الراكب ويجوز في يا معاذ بن جبل وجهان لأهل العربية أشهرهما وأرجحهما فتح معاذ والثانى ضمه ولا خلاف في نصب ابن وقوله لبيك وسعديك في معنى لبيك أقوال نشير هنا الى بعضها وسيأتى ايضاحها في كتاب الحج ان شاء الله تعالى والأظهر أن معناها اجابة لك بعد اجابة للتأكيد وقيل معناه قربا منك وطاعة لك وقيل أنا مقيم على طاعتك وقيل محبتى لك وقيل غير ذلك ومعنى سعديك أي ساعدت طاعتك مساعدة بعد مساعدة وأما تكريره ص = نداء معاذ رضى الله عنه فلتأكيد الاهتمام بما يخبره وليكمل تنبه معاذ فيما يسمعه وقد تبت في الصحيح أنه ص = كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا لهذا المعنى والله أعلم قوله ص = (هل تدرى ما حق الله على العباد وهل تدرى ما حق العباد على الله تعالى) قال صاحب التحرير اعلم أن الحق كل موجود متحقق أو ما سيوجد لا محالة والله سبحانه وتعالى هو الحق الموجود الأزلي الباقي الأبدى والموت والساعة والجنة والنار حق لأنها واقعة لا محالة وإذا قيل للكلام الصدق حق فمعناه أن الشئ المخبر عنه بذلك الخبر واقع متحقق لاتردد فيه وكذلك الحق المستحق على العبد من غير أن يكون فيه تردد وتحير فحق الله تعالى على العباد معناه ما يستحقه عليهم متحتما عليهم وحق العباد على الله تعالى معناه أنه متحقق لا محالة هذا كلام صاحب التحرير وقال غيره انما قال حقهم على الله تعالى على جهة المقابلة لحقه عليهم ويجوز أن يكون من نحو قول الرجل لصاحبه حقك واجب على أي متأكد قيامى
[ 232 ]
به ومنه قول النبي ص = حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام والله أعلم وأما قوله ص = (أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا) فقد تقدم في أواخر الباب الأول من كتاب الايمان بيانه ووجه الجمع بين هذين اللفظين والله أعلم قوله (كنت ردف رسول الله ص على حمار يقال له عفير) بعين مهملة مضمومة ثم فاء مفتوحة هذا هو الصواب في الرواية وفى الأصول المعتمدة وفى كتب أهل المعرفة بذلك قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله وقول القاضى عياض رحمه الله انه بغين معجمة متروك قال الشيخ وهو الحمار الذى كان له ص = قيل انه مات في حجة الوداع قال وهذا الحديث يقتضى أن يكون هذا في مرة أخرى غير المرة المتقدمة في الحديث السابق فان مؤخرة الرحل تختص بالابل ولا تكون على حمار قلت ويحتمل ان يكونا قضية واحدة وأراد بالحديث الأول قدر مؤخرة الرحل والله أعلم قوله (عن أبى حصين) هو بفتح الحاء وكسر الصاد واسمه عاصم وقد تقدم بيانه في أول مقدمة الكتاب
[ 233 ]
قوله ص = في حديث محمد بن المثنى وابن بشار (أن يعبد الله ولا يشرك به شئ) هكذا ضبطناه يعبد بضم المثناة تحت وشئ بالرفع وهذا ظاهر وقال الشيخ أبو عمرو رحمه الله ووقع في الاصول شيئا بالنصب وهو صحيح على التردد في قوله يعبد الله ولا يشرك به شيئا بين وجوه ثلاثة أحدها يعبد الله بفتح الياء التى هي للمذكر الغائب أي يعبد العبد الله ولا يشرك به شيئا قال وهذا الوجه أوجه الوجوه والثانى تعبد بفتح المثناة فوق للمخاطب على التخصيص لمعاذ لكونه المخاطب والتنبيه