القائمة الرئيسية:
 أقسام أخبار المستبصرين:
 أقسام المقالات:
 أقسام مكتبة الكتب:
 كتاب عشوائي:
 صورة عشوائية:
 القائمة البريدية:
البريد الإلكتروني:
 المقالات
المسارالمقالات » كتابات المستبصرين » الـتوحـيد بين تنزيه أهل البيت عليهم السلام وتشبيه غيرهم

الـتوحـيد بين تنزيه أهل البيت عليهم السلام وتشبيه غيرهم

الكاتب: محمد الرصافي المقداد | القسم: كتابات المستبصرين | 2009/08/26 - 12:58 AM | المشاهدات: 1160

الـتوحـيد بين تنزيه أهل البيت عليهم السلام وتشبيه غيرهم

بسم الله الرحمان الرحيم

المقدمة
يمثل التوحيد في العقيدة الإسلامية رأسها ودعامتها، ومن دون توحيد سليم قائم على معرفة صحيحة لا يكون البناء العقائدي قويا وثابتا لدى الفرد المسلم. لذلك حث المولى سبحانه وتعالى مخلوقاته العاقلة على الأخذ بأسباب العلم لبلوغ الغاية من المعرفة في التوحيد وفي سائر العقائد الإسلامية الأخرى ، فقال في محكم تنزيله :" فأعلم أنه لا اله إلا الله ." (1) وقال أيضا :" شهد الله أنه لا اله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا اله إلا هو العزيز الحكيم".(2)
فالآيتين تشيران إلى أن العلم هو الطريق الوحيد والمسلك الرشيد لبلوغ أركان العقيدة وأعلى مراتب التوحيد. لذلك لم يجز على المسلم أن يكون مقلدا في التوحيد وفي سائر العقائد، ووجب عليه أن يسلك من اجل تحصيل العلم بذلك سبيل البحث والتأمل تثبيتا لدعائم الإيمان وتزكية للفطرة التي فطر الخلق تعالى الناس عليها.
وطبيعي أن ينتهج الناس في قناعاتهم وانتماءاتهم العقائدية كل طريق ممكن تبعا لما ألزموا به أنفسهم ، ووطنوا عليه عقولهم وأفئدتهم. لذلك فانك قد لا تجد مخلوقين متساويين في المعرفة عموما وفي إدراك كنه الخالق خصوصا وتوحيده ، كما جاء في الأثر:" الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق." على أن هنالك حدا أدنى لا تستقيم العبادة إلا به، ولا يقبل المولى تعالى إلا ببلوغه ، وهو أن لا تطرأ على الفطرة التي فطر الناس عليها شيء من التبعية أو التقليد السقيم الذي ابتليت به الأمة.
وحسب قراءتي للحقبة الأولى من تاريخ الإسلام ، فانه لم تنشأ في المسلمين فرقة تبنت رأيا شاذا عن المسار العام للعقيدة ، إلا ما صدر من تساؤل حول القضاء والقدر ، والذي أوجد الإرجاء المزكى من طرف حكومات بني أمية التي مارست الظلم والقهر في ابشع مظاهره ، ثم كتبرير لتلك المظالم نسبتها إلى الله تعالى أرجأت بذلك محاسبة مقترفيها إلى يوم القيامة.
نعم قد كان هناك خلاف حول مسألة الإمامة الكبرى ، هل هي من مشمولات الباري تعالى كالنبوة؟ أم إنها تخص الناس ، لهم وحدهم الحق في اختيار من يحكمهم بعيدا عن الوحي وأحكامه ؟

وقد أثر ذلك الخلاف في وحدة المسلمين وتماسكهم فانقسموا وظهرت عليهم أعراض الضعف والوهن، وخرجت من بينهم فرق إسلامية المظهر، منحرفة الجوهر. وزاد في تعميق الانحراف وتأصيل الاختلاف إصرار أنظمة الظلم والجور على التمادي في تغريب الأئمة الشرعيين والقادة الهداة الربانيين عن الأمة وفصلهم عن دورهم بالسجن والإقامة الجبرية، وقتلهم صبرا أو دس السم لهم غيلة وغدرا.ومقابل ذلك سعت إلى تشجيع أشباه علماء وفقهاء بلاطاتها ، فخرجوا للناس بتصورات بعيدة عن الدين ، تخدم مصالحها وتشد ازر سلطانها، محرمة الخروج عليها وملزمة الناس باتباعها ، فأخذها العامة وعملوا بها والناس على دين ملوكهم.

وكان أشد الدين ضررا من ذلك المنحى الجانب العقائدي ، وباعتبار أن صحة الدين متعلقة بصحة المعتقد ، فقد كان توجه المناوئين للدين والدخلاء عليه للإيقاع به من ذلك الباب ، فنجحوا في التمويه على جم غفير من المسلمين بوضع أحاديث نسبوها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، واختلاق تأويلات غريبة لكثير من الآيات القرآنية ن فأخذ جانب من المسلمين تلك المرويات اخذ المسلم بصحة صدورها عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فتعبدوا بها، وتقربوا بها إلى الله زلفى ، و هم يعتقدون صدورها عن الوحي والنبي صلى الله علبيه وآله وسلم ، فلم تزدهم من الإسلام الحق إلا بعدا وانحرافا، وعن المولى تعالى إلا تنكبا وانصرافا ، وكيف يكون لهم حظ من معرفة صحيحة وقد بهتوا دينهم وقوضوا عقيدتهم بأخذها عن كل من هب ودب ، بعنوان صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، تاركين الأولى بالإتباع والأخذ عنهم والتعلم منهم ، لأنهم الباب الذي أمروا بإتيانه والدخول منه إلى الدين الحقن، وكل من جاء من غير الباب فقد خالف أمر الله تعالى. وحتى يتسنى لنا إماطة اللثام عن تلك المعتقدات الباطلة، وينصرف بحثنا نحو وجهته الصحيحة لا بد من الانطلاق من البداية فنقول:

لا يختلف عاقلان في القول بأن خالق الكون والحياة موجود ، وآياته وآثاره خير شاهد عليه.فإذا تأملنا في حالنا وما يحيط بها من أجرام وما يتخللها من حالات الطلوع والأفول ، وما يحيط بها من هواء، ورياح وغازات وسحاب، وأمطار وجبال وبحار ، وما بث فيها من الذرات إلى أعظم المخلوقات ، لعلمنا أن خالقها مبتدع الكون كله ، ظهر ببديع صنعه لخلقه فلا شيء أجلى من آثاره ، وليس أدل منها على وجود المؤثر وعظمته.
ولو أمعنت الفكر في السماء ومن بناها، وزينها بما يصل إلى بصرك من ضوء كواكبها ، منها ما قد يكون اندثر قبل وصوله إليك؟ ومن أمسك تلك الكتل العظيمة في مواقعها ، وأجرى لها
مجاري ثابتة ومتحركة ؟ وما استقرت عليه قدماك من فلك الأرض؟ من يمسكها بقدرته ويجريها بألطافه ورحمته؟هل تحس لها من حركة وهي تدور حول نفسها في اليوم والليلة بسرعة تفوق الألف والستمائة كيلومتر في الساعة ؟ غير سرعتها التي حول الشمس، فسبحان من لطف السرعة، وخفف الكثافة، وشد إليها ما ليس مركوزا فيها .

