القائمة الرئيسية:
 أقسام أخبار المستبصرين:
 أقسام المقالات:
 أقسام مكتبة الكتب:
 كتاب عشوائي:
 صورة عشوائية:
 القائمة البريدية:
البريد الإلكتروني:
 المقالات
المسارالمقالات » مناظرات عقائدية » مناظرة للشيخ الكراجكي في حكم مسح الرجلين في الوضوء

مناظرة للشيخ الكراجكي في حكم مسح الرجلين في الوضوء

القسم: مناظرات عقائدية | 2009/08/20 - 03:20 AM | المشاهدات: 1435

مناظرة للشيخ الكراجكي في حكم مسح الرجلين في الوضوء

رسالة كتبتها إلى أحد الاِخوان وسميتها بالقول المبين عن وجوب مسح الرجلين.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله رب العالمين وصلاته على سيدنا محمد رسوله خاتم النبيين وآله الطاهرين.
سألت يا أخي ـ أيدك الله تعالى ـ في أن أورد لك من القول في مسح الرجلين ما يتبين لك به وجوبه وصحة مذهبنا فيه وصوابه ، وأنا أجيبك إلى ما سألت ، واُورد مختصراً نطلب ما طلبت بعون الله وتوفيقه.
إعلم أن فرض الرجلين عندنا في الوضوء هو المسح دون الغسل ، ومن غسل فلم يؤد الفرض ، وقد وافقنا على ذلك جماعة من الصحابة والتابعين ، كابن عباس (2)(رضي الله عنه) ، وعكرمة(3)وأنس ، وأبي العالية ، والشعبي وغيرهم.
ودليلنا على أن فرضهما المسح قول الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق ، وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين... )(4).
فتضمنت الآية جملتين ، صرح فيهما بحكمين ، بدأ في الجملة الاَولى بغسل الوجوه ، ثم عطفت الاَيدي عليها ، فوجب لها من الحكم بحقيقة العطف مثل حكمها.
ثم بدأ في الجملة الثانية بمسح الرؤوس ، ثم عطف الاَرجل عليها ، فوجب أن يكون لها من الحكم بحقيقة العطف مثل حكمها ، حسبما اقتضاه العطف في الجملة التي قبلها.(5)
ولو جاز أن يخالف في الجملة الثانية بين حكم الرؤوس والاَرجل المعطوفة عليها ، لجاز أن يخالف في الجملة الاُولى بين حكم الوجوه والاَيدي المعطوفة عليها ، فلما كان هذا غير جائز كان الآخر مثله ، فعلم وجوب حمل كل عضوٍ معطوف في جملة على ما قبله ، وفيه كفاية لمن تأمله.
فإن قال قائل : إنا نجد أكثر القراء يقرأون الآية بنصب الاَرجل ، فيكون الاَرجل في قراءتهم معطوفة على الاَيدي ، وذلك موجب للغسل.
قيل له : أما الذين قرأوه بالنصب من السبعة فليسوا بأكثر من الذين قرأوا بالجر ، بل هم مساوون لهم في العدد.
وذلك إن ابن كثير(6)، وأبا بكر(7)، وحمزة(8)، عن عاصم(9)، قرأوا أرجلكم بالجر ، وابن عامر(10)، والكسائي(11)، وحفصاً(12)، عن عاصم ، قرأوا وأرجلكم بالنصب.
وقد ذكر العلماء بالعربية أن العطف من حقه أن يكون على أقرب مذكور دون أبعده ، هذا هو الاَصل ، وما سواه عندهم تعسف وانصراف عن حقيقة الكلام إلى التجوز ، من غير ضرورةٍ تلجىء إلى ذلك.
وفيه إيقاع للبس ، وربما صرف المعنى عن مراد القائل ، ألا ترى أن رئيساً لو أقبل على صاحب له ، فقال له : أكرم زيداً وعمراً ، واضرب بكراً وخالداً ، كان الواجب على الصاحب أن يميز بين الجملتين من الكلام ، ويعلم أنه ابتداء في كل واحدةٍ منهما ابتدأً عطف باقي الجملة عليه ، دون غير ، وأن بكراً في الجملة الثانية معطوف على خالد ، كما أن عمراً في الجملة الاَولى معطوف على زيد.