على غيره والثالث يعبد بضم أوله ويكون شيئا كناية عن المصدر لا عن المفعول به أي لا يشرك به اشراكا ويكون الجار والمجرور هو القائم مقام الفاعل قال وإذا لم تعين الرواية شيئا من هذه الوجوه فحق على من يروى هذا الحديث منا أن ينطق بها كلها واحدا بعد واحد ليكون آتيا بما هو المقول منها في نفس الأمر جزما والله أعلم هذا آخر كلام الشيخ وما ذكرناه أولا صحيح في الرواية والمعنى والله أعلم قوله في آخر روايات حديث أبى ذر رضى الله عنه (نحو حديثهم) يعنى أن القاسم بن زكريا شيخ مسلم في الرواية الرابعة رواه نحو رواية شيوخ مسلم الأربعة المذكورين في الروايات الثلاث المتقدمة وهم هداب وأبو بكر ابن أبى شيبة ومحمد بن مثنى وابن بشار والله أعلم وقوله في رواية القاسم هذه (حدثنا القاسم حدثنا حسين عن زائدة) هكذا هو في الأصول كلها حسين بالسين وهو الصواب وقال القاضى
[ 234 ]
عياض وقع في بعض الأصول حصين بالصاد وهو غلط وهو حسين بن على الجعفي وقد تكررت روايته عن زائدة في الكتاب ولا يعرف حصين بالصاد عن زائدة والله أعلم قوله (حدثنى أبو كثير) هو بالمثلثة واسمه يزيد بالزاى ابن عبد الرحمن بن أذينة ويقال ابن غفيلة بضم الغين المعجمة وبالفاء ويقال ابن عبد الله بن أذينة قال أبو عوانة الاسفراينى في مسنده غفيلة أصح من أذينة قوله (كنا قعودا حول رسول الله ص = معنا أبو بكر وعمر ضى الله عنهما في نفر) قال أهل اللغة يقال قعدنا حوله وحوليه وحواليه وحواله بفتح الحاء واللام في جميعهما أي على جوانبه قالوا ولا يقال حواليه بكسر اللام وأما قوله ومعنا أبو بكر وعمر فهو من فصيح الكلام وحسن الاخبار فانهم إذا أرادوا الاخبار عن جماعة فاستكثروا أن يذكروا جميعهم بأسمائهم ذكروا أشرافهم أو بعض أشرافهم ثم قالوا وغيرهم وأما قوله معنا بفتح العين هذه اللغة المشهورة ويجوز تسكينها في لغة حكاها صاحب المحكم والجوهري وغيرهما وهى المصاحبة قال صاحب المحكم مع اسم معناه الصحبة وكذلك مع باسكان العين غير أن المحركة تكون اسما وحرفا والساكنة لا تكون الا حرفا قال اللحيانى قال الكسائي ربيعة وغنم يسكنون فيقولون معكم ومعنا فإذا جاءت الالف واللام أو ألف الوصل اختلفوا فبعضهم يفتح العين وبعضهم يكسرها فيقولون مع القوم ومع ابنك وبعضهم يقول مع القوم ومع ابنك أما من فتح فبناه على قولك كنا معا ونحن معا فلما جعلها حرفا وأخرجها عن الاسم حذف الالف وترك العين على فتحتها وهذه لغة عامة العرب وأما من سكن ثم كسر عند ألف الوصل فأخرجه مخرج الأدوات مثل هل وبل فقال مع القوم كقولك هل القوم وبل القوم وهذه الاحرف التى ذكرتها في مع وان لم يكن هذا موضعها فلا ضرر في التنبيه عليها لكثرة تردادها والله أعلم قوله (فقام رسول الله ص = من بين أظهرنا) وقال بعده كنت بين أظهرنا هكذا هو في الموضعين أظهرنا وقال القاضى عياض رحمه الله ووقع الثاني في بعض الاصول ظهرينا
[ 235 ]
