القائمة الرئيسية:
 أقسام أخبار المستبصرين:
 أقسام المقالات:
 أقسام مكتبة الكتب:
 كتاب عشوائي:
 صورة عشوائية:
 القائمة البريدية:
البريد الإلكتروني:
 المقالات
المسارالمقالات » كتابات المستبصرين » الإمامة بين الإعتقاد والإنتقاد

الإمامة بين الإعتقاد والإنتقاد

الكاتب: محمد الرصافي المقداد | القسم: كتابات المستبصرين | 2009/08/15 - 11:41 PM | المشاهدات: 1047

الإمامة بين الإعتقاد والإنتقاد

اختلف المسلمون في مسألة من أهم المسائل المتعلقة بالدين، وتنازعوا في ما بينهم من أجل وظيفة من أخطر الوظائف المرتبطة بالشريعة والحياة، فافترقوا بسببها وانقسموا، واستعصى جمعهم على كلمة واحدة فيها.

ومن أجل التعريف بمبدأ الإمامة في الإسلام الذي رفضه من رفض، واتخذه المسلمون الشيعة الإمامية الإثني عشرية أصلا رابعا من أصولهم الإعتقادية، كان لا بد من إجراء الحديث عنها مختصرا،تجنبا لملل القراء لأن الإمامة من المباحث الكبرى التي تتطلب الإطالة استيفاء لعناصرها.  
 تعريفها: الإمامة من أم يؤم أما بمعنى قصد واتبع، والإمام هو المقصد والمتبع، لكونه محرزا لملكة القدوة والأسوة.
والإمامة هي الرئاسة  العامة على المسلمين في دينهم ودنياهم.
الإمامة واجبة عقلا وشرعا.
فمن جهة العقل، يكمن وجوبها في حاجة الناس إلى من ينظم أمورهم الحياتية، وينتصف لمظلومهم، ويأوي إليه ضعيفهم، ويحكم فيهم بالعدل والسوية، ويبسط الأمن بينهم.
ومن جهة الشرع، تجب لأن بها تستمر الشريعة في أدائها، ويكون المتصدي لها في جميع أعماله القدوة والأسوة لرعيته.

شرائط الإمامة:
 بلا شك فان للإمامة أحكاما يجب أن تتوفر في المتصدي لها، وإلا فانه يصبح غاصبا ومتعديا، وقد ذكرها الفقهاء والمتكلمون
أولا:الذكورة فلا تصح إمامة المرأة.
ثانيا: طهارة المولد فلا تصح إمامة خبيث الولادة.
ثالثا: عدالة الشخص فلا تصح إمامة الظالم.أما بالنسبة للإمامة الإلهية، فإن عصمة الإمام هي التي تحل محل عدالة من سيلي أمر الأمة في عصر الغيبة.
رابعا: العلم فلا تصح إمامة قليل العلم أو الجاهل.
 إن جسامة وخطورة وأهمية دور القيادة، في أداء وتواصل واستمرار أي منظومة تشريعية، لمن الوضوح بما كان، وضرورة وجودها ضمن عناصر ذلك التشريع، ووضوح الرؤيا بخصوصها، دليل على تكامل ذلك التشريع، وعلامة على صحته وسلامته وعافيته.
والدين الإسلامي في مسألة الإمامة أو القيادة، غير منفك عن الرسالات السابقة، فقد حكمتهم جميعا أسس إلهية، جاءت لتكون قاعدة وركيزة قوية لها.

إن الدور الذي قام به الأنبياء والمرسلون، في تبليغ رسالات ربهم سبحانه وتعالى، والذي إنحصر في عنصرين أساسيين هما:
1- التبليغ عنه بما شمل البيان والتعليم، والالتزام بجميع  ما تلقاه من وحي، والأخذ به والعمل بمقتضاه،أولا وقبل أي أحد من الناس،لأن إعطاء المثل، يندرج ضمن تكاليف النبي أو الإمام.
2- التأسيس لنواة مجتمع مثالي، بما يشمل جميع أنشطة ذلك المجتمع، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وما يستلزمه من قيام دولة العدل الإلهي، التي أرادها الباري تعالى.
ومن هنا تتضح معالم الإصطفاء الإلهي، ويتجلى المقصد من الصفوة الطاهرة، قال تعالى:"إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض."
والإصطفاء هو إختيار الأمثل والأصلح والأولى، وتيسر ذلك لله تعالى غير خاف باعتباره الخالق العالم والعارف والمطلع على سرائر مخلوقاته.قال تعالى:"وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة."
فالاختيار هنا خصوصية إلهية ممتنعة عن مخلوقاته، حتى على أنبياءه ورسله.قال تعالى:" ليس لك من الأمر شيء". فإذا أقصي أفضل مخلوقاته تعالى، من أن يتناول مسألة من مسائل الأمر والنهي دونه، فكيف يستأثر بها من هم خارج دائرة الإصطفاء الإلهي؟
من أمثلة الإصطفاء الإلهي في القرآن الكريم الآية التي ذكرتها أولا، والتي أشارت إلى نقطة جوهرية خاصة بالاصطفاء، وهي تسلسله واتصاله ببعضه البعض، بلا انقطاع"ذرية بعضها من بعض" وبإعتبار أن الدين الإسلامي جزء من ذلك السياق الإلهي، فانه معني بالإصطفاء وغير مستثنى، لأنه كما ذكرت من السنن الإلهية التي لا تتبدل ولا تتغير.