ولو ذهب هذا المأمور إلى أن بكراً معطوف على عمرٍ ، لكان قد انصرف عن الحقيقة ومفهوم الكلام في ظاهره ، وتعسف تعسفاً صرف به الاَمر عن مراد الآمر به ، فأداه ذلك إلى إكرام من أمر بضربه.
ووجه آخر ، وهو أن القراءة بنصب الاَرجل غير موجبة أن تكون معطوفة على الاَيدي ، بل تكون معطوفة على الرؤوس في المعنى دون اللفظ ، لاَن موضع الرؤوس نصب ، لوقوع الفعل الذي هو المسح ، وإنما انجرت بعارض وهو الباء ، والعطف على الموضع دون اللفظ جائز مستعمل في لغة العرب ، ألا تراهم يقولون : مررت بزيد وعمراً ، ولست بقائم ولا قاعداً ، قال الشاعر :
 

معاوي إننا بشر فاسجح ***فلسنا بالجبال ولا الحديدا

والنصب في هذه الاَمثلة كلها إنما هو العطف على الموضع دون اللفظ ، فيكون على هذا من قرأ الآية بنصب الاَرجل ، كمن قرأها بجرها ، وهي في القرآن جميعاً معطوفة على الرؤوس التي هي أقرب إليها في الذكر من الاَيدي ، ويخرج ذلك عن طريق التعسف ، ويجب المسح بهما جميعاً والحمدلله.
وشيء آخر وهو : أن حمل الاَرجل في النصب على أن تكون معطوفة على الرؤوس أولى من حملها على أن تكون معطوفة على الاَيدي ، وذلك أن الآية قد قُرئت بالجر والنصب معاً ، والجر موجب للمسح ، لاَنه عطف على الرؤوس ، فمن جعل النصب إنما هو لعطف الاَرجل على الاَيدي ، أوجب الغسل وأبطل القراءة بالجر الموجب للمسح ، ومن جعل النصب إنما هو لعطف الاَرجل على موضع الرؤوس ، أوجب المسح الذي أوجبه الجر ، فكان مستعملاً للقرائتين جميعاً غير مبطلٍ لشيء منهما ، ومن استعملهما فهو أسعد ممن استعمل أحدهما.
فإن قيل : ما أنكرتم أن يكون استعمال القرائتين إنما هو بغسل الرجلين وهو أحوط في الدين ، وذلك أن الغسل يأتي على المسح ويزيد عليه ، فالمسح داخل فيه ، فمن غسل فكأنما مسح وغسل ، وليس كذلك مَنْ مسح ، لاَن الغسل غير داخل في المسح.
قلنا : هذا غير صحيح ، لاَن الغسل والمسح فعلان ، كل واحد منهما غير الآخر ، وليس بداخل فيه ، ولا قائم مقامه في معناه الذي يقتضيه.
ويتبين ذلك أن الماسح كأنه قيل له : اقتصر فيما تتناوله من الماء على ما يندى به العضو الممسوح ، والغاسل كأنه قيل له : لا تقتصر على هذا القدر ، بل تناول من الماء ما يسيل ويجري على العضو المغسول.
فقد تبين أن لكل واحد من الفعلين كيفية يتميز بها عن الآخر ، ولولا ذلك لكان مَنْ غسل رأسه فقد أتى على مسحه ، ومن اغتسل للجمعة فقد أتى على وضوئه ، هذا مع إجماع أهل اللغة والشرع على أن المسح لا يسمى غسلاً ، والغسل لا يسمى مسحاً.
فإن قيل : لِمَ زعمتم ذلك ؟ وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن معنى قوله سبحانه : ( فطفق مسحاً بالسوق والاَعناق )(13)إلى أنه أراد غسل سوقها وأعناقها ، فسمى الغسل مسحاً.