وكلاهما صحيح قال أهل اللغة يقال نحن بين أظهركم وظهريكم وظهرانيكم بفتح النون أي بينكم قوله (وخشينا أن يقتطع دوننا) أي يصاب بمكروه من عدو اما بأسر واما بغيره قوله (وفزعنا وقمنا فكنت أول من فزع) قال القاضى عياض رحمه الله الفزع يكون بمعنى الروع وبمعنى الهبوب للشئ والاهتمام به وبمعنى الاغاثة قال فتصح هذه المعاني الثلاثة أي ذعرنا لاحتباس النبي ص = عنا ألا تراه كيف قال وخشينا أن يقتطع دوننا ويدل على الوجهين الآخرين قوله فكنت أول من فزع قوله (حتى أتيت حائطا للانصار) أي بستانا وسمى بذلك لأنه حائط لا سقف له قوله (فإذا ربيع يدخل في جوف حائط من بئر خارجة والربيع الجدول) أما الربيع فبفتح الراء على لفظ الربيع الفصل المعروف والجدول بفتح الجيم وهو النهر الصغير وجمع الربيع أربعاء كنبى وأنبياء وقوله بئر خارجة هكذا ضبطناه بالتنوين في بئر وفى خارجة على أن خارجة صفة لبئر وكذا نقله الشيخ أبو عمرو بن الصلاح عن الأصل الذى هو بخط الحافظ أبى عامر العبدرى والأصل المأخوذ عن الجلودى وذكر الحافظ أبو موسى الاصبهاني وغيره أنه روى على ثلاثة أوجه أحدها هذا والثانى من بئر خارجه بتنوين وبهاء في آخر خارجة مضمومة وهى ضمير الحائط أي البئر في موضع خارج عن الحائط والثالث من بئر خارجة باضافة بئر الى خارجة آخره تاء التأنيث وهو اسم رجل والوجه الأول هو المشهور الظاهر وخالف هذا صاحب التحرير فقال الصحيح هو الوجه الثالث قال والأول تصحيف قال والبئر يعنون بها البستان قال وكثيرا ما يفعلون هذا فيسمون البساتين بالآبار التى فيها يقولون بئر أريس وبئر بضاعة وبئر حاء وكلها بساتين هذا كلام صاحب التحرير وأكثره أو كله لا يوافق عليه والله أعلم والبئر مؤنثة مهموزة يجوز تخفيف همزتها وهى مشتقة من بأرت أي حفرت وجمعها في القلة أبؤر وأبآر بهمزة بعد الباء فيهما ومن العرب من يقلب
[ 236 ]
الهمزة في آبار وينقل فيقول آبار وجمعها في الكثرة بئار بكسر الباء بعدها همزة والله أعلم قوله (فاحتفزت كما يحتفز الثعلب) هذا قد روى على وجهين روى بالزاى وروى بالراء قال القاضى عياض رواه عامة شيوخنا بالراء عن العبدرى وغيره قال وسمعنا عن الاسدي عن أبى الليث الشاشى عن عبد الغافر الفارسى عن الجلودى بالزاى وهو الصواب ومعناه نضاممت ليسعنى المدخل وكذا قال الشيخ أبو عمرو انه بالزاى في الأصل الذى بخط أبى عامر العبدرى وفى الأصل المأخوذ عن الجلودى وانها رواية الاكثرين وان رواية الزاى أقرب من حيث المعنى ويدل عليه تشبيه بفعل الثعلب وهو تضامه في المضايق وأما صاحب التحرير فأنكر الزاى وخطأ رواتها واختار الراء وليس اختياره بمختار والله تعالى أعلم قوله (فدخلت على رسول الله ص = فقال أبو هريرة فقلت نعم) معناه أنت أبو هريرة قوله (فقال يا أبا هريرة وأعطاني نعليه وقال اذهب بنعلى هاتين) في هذا الكلام فائدة لطيفة فانه أعاد لفظه قال انما أعادها لطول الكلام وحصول الفصل بقوله يا أبا هريرة وأعطاني نعليه وهذا حسن وهو موجود في كلام العرب بل جاء أيضا في كلام الله تعالى قال الله تبارك وتعالى جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به قال الامام أبو الحسن الواحدى قال محمد بن يزيد قوله تعالى جاءهم تكرير للأول لطول الكلام قال ومثله قوله تعالى أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون أعاد أنكم لطول الكلام والله أعلم وأما اعطاؤه النعلين فلتكون علامة ظاهرة معلومة عندهم يعرفون بها أنه لقى النبي ص = ويكون أوقع في نفوسهم لما يخبرهم به عنه ص = ولا ينكر كون مثل هذا يفيد تأكيدا وان كان خبره مقبولا من غير هذا والله أعلم قوله ص =