والمتأمل في خلق نفسه كيف لم يكن شيئا، ثم أودع في الأصلاب ، وقر في ظلمات ثلاث ، نطفة امتزجت ببويضة ، فصارت علقة ثم تحولت إلى مضغة ثم تكونت عظاما ثم كسيت لحما، فتبارك الله أحسن الخالقين، وفي اختلاف الخلق آيات للعالمين ، منهم من جعل له شهوة بلا عقل ، ومنهم من جعل له عقلا بلا شهوة، ومنهم من أودع فيه العقل والشهوة، وميزهم على بعض ، فقدم من أودع فيه الشهوة والعقل لتكون صفوته المفضلة على جميع مخلوقاته، منهم الظاهر ومنهم المستتر، ومنهم من يمشي على قدمين ومنهم من يمشي على أربع، ومنهم من يزحف على بطنه، ومنهم الطائر في الجو ، تعدت مخلوقاته وتنوعت أصنافها، فتبارك خالقها وجل مبتدعها .
قال تعالى :" ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون * ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون * ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون * ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون * ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل من السماء ماء فيحي به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون * ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون"(3)
وإيمان المخلوقات بوجود الخالق فطري أودعه فيها، ليكون منطلقا للمعرفة وأساسا لها.
قال تعالى:"فطرة الله التي فطر الناس عليها." (4) قال الإمام أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام في تفسير معنى الآية :" فطرهم على التوحيد."(5)
وذلك الإيمان الفطري يشمل جميع الكائنات العاقلة وغير العاقلة، حتى الجمادات التي لا نتصور فيها حياة، توحد الخالق وتعبده وتسبحه. قال تعالى:" وان منها لما يهبط من خشية الله."(6) وقال أيضا:"وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون."(7) وقال أيضا :" وان من شيء إلا يسبح بحمده."(8)
ولم تكن الفطرة وحدها دالة على الخالق سبحانه وتعالى، فقد جعل في خلقه أثرا موصلا له ، ثم اصطفى منهم أدلاء عليه، جعلهم أبوابا إلى معرفته ، وطريقا إلى رحمته، وسببا لرضوانه ، فمن تمسك بهم وعمل بهديهم ، عرفهم فعرفوه، فقد عرف ربه حق المعرفة، ومضى إلى دينه على بصيرة من أمره . ومن حاد عنهم، واتبع املاءات أئمة سلاطين الجور،وإيحاءات فقهاء حكام الفجور ، فقد جهلهم وجهلوه، ولم يهتد إلى سبيل الرشد وسبب النجاة، لم يعرف له ربا غير الوهم الذي صور له، يعبده فلا يجد له حقيقة.
وتوجه البشر نحو معرفة الخالق تعالى، كتوجه سائر المخلوقات العاقلة، كما في الحديث المأثور عن الأئمة الهداة عليهم وعلى سيدهم أفضل الصلاة وأزكى السلام :" إن الله قد احتجب عن العقول كما احتجب عن الأبصار، وان الملأ الأعلى يطلبونه كما تطلبونه."(9 )

وكل ما علمناه من أصناف الملائكة وفرق الجان ، وما لم نعلمه من مخلوقات الخالق الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء ، سالكون طريق المعرفة، باحثون عن كنه الخالق تعالى . وليس هناك كائن أقرب إلى تمام المعرفة وكمالها ، بل وهو حائز على لبها وجوهرها، غير سيد الكائنات ومجتبى الخلق من المخلوقات ، أفضل من وحد ، وسيد من عبد وحمد ، إمام المرسلين أبي القاسم محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فعروجه إلى السماوات العلى، وبلوغه إلى ما قصر عنه الروح القدس ، دليل على انه لا يوجد مخلوق بلغ الغاية من معرفة الخالق غيره، ويتلوه شاهده ووزيره وأخيه في مرتبة المعرفة،أمير المؤمنين ووارث علمه وعلوم النبيين، وقائد الغر المحجلين، ومن بيده الشريفة لواء الحمد يوم الدين علي بن أبي طالب عليه السلام .

ولكي لا نقع فيما وقع فيه غيرنا من انحراف وزيغ عن أسس الدين وثوابته، وجب علينا الاقتصار في أخذ معالم الدين، عمن جعلهم المولى سبحانه وتعالى أبوابه والدلاء عليه ، والناظر في تراثهم يدرك حقيقة علومهم، وصدق ما ورثوه عن جدهم ، ويرى باقي المسلمين عيالا عليهم ، ولو أن كل المسلمين ثابوا إلى رشدهم من بهرج الظلمة ، وسراب سنة الصحابة ، التي لا يزالون يعتمدون على مجملها، بما حوته من سقيم وموضوع ، لوجدوا فيمن أذهب الله تعالى عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ملاذا وعصمة ، لأنهم وحدهم من امتلك حقائق هذا الدين ظاهرا و باطنا ، واليهم رجع المنقطعون، وبهم نجا المتحيرون، كما كان شأن أصحاب القرون الثلاثة الأولى. وفي هذه الدراسة دليل على أن من أوكل إليهم المولى أمر دينه، وأعطاهم ولاية أمر المسلمين ، أحق بالطاعة والإتباع من مجهولي الحال، أو متعاوني أئمة الجور والضلال ، فماذا قال أهل البيت عليهم السلام في التوحيد ؟ وماذا قال غيرهم ممن ينتسب للإسلام انتسابا ويتخذ من مظهره جلبابا؟

هذه الحقيقة لم يكن من السهل على وارث للخط السني (الأشعري) مثلي أن يصل إلى فك رموزها ، ومعرفة دقائق أمورها ، لولا ألطاف الباري تعالى وعنايته لما أدركت طريق الهداية ، ولما استمسكت بحبل الولاية ، عندها تيقنت أن مسيرتي العبادية الأولى كانت سرابا ووهما في شكل معرفة لا أثر لها على النفس ، ولا رابطة، بينها وبين الرب تبارك وتعالى. ولما غصت في مصفى نبع علوم أهل البيت عليهم السلام، بما فيه من عقائد وشرائع وعبادات وأخلاق ، وسير عطرة بمعاني الإسلام النقي الصافي ، أيقنت بالنجاة ، وانفتح قلبي وعقلي نحو آفاق رحبة من المعارف الحقة لعقائد الدين وأحكامه.

إن المتأمل في أمهات كتب الإمامية الإثني عشرية ، يلاحظ اهتماما بالغا ما انفك يوليه أئمة أهل البيت عليهم السلام لكل ما يتعلق بالدين عقيدة وشريعة . وقد جاء من آثارهم ما أظهره تصديهم لكل دخيلة في الدين جاء بها متفيقه لم يحصل غير اللعق ، حتى إنهم كانوا يتحسسون مواضع الداء قبل استفحاله ، فيعطوه اهتمامهم ويمنحوه الأولوية في الإصلاح.
ففي يوم معركة الجمل التي أبتلي بها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وقف يرد على رجل من جنده عندما سأله قائلا :أتقول إن الله واحد؟.
فحمل الناس عليه وقالوا: يا أعرابي أما ترى ما فيه أمير المؤمنين من تقسيم القلب ؟
فقال أمير المؤمنين عليه السلام:" دعوه فان الذي يريده الأعرابي هو الذي نريده من القوم.
قال:" يا أعرابي إن القول أن الله واحد على أربعة أقسام ، فوجهان منهما لا يجوزان على الله عز وجل ووجهان يثبتان فيه. فأما اللذان لا يجوزان عليه فقول القائل واحد يقصد به باب الأعداد فهذا ما لا يجوز لأن ما لا ثاني له لا يدخل في باب الأعداد ، أما ترى أنه كفر من قال ثالث ثلاثة . وقول القائل هو واحد من الناس يريد به النوع من الجنس فهذا ما لا يجوز عليه لأنه تشبيه ، وجل ربنا وتعالى عن ذلك. أما الوجهان اللذان يثبتان فيه فقول القائل هو واحد ليس له في الأشياء شبيه كذلك ربنا عز وجل ، وقول القائل انه ربنا عز وجل أحدي المعنى ، يعني أنه لا ينقسم في وجود ولا عقل ولا وهم كذلك ربنا عز وجل."(10)