قلنا : ليس هذا مجمعاً عليه في تفسير الآية ، وقد ذهب قوم إلى أنه أراد المسح بعينه.
وقال أبو عبيدة(14)والفراء(15)وغيرهما أنه أراد بالمسح الضرب.
وبعد فإن من قال إنه أراد بالمسح الغسل لا يخالف في أن تسمية الغسل مسحاً مجازاً واستعارة ، وليس هو على الحقيقة ، ولا يجوز لنا أن نصرف كلام الله تعالى عن حقائق ظاهره إلا بحجةٍ صارفة.
فإن قال : ما تنكرون من أن يكون جر الاَرجل في القراءة إنما هو لاَجل المجاورة لا للنسق ، فإن العرب قد تعرب الاسم بإعراب ما جاوره ، كقولهم : (جحر ضب خرب) ، فجروا خرباً لمجاورته لضب ، وإن كان في الحقيقة صفةً للجحر لا للضب ، فتكون كذلك الاَرجل إنما جرت لمجاورتها في الذكر لمجرور وهو الرؤوس ، قال امروء القيس :
 

كأنَّ ثبيراً في عرانين وبله***كبير اُناسٍ في بجادٍ مزمل(16)

فجر مزملاً لمجاورته لبجاد ، وإن كان من صفات الكبير ، لا من صفات البجاد ، فتكون الاَرجل على هذا مغسولة وإن كانت مجرورة.
قلنا : هذا باطل من وجوه ،
أولها : اتفاق أهل العربيةعلى أن الاِعراب بالمجاورة شاذ نادر لا يقاس عليه ، وإنما ورد مسموعاً في مواضع لا يتعداها إلى غيرها ، وما هذا سبيله فلا يجوز حمل القرآن عليه من غير ضرورة يلجىء إليه.
وثانيها : أن المجاورة لا يكون معها حرف عطف ، وهذا ما ليس فيه بين العلماء خلاف.
وفي وجود واو العطف في قوله تعالى (وأرجلكم) دلالة على بطلان دخول المجاورة فيه وصحة العطف.
وثالثها : أن الاِعراب بالجوار إنما يكون بحيث ترتفع الشبهة عن الكلام ، ولا يعترض اللبس في معناه ، ألا ترى أن الشبهة زائلة ، والعلم حاصل في قولهم (جحر ضب خرب) بأن خرباً صفة للجحر دون الضب.
وكذلك ما أنشد في قوله (مزمل) وأنه من صفات الكبير دون البجاد ، وليس هكذا الآية ، لاَن الاَرجل يصح أن فرضها المسح كما يصح أن يكون الغسل ، فاللبس مع المجاورة فيها قائم ، والعلم بالمراد منها مرتفع ، فبان بما ذكرناه أن الجر فيها ليس هو بالمجاورة والحمدلله.
فإن قيل : كيف ادعيتم أن المجاورة لا تجوز مع واو العطف ؟ وقد قال الله عزوجل : ( يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب ، وأباريق )(17)ثم قال : ( وحور عين )(18) فخفضهن بالمجاورة ، لاَنهن يطفن ولا يطاف بهن.
قلنا : أول ما في هذا أن القراء لم يجمعوا على جر (حور عين) ، بل أكثر السبعة يرى أن الصواب فيها الرفع ، وهم نافع ، وابن كثير ، وعاصم في رواية أبي عمرو ، وابن عامر ، وإنما قرأها بالجر حمزة والكسائي ، وفي رواية المفضل عن عاصم ، وقد حكى عن أبي عبيدة أنه كان ينصب ، فيقرأ (وحوراً عيناً).
ثم إن للجر فيها وجهاً صحيحاً غير المجاورة ، وهو أنه لما تقدم قوله تعالى : ( اولئك المقربون في جنات النعيم )(19)عطف (بحور عين) على (جنات النعيم) ، فكأنه قال : هم في جنات النعيم ، وفي مقارنة أو معاشرةحور عين ، وحذف المضاف(20).