[ 237 ]
(فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا اله الا الله مستيقنا بها قلبه فبشره بالجنة) معناه أخبرهم أن من كانت هذه صفته فهو من أهل الجنة والا فأبو هريرة لا يعلم استيقان قلوبهم وفى هذا دلالة ظاهرة لمذهب أهل الحق أنه لا ينفع اعتقاد التوحيد دون النطق ولا النطق دون الاعتقاد بل لا بد من الجمع بينهما وقد تقدم ايضاحه في أول الباب وذكر القلب هنا للتأكيد ونفى توهم المجاز وإلا فالاستيقان لا يكون الا بالقلب قوله (فقال ما هاتان النعلان يا أبا هريرة فقلت هاتين نعلا رسول الله ص = بعثنى بهما) هكذا هو في جميع الاصول فقلت هاتين نعلا بنصب هاتين ورفع نعلا وهو صحيح معناه فقلت يعنى هاتين هما نعلا رسول الله ص = فنصب هاتين باضمار يعنى وحذف هما التى هي المبتدا للعلم به وأما قوله بعثنى بهما فهكذا ضبطناه بهما على التثنية وهو ظاهر ووقع في كثير من الأصول أو أكثرها بها من غير ميم وهو صحيح أيضا ويكون الضمير عائدا الى العلامة فان النعلين كانتا علامة والله أعلم قوله (فضرب عمر رضى الله عنه بين ثديى فخررت لاستى فقال ارجع يا أبا هريرة) أما قوله ثديى فتثنية ثدى بفتح الثاء وهو مذكر وقد يؤنث في لغة قليلة واختلفوا في اختصاصه بالمرأة فمنهم من قال يكون للرجل والمرأة ومنهم من قال هو للمرأة خاصة فيكون اطلاقه في الرجل مجازا واستعارة وقد كثر اطلاقه في الاحاديث للرجل وسأزيده ايضاحا ان شاء الله تعالى في باب غلظ تحريم قتل الانسان نفسه وأما قوله لاستى فهو اسم من أسماء الدبر والمستحب في مثل هذا الكناية عن قبيح الاسماء واستعمال المجاز والالفاظ التى تحصل الغرض ولا يكون في صورتها ما يستحيا من التصريح بحقيقة لفظه وبهذا الادب جاء القرآن
[ 238 ]
العزيز والسنن كقوله تعالى أحل لكم ليلة الصيام الرفث الى نسائكم تأخذونه وقد أفضى بعضكم الى بعض وان طلقتموهن من قبل أن تمسوهن جاء أحد منكم من الغائط النساء في المحيض وقد يستعملون صريح الاسم لمصلحة راجحة وهى ازالة اللبس أو الاشتراك أو نفى المجاز أو نحو ذلك كقوله تعالى والزانى وكقوله ص = أنكتها وكقوله ص = أدبر الشيطان وله ضراط وكقول أبى هريرة رضى الله عنه الحدث فساء أو ضراط ونظائره ذلك كثيرة واستعمال أبى هريرة هنا لفظ الاست من هذا القبيل والله أعلم وأما دفع عمر رضى الله عنه له فلم يقصد به سقوطه وايذاءه بل قصد رده عما هو عليه وضرب بيده في صدره ليكون أبلغ في زجره قال القاضى عياض وغيره من العلماء رحمهم الله وليس فعل عمر رضى الله عنه ومراجعته النبي ص = اعتراضا عليه وردا لامره إذ ليس فيما بعث به أبا هريرة غير تطيب قلوب الامة وبشراهم فرأى عمر رضى الله عنه أن كتم هذا أصلح لهم وأحرى أن لا يتكلوا وأنه أعود عليهم بالخير من معجل هذه البشرى فلما عرضه على النبي ص = صوبه فيه والله تعالى أعلم وفى هذا الحديث