ومن هذا النص نستشف أن أمير المؤمنين سلام الله عليه لم يكن في حروبه الثلاثة التي ألجئ إليها بعد النبي صلى الله عليه وآله مدافعا عن مركزه كإمام للمسلمين ، وإنما خرج ليدفع عن الدين ما بدأ يعتريه من دخائل غريبة عنه وليست منه. فقوله عليه السلام :"دعوه فان الذي يريده الأعرابي هو الذي نريده من القوم."دليل على أن وقائع الجمل وصفين والنهروان ، كانت كلها حروب تصحيحية ، من أجل الحفاظ على نقاوة الإسلام المحمدي النبوة، العلوي الإمامة مصداقا لقوله صلى الله عليه وآله وسلم :"إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله.
فاستشرف لها القوم وفيهم أبو بكر وعمر ،
قال أبو بكر : أنا هو ،
قال: لا ،
قال عمر : أنا هو ،
قال : لا، ولكن خاصف النعل يعني عليا(وكان علي سلام الله عليه يخصف نعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحجرة) ،
قال أبو سعيد الخدري : فأتيناه فبشرناه ، فلم يرفع ر؟أسه كأنه قد كان سمعه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. (11)

والتصفح لنهج البلاغة لأمير المؤمنين عليه السلام يلاحظ تعدد الخطب التي تحدث فيها عن الخالق عز وجل مضمنا إياها معالم التوحيد وأساس الاعتقاد السليم ، سأقتصر منها على أربعة خطب ، ومن شاء المزيد فلييمم وجهه شطر البيوت التي أذن الله أن ترفع ، وليقصد القرى التي قدر فيها تعالى أمن الدنيا والآخرة فانه حتما سيجد سؤله ، ويعتصم بحبل الله المتين وعروته الوثقى التي لا انفصام لها، وسيكون في حصن الله تعالى وحرزه ، طالما انه قد اهتدى إلى أبرار الأمة وهداة الدين ومستحفظي الشريعة ، عدل القرآن وكرائمه .
يقول إمام المتقين وقائد الغر المحجلين صاحب لواء الحمد يوم القيامة في الخطبة الأولى:
الحمد لله الذي لا يبلغ مدحته القائلون ، ولا يحصي نعماءه العادون ، ول يؤدي حقه المجتهدون، الذي لا يدركه بعد الهمم ، ولا يناله غوص الفطن ، الذي ليس لصفته حد محدود ، ولا نعت موجود ، ولا وقت معدود ، ولا أجل ممدود ، فطر الخلائق بقدرته ، ونشر الرياح برحمته، ووتد بالصخور ميدان أرضه.
أول الدين معرفته ، وكمال معرفته التصديق به ، وكمال التصديق به توحيده ، وكمال توحيده الإخلاص له ، وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه ، لشهادة كل صفة انها غير الموصوف ، وشهادة كل موصوف أنه غير الصفة، فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه ، ومن قرنه فقد ثناه ، ومن ثناه فقد جزأه ، ومن جزأه فقد جهله ، ومن جهله فقد أشار إليه ، ومن أشار إليه فقد حده ، ومن حده فقد عده، ومن قال فيم فقد ضمنه ، ومن قال علام فقد أخلى منه ، كائن لا عن حدث ، موجود لا عن عدم ، مع كل شيء لا بمقارنة ، وغير كل شيء لا بمزايلة، فاعل لا بمعنى الحركات والآلة ، بصير إذ لا منظور إليه من خلقه ، متوحد إذ لا سكن يستأنس به ولا يستوحش لفقده."(12)

ويقول عليه السلام في الثانية:
الحمد لله الذي بطن خفيات الأمور ، ودلت عليه أعلام الظهور وامتنع عن عين البصير ، فلا عين من لم يره تدركه ، ولا قلب من أثبته يبصره، سبق في العلو فلا شيء أعلى منه ، وقر بفي الدنو فلا شيء أقرب منه، فلا استعلاؤه باعده عن شيء من خلقه ، ولا قربه ساواهم في المكان به ، لم يطلع العقول على تحديد صفته، ولم يحجبها عن واجب معرفته ، فهو الذي تشهد له أعلام الوجود على إقرار قلب ذي الجحود ، تعالى الله عما يقول المشبهون به والجاحدون علوا كبيرا."(13)

وقال عليه السلام في الثالثة:
الحمد لله الذي أعجز الأوهام أن تنال إلا وجوده ، وحجب العقول عن أن تتخيل ذاته في امتناعها عن الشبه والشكل، بل هو الذي لم يتفاوت في ذاته ، ولم يتبعض بتجربة العدد في كماله. فارق الأشياء لا على اختلاف الأماكن وتمكن منها لا على ممازجة، وعلم بها لا بإرادة لا يكون العلم إلا بها وليس بينه وبين معلومه علم غيره. إن قيل كان فعلى تأويل أزليه الوجود، وان قيل لم يزل فعلى تأويل نفي العدم." (14)

وقال عليه السلام في الرابعة:
الحمد لله الذي لا من شيء كان ، ولا من شيء كون ما قد كان ، المستشهد بحدوث الأشياء على أزليته ، وبما وسمها به من العجز على قدرته ، وبما اضطرها إليه من الفناء على دوامه، لم يخل منه مكان فيدرك بانيته ،ولا له شبح مثال فيوصف بكيفيته، ولم يغب عن شيء فيعلم بحيثيته، مباين لجميع ما أحدث من الصفات ، وممتنع عن الإدراك بما ابتدع من تصريف الذوات ، خارج عن الكبرياء والعظمة من جميع تصرف الحالات ، محرم على بوارع ناقبات الفطن تحديده، وعلى غوامض ثاقبات الفكر تكييفه، وعلى غوائص سابحات النظر تصويره، لا تحويه الأماكن لعظمته ولا تدركه المقادير لجلاله ، ولا تقطعه المقائس لكبريائه ، ممتنع عن الأوهام أن تكتنهه وعن الأفهام أن تستغرقه وعن الأذهان أن تمثله ، وقد يئست من استنباط الإحاطة به طوامح العقول ، ونضبت عن الإشارة إليه بالاكتناه بحار العلوم ورجعت بالصغر عن السمو إلى وصف قدرته لطائف الخصوم . واحد لا من عدد ، دائم لا بأمد ، وقائم لا بعمد، ليس بجنس فتعادله الأجناس ، ولا بشبح فتضارعه الأشباح، ولا كالأشياء فتقع عليه الصفات . قد ضلت العقول في أمواج تيار إدراكه ، وتحيرت الأوهام عن إحاطة ذكر أزليته، وحصرت الأفهام عن استشعار وصف قدرته وغرقت الذهان في لجج أفلاك ملكوته، مقتدر بالآلاء ، وممتنع بالكبرياء ، ومتملك على الأشياء ، فلا دهر يخلقه ، ولا زمان يبليه ولا وصف يحيط به وقد خضعت له الرقاب الصعاب في محل تخوم قرارها ، وأذعنت له رواصن الأسباب في منتهى شواهق أقطارها مستشهد بكلية الجناس على ربوبيته وبعجزها على قدرته ، وبفطورها على قدمته ، وبزوالها على بقائه ، فلا لها محيص عن إدراكه إياها ، ولا خروج من إحاطته بها ، ولا احنجاب عن إحصائه لها، ولا امتناع عن قدرته عليها ، كفى بإتقان الصنع لها آية ، وبمركب الطبع عليها دلالة ، وبحدوث الفطر عليها قدمة ، وبإحكام الصنعة لها عبرة فلا إليه حد منسوب ،ولا له مثل مضروب ، ولا شيء عنه محجوب ، تعالى عن ضرب المثال والصفات المخلوقة علوا كبيرا."(14)