وهذا وجه حسن ، وقد ذكره أبو علي الفارسي(21)في كتاب (الحجة في القرآن) واقتصر عليه دون ما سواه ، ولوكان للجر بالمجاورة فيه وجه لذكره.
فإن قيل : ما أنكرتم من أن تكون القراءة بالجر موجبة للمسح إلا أنه متعلق بالخفين لا بالرجلين ، وأن تكون القراءة بالنصب موجبة للغسل المتعلق بالرجلين بأعيانهما ، فيكون للآية قراءاتان مفيدة لكلا الاَمرين ؟
قلنا : أنكرنا ذلك لاَنه انصراف عن ظاهر القرآن والتلاوة إلى التجوز والاستعارة من غير أن تدعو إليه ضرورة ، ولا أوجبته دلالة ، وذلك خطأ لا محالة.
والظاهر يتضمن ذكر الاَرجل بأعيانها ، فوجب أن يكون المسح متعلقاً بها دون غيرها ، كما أنه يتضمن ذكر الرؤوس ، وكان الواجب المسح بها أنفسها دون أغيارها ، ولا خلاف في أن الخفاف لا يعبر عنها بالاَرجل ، كما أن العمائم لا يعبر عنها بالرؤوس ، ولا البراقع بالوجوه ، فوجب أن يكون الغرض متعلقاً بنفس المذكور دون غيره على جميع الوجوه.
ولو شاع سوى ذلك في الاَرجل حتى تكون هي المذكورة والمراد من سواها ، لشاع نظيره في الوجوه والرؤوس ، ولجاز أيضاً أن يكون قوله سبحانه : ( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ، ويسعون في الاَرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف )(22)محمولاً على غير الاَبعاض المذكورة.
ولا خلاف في أن هذه الآية دالة بظاهرها على قطع الاَيدي والاَرجل بأعيانها ، وأنه لا يجوز أن ينصرف عن دليل التلاوة وظاهرها ، فكذلك آية الطهارة لاَنها مثلها.
فإن قيل : إن عطف الاَرجل على الاَيدي أولى من عطفها على الرؤوس لاَجل أن الاَرجل محدودة كاليدين ، وعطف المحدود على المحدود أشبه بترتيب الكلام.
قلنا : لو كان ذلك صحيحاً لم يجز عطف الاَيدي وهي محدودة على الوجوه وهي غير محدودة في وجود ذلك ، وصحة اتفاق الوجوه والاَيدي في الحكم مع اختلافهما في التحديد دلالة على صحة عطف الاَرجل على الرؤوس ، واتفاقهما في الحكم وإن اختلفا في التحديد.
على أن هذا أشبه بترتيب الكلام مما ذكره الخصم ، لاَن الله تعالى ذكر عضواً ممسوحاً غير محدود ، وهو الرأس ، وعطفه عليه من الاَرجل بممسوح محدود ، فتقابلت الجملتان من حيث عطف فيهما مغسول محدود على مغسول غير محدود وممسوح محدود على ممسوح غير محدود.
فأما من ذهب إلى التخيير وقال : أنا مخير في أن أمسح الرجلين وأغسلهما ، لاَن القراءتين تدل على الاَمرين كليهما ، مثل الحسن البصري ، والجبائي ، ومحمد ابن جرير الطبري ومن وافقهم ، فيسقط قولهم بما قدمناه من أن القراءتين لا يصح أن تدلا إلا على المسح ، وأنه لا حجة لمن ذهب إلى الغسل ، وإذا وجب المسح بطل التخيير.
وقد احتج الخصوم لمذهبهم من طريق القياس ، فقالوا : إن الاَرجل عضو يجب فيه الدية ، أمرنا بإيصال الماء إليه ، فوجب أن يكون مغسولاً كاليدين.