أن الامام والكبير مطلقا إذا رأى شيئا ورأى بعض أتباعه خلافه أنه ينبغى للتابع أن يعرضه على المتبوع لينظر فيه فان ظهر له أن ما قاله التابع هو الصواب رجع إليه والا بين للتابع جواب الشبهة التى عرضت له والله أعلم قوله (فأجهشت بكاء وركبني عمر رضى الله عنه وإذا هو على أثرى) أما قوله أجهشت فهو بالجيم والشين المعجمة والهمزة والهاء مفتوحتان هكذا وقع في الاصول التى رأيناها ورأيت في كتاب القاضى عياض رحمه الله فجهشت الالف وهما صحيحان قال أهل اللغة يقال جهشت جهشا وجهرشا وأجهشت اجهاشا قال القاضى عياض رحمه الله وهو أن يفزع الانسان الى غيره وهو متغير الوجه متهئ للبكاء ولما يبك بعد قال الطبري هو الفزع
[ 239 ]
والاستغاثة وقال أبو زيد جهشت للبكاء والحزن والشوق والله أعلم وأما قوله بكاء فهو منصوب على المفعول له وقد جاء في رواية للبكاء والبكا يمد ويقصر لغتان وأما قوله وركبني عمر فمعناه تبعني ومشى خلفي في الحال بلا مهلة وأما قوله على اثرى ففيه لغتان فصيحتان مشهورتان بكسر الهمزة واسكان الثاء وبفتحهما والله أعلم قوله (بأبى أنت وأمى) معناه أنت مفدى أو أفديك بأبى وأمى واعلم أن حديث أبى هريرة هذا مشتمل على فوائد كثيرة تقدم في أثناء الكلام منه جمل ففيه جلوس العالم لاصحابه ولغيرهم من المسفتين وغيرهم يعلمهم ويفيدهم ويفتيهم وفيه ما قدمناه أنه إذا أراد ذكر جماعة كثيرة فاقتصر على ذكر بعضهم ذكر أشرافهم أو بعض أشرافهم ثم قال وغيرهم وفيه بيان ما كان الصحابة رضى الله عنهم عليه من القيام بحقوق رسول الله ص = واكرامه والشفقة عليه والانزعاج البالغ لما يطرقه ص = وفيه اهتمام الأتباع بحقوق متبوعهم ولاعتناء بتحصيل مصالحه ودفع المفاسد عنه وفيه جواز دخول الانسان ملك غيره بغير اذنه إذا علم أنه يرضى ذلك لمودة بينهما أو غير ذلك فان أبا هريرة رضى الله عنه دخل الحائط وأقره النبي ص = على ذلك ولم ينقل أنه أنكر عليه وهذا غير مختص بدخول الارض بل يجوز له الانتفاع بأدواته وأكل طعامه والحمل من طعامه الى بيته وركوب دابته ونحو ذلك من التصرف الذى يعلم أنه لا يشق على صاحبه هذا هو المذهب الصحيح الذى عليه جماهير السلف والخلف من العلماء رحمة الله عليهم وصرح به أصحابنا قال أبو عمر بن عبد البر وأجمعوا على أنه لا يتجاوز الطعام وأشباهه الى الدراهم والدنانير وأشباههما وفى ثبوت الاجماع في حق من يقطع بطيب قلب صاحبه بذلك نظر ولعل هذا يكون في الدراهم الكثيرة التى يشك أو قد يشك في رضاه بها فانهم اتفقوا على أنه إذا تشكك لا يجوز التصرف مطلقا فيما تشكك في رضاه به ثم دليل الجواز في الباب
[ 240 ]
الكتاب والسنة وفعل وقول أعيان الأمة فالكتاب قوله تعالى ليس على الاعمى حرج ولا على الاعرج حرج ولا على المريض حرج ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم الى قوله تعالى أو صديقكم والسنة هذا الحديث وأحاديث كثيرة معروفة بنحوه وأفعال السلف وأقوالهم في هذا أكثر من أن تحصى والله تعالى أعلم وفيه ارسال الامام والمتبوع الى أتباعه بعلامة يعرفونها ليزدادوا بها طمأنينة وفيه ما قدمناه من الدلالة لمذهب أهل الحق