إن المتأمل فيما أطلقه أمير المؤمنين وقائد الغر المحجلين ، سيد من علم وعبد بعد النبي أبي القاسم محمد صلى الله عليهما كما هما أهل لذلك ، وكما أوجب ذلك ، يدرك حقيقة التوحيد الذي عليه هذا الرجل الذي لم يظلم أحد في التاريخ مثل ظلامته ، ولو أنك جمعت الشعراء والأدباء والخطباء والعلماء والفلاسفة من الأولين والآخرين على أن يأتوا بمثل أقواله ما استطاعوا الى ذلك سبيلا ، وتلك حقيقة أقر بها كل من اطلع على ما جمع من خطبه عليه السلام، ورأى فيها ذخيرة لمن يسعى المعرفة.
ومثلما سلك الإمام عليه السلام في الاستدلال على الخالق والتعريف به ، بحيث لا يتطرق إلى أقواله تحريف أو تأويل ، سلك الأئمة الهداة من بنيه عليهم السلام مسلكه في البيان والذب عن أركان التوحيد والدين ، كلما سنحت لهم فرصة ، فكانوا على مر العصور حماة الدين ورعاة آثار وتراث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم المبلغ عن رب العالمين . بما استودعوه من علوم صحيحة وأفكار متطابقة صريحة سأقتصر منها على قلة المراجع التي بحوزتي ما طالته يدي من مأثور أقوالهم ومستصفى آرائهم التي هي امتداد لمركز النبوة ، وهدي من نور الإمامة ، فهذا أبو عبد الله الحسين بن علي سيد الشهداء عليه السلام يقول في دعائه الشهير يوم عرفة ، الذي أرهفت له آذان السامعين ، وتحيرت منه عقول الحاضرين و هز نياط قلوب المؤمنين، بما حواه من سبحات القدس ، ولواعج الأنس:

كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك ، أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك ، عميت عين لا تراك ولا تزال عليها رقيبا وخسرت صفقة عبد لم تجعل له من حبك نصيبا."(15)
قوله عليه السلام عميت عين لا تراك إشارة لطيفة إلى بصيرة النفس لا إلى بصر العين لاستحالة رؤية المولى سبحانه وتعالى بالعين البصارة.
وهذا علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام يقول في صحيفة دعائه المسماة بالصحيفة السجادية :" الحمد لله الأول بلا أول كان قبله ، والآخر بلا آخر يكون بعده ، الذي قصرت عن رؤيته أبصار الناظرين ، وعجزت عن نعته أوهام الواصفين، ابتدع بقدرته الخلق ابتداعا ، واخترعهم على مشيئته اختراعا، ثم سلك بهم طريق إرادته ، وبعثهم في سبيل محبته..."
وتعددت أدلة الأئمة من أهل بيت النبوة عليهم السلام في إثبات وجود الخالق وبيان معنى صفاته ، فجاءت متنوعة ومتفاوتة المعاني ، على قدر عقول السائلين .
جاء رجل إلى الإمام أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام فقال له: دلني على معبودي؟ فقال له: اجلس ،وإذا غلام له صغير في كفه بيضة يلعب بها، فقال له عليه السلام : ناولني يا غلام البيضة، فناوله إياها فقال: يا ديصاني هذا حصن مكنون له جلد غليظ ، وتحت الجلد الغليظ جلد رقيق، وتحت الجلد الرقيق ذهبة مائعة وفضة ذائبة ، فلا الذهبة المائعة تختلط بالفضة الذائبة ، ولا الفضة الذائبة تختلط بالذهبة المائعة ، فهي على حالها لم يخرج منها خارج مصلح فيخبر عن صلاحها ، ولا دخل فيها داخل مفسد فيخبر عن فسادها ، لا يدري ألذكر خلقت أم للأنثى تنفلق عن مثل ألوان الطواويس.أترى لها مدبرا؟ قال فأطرق مليا ثم قال : أشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، وأنك إمام حجة من الله على خلقه ، وأنا تائب مما كنت فيه.(16)
وقيل للإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام: يابن رسول الله ما الدليل على حدوث العالم؟ فقال له عليه السلام : انك لم تكن ثم كنت ، وقد علمت أنك لم تكون نفسك، ولا كونك من هو مثلك ."(17)
وسئل أمير المؤمنين عليه السلام بماذا عرفت ربك ؟ قال : بفسخ العزائم ونقض الهمم ، لما هممت فحيل بيني وبين همي ، وعزمت فخالف القضاء والقدر عزمي ، علمت أن المدبر غيري."(19)
وعن إثبات الصانع قال عليه السلام:" البعرة تدل على البعير ، والروثة تدل على الحمير ، وأثر القدم تدل على المسير، فهيكل علوي بهذه اللطافة ، ومركز سفلي بهذه الكثافة ألا يدلان على اللطيف الخبير؟(19)

وتفرد الأئمة من أهل بيت النبوة عليهم السلام في الاستدلالات العقلية والأجوبة المنطقية في التوحيد وغيره من عقائد الإسلام ، مضافا إلى سبرهم لأغوار الوحي ونيلهم العلوم الإلهية ما فاض على أتباعهم معارف وحقائق جعلتهم على بصيرة من أمرهم وجعلت غيرهم من المتنكبين عنهم في حيرة يعبدون الله على حرف أو دونه.
وقد جاء عن الإمام الصادق عليه السلام في جواب الزنديق الذي سأله : لم لا يجوز أن يكون صانع العالم أكثر من واحد؟ فقال عليه السلام : لا يخلو قولك أنهما اثنان من أن يكونا قديمين قويين أو ضعيفين أو يكون أحدهما قويا والآخر ضعيفا . فان كانا قويين فلم لا يدفع كل واحد منهما صاحبه وينفرد بالتدبير؟ وان زعمت أن أحدهما قوي والآخر ضعيف ثبت أنه واحد ، كما نقول للعجز الظاهر في الثاني ، وان قلت إنهما اثنان لم يخل من أن يكونا متفقين من كل جهة أو مفترقين من كل جهة ، فلما رأينا الخلق منتظما والفلك جاريا ، واختلاف الليل والنهار والشمس والقمر، دليل على صحة الأمر والتدبير وائتلاف الأمر، على أن المدبر واحد، ثم يلزمك إذا ادعيت اثنين فلا بد من فرجة بينهما حتى يكون اثنين ، فصارت الفرجة ثالثا بينهما قديما معهما فيلزمك ثلاثة، وان ادعيت ثلاثة لزمك ما قلنا من الاثنين حتى تكون بينهما فرجتان فيكون خمسة ثم يتناهى العدد إلى ما لا نهاية له في الكثرة."(20 )