وهذا احتجاج باطل ، وقياس فاسد ، لاَن الرأس عضو يجب فيه الدية ، وقد أُمرنا بإيصال الماء إليه ، وهو مع ذلك ممسوح ، ولو تُركنا والقياس ، لكان لنا منه حجة ، هي أولى من حجتهم ، وهي أن الاَرجل عضو من أعضاء الطهارة الصغرى ، يسقط حكمه في التيمم ، فوجب أن يكون فرضه المسح دليله القياس على الرأس.
فإن قالوا : هذا ينتقض عليكم بالجنب ، لاَن غسل جميع بدنه وأعضائه يسقط في التيمم وفرضه مع ذلك الغسل .
قلنا : وقد احترزنا من هذا بقولنا إن الاَرجل عضو من أعضاء الطهارة الصغرى ، فلا يلزمنا بالجنب نقض على هذا.
فإن قال قائل : فما تصنعون في الخبر المروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه توضأ ، فغسل وجهه وذراعيه ، ثم مسح رأسه وغسل رجليه ، وقال : هذا وضوء الاَنبياء من قبلي ، هذا الذي لا تقبل الصلاة إلا به ؟
قيل : هذا الخبر الذي مختلط من وجهين رواهما أصحابك.
أحدهما : أن النبي صلى الله عليه وآله توضأمرّة مرة ، وقال : هذا الذي لا يقبل الله صلاة إلا به(23) ولم يأت في الخبر كيفية الوضوء. والآخر ، أن النبي صلى الله عليه وآله غسل وجهه ثلاثاً ، ويديه ثلاثاً ، ومسح رأسه ، وغسل رجليه إلى الكعبين ، وقال : هذا وضوئي ووضوء الاَنبياء من قبلي(24)ولم يقل : لم يقبل الله صلاة إلا به ، فخلطت في روايتك أحد الخبرين بالآخر ، لبعدك من معرفة الاَثر.
وبعد فلو كانت الرواية على ما أوردته لم يكن لك فيها حجة ، لاَن الخبر إذا خالف ما دل عليه القرآن وجب اطراحه والمصير إلى القرآن دونه.
ولو سلمنا لك باللفظ الذي تذكره بعينه ، كان لنا أن نقول : إن النبي صلى الله عليه وآله مسح رجليه في وضوئه ثم غسلهما بعد المسح لتنظيف أو تبريد أو نحو ذلك مما ليس هو داخلاً في الوضوء ، فذكر الراوي الغسل ولم يذكر المسح الذي كان قبله ، إما لاَنه لم يشعر به بعدم تأمله ، أو لنسيان اعتراضه ، أو لظنه أن المسح لا حكم له ، وأن الحكم للغسل الذي بعده ، أو لغير ذلك من الاَسباب ، وليس هذا بمحالٍ.
فإن قال : فقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال : ويل للاَعقاب من النار(25) فلو كان ترك غسل العقب في الوضوء جائزاً لما توعد على ترك غسله.
قلنا : ليس في هذا الخبر ذكر مسح ولا غسل فيتعلق به ، ولا فيه أيضاً ذكر وضوء فنورده لنحتج به ، وليس فيه أكثر من قوله : ويل للاَعقاب من النار.
فإن قال : قد روي أنه رآها تلوح ، فقال : ويل للاَعقاب من النار.(26)
قيل : له : وليس لك في هذا أيضاً حجة ، ولا فيه ذكر لوضوء في طهارة ، وبعد فيجوز أن يكون رأى قوماً غسلوا أرجلهم في الوضوء عوضاً عن مسحها ، ورأى أعقابهم يلوح عليها الماء ، فقال : ويل للاَعقاب من النار.
ويجوز أيضاً أن يكون رأى قوماً اغتسلوا من جنابة ولم يغمس الماء جميع أرجلهم ، ولاحت أعقابهم بغير ماء ، فقال : ويل للاَعقاب من النار.
ويمكن أيضاً أن يكون ذلك في الوضوء لقوم من طغام العرب مخصوصين ، كانوا يمشون حفاة ، فتشقق أعقابهم ، فيداوونها بالبول على قديم عادتهم ، ثم يتووضأون ولا يغسلون أرجلهم قبل الوضوء من آثار النجس ، فتوعدهم النبي صلى الله عليه وآله بما قال : وكل هذا في حيِّز الاِمكان.
