القائمة الرئيسية:
 أقسام أخبار المستبصرين:
 أقسام المقالات:
 أقسام مكتبة الكتب:
 كتاب عشوائي:
 صورة عشوائية:
 القائمة البريدية:
البريد الإلكتروني:
 المقالات
المسارالمقالات » كتابات المستبصرين » إلى الدكتور عائض القرني:أما آن لكم أن تفهموا وتعوا؟

إلى الدكتور عائض القرني:أما آن لكم أن تفهموا وتعوا؟

الكاتب: محمد الرصافي المقداد | القسم: كتابات المستبصرين | 2009/08/15 - 11:38 PM | المشاهدات: 1208

إلى الدكتور عائض القرني:أما آن لكم أن تفهموا وتعوا؟

نشرت الشرق الاوسط في عددها 10997ليوم الثلاثـاء 09 محـرم 1430 هـ   مقالا للدكتور عائض القرني، بعنوان :يوم عاشوراء يوم شكر لا يوم نياحة.هذا ردي عليه:

كلامك جاء كالخشب المسوّس الذي لا يصلح للتدفئة ولا للصناعة، وحاولت أن أقربه من العقيدة فامتنعت عنه، وأدرت عنقه نحو السياسة فأبت أن تناديه بلغتها.
لقد انصرم زمن كبت العقول، وحصر الفكر في أطر أضيق مما أعطاه الله له من رحابة، ولم يعد للموروث مكان يحتمي فيه من هجمات العقلاء، سوى أدمغة المتعصبين والمتحجرين.

نحن اليوم نعبد الله ونتعامل مع دينه القيم بوعي وفهم، فلا يمكن أن نقنع بأمر متعلق به الا اذا استوفينا النظر في حيثياته،فما استوثق من وجهتيه الروائية والمعنوية(سندا ومتنا) رفعناه شعارا، ولبسناه دثارا، وعملنا بمقتضاه ليلا ونهارا،وما كان خلاف ذلك جعلنا بيننا وبينه جدارا، وأوقدنا له في ضمائرنا نارا، تأتي عليه جهارا.

لقد تحدث العلماء الأعلام، وكتب ذوو الأفهام، في خصوص ما ورد بشأن عاشوراء، من روايات صبّت في إطار تحويل وجهتها، واغتصاب حقيقتها، من يوم مصيبة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم،و أهل بيته عليهم السلام، إلى يوم فرح وسرور، وصوم مخصوص تقربا الى الله تعالى.

إن الذي بيننا وبينكم نصوص روائية، إن صحت نسبتها للنبي صلى الله عليه وآله وسلم عملنا بها جميعا، حيث ليس لنا سوى السمع والطاعة، وإن إختلت نسبتها، وانقطع حبل اتصالها بالنبوة والوحي، نبذناها وراء ظهورنا بكل حزم وعزم، وتركناها بالعراء غير مخفية، حتى لا يطمئن اليها الغافلون، ولا يأنس لها الجاهلون، إذ يكفينا جريا وراء نصوص لم تصح رواية، ولا صحت دراية.

لقد اضطربت روايات صوم يوم عاشوراء اضطرابا شديدا، دل على أنها قد لفّقت من طرف أناس، كانت لهم مصلحة في نشر مثل تلك المفتريات، لعل أهمها صرف المسلمين عن واجبهم نحو النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مودة قرباه، ومواساتهم في يوم محنتهم،في العاشر من شهر محرم  سنة 61 هجرية، وهو حكم ملزم لكل مسلم منذ أن نزل، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

لما نزلت هذه الآية ﴿  قُل لا أسألُكُم عَليه أجراً إلاّ المودَّةَ في القُربى  ﴾ قالوا : يارسول الله ، من قرابتك هؤلاء الذين وجّبت علينا مودتهم ؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم) : علي وفاطمة وولداهما ) الدر المنثور | السيوطي 6 : 7 ، وروي الحديث أيضاً في : فضائل الصحابة | أحمد بن حنبل 2 : 669 | 1141 . والمستدرك على الصحيحين 3 : 172 . وشواهد التنزيل | الحسكاني 2 : 130 من عدّة طرق . والصواعق المحرقة | ابن حجر : 170 . وتفسير الرازي 27 : 166 . ومجمع الزوائد | الهيثمي 9 : 168 . والكشاف | الزمخشري 4 : 219 . وذخائر العقبى | المحب الطبري : 25 . 