وعنه أيضا عليه السلام عندما سأله هشام بن الحكم : ما الدليل على أن الله واحد؟ قال:اتصال التدبير وتمام الصنع ،كما قال عز وجل:" لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا."(21 )
وللإمام علي بن موسى الرضا ثامن أئمة أهل البيت عليهم السلام مناظرات واحتجاجات ودروس ومحاضرات في شتى العلوم الإلهية ، تضمنت من الأجوبة الشافية والردود الوافية والقناعات الكافية ، ما ألجم أفواه المشككين، وأثلج صدور المؤمنين ، وقصم ظهر الباطل ، وأعاد الحق إلى نصابه. وقد جاء عنه عليه السلام في التوحيد:
عن محمد بن عبد الله الخراساني خادم الرضا عليه السلام قال:" دخل رجل من الزنادقة على الرضا عليه السلام وعنده جماعة ، فقال لأبي الحسن عليه السلام أرأيت إن كان القول قولكم وليس هو كما تقولون، ألسنا وإياكم شرع سواء ، لا يضرنا ما صلينا وصمنا وزكينا وأقررنا؟
فقال أبو الحسن عليه السلام:"وان يكن القول قولنا وهو قولنا وكما نقول ألستم قد هلكتم ونجونا؟
قال : رحمك الله فأوجدني كيف هو؟
قال: ويلك إن الذي ذهبت إليه غلط وهو أين الأين وكان ولا أين، وكيف الكيف وكان ولا كيف، فلا يعرف بكيفوفية ولا بأينونية ، ولا يدرك بحاسة ولا يقاس بشيء.
قال الرجل : فإذا انه لا شيء إذا لم يدرك بحاسة من الحواس .
فقال أبو الحسن عليه السلام: ويلك لما عجزت حواسك عن إدراكه أنكرت ربوبيته، ونحن إذا عجزت حواسنا عن إدراكه أيقنا أنه ربنا، وأنه شيء بخلاف الأشياء .
قال الرجل: فأخبرني متى كان؟
قال أبو الحسن : فأخبرني متى لم يكن فأخبرك متى كان؟
قال الرجل: فما الدليل عليه ؟
قال أبو الحسن : إني نظرت إلى جسدي فلم يمكني زيادة ولا نقصان في العرض والطول ، ودفع المكاره عنه وجر المنفعة إليه علمت أن لهذا البنيان بانيا فأقررت به مع ما أرى من دوران الفلك بقدرته وإنشاء السحاب وتصريف الرياح ومجرى الشمس والقمر والنجوم وغير ذلك من الآيات العجيبات المتقنات علمت أن لهذا مقدرا ومنشأ .
قال الرجل: فلم احتجب ؟
قال أبو الحسن : إن الحجاب على الخلق لكثرة ذنوبهم ، فأما هو فلا يخفى عليه خافية في آناء الليل والنهار.
قال : فلم لا تدركه حاسة الإبصار؟
قال : للفرق بينه وبين خلقه الذين تدركهم حاسة الإبصار منهم ومن غيرهم ، ثم هو أجل من أن يدركه بصر أو يحيطه وهم أو يضبطه عقل.
قال : فحده لي ؟
قال : لا حد له.
قال : ولم ؟
قال : لأن كل محدود متناه إلى حد ، وإذا التحديد احتمل الزيادة ، وإذا احتمل الزيادة احتمل النقصان، فهو غير محدود ولا متزايد ولا متناقص ولا متجزئ ولا متوهم...إلى آخر الحديث.(22)

حدثنا علي بن الحسن بن فضال عن أبيه قال سألت الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام عن قول الله عز وجل :"كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون."
فقال إن الله تعالى لا يوصف بمكان يحل فيه فيحجب عنه فيه عباده ، ولكنه يعني إنهم عن ثواب ربهم محجوبون.
قال وسألته عن قول الله عز وجل :" وجاء ربك والملك صفا صفا."
فقال إن الله تعالى لا يوصف بالمجيء والذهاب تعالى عن الانتقال إنما عني بذلك وجاء أمر ربك والملك صفا صفا.
قال وسألته عن قول الله عز وجل :" هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة ."
قال :" يقول هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله بالملائكة في ظلل من الغمام.
قال وسألته عن قوله تعالى :" سخر الله منهم." وعن قوله:" الله يستهزئ بهم." وعن قوله:"ومكروا ومكر الله." وعن قوله:"يخادعون الله وهو خادعهم."
فقال إن الله تعالى لا يسخر ولا يستهزئ ولا يمكر ولا يخادع ولكنه يجازيهم جزاء السخرية وجزاء الاستهزاء وجزاء المكر والخديعة تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا.(23)

وعن الحسن بن سعيد عن أبي الحسن الرضا عليه السلام في قوله عز وجل :" يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود." قال حجاب من نور يكشف فيقع المؤمنون سجدا، وتدمج أصلاب المنافقين فلا يستطيعون السجود."(24)
ومن ذلك المثال العربي : كشفت الحرب عن ساق.أي أظهرت نتيجتها .
عن محمد بن عبيدة قال سألت الرضا عليه السلام عن قول الله عز وجل لإبليس :" ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي." قال عليه السلام:" يعني بقدرتي وقوتي."(25)
وعن الحسين بن خالد قال قلت للرضا عليه السلام : يابن رسول الله إن الناس يروون أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال:" إن الله عز وجل خلق آدم على صورته." فقال قاتلهم الله ، قد حذفوا أول الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مر برجلين يتسابان فسمع أحدهما يقول لصاحبه:" قبح الله وجهك ووجه من يشبهك." فقال صلى الله عليه وآله :" يا عبد الله لا تقل هذا لأخيك فان الله عز وجل خلق آدم على صورته." (26)
فيكون الضمير عائدا على الرجل الذي وقع عليه السب.

وعنه أيضا ، قال قلت للرضا عليه السلام:يابن رسول الله إن قوما يقولون لم يزل الله عالما بعلم قادرا بقدرة حيا بحياة قديما بقدم سميعا بسمع بصيرا ببصر. فقال عليه السلام:" لم يزل الله عز وجل عليما قادرا حيا سميعا بصيرا لذاته تعالى عما يقول المشركون والمشبهون علوا كبيرا."(27)
عن عبد السلام بن صالح الهروي قال قلت لعلي بن موسى الرضا عليه السلام : يابن رسول الله ما تقول في الحديث الذي يرويه أهل الحديث أن المؤمنين يزورون ربهم في منازلهم في الجنة. فقال عليه السلام :" يا أبا الصلط إن الله تبارك وتعالى فضل نبيه محمدا صلى الله عليه وآله على جميع خلقه من النبيين والملائكة ، وجعل طاعته طاعته ، ومتابعته متابعته ، وزيارته في الدنيا والآخرة زيارته، وقال عز وجل :" من يطع الرسول فقد أطاع الله."
وقال:" إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم." (28)
وقال النبي صلى الله عليه وآله :" من زارني في حياتي أو بعد موتي فقد زار الله تعالى." ودرجة النبي صلى الله عليه وآله في الجنة أرفع الدرجات ، فمن زاره في درجته في الجنة من منزله فقد زار الله تبارك وتعالى. قال :وقلت له يابن رسول الله فما معنى الخبر الذي رووه أن ثواب لا اله إلا الله النظر في وجه الله تعالى؟ فقال عليه السلام:" يا أبا الصلط من وصف الله تعالى بوجه كالوجوه فقد كفر ، ولكن وجه الله تعالى أنبياءه ورسله وحججه صلوات الله عليهم هم الذين بهم يتوجه إلى الله عز وجل والى دينه ومعرفته . قال الله تعالى:"كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام." وقال عز وجل :" كل شيء هالك إلا وجهه." فالنظر إلى أنبياء الله تعالى ورسله وحججه عليهم السلام في درجاتهم ثواب عظيم للمؤمنين يوم القيامة. وقد قال النبي صلى الله عليه وآله :" من أبغض أهل بيتي وعترتي لم يرني ولم أره يوم القيامة." وقال أيضا(موجها خطابه إلى الصحابة):" إن فيكم من لا يراني بعد أن يفارقني." يا أبا الصلط إن الله تبارك وتعالى لا يوصف بمكان ولا يدرك بالأبصار والأوهام.(29)

وعن إبراهيم بن أبي محمود قال قال علي بن موسى الرضا عليهما السلام في قول الله تعالى :"وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة." قال :" يعني مشرقة تنتظر ثواب ربها.(30)
وقد جاء في القرآن الكريم ما يفيد هذا المعنى في قوله تعالى:" فاني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون."(31) أي منتظرة بم يرجعون.
وعندما نقارن هذا الفهم الرباني الذي يتقبله كل عقل سليم ، مع ما أخرجه أبو العباس السراج في تاريخه عن الحسن بن عبد العزيز الجروي وهو من شيوخ البخاري قال سمعت عمرو بن أبي سلمة يقول سمعت مالك بن أنس( صاحب الموطأ والمذهب) قيل له : يا أبا عبد الله قول الله تعالى :" إلى ربها ناظرة ." يقول قوم :" إلى ثوابه؟ فقال : كذبوا فأين هم عن قوله تعالى :" كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون." (32)

أنظر- أيها الخ الكريم - إلى هذا الصلف وهشاشة الفكر وبلادة الرد، كيف يتمادى الانحراف والزيغ بأصحابه إلى درجة الإصرار على الخطا. على أن الآية لا تفيد المعنى الذي قصده أصحاب التجسيم لأن المعنى الحقيقي الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن بعده أهل بيته عليهم السلام ، لأنهم أهل الذكر، والراسخون في العلم، والمستحفظون على كتاب الله تعالى وشريعته، يقول إنهم محجوبون عن رحمة ربهم يوم القيامة.
والتوحيد الذي يصح به الإسلام على أربعة وجوه هي :
أولا: توحيد واجب الوجود ، بكونه لا شريك له في وجوبه ووجوده.
ثانيا: توحيد صانع العالم ومدبر النظام.
ثالثا: توحيد الإله المستحق للعبادة ونفي الشريك عنه.
رابعا: توحيد الإله في الخلق الرزق.