ثم يقال : له : وقد قابل ما رويت أخبار ، هي أصح واثبت في النظر ، والمصير إليها أولى لموافقة ظاهرها لكتاب الله تعالى.
فمنها : إن النبي صلى الله عليه وآله قام بحيث يراه أصحابه ، ثم توضأ ، فغسل وجهه وذراعيه ، ومسح برأسه ورجليه.(27)
ومنها : أن اميرالمؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام قال للناس في الرحبة : ألا أدلكم على وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ قالوا : بلى.
فدعا بقعب فيه ماء ، فغسل وجهه وذراعيه ، ومسح على رأسه ورجليه ، وقال : هذا وضوء من لم يحدث حدثاً.(28)
فإن قال الخصم : ما مراده بقوله : وضوء من لم يحدث حدثاً ؟وهل هذا إلا دليل على أنه قد كان على وضوء قبله ؟
قيل له : مراده بذلك أنه الوضوء الصحيح الذي كان يتوضأ رسول الله صلى الله عليه وآله ، وليس هو وضوء من غيَّر وأحدث في الشريعة ما ليس منها.
ويدل على صحة هذا التأويل وفساد ما توهمه الخصم أنه قصد أن يريهم فرضاً يعولون عليه ، ويتقيدون به فيه ، ولو كان على وضوء قبل ذلك ، لكان لم يعلمهم الفرض الذي هم أحوج إليه.
ومن ذلك ما رُوي عن أميرالمؤمنين عليه السلام من قوله : ما نزل القرآن إلا بالمسح(29) ، ولا يجوز أن يكون أراد بذلك إلا مسح الرجلين ، لأن مسح الرؤوس لا خلاف فيه.
ومنه قول ابن عباس رحمه الله : نزل القرآن بغسلين ومسحين(30).
ومن ذلك إجماع آل محمد عليهم السلام على مسح الرجلين دون غسلهما ، وهم الاَئمة والقدوة في الدين ، لا يفارقون كتاب الله عزوجل ، إلى يوم القيامة(31) وفيما أوردناه كفاية والحمدلله.
فإن قال قائل : فلِمَ ذهبتم في مسح الرأس والرجلين إلى التبعيض ؟
قيل له : لما دل عليه من ذلك كتاب الله سبحانه وسنة نبيه صلى الله عليه وآله ، أما دليل مسح بعض الرأس فقول الله تعالى : ( وامسحوا برؤوسكم )(32) فأدخل الباء التي هي علامة التبعيض ، وهي التي تدخل على الكلام مع استغنائه في إفادة المعنى عنها ، فتكون زائدة ، لاَنه لو قال : ( وامسحوا رؤوسكم ) لكان الكلام صحيحاً ، ووجب مسح جميع الرأس ، فلما دخلت الباء التي لم يفتقر الفعل في تعديته إليها أفادت التبعيض.
وأما دليل مسح بعض الاَرجل ، فعطفها على الرؤوس ، والمعطوف يجب أن يشارك المعطوف عليه في حكمه.
وأما شاهد ذلك من السنة فما رُوي أن رسول الله صلى الله عليه وآله توضأ ومسح بناصيته ولم يمسح الكل.
ومن الحجة على وجوب التبعيض في مسح الرؤوس والاَرجل إجماع أهل البيت عليهم السلام على ذلك وروايتهم إياه عن رسول الله جدهم ، وهم أخبر بمذهبه.
فإن قال قائل : ما الكعبان عندكم اللذان تمسحون عليهما ؟
قيل له : العظمان النابتان في ظهر القدمين عند عقد الشراك ، وقد وافقنا على ذلك محمد بن الحسن(33)دون من سواه.