أمثلة على الإصطفاء الإلهي:
قال تعالى:"إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء."
قال أيضا:"يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين."
وقال كذلك:"إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا."
وفي الآيات الثلاث المذكورة بيان كاف للإصطفاء الإلهي، ففي الأولى نجد أن الله تعالى قد إصطفى لبني إسرائيل طالوت ملكا(إماما وحاكما وقائدا) واعترضوا على ذلك الاختيار الإلهي، طمعا في أن يكون لهم نصيب فيه.قال تعالى:"أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال." وكان مقياسهم في الإختيار مادي صرف، لا يرقى إلى جواهر الأشياء ومعرفة حقائقها.
وفي الآية الثانية اصطفى مريم بنت عمران عليها السلام، وفي الثالثة اصطفى أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم،وكلف الله تعالى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ببيان من هم صفوته في أمته.
ولم يغادر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الدنيا، إلا وقد استوفى جهده في بيان ذلك، فلم يقع اللبس في معرفة الصفوة الطاهرة إلا لمن أراد بنفسه أن يلتبس عليه الأمر، ولا يمكننا أن نمر دون أن نضرب مثالين من الروايات الكثيرة، التي جاءت متضافرة، في توضيح من هم أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

المثال الأول: عن عائشة قالت:خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم غداة وعليه مرط مرحل من شعر اسود،فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها،ثم جاء علي فأدخله ثم قال:إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا. مسلم كتاب فضائل الصحابة ح4450
ورواية عائشة، عضدتها في تحديد من هم أهل البيت عليهم السلام، رواية أم سلمة، اللتين جاءتا في نفس الوقت، راويتين لمقصد الوحي بمن هم أهل البيت عليهم السلام، وشاهدتين على أن عائشة وأم سلمة غير معنيتين بالإصطفاء الإلهي، خارجتين من شمول المعنى لهما، وإن جاءت الآية ضمن سياق آيات خاصة بهما، ووحدة السياق هنا غير متحققة بوجود أداة حصر(إنما)، وتغير الخطاب من التأنيث إلى التذكير، من شأنه أن يلغي وحدة السياق، ولنا أن نضرب مثلا من القرآن على صحة دعوانا، قال تعالى:"يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين."
ففي الآية خطابين مزدوجين، واحد للنبي يوسف عليه السلام، والثاني لزوجة العزيز، فبطلت هنا وحدة السياق حتى في نفس الآية.

المثال الثاني: عن أبي الحمراء وابن عباس باختلاف يسير:لما نزل قوله تعالى:"وامر أهلك بالصلاة واصطبر عليها."شهدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تسعة أشهر، يأتي بيت علي وفاطمة عليهما السلام،فيطرق الباب ويقول:الصلاة أهل البيت،إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا.
وهذا بيان لا يمكن أن يستتبعه شك أو ريب، في المقصد من العترة الطاهرة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، فالبيان هنا استمر تسعة أشهر (9 x 30x  5 = 1350 )، وبالتالي يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد بين لأمته، أن أهل بيته الطاهرين عليهم السلام هم علي وفاطمة وأبناءهما عليهم الصلاة والسلام، ألفا وثلاث مائة وخمسين مرة، على امتداد تلك الفترة الزمنية، بما من شأنه أن يزيل كل شبهة ويرفع  كل التباس، ومع ذلك وقع الالتباس، والذي كان القصد منه خبيث وشيطاني، غايته صرف المسلمين عن قدواتهم وقاداتهم بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
دون أن أنسى مثالا عمليا آخر أظهره النبي صلى الله عليه وآله وسلم للمسلمين، عندما عزم على مباهلة وفد نصارى نجران، نزل جبرائيل بقوله تعالى:"فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين."
فلم يخرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم معه لتلك المهمة العظيمة غير الحسن والحسين (أبناءنا) وفاطمة(نساءنا) وعلي (أنفسنا) تطبيقا لأمر الله تعالى في إظهار صفوته. 
والإمامة الإلهية أتت ضمن الإصطفاء الإلهي، الذي أراده الله سبحانه وتعالى، ليكون لطفا من ألطافه الهامة، وحجة من حججه البالغة.
ولقد أولى الإسلام  - كما أفردت الرسالات السابقة - للإمامة أهميتها التي تستحق، لما في خلو أي زمان منها - حتى لو كان بمقدار يسير - من خطر فادح قد يسقط كل انجاز حققته النبوة، ولزوم التعيين فيها أكيد في البدء، وأوكد في الختام.