أما صفات المولى سبحانه وتعالى فهي قسمين: صفات ثبوتية ، وصفات سلبية.
أما الصفات الثبوتية : وقد يطلق عليها صفات الكمال والجمال ، فهي صفات الذات التي لا حصر لها ، لأن الخلو عن الكمال نقص والنقص منتف عنه تعالى. والمراد بالصفات الثبوتية نفي أضدادها لأن صفاته تعالى لا كيفية لها ، ولا يمكن إدراكها ، وهي عين ذاته وليست زائدة عنها وهي:
أولا : القدرة : وهي أنه تعالى لا يعجزه شيء في كل ما يريد، إلا أن المعتزلة خالفوا أتباع أهل البيت عليهم السلام ، فقالوا بأن الله لا يقدر على القبيح والشر، لاستلزامه الظلم ، فروا من نسبة الظلم إليه تعالى إلى نسبة العجز له. وقدرته تعالى على القبيح والظلم لا تستلزم وقوعهما منه لأنه منزه عن ذلك. فالمؤمن الصالح قادر على فعل المعاصي وأنواع الشرور ولكنه لا يفعلها مع قدرته عليها لعلمه بقبحها، فلا نقول انه عاجز عنها. قال تعالى :" وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض انه كان عليما قديرا."
وقد خالف الشاعرة( وهم عموم أهل السنة من أتباع الذاهب الأربعة في الفروع ، اختاروا، - أو بالأحرى اختير لهم ،لأن من حصرهم في ذلك الاتجاه هي الأنظمة التي حكمت رقابهم - إتباع أبي الحسن الأشعري في الأصول) أيضا أتباع ّأهل البيت عليهم السلام من الإمامية الإثني عشرية ، فنسبوا فعل الشر إليه تعالى ووقوعه منه، وهو قول باطل ، لأنه ظلم ، ففروا من الشرك في الخلق ووقعوا في الظلم.
ثانيا: الاختيار:وهو أنه تعالى مختار في أفعاله ، إن شاء فعل وان شاء لم يفعل.
ثالثا:العلم والحكمة:انه تعالى عالم حكيم يعلم الأشياء قبل وجودها كعلمه بها بعد وجودها.
رابعا: القدم والأزلية: انه تعالى أزلي سرمدي قديم غير مسبوق بعلة ولا يعتريه عدم.
خامسا: السميع البصير: انه تعالى سميع بصير ،لا بجارحة ، كما يدعي المخالفون لأهل البيت عليهم السلام ، بأن له عينا بلا كيف ، ذلك مبلغهم من الجهل ، بل المراد انه تعالى عالم بجميع المسموعات والمبصرات من دون آلة.
سادسا : الحياة: انه تعالى حي ليست له بداية كما ليست له نهاية.
سابعا: الإدراك : انه تعالى مدرك بلا حاسة.
ثامنا: الإرادة والكراهة: انه تعالى مريد لأفعاله كاره لها.
ومريد بمعنى أنه خصص إيجاد الحوادث في وقت دون وقت ،وعلى صفة دون أخرى، مع عموم قدرته ، وكون الأوقات والصفات كلها صالحة للإيجاد بمقتضى قدرته تعالى.
وكاره بمعنى انه ترك إيجاد الحوادث في وقت دون وقت، والأوقات كلها صالحة للترك بمقتضى القدرة، وهو أيضا مريد لبعض أفعال عبيده كالطاعات وأعمال الخير، وكاره لبعضها كالمعاصي والظلم والشرور.
تاسعا: الكلام: انه تعالى متكلم، بمعنى أنه موجد للكلام في جسم من الجسام، كما خلق ذلك في شجرة الطور وكلم منها موسى ، وكذلك طبقات الأفلاك ، فتسمع الملائكة ، وكذا في قلوب الأنبياء والرسل ، وكيف كان وصفه تعالى بالكلام، وقدرته على إيجاد الكلام ، كخلق الحروف والأصوات، ونفس الكلام من صفات الفعل الحادثة كالخالقية والرازقية ويدل على حدوثه العقل والنقل.

أما من جهة النقل فلقوله تعالى:" ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث" والذكر هو القرآن لقوله تعالى:" إنا نحن نزلنا الذكر."
وقد وصفه الله تعالى بالحدوث ، ولا ريب أن الخطاب قبل وجود المخاطب لغو صريح ، وهو في حق المولى سبحانه وتعالى غير صحيح، فقوله :" يا نوح" و "يا إبراهيم" و " يا يحي" و " يا أيها الرسول" و"يا أيها الذين آمنوا"و " يا نساء النبي " و " يا أيها الناس" و" قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها"و سأل سائل بعذاب واقع."و:" يسألونك عن الروح."
وغيرها كثير، فلو أن الكلام قديم فكيف يحسن الخطاب ؟ وقد ذهب الحنابلة إلى أن كلامه تعالى حروفا وأصواتا قديم ، وذهب الأشاعرة هم بقية أهل السنة إلى إثبات الكلام النفسي له تعالى ، وقالوا إن كلامه تعالى معنى واحد بسيط قائم بذاته قديم ، وهي أقوال باطلة لأنها تستلزم ثبوت النفس له تعالى فيكون جسما محلا للحوادث.
عاشرا : الصدق: انه تعالى صادق لا يجوز عليه الكذب مطلقا.
وصفاته تعالى هي عين ذاته لسببين:
1) لأنها لو كانت غير ذاته لكان تعالى محتاجا في كماليته إلى صفاته ، ولو كان محتاجا لكان ممكنا.
2) لو كانت غير ذاته ، فإما أن تكون قديمة أو حادثة قائمة لذاته أو لغيرها ، وإذا كانت فقديمة ، فيلزم تعدد القدماء ، فيكون الله تعلى قديما وقدرنه التي هي غيره قديمة أيضا ، وكذلك بقية صفاته . فيكون النصارى أقل شركا باعتقادهم أن الله ثالث ثلاثة بينما هؤلاء يقولون بقدم الله وصفاته العشرة.
وان كانت قائمة بغير ذاته تعالى كان الموصوف بها ذلك الغير ، فيكون تعالى على حد قولهم عاريا من الكمالات .والقول بأنها ليست في محل حمق ،إذ يستحيل وجود صفة إلا في محل.
فزيادة الصفات مع القول بالحدوث كفر مستلزم لإنكار الواجب ، ومع القدم شرك يستلزم تعدد القدماء، فتعين أن تكون صفاته تعالى هي عين ذاته.
ولا يمكن حصر الصفات الثبوتية ولا الصفات السلبية ، لأن الحصر حد والحد نقص والنقص منزه عنه المولى تعالى.
أما الصفات السلبية وسميت بالسلبية لأنها سالبة للنقائص عنه تعالى ، واثبات الكمال لا يكون شاملا إلا بنفي كل نقص عنه ، ويطلق عليها صفات الجلال ، وأصولها التي ذكرها علماء الشيعة الامامية الاثني عشرية، لا تقف عند حد سوى قصور عقول الناس عن إدراكها والإحاطة بها ، كما قال تعالى :" ولا يحيطون به علما."وقد ذكروا منها:
أولا : نفي الشريك عنه تعالى: لبطلان تعدد الواجب ، بل اله واحد أحد فرد صمد لا شريك له ولا ند.
ثانيا: نفي الاحتياج ، كما في الحديث :"كان الله ولم يكن معه شيء ."
ثالثا: نفي التركيب والتجزئة: انه تعالى غير مركب من الجزاء الخارجية ، ولا من الأجزاء
الذهنية .
رابعا: نفي الحوادث والعوارض : انه تعالى ليس محملا للحوادث والعوارض كالنوم واليقظة والحركة والسكون والقيام والقعود والطلوع والنزول والفرح والضحك والبكاء ، لأن واجب الوجود لا يمكن أن يكون محلا للحوادث ، لأنها من لوازم الجسم، والله تعالى ليس بجسم ومنزه عنها ، وهي كلها مخلوقة له تعالى منزه عن الاتصاف بها.
وما ورد من وصفه تعالى بشيء من ذلك في الكتاب والسنة ، كقوله تعالى:"رضي الله عنهم" ." و غضب الله عليهم " فلما آسفونا انتقمنا منهم."و " الذين يؤذون الله ورسوله." و يد الله فوق أيديهم." ونحو ذلك أن المراد منها غاياتها دون مباديها فغاية الرضا الإكرام والإحسان وغاية الغضب العقاب والعذاب ، لذا قيل خذ الغايات واترك المبادئ .
خامسا: نفي الحلول والاتحاد:انه تعالى لا يحل ولا يتحد بغيره لأن الحال مفتقر إلى المحل الذي يحل فيه والاحتياج من خواص الممكن ، ولأن الحلول في مكان يستلزم الخلو من مكان آخر ، وهو تعالى موجود في كل مكان لا بمداخلة وخارج عنه لا بمزايلة كما في حديث سيد البلغاء عليه السلام.
وقد زعم بعض المتنكبين عن صراط الأئمة الأطهار من ذرية خير الأخيار صلى الله عليهم وهم عدد من فرق الصوفية ، أن العبد إذا بلغ العرفان وفاز بمنزلة الإيقان اتحد بربه، وسقط عنه التكليف،نعوذ بالله تعالى من شطحات الغارقين في تيه الشيطان وحزبه.
سادسا : نفي الجسمانية: انه تعالى ليس بجسم ، لأن الجسم من خواص الممكن، ويقبل الأبعاد الثلاثة: الطول والعرض والعمق، مع المكان والحيز، وسنعرض لهذه الصفة في مقارنة مع إخوتنا من الأشاعرة(أهل السنة )
سابعا: نفي الرؤية لأنه تعالى لا يرى بحاسة البصر لا في الدنيا ولا في الآخرة ، وسنعرض لهذه الصفة في مقارنة مع إخوتنا من الأشاعرة(أهل السنة )
ثامنا : نفي فعل القبيح : انه تعالى لا يفعل القبيح.
تاسعا: نفي الشبه:انه تعالى لا يشبهه شيء.
وخالف الشاعرة باعتقادهم أن الله خلق آدم على صورته.
كما تنقسم صفاته تعالى إلى قسمين ، صفات ذات وصفات فعل.