دليلنا ما رواه أبان بن عثمان عن ميسر عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال : ألا أحكي لك وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله ، ثم انتهى إلى أن قال : فمسح رأسه وقدميه ، ثم وضع يده على ظهر القدم.(34)

____________
(1) هي في الاَصل رسالة كتبها الشيخ الكراجكي ـ عليه الرحمة ـ لاَحد الاَخوان ولكنه قدس سره أوردها على نحو المحاورة والمناظرة ، ولتتميم الفائدة في كتابنا هذا أوردناها هنا ، ولما جاء فيها من قوة في البيان والاِستدلال.
(2) هو : عبدالله بن العباس بن عبدالمطلب ، ابن عم النبي صلى الله عليه وآله وحبر الاُمة وترجمان القرآن ـ كما وصفوه ـ ولد بمكة قبل الهجرة بثلاث سنين وتوفي بالطائف سنة 68 هـ بعد أن كف بصره وينسب له التفسير المطبوع المعروف بتفسير ابن عباس ، ولاّه أمير المؤمنين عليه السلام البصرة وهو جد الخلفاء العباسيين.
(3) هو : أبو عبدالله عكرمة البربري مولى عبدالله بن عباس ، حدث عن جماعة من الصحابة ومنهم عبدالله بن العباس ، كان يرى رأي الخوارج وهو متهم بالكذب مات سنة (105 | 107 هـ ).
(4) سورة النساء : الآية 6 .
(5)لاَن الواو العاطفة تدل على مشاركة ما بعدها في الحكم لما قبلها وهي لمطلق الجمع.
(6) هو : أبو معبد عبدالله أحد القراء السبعة كانت وفاته بمكة المكرمة سنة (120 هـ ).
(7) هو : شعبة وقيل سالم بن عياش الاَسدي الكوفي أخذ عن عاصم أحد القراء السبعة توفي بالكوفة سنة (193 هـ ) وكان من الزهراء العباد اضطهد وشتم وحبس في سبيل نهيه عن المنكر.
(8) هو : حمزة بن حبيب الزيات أحد القراء السبعة وكان فقيهاً توفي سنة 156 هـ
(9) هو : عاصم بن بهدلة ويكنى أبا بكر بن أبي النجود قرأ على أبي عبدالرحمن السلمي وزرّ بن حبيش توفي سنة 128 هـ .
(10) هو : عبدالله بن عامر اليخصبي أحد القراء السبعة من التابعين من أهل دمشق مات سنة 128 هـ.
(11) هو : أبو الحسن علي بن حمزة بن عبدالله بن عثمان وقيل بهمن بن فيروز ، اتصل بالرشيد وادب ولديه الاَمين والمأمون ، أخذ عن الرؤاسي وغيره ، توفي سنة 197 هـ ، أخذ عن حمزة بن حبيب وعبدالرحمن بن أبي ليلى.
(12) هو : حفص بن سليمان أبو عمرو البزار أخذ القراءة عن عاصم مرتفعة إلى علي عليه السلام من رواية أبي عبدالرحمن السلمي مات حفص سنة 131 هـ .
(13) سورة ص : الآية 33 .
(14) هو : معمر بن المثنى التيمي من تيم قريش مولى لهم من علماء اللغة والاَدب والاَخبار ، وكان شعوبياً ، ومع هذا يرى رأي الخوارج ، له مؤلفات عديدة ولد سنة 112 هـ ، وتوفي سنة 211 هـ.
(15) هو : أبو زكريا يحيى بن زياد الفراء من أئمة العربية له مؤلفات كثيرة فيها ، مات بطريق مكة سنة 207هـ.
(16) هو من معلقة امرىء القيس المشهورة التي أولها
 
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ***بسقط اللوى بين الدخول فحومل

وفي ديوان امرىء القيس بإخراج السندوبي روي البيت هكذا
 

كأن أبانا في افانين ودقه***كبير أناس في بجاد مزمل

وثبير : جبل. أفانين : ضروب. البجاد : كساء مخطط. مزمل : ملفف.
وامرىء القيس هو ابن الملك حجر بن الحارث الكندي ، ويقال له الملك الضليل توفي سنة 80 قبل الهجرة وسنة 565 م.