أن الايمان المنجى من الخلود في النار لا بد فيه من الاعتقاد والنطق وفيه جواز امساك بعض العلوم التى لا حاجة إليها للمصلحة أو خوف المفسدة وفيه اشارة بعض الاتباع على المتبوع بما يراه مصلحة وموافقة المتبوع له إذا رآه مصلحة ورجوعه عما أمر به بسببه وفيه جواز قول الرجل للآخر بأبى أنت وأمى قال القاضى عياض رحمه الله وقد كرهه بعض السلف وقال لا يفدى بمسلم والاحاديث الصحيحة تدل على جوازه سواء كان المفدى به مسلما أو كافرا حيا كان أو ميتا وفيه غير ذلك والله أعلم قول مسلم رحمه الله (حدثنى اسحاق بن منصور أخبرني معاذ ابن هشام حدثنى أبى عن قتادة حدثنا أنس بن مالك رضى الله عنه) هذا الاسناد كله بصريون الا اسحاق فانه نيسابورى فيكون الاسناد بينى وبين معاذ بن هشام نيسابوريين وباقيه بصريون قوله (فأخبر بها معاذ عند موته تأثما) هو بفتح الهمزة وضم المثلثة المشددة قال أهل اللغة تأثم الرجل إذا فعل فعلا يخرج به من الأثم وتحرج أزال عنه الحرج وتحنث أزال عنه الحنث ومعنى تأثم معاذ أنه كان يحفظ علما يخاف فواته وذهابه بموته فخشى أن يكون ممن كتم علما وممن لم
[ 241 ]
يمتثل أمر رسول الله ص = في تبليغ سنته فيكون إثما فاحتاط وأخبر بهذه السنة مخافة من الاثم وعلم أن النبي ص = ولم لم ينهه عن الاخبار بها نهى تحريم قال القاضى عياض رحمه الله لعل معاذا لم يفهم من النبي ص = النهى لكن كسر عزمه عما عرض له من بشراهم بدليل حديث أبى هريرة رضى الله عنه من لقيت يشهد ان لا إله إلا الله مستيقنا قلبه فبشره بالجنة قال أو يكون معناه بلغه بعد ذلك أمر النبي ص = لأبى هريرة وخاف أن يكتم علما علمه فيأثم أو يكون حمل النهى على اذاعته وهذا الوجه ظاهر وقد اختاره الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله فقال منعه من التبشير العام خوفا من أن يسمع ذلك من لا خبرة له ولا علم فيغتر ويتكبل وأخبر به ص = على الخصوص من أمن عليه الاغترار والاتكال من أهل المعرفة فانه أخبر به معاذا فسلك معاذ هذا المسلك فاخبر به من الخاصة من رآه أهلا لذلك قال وأما أمره ص = في حديث أبى هريرة بالتبشير فهو من تغير الاجتهاد وقد كان الاجتهاد جائزا له وواقعا منه ص = عند المحققين وله مزية على سائر المجتهدين بأنه لا يقر على الخطأ في اجتهاده ومن نفى ذلك وقال لا يجوز له ص = القول في الامور الدينية الا عن وحى فليس يمتنع أن يكون قد نزل عليه ص = عند مخاطبته عمر رضى الله عنه وحى بما أجابه به ناسخ لوحى سبق بما قاله أولا ص = هذا كلام الشيخ وهذه المسألة وهى اجتهاده ص = تفصيل معروف فأما أمور الدنيا فاتفق العلماء رضى الله عنهم على جواز اجتهاده ص = فيها ووقوعه منه وأما أحكام الدين فقال أكثر العلماء بجواز الإجتهاد له ص = لأنه إذا جاز لغيره فله ص = أولى وقال جماعة لا يجوز له لقدرته على اليقين وقال بعضهم كان يجوز في الحروب دون غيرها وتوقف في كل ذلك آخرون ثم الجمهور الذين جوزوه اختلفوا في وقوعه فنال الأكثرون منهم وجد ذلك وقال آخرون لم يوجد وتوقف آخرون ثم الأكثرون الذين قالوا بالجواز والوقوع اختلفوا هل كان الخطأ جائزا عليه ص = فذهب المحققون الى أنه لم يكن جائزا عليه ص = وذهب كثيرون الى جوازه ولكن لا يقر عليه بخلاف غيره وليس هذا موضع استقصاء هذا والله اعلم