وكما لا يخفى، فإن من أبسط مستلزمات مودة قربى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، الفرح لفرحهم والحزن لحزنهم، في أقل مواساة مقبولة، وأوسطها موالاة أوليائهم ، ومعاداة أعدائهم، وأعلاها فداءهم بالنفس والمال والولد، وتوطين النفس على الإلتزام بنهجهم والسير في طريقهم الذي وصفه الله تعالى في كتابه بالمستقيم.

واضطراب روايات فضل يوم عاشوراء، جاء من جهة دلت على أن الفاعل هو نفسه الذي ارتكب الجريمة الفظيعة، و وحبك خيوط الفاجعة الرهيبة باصرار وترصد، بغية اعفائها من وجدان الامة الاسلامية، والتغطية عليها بروايات مختلقة لم تستقر على رأي واحد، يحدد سمة ذلك اليوم.

ففي رواية منسوبة الى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صام عاشوراء، فلما فرض رمضان ترك صوم عاشوراء.(السيرة الحلبية ج2ص132)
وفي أخرى منسوبة إلى عائشة:كان عاشوراء يوما تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله يصومه موافقة لهم، ولم يأمر أحدا من أصحابه بصيامه.(السيرة الحلبية ج2 ص132 )

وفي ثالثة منسوبة إلى ابن عباس أن رسول الله (ص) قدم المدينة يوم عاشوراء فوجد اليهود صيام، فقال: ما هذا؟ قالوا هذا يوم أغرق الله تعالى فيه فرعون وأنجى فيه موسى، فقال(ص):أنا أولى بموسى،فأمر رسول الله (ص) بصومه(ص133 )
ورابعة نسبت إلى خارجة بن زيد قال:ليس يوم عاشوراء اليوم الذي تقوله الناس، إنما كان يوم تستر فيه الكعبة، وتلعب فيه الحبشة عند رسول الله(ص) وكان يدور في السنة.

وسادسة أنه اليوم الذي نجى فيه الله عشرة أنبياء هم:آدم/ نوح/إدريس/إبراهيم/يوسف /يعقوب/ يونس/ داود/ أيوب/موسى.

وسابعة زادت على عدّتهم:إسماعيل وسليمان ومحمد(ص) ونزول التوراة على موسى، وأول يوم خلق من الدنيا، وأول مطر، وأول رحمة نزلتا يوم عاشوراء، فمن صام عاشوراء، كمن صام الدهر(ص134 )

وثامنة فيها إظهار الزينة بالخضاب والإكتحال ولبس الجديد وطبخ الحبوب والأطعمة والإغتسال والتطيب. وقد اعترف الحلبي أنها من وضع الكذابين، فقال:والحاصل، أن الرافضة اتخذوا ذلك مأتما، يندبون وينوحون ويحزنون فيه، والجهال اتخذوا ذلك موسما.(ص134)

وتاسعة الحث فيه بالتوسعة على العيال، علله الحلبي بقوله:وإن لم يكن صحيحا فهو حسن.(نفس المصدر)

مع أن الحلبي، قد اعترف بأن اليهود يخالفوننا في التقويم، فهم يعتمدون التقويم الشمسي، والعرب في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، يعتمدون التقويم القمري،وقال:وفي كونه(ص) وجدهم صائمين لذلك اليوم  إشكال لأن يوم عاشوراء هو اليوم العاشر من شهر الله المحرم، فكيف يكون في ربيع الاول؟ وأجيب بأن السنة عند اليهود شمسية لا قمرية، فيوم عاشوراء الذي كان عاشر المحرم، واتفق فيه غرق فرعون، لا يتقيد بكونه عاشر المحرم، بل اتفق في ذلك الزمن أي  زمن قدومه(ص)(ص133)

ولئن كفانا الحلبي مؤونة باعترافه الصريح ببطلان توافق التقويمين اليهودي والعربي،فان تعذره بتوافق قدوم النبي بذلك اليوم عند اليهود زائغ عن الصواب، لما لا يخفى من عدم حصول ذلك التوافق المزعوم، وان سلمنا باتفاق وصوله صلى الله عليه وآله وسلم مع تعظيم اليهود وصيامهم لذلك اليوم، فما ذنب شهر محرم ويومه العاشر، حتى ننسب احتفال اليهود به؟

وكيف لمسلم أن يفرح في يوم فاجعة، لم يشهد التاريخ لبشاعتها مثيلا ،في الإصرار على قتل صفوة خلق الله، لمجرد نصوص روائية متداعية متهالكة ومتناقضة إلى أبعد حد،في مقابل علمنا يقينا بأن ذلك اليوم هو من أكثر الأيام سوادا وقتامة وظلمة على الأمة الإسلامية؟

وكيف نقبل بأن نتعبد برواية فاقدة للمنطق والحجة، ونترك درايتنا بأن ذلك اليوم هو يوم مصيبة وحزن وأسى للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولعلي  ولفاطمة والحسن وبقية أهل البيت عليهم السلام؟

نعم، يستطيع الجاهل أن يغلّب وهمه على العلم الثابت،لكنه لا يلزم فيه إلا نفسه.
ونستطيع أن نجزم بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يستمد معلوماته من اليهود بل يستمدها من الوحي،وهذا من مرجحات رد الرواية .