فالوجود والعلم والقدرة والحياة وغيرها من صفات الذات التي لا حصر لها هي عين ذاته، والخالقية والرازقية والإحياء و الإماتة حادثة باعتبار المخلوق والمرزوق والمحي والممات ، وهي ليست قديمة ، فقد كان الله تعالى وحده ولم يكن خالقا ولا رازقا ولا محييا ولا مميتا ، وهي ليست من صفات الكمال حتى يترتب النقص من انتفائها عنه تعالى ، بل الكمال في قدرته على الخلق وعلمه بمصلحة وقت إيجادهم.

وخلاصة الفرق بين صفات الذات وصفات الفعل ، إن صفات الذات هي ما اتصف بها المولى سبحانه وتعالى وامتنع اتصافه بضدها .فنقول إن الله عالم ، ولا يجوز أن نقول انه غير عالم، أو قادر فلا يجوز أن نقول انه غير قادر. وصفات الفعل ما يتصف المولى سبحانه وتعالى بها وبضدها كأن نقول إن الله خلق فلانا ولم يخلق فلانا.
ولا يمكن مزيد إظهار صحة ما عليه أهل بيت النبوة من توحيد سليم ، إلا بعرض ما يعتقده غيرهم من المسلمين ، والذين كنت منتميا إليهم بحكم المولد والنشأة، وما استتبعها من تقليد لا يسمن ولا يغني من علم، فأقول:
أما المتنكبون عن صراط الأطهار من أئمة أهل البيت عليهم السلام ، فقد ذهبت بهم مذاهبهم إلى تبني معتقدات أساسها الكذب على الله تعالى وعلى رسوله الكرم صلى الله عليه وآله وسلم، بما ابتدعه لهم علماءهم وفقهاءهم، وما زكاه لهم حكامهم من أباطيل ، لو ثابوا إلى رشدهم منها لبكوا على ما فرطوا في جنب الله تعالى بقية حياتهم، ولضحكوا في قرارة أنفسهم على تفاهة عقول مبتدعيها ومنتحليها. وأي بناء لا يكون أساسه سليما مآله السقوط ، والعقيدة التي اختلط فيها الغث بالسمين والسقيم بالسليم لا يمكن أن تفرز بعدا غيبيا ولا تواصلا إلهيا ، وهي أقرب إلى الجهالة منها إلى المعرفة، والى النفرة منها إلى الحب.
والمتتبع لجملة الأحاديث التي أوردها هؤلاء في إثبات جسمانية الخالق ، وتفاصيل أجزائه ، وجلوسه ونزوله ، وتنكره وضحكه، ورؤية المؤمنين له يوم القيامة، يلاحظ إصرارا غريبا من حفاظهم على نقل تلك المفتريات المتعارضة مع القرآن الكريم، ومع غيرها من الروايات القطعية الدلالة والورود.