وهو من فحول الشعراء الجاهليين حتى قيل أنه بدىء الشعر بملك يعني امرىء القيس ، وختم بملك يعني أبا فراس الحمداني.
(17) سورة الواقعة : الآية 17 ـ 18 .
(18) سورة الواقعة : الآية 22 .
(19) سورة الواقعة : الآية 11 و 12 .
(20) وهو المقارنة أو المعاشرة.
(21) هو : أبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفسوي النحوي من أئمة العلم والاَدب ، ولد بمدينة (فسا) سنة 288 هـ ، وقدم بغداد واشتغل بها سنة 307 هـ ، وأصبح إمام عصره في النحو واتصل بسيف الدولة الحمداني وأقام عنده مدة وذلك سنة 341 هـ ، وجرت بينه وبين المتنبي الشاعر محاورات ، توفي في بغداد سنة 377 هـ .
(22) سورة المائدة : الآية 33 .
(23) مجمع الزوائد للهيثمي : ج 1 ص 239 ، إتحاف السادة المتقين للزبيدي : ج 2 ص 359 ـ 360 و 374 .
(24) لم أجد هذا الحديث بهذا اللفظ ولكن ورد بألفاظ مختلفة ، راجع : مجمع الزوائد : ج 1 ص231 ، سلسلة الاَحاديث الصحيحة للاَلباني : ج 1 ص 466 ح 261 ، إتحاف السادة المتقين للزبيدي : ج 2 ص 374 ، كنز العمال : ج 9 ص 454 ح 26938 وص 457 ح 26957 .
(25) بحار الاَنوار : ج 64 ص 170 ح 1 ، المعجم الكبير للطبراني : ج 8 ص 347 ـ 349 ح 8109 ـ 8116 ، مجمع الزوائد : ج 1 ص 240 ، كنز العمال : ج 9 ص 472 ح 27014 (وفيه عن جابر بن عبدالله قال : رأى رسول الله صلى الله عليه وآله قوماً قد توضؤوا ولم يمس أعقابهم الماء فقال : ويل للاَعقاب من النار) وأنت ترى ليس فيها أية دلالة على وجوب الغسل ، بل يحتمل ان يكون ذلك من جهة عدم إكمالهم الواجب ، فلعله لمسحهم شيئاً وترك الباقي ، ويؤيده ما روي عنه صلى الله عليه وآله كما في مجمع الزوائد : ج 1 ص 240 ، انه رأى قوماً يتوضئون فبقي على أقدامهم قدر الدرهم فقال : ويل للاَعقاب من النار ، ويحتمل أيضاً لتركهم الاَرجل بالمرة ، إذ أن قوله : ولم يمس أعقابهم الماء لا يصدق مع المسح لو كانوا يمسحون .
(26) مسند أحمد بن حنبل : ج 2 ص 193 .
(27) بحار الاَنوار : ج 77 ص 299 ح 58 .
(28) بحار الاَنوار : ج 77 ص 299 ح 59 .
(29) بحار الاَنوار : ج 77 ص 299 ح 60 .
(30) نفس المصدر .
(31) هو إشارة إلى الحديث المشهور المستفيض : « إني مخلف فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي ، أحدهما أعظم من الاخر : كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الاَرض ، وعترتي أهل بيتي ، ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض.. » ، وقد تقدمت تخريجاته .
(32) سورة المائدة : الآية 6 .
(33) هو : محمد بن الحسن بن واقد الشيباني مولى بني شيبان وصاحب أبي حنيفة ولد بواسط سنة 132 هـ ومات بالري سنة 189 هـ أخذ عن أبي حنيفة والثوري ومسعر بن كدام والاَوزاعي ومالك.
(34) كنز الفوائد للكراجكي : ج 1 ص 151 ـ 163 ، وقد أوردناها بما جاء فيها من الهوامش والتعاليق .


 عرض التعليقات
لا توجد تعليقات!
 إضافة تعليق
الإسم: *
البلد:
البريد الإلكتروني:
التعليق: *
التحقق اليدوي: *