وقد ضرب لنا الله تعالى في كتابه أروع الأمثلة، لمن ألقى السمع وهو شهيد، ففي قصة موسى عليه السلام، عندما استخلف أخاه هارون عليه السلام على بني إسرائيل:"إذ قال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين."
إيمانا من الوحي بأن ترك أي أمة بلا استخلاف، في غياب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، إهمال خارج عن ناموس الحكمة الإلهية، ومع ذلك فإن إمتثال الأمم للاختيارات الإلهية، لم يكن متحققا في أغلبها، فقد انحرف بنو إسرائيل عن المسار الذي حدده لهم موسى عليه السلام، فاتخذوا السامري وعجله، بدلا من التزامهم بتعيين هارون عليه السلام، واستخلافه عليهم. قال تعالى:"فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي."
مع أن هارون عليه السلام لم يكن مقصرا في أداء مهمته.

الإمامة في القرآن
من مصاديق الآيات الدالة على الاختيار الإلهي بخصوص الإمامة، قوله تعالى فيما تعلق بإبراهيم عليه السلام:"إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين".
فالنبي إبراهيم عليه السلام بعد أن اصطفاه الله تعالى نبيا، اختاره خليلا ثم جعله للناس إماما، ففرح بها إبراهيم عليه السلام، وطلبها لذريته، فأجابه الله تعالى إلى ذلك، لكنه خص منهم صفوته، واستثنى منهم كل ظالم، ومن بين أنواع الظلم، الشرك بالله تعالى:"إن الشرك لظلم عظيم."
فالإمامة إذا غير جائزة لمن أشرك فترة من حياته من منظور الوحي.
قال تعالى:"وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا ." والهداية هنا أساس الإمامة الإلهية"إنما أنت منذر ولكل قوم هاد." وقد سئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن معنى الآية فقال:أنا المنذر وعلي الهادي، وبك يا علي يهتدي المهتدون.

والإمامة لا تتهيأ إلا لمن اصطفاه الله وطهره لأدائها والقيام بها، وتعهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام، منذ نعومة أظافره، وما أولاه له من الاهتمام والعناية والرعاية،  وكان مأمورا في كل ذلك، ما دل على أنه يهيئه لدور عظيم، لا يستطيع أداءه على وجهه غيره.

تغذى علي عليه السلام من معارف التوحيد الخالص، ونهل من العلوم الإلهية الصافية، وشرب من آداب العصمة، وترعرع على سيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومشى على نمط حياته، وبقية الناس في تلك الفترة بين عاكف على وثن، وشارب خمر ومقترف للمحرمات.

ولما كبر واشتد عوده، لم يكن لينازعه أحد في العلم والفقه، ومن أجل تفوقه لقبه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بباب مدينة علمه، وزاده تزكية بأن بوأه مكانة مرموقة في القضاء فقال: "أقضاكم علي."(أخرجه البخاري) وقد أرسله أكثر من مرة للفصل بين المتنازعين، من بينها سفرته الثانية إلى اليمن في الغرض ذاته.

ولا يمكن تحصيل درجة القضاء، إلا باستيعاب الأحكام الإلهية كلها، استيعابا يؤهله فهم تطبيقها، وفق الأطر المخصصة لها، والقدرة على الإحاطة بظروف الواقعة، ودوافع فاعلها، وقد ملك علي عليه السلام ذلك كله، ففصل في أعقد القضايا التي استعصت على غيره، فلم يجد بدا من اللجوء إليه، والاعتراف بفضله مثلما فعل عمر في عدة قضايا رفعت إليه، وكان علي عليه السلام حلالها، وكاشف استعصائها، ففي كل مرة كان يردد:" لولا علي لهلك عمر" "لا أبقاني اله  لمعضلة ليس لها أبو الحسن"

تحدث القرآن عن الإمامة، فاصطلح عليها ب(بالملك وولاية الأمر وبالذين آمنوا)قال تعالى:"وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول والى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم."