هذا من جهة الرواية، أما من حيث الدراية، فدرايتنا هي مودة قربى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، حكما قرآنيا وبيانا نبويا، لا دفع لهما سوى بالإمتثال.

وعلمنا ثابت في أنه صلى الله عليه وآله وسلم قد بكى حسينا عليه السلام، عندما أنبأه جبرائيل بمقتله زمانه ومكانه.

وأن حسينا واهل بيته عليهم السلام، وخيرة أصحابه ،قد قضوا عطشا وقتلا، وسبي حريم آل محمد في ذلك اليوم، وانتهبت واحرقت خيامهم، ونزلت بهم من المصائب في ذلك اليوم، ما لا يستطيع تحمله إلا هؤلاء.

فثبت عند العقلاء مقتل أبي الاحرار عليه السلام في ذلك اليوم، ولم يثبت ما سواه، ولو كان هناك رحمة في ذلك  اليوم لما أستثني منها سبط النبي وأحرقت خيامهم و ريحانته.

فإلى متى سيتواصل الإجحاف في حق أهل البيت عليهم السلام، والذي هو في حقيقته، إحجاف في حق كل من يسلك طريق تجاهلهم، والإزدراء بحقوقهم الواجبة على جميع المسلمين؟    

إن الذين قتلوا الحسين عليه السلام، لم يقتلوه وحده، بل أرادوا بقتله قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والفتك بدينه، والدوس على قرآنه وشريعته، والإستهتار بالآخرة، وموقع الحسين عليه السلام منها، من جهة كونه سيد شباب أهل الجنة.

والذين سكتوا على قتله، هم شركاء في الجريمة، لأن السكوت يعبر عن جهل بالحسين عليه السلام، ورضا بما حصل له من بلاء.

والى الذين يستنكرون بكاءنا وحزننا على الحسين عليه السلام، أقول لهم دعونا وشأننا، لماذ تستكثرون علينا هذا الامر؟ هذه إحدى وسائلنا إلى الله تعالى، نرفعها في كل مناسبة شعارا وسمة من سماتنا، نرجو بها القبول.

ولعل أبلغ ما يمكن أنواجه به جحافل المستنكرين، وقطعان الناعقين ما نقله ابن كثير عن علي بن الحسين‏:‏ عن جده رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏‏ما من مسلم يصاب بمصيبة، فيتذكرها وإن تقادم عهدها، فيحدث لها استرجاعاً، إلا أعطاه الله من الأجر مثل يوم أصيب منها‏‏‏.‏البداية والنهاية،الجزء الثامن أحداث سنة  61  هجرية/ رواه الإمام أحمد وابن ماجه‏.‏

وفي الأخير أقول، إن البكاء على سيد شباب أهل الجنة عليه السلام، علمنا الاحساس والشعور بالإنسانية المضطهدة والمعذبة والمستباحة، فنهضة الحسين بن علي عليهما السلام، في العاشر من شهر محرم الحرام علمتنا كيف نحمي ديننا، وأعطتنا من الدروس البليغة في التضحية، ما يهون علينا فقد الأعزة والأحبة، إذ ليس هناك بالنسبة لنا أعز من الحسين وأهل بيته عليهم السلام.

وفي الأخير ألفت نظر القراء الكرام إلى أننا ابتلينا كمسلمين، بنسبة لا يستهان بها من الروايات، التي وضعها الظالمون تبريرا لجرائمهم، واختلقها المتزلفون طلبا للدنيا، وتنفيذا لرغبة الطغاة في إمضاء ذلك، فتوجب الحذر من هذا الموروث، الذي أثقل كاهل الأمة، وابتعد بها عن الحق، ولا أعتقد بصلاح حالها إلا اذا طوت صفحة المزايدات، وداست على جميع المفتريات.

أسأل الله تعالى أن يبصر الأمة الإسلامية بما لحقها من زيف، وطال جميع أوجه دينها عقيدة وشريعة، وفإنه لا معين إلا إياه عليه توكلت وإليه أنيب.


 عرض التعليقات
لا توجد تعليقات!
 إضافة تعليق
الإسم: *
البلد:
البريد الإلكتروني:
التعليق: *
التحقق اليدوي: *