[ 242 ]
قوله (حدثنا شيبان بن فروخ) هو بفتح الفاء وضم الراء وبالخاء المعجمة وهو غير مصروف للعجمة والعلمية قال صاحب كتاب العين فروخ اسم ابن لابراهيم الخليل ص = هو ابن العجم وكذا نقل صاحب المطالع وغيره أن فروخ ابن لابراهيم ص = وأنه أبو العجم وقد نص جماعة من الأئمة على أنه لا ينصرف لما ذكرناه والله أعلم قوله (حدثنى ثابت عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال حدثنى محمود بن الربيع عن عتبان بن مالك قال قدمت المدينة فلقيت عتبان فقلت حديث بلغني عنك) هذا اللفظ شبيه بما تقدم في هذا الباب من قوله عن ابن محيريز عن الصنابحى عن عبادة بن الصامت رضى الله عنه وقد قدمنا بيانه واضحا وتقرير هذا الذى نحن فيه حدثنى محمود بن الربيع عن عتبان بحديث قال فيه محمود قدمت المدينة فلقيت عتبان وفى هذا الاسناد لطيفتان من لطائفه احداهما أنه اجتمع فه ثلاثة صحابيون بعضهم عن بعض وهم انس ومحمود وعتبان والثانية أنه من رواية الاكابر عن الاصاغر فان أنسا أكبر من محمود سنا وعلما ومرتبة رضى الله عنهم أجمعين وقد قال في الرواية الثانية عن ثابت عن أنس قال حدثنى عتبان بن مالك وهذا لا يخالف الاول فان انسا سمعه أولا من محمود عن عتبان ثم اجتمع أنس بعتبان فسمعه منه والله اعلم وعتبان بكسر العين المهملة وبعدها تاء مثناة من فوق ساكنة ثم باء موحدة وهذا الذى ذكرناه من كسر العين هو الصحيح المشهور الذى لم يذكر الجمهور سواه وقال صاحب المطالع وقد ضبطناه من طريق ابن سهل بالضم أيضا والله اعلم قوله (أصابني في بصرى بعض الشئ) وقال في
[ 243 ]
الرواية الاخرى عمى يحتمل أنه أراد ببعض الشئ العمى وهو ذهاب البصر جميعه ويحتمل أنه أراد ضعف البصر وذهاب معظمه وسماه عمى في الرواية الاخرى لقربه منه ومشاركته أياه في فوات بعض ما كان حاصلا في حال السلامة والله اعلم قوله (ثم أسندوا عظم ذلك وكبره الى مالك بن دخشم) أما عظم فهو بضم العين واسكان الظاء أي معظمه وأما كبره فبضم الكاف وكسرها لغتان فصيحتان مشهورتان وذكرهما في هذا الحديث القاضى عياض وغيره لكنهم رجحوا الضم وقرئ قول الله سبحانه وتعالى والذى تولى كبره بكسر الكاف وضمها الكسر قراءة القراء السبعة والضم في الشواذ قال الامام أبو اسحاق الثعلبي المفسر رحمه الله قراءة العامة بالكسر وقراءة حميد الاعرج ويعقوب الحضرمي بالضم قال أبو عمرو ابن العلاء هو خطأ وقال الكسائي هما لغتان والله اعلم ومعنى قوله أسندوا عظم ذلك وكبره أنهم تحدثوا وذكروا شأن المنافقين وأفعالهم القبيحة وما يلقون منهم ونسبوا معظم ذلك الى مالك وأما قوله ابن دخشم فهو بضم الدال المهملة واسكان الخاء المعجمة وضم الشين المعجمة وبعدها ميم هكذا ضبطناه في الرواية الأولى وضبطناه في الثانية بزيادة ياء بعد الخاء على التصغير وهكذا هو في معظم الاصول وفى بعضها في الثانية مكبر أيضا ثم أنه في الأولى بغير ألف ولام وفى الثانية بالألف واللام قال القاضى عياض رحمه الله رويناه