وبلا شك، فإن الآية تخص أولياء أمر، لهم علم بكل ما يتعلق بالأمن والخوف(السلم والحرب ونحوه) يعني كل ما يتعلق بأمور الدنيا، بلا تفريط في شيء، فيكون الله تعالى قد أحالنا في صورة فقد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، إلى حفظة علومه من صفوته، الذين يمتلكون الحلول لمشكلات الناس المستحدثة، وهذه الإمكانية غير متوفرة إلا في الصفوة الطاهرة.

إن وجوب الإمامة الإلهية، ووجوب التعيين فيها من الله تعالى، أمر يستلزمه التشريع الكامل، وقد حصل ذلك في تصريحات النبي صلى الله عليه وآله وسلم المبينة لمقام علي عليه السلام ودوره الذي هيأه له، من ذلك قوله له:"أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي."ومنزلة هارون من موسى في كتاب الله(الوزارة / الأخوة/ الشريك/ المؤازر/ الخليفة) قال تعالى:"واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي أشدد به ازري وأشركه في أمري." أما آية استخلاف موسى لأخيه هارون فقد تقدمت في هذا البحث المختصر.

وتتابعت بياناته في خصوص علي عليه السلام إلى اختتام مرحلة النبوة، عندما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم منصرفا من حجته المعروفة بحجة الوداع،نزل عليه جبريل بقوله:"يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس."

وأمره بأن ينصب عليا إماما وعلما وهاديا للناس من بعده،فأوقف القافلة، وخطب في جموع الحجاج خطبة بليغة، أعلمهم فيها بقرب رحيله، وأنه أولى بهم من أنفسهم، وقال:"من كنت مولاه فهذا علي مولاه" واختتم مقاله بالدعاء لمن سمع مقالته ووعاها، وعلى من أنكرها وردها، ولعلي عليه السلام بالموفقية في مهمته"اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله وأدر الحق معه حيث دار." ولم ينفض الجمع إلا بعد أن أمر الناس بمبايعة علي عليه السلام، ففعلوا وبقيت كلمات عمر بن الخطاب شاهدة، يتناقلها الحفاظ جيلا بعد جيل:" بخ بخ لك يا ابن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة.

إن دور الإمامة أساسي في حفظ الشريعة والدين، قال تعالى:"إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون"
والمعلوم أن تنزيل الذكر كان عن الله تعالى بواسطة جبرائيل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم،والحفظ يكون من الله تعالى بواسطة الإمام عليه السلام"وكل شيء أحصيناه في إمام مبين"
ويأتي حديث الثقلين الذي أخرجه عدد كبير من الحفاظ، والذي قال فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إني تارك فيكم الثقلين، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا، كتاب الله وعترتي أهل بيتي. (مسلم/ كتاب فضائل الصحابة/ باب فضائل الإمام علي عليه السلام.)

ولا يخفى لمتدبر الحديث، ما يحويه من دلالة على منزلة أهل البيت عليهم السلام، فقد جعلهم ثقلا مع كتاب الله،وقرنهم به، وجعل التمسك بهما عصمة من الضلال، وأشار إلى عدم افتراقهم عنه، وهذه دلالة أخرى على عصمة الأئمة الأطهار عليهم السلام.

ذلك مقام الإمامة، وتلك منزلة أئمة أهل البيت عليهم السلام، ولا يعني سوء فهم الناس للمقام وأهله أنه مفقود في الإسلام، بل في هذا دليل على المظلمة التي تعرض لها مقام الإمامة، وأصحابها الشرعيين.
أما من حيث إدراج الإمامة ضمن العقيدة، فيأتي بناء على ارتباطها بسلسلة الولاية الواجب طاعتها على الخلق، قال تعالى:" إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا.." (المائدة)

وباعتبارها قيمومة على الدنيا والدين، حاكمية في الدنيا،قال تعالى:"فأحكم بينهم بما أراك الله" وقال أيضا:"لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط"(الحديد)،وشهادة في الآخرة،قال تعالى:"لتكونوا شهداء على الناس"، وهم تحديدا رجال الأعراف،قال تعالى:" وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم"(الأعراف) ومعرفتهم بأحوال أجيالهم من المسلمات، وبهم يتميز المؤمن من غيره، ومجال التصرف عندهم في الآخرة مما أتاحه الله تعالى لهم، قال تعالى:"ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون*أهؤلاء الذين  أقسمتم لا ينالهم الله برحمة أدخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون." الأعراف 48/49