وترى هؤلاء المتنكبين عن الصراط المستقيم يحثون أتباعهم على التدين بجملة تلك المعتقدات الفاسدة حثا، ويخوفونهم من تركها أو التشكيك فيها ، بل جعلوها عناوين مذاهبهم ، فلم ينشأ بينهم غير التعصب الأعمى والتدين العرج ، وتولدت فيهم جراء تلك الروايات الفاسدة ، عقيدة عقيمة وتوحيد أقرب إلى الوثنية وآلهة الإغريق منه إلى توحيد الحق تعالى، وحلت بذلك الخرافة محل العلم الإلهي ، وظهر القصاصون محل العلماء العدول ، فطفحت كتبهم بها، حتى انك لا تجد كتاب عقائديا أو روائيا إلا وفيه نصيب من ذلك الباطل .
وبما أنني بصدد تناول مقام واحد وهو التوحيد، فقد أخرجت ما هو متعلق به على أن يكون للنبوة مقام آخر منفردا.
أخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حفاظ الخط الأشعري ما يلي :
1) عن صهيب عن النبي (ص) قال : إذا دخل أهل الجنة الجنة ، يقول الله تبارك وتعالى : تريدون شيئا أزيدكم؟ فيقولون ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل."(33)
2) عن أبي هريرة أخبر أن أناسا قالوا لرسول الله (ص) يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ فقال رسول الله (ص) هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ؟ قالوا : لا يا رسول الله. قال: هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا : لا يا رسول الله. قال : فإنكم ترونه كذلك."(34 )
3) عن أبي هريرة عن رسول الله (ص) قال يد الله ملآى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار، وقال: أرأيتم ما أنفق منذ خلق الله السماوات والأرض ، فانه لم يغض ما في يده ، وقال : وعرشه على الماء وبيده الأخرى الميزان يخفض ويرفع.ّ(35 )
4) عن أبي هريرة أن رسول الله (ص) قال:يتنزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى الثلث الأخير من الليل فيقول من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه ؟ من يستغفرني فأغفر له؟ (36)
5) في حديث طويل عن ابن مسعود جاء فيه .."قالوا مم تضحك يا رسول الله قال من ضحك رب العالمين." (37)
6) وعن جابر بن عبد الله في حديث طويل أيضا "... ثم يأتي ربنا بعد ذلك ، فيقول من تنظرون ؟ فيقولون ننظر ربنا، فيقول أنا ربكم ، فيقولون حتى ننظر إليك ، فيتجلى لهم يضحك ، قال فينطلق بهم ويتبعونه." (38)
7) عن أبي هريرة عن رسول الله (ص) قال : خلق الله عز وجل آدم على صورته ، طوله ستون ذراعا..."(39)
8) عن أنس بن مالك أن النبي (ص) قال:" لا تزال جهنم تقول ها من مزيد حتى يضع فيها رب العزة تبارك وتعالى قدمه ، فتقول قط قط وعزتك ، ويزوى بعضها إلى بعض." (40)
9) وفي حديث طويل أيضا : فيأتيهم الله تبارك وتعالى في صورة غير صورته التي يعرفون فيقول : أنا ربكم ، فيقولون نعوذ بالله منك ، هذا مكاننا حتى يأتي ربنا فإذا جاء ربنا عرفناه فيأتيهم الله تعالى في صورته التي يعرفون ، فيقول أنا ربكم ، فيقولون أنت ربنا ، فيتبعونه." وفي رواية أخرى : فيتجلى لهم يضحك.(41)
10) عن ابن مسعود قال جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله (ص) فقال: يا محمد إنا نجد أن الله يجعل السماوات على إصبع ، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء على إصبع، والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، فيقول أنا الملك، فضحك النبي (ص) حتى بدت نواجذه تصديقا لقول الحبر، ثم قرأ :" وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة."(42)
11) وفي رواية أخرى : " والجبال والشجر على إصبع ثم يهزهن فيقول: أنا الملك أنا الله (43)
12) وفي رواية أخرى يجعل السماوات على إصبع، والماء على إصبع، والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع.(44)
13) وعن ابن عمر مرفوعا :" يطوي الله السماوات يوم القيامة ، ثم يأخذهن بشماله ثم يقول : أنا الملك ، أين الجبارون ؟ أين المتكبرون؟(45)
14) وعن ابن عباس قال قال رسول الله (ص):" ما السماوات السبع والأرضون السبع في كف الرحمان إلا كخردلة في يد أحدكم." (46)
هذه الروايات ، وغيرها مما لم أتوصل إليه ، لأنني استقيتها من ثلاث مصادر هي جامع الحديث لمسلم ، والبخاري وكتاب التوحيد لمحمد بن عبد الوهاب ، مؤيدة للاعتقاد العام المتداول عند تلك الطائفة في أن الخالق تعالى عن ذلك جسما ، وجعلوا له صفات ، وقالوا بأنها غير ذاته ، وان له أعضاء كالوجه واليدين والعينين والرجلين وانه ينزل ويأتي ويضحك ويتنكر إلى غير ذلك من الأعضاء والحركات التي لا تجوز على الذات الإلهية لأنها كلها من مستلزمات الممكن والحادث، وما هي في حقيقتها إلا سفسطات وسخافات وتحريفات جاء بها اليهود إلى المسلمين( السنة) ليدخلوهم في نفس عقيدتهم التي اختلقوها وعكفوا عليها مذ طلبوا رؤية الله تعالى ، وجاءوا بالعجل ، متصورين أن الله تعالى جسم قوي جدا ليس كالبشر ورأوا أن العجل قد يكون أقرب إليه من غيره. ولكي نناقش هذه المسألة من جميع جوانبها ينصرف بحثنا إلى وجهتين :

الوجهة الأولى : نظرة في أسانيد الأحاديث
لم يكن بالإمكان غير مجاراة النسق، بالاعتماد على كتب الجرح والتعديل التي اخذ بها أتباع هذه العقيدة الفاسدة ، ولو كان في الإمكان تجنبها لفعلت ، لأني لم أر فيها غير عجائب الجرح وغرائب التعديل ، فهذا الحافظ يجرح الآخر ، وذلك الراوي يفسق صاحبه ، وهذا لا يرضى عن نظيره ، لأسباب تافهة وواهية لا ترقى إلى المقاطعة والتفسيق والترك ورد الحديث. لكن إثبات بطلان عقيدة التوحيد عند ذلك الجانب من المسلمين، دفعني إلى أن تكون الحجة من كتبهم المعتمدة كاملة، لعل الله تعالى يجعلنا سببا إلى هدايتهم، وإعادتهم إلى منهاج الصالحين وسبيل الأبرار، محمد وآله الأطهار.

ومسألة الجرح والتعديل وحدها، تتطلب بحثا مستقلا لإماطة اللثام عن تجاوزات أصحابها. لذلك فحري بنا أن نمضي لنأخذ ما يفي بالحاجة ، ويقيم الدليل على بطلان تلك الصفات ، وعدم صحة ذلك التمثيل الذي لا يجوز على بديع السماوات والأرض ، فنقول:
- حماد بن سلمة بن دينار: قال فيه الذهبي : له أوهام ، عن عبد الرحمان بن مهدي : كان حماد لا يعرف بهذه الأحاديث التي في الصفات حتى خرج مرة إلى عبادان فجاء وهو يرويها، فلا أحسب إلا شيطانا خرج إليه من البحر فألقاها إليه . قال ابن الثلجي سمعت عباد بن صهيب يقول:" إن حمادا كان لا يحفظ وكانوا يقولون إنها دست في كتبه ، وقد قيل أن ابن لأبي العوجاء كان ربيبه ، فكان يدس في كتبه ، ومن أمثلة أحاديثه غير ما رواه مسلم والبخاري :
1) عن حماد بن سلمة عن أنس أن النبي (ص) قرأ: فلما تجلى ربه للجبل قال : أخرج طرف خنصره وضرب على إبهامه ، فساخ الجبل . فقال حميد الطويل لثابت : تحدث بمثل هذا ؟ قال فضرب في صدر حميد وقال : يقوله أنس ويقوله رسول الله (ص) وأكتمه أنا . رواه جماعة عن حماد وصححه الترمذي.
2) وقال ابن عدي : حدثنا عبد الله بن عبد الحميد الواسطي حدثنا النضر بن سلمة شاذان بن عامر عن حماد عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس أن محمدا رأى ربه في صورة شاب أمرد دونه ستر من لؤلؤ قدميه أو رجليه في خضرة.(47)
قال الماوردي قلت لأحمد بن حنبل يقولون لم يسمع قتادة عن عكرمة ، فغضب وأخرج كتابه بسماع عكرمة في ستة أحاديث.
الحسن بن سفيان حدثنا هدبة قال : صليت على شعبة ، فقيل أرأيته ؟ فغضب وقال : رأيت حماد بن سلمة وهو خير منه . كان سنيا وكان شعبة رأيه رأي الكوفيين.(48)
- ثابت البناني : قال فيه الذهبي :كان قاصا . قال ابن عدي ما وقع في حديثه من النكارة ، فإنما هو من الراوي عنه، لأنه روى عنه ضعفاء.(49)
- عبد الرحمان بن أبي ليلى : قال فيه إبراهيم النخعي : كان صاحب أمراء.(50)
- روح بن عبادة القيسي : قال ابن الديني : نظرت لروح في أكثر من 100 ألف حديث كتبت منها 10 آلاف . تكلم فيه القواريري وقال :لا أحدث عنه. وقال أحمد بن الفرات طعن في روح 12 رجلا فلم ينفذ قولهم فيه ، وروى الكتاني عن أبي حاتم قال : لا يحتج به . وقال النسائي في العتق والكنى : روح ليس بالقوي . وكان عفان لا يرضى أمر روح.(51)
- معمر بن راشد : قال فيه الذهبي : له أوهام معروفة . قال أبو حاتم : ما حدث به في