دخشم مكبرا ودخشيم مصغرا قال ورويناه في غير مسلم بالنون بدل الميم مكبرا ومصغرا قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح ويقال أيضا ابن الدخشن بكسر الدال والشين والله اعلم واعلم أن مالك بن دخشم هذا من الانصار ذكر أبو عمر بن عبد البر اختلافا بين العلماء في شهوده العقبة قال ولم يختلفوا أنه شهد بدرا وما بعدها من المشاهد قال ولا يصح عنه النفاق فقد ظهر من حسن اسلامه ما يمنع من اتهامه هذا كلام أبى عمر رحمه الله قلت وقد نص النبي ص = على ايمانه باطنا وبراءته من النفاق بقوله ص = في رواية البخاري رحمه الله ألا تراه قال لا إله إلا الله يبتغى بها وجه الله تعالى فهذه شهادة من رسول الله ص = له بأنه
[ 244 ]
قالها مصدقا بها معتقدا صدقها متقربا بها الى الله تعالى وشهد له في شهادته لاهل بدر بما هو معروف فلا ينبغى أن يشك في صدق ايمانه رضى الله عنه وفى هذه الزيادة رد على غلاة المرجئة القائلين بأنه يكفى في الايمان النطق من غير اعتقاد فانهم تعلقوا بمثل هذا الحديث المرجئة القائلين بأنه يكفى في الايمان النطق من غير اعتقاد فانهم تعلقوا بمثل هذا الحديث وهذه الزيادة تدمغهم والله اعلم قوله (ودوا أنه دعا عليه فهلك وودوا أنه أصابه شر) هكذا هو في بعض الاصول شر وفى بعضها بشر بزيادة الباء الجارة وفى بعضها شئ وكله صحيح وفى هذا دليل على جواز تمنى هلاك أهل النفاق والشقاق ووقوع المكروه بهم قوله (فخط لى مسجدا) أي أعلم لى على موضع لأتخذه مسجدا أي موضعا أجعل صلاتي فيه متبركا بآثارك والله أعلم وفى هذا الحديث أنواع من العلم تقدم كثير منها ففيه التبرك بآثار الصالحين وفيه زيارة العلماء والفضلاء والكبراء أتباعهم وتبريكهم أياهم وفيه جواز استدعاء المفضول للفاضل لمصلحة تعرض وفيه جواز الجماعة في صلاة النافلة وفيه أن السنة في نوافل النهار ركعتان كالليل وفيه جواز الكلام والتحدث بحضرة المصلين ما لم يشغلهم ويدخل عليهم لبسا في صلاتهم أو نحوه وفيه جواز أمامة الزائر المزور برضاه وفيه ذكر من يتهم بريبة أو نحوها للأئمة وغيرهم ليتحرز منه وفيه جواز كتابة الحديث وغيره من العلوم الشرعية لقول أنس لابنه اكتبه بل هي مستحبة وجاء في الحديث النهى عن كتب الحديث وجاء الاذن فيه فقيل كان النهى لمن خيف
[ 245 ]
اتكاله على الكتاب وتفريطه في الحفظ مع تمكنه منه والاذن لمن لا يتمكن من الحفظ وقيل كان النهى أولا لما خيف اختلاطه بالقرآن والاذن بعده لما أمن من ذلك وكان بين السلف من الصحابة والتابعين خلاف في جواز كتابة الحديث ثم أجمعت الامة على جوازها واستحبابها والله اعلم وفيه البداءة بالأهم فالأهم فانه ص = في حديث عتبان هذا بدأ أول قدومه بالصلاة ثم أكل وفى حديث زيارته لأم سليم بدأ بالأكل ثم صلى لأن المهم في حديث عتبان هو الصلاة فانه دعاه لها وفى حديث أم سليم دعته للطعام ففى كل واحد من الحديثين بدأ بما دعى إليه والله اعلم وفيه جواز استتباع الامام والعالم أصحابه لزيارة أو ضيافة أو نحوها وفيه غير ذلك مما قدمناه وما حذفناه والله أعلم بالصواب وله الحمد والنعمة والفضل والمنة وبه التوفيق والعصمة