وعلى الذين استكثروا على علي عليه السلام أن يكون قسيم الجنة والنار، أن يلتفتوا إلى أنه هو أول الأوصياء الإثني عشر، ومقدم رجال الأعراف، وصاحب لواء النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الدنيا والآخرة، ومن ميز به الوحي المؤمن من المنافق بحبه أو ببغضه" يا علي لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق"(رواه مسلم/كتاب الايمان) وهو الذائد عن حوض النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

وبعد هذه الأدلة المتناهية في الوضوح، هل بقي للمعاندين شيء يلوذون بسرابه الواهم دفعا للحق الذي أناخ بساحة علي عليه السلام فلم يغادرها في أعين المبصرين إلى غيره؟
إن منتهى مقال القائلين بخلاف الإمامة الإلهية مسألتان لا ثالث لهن:

الأولى: استدلالهم على أفضلية صاحبهم بآية الغار،قال تعالى:" ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها..."(التوبة)

الثانية: ادعاءهم صلاته بالناس في مرض النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
وقد تبين بطلانهما معا،ففي الغار كان الرجل خارجا مستثنى من السكينة التي نزلت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بسبب عدم اتحاد نيته ومقصده مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بينما نزلت السكينة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلى المؤمنين في حنين بسبب اتحاد النية والمقصد.

أما في ما تعلق بصلاته بالناس فمردودة من جهة تعيينه شخصيا في جيش أسامة لمحاربة الروم من جهة ،ولم يرد خبر عن استثنائه منه للصلاة بالناس من جهة ثانية، بل ورد ما يفيد تقيده بالأمر وخروجه إلى خارج المدينة حيث يعسكر الجيش من جهة ثالثة، واضطراب واختلاف الروايات في شان تلك الصلاة المزعومة من جهة رابعة،دل على انها محاولة لإبراز فضيلة لغاصب السلطة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، تغطي خلل تسلمها بتلك الطريقة الانقلابية.

إن الذين ذهبوا في مسألة الحاكمية الإسلامية، إلى نفي الإمامة الإلهية، وكذبوا وصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيها، قد استندوا في بنائهم المخالف للنص، على نظرية الشورى في تعيين من سيلي الأمر بعد مرحلة النبوة، لكن نظريتهم تلك لم يكن لها أساس صحيح في الشورى نفسها،لأن صفقة السلطة قد أبرمت في غير مكانها المؤهل لذلك، فجرت فلتة كما عبر عنها أحد صناعها، وكانت سقيفة بني ساعدة محل تأسيسها، عوضا عن المسجد الذي أسس على التقوى، ثم انتقضوا الشورى بتعيين الأول للثاني، وتعيين الثاني للثالث عبر صهره، إسداء ليد قدمها لهما بنو أمية.

خالف المنكرون للنص على الامام شروط الامامة، وتعسفوا عليها حتى تلقفها الفسقة والفجار، ولووا عنق الشورى وكبتوا أنفاسها، حتى تحولت الى دكتاتورية وملك وولاية عهد، وركنوا النصوص النبوية على خلفية أنها ليست قطعية الدلالة" كما قال صاحبهم الاول ان النبي ليهجر وحسبنا كتاب الله." فشوشوا أمر الامامة على الامة.  

ظلم الصفوة الطاهرة عليهم السلام ذهب بالإمامة عنهم بعيدا عنهم، فقد أسس عدد من الصحابة أساس ذلك، فأقصوهم عن مقامهم في الأمة، وبهتوا منزلتهم، إلى درجة لعنهم وسبهم،واستمر الأمر على ذلك طيلة 82 سنة، ومقدمة لتشريدهم وقتلهم، واستمر ذلك قرونا عديدة، ولا أدل على الحيف الذي لحق بهم، من جحدهم حقهم في الصلاة عليهم مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فنرى أن مخالفيهم يتعمدون حذفهم من الصلاة، فيقتصرون عند ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالقول(صلى الله عليه وسلم) رغم النهي النبوي عن هذه الصلاة البتراء.

محمد الرصافي المقداد


 عرض التعليقات
لا توجد تعليقات!
 إضافة تعليق
الإسم: *
البلد:
البريد الإلكتروني:
التعليق: *
التحقق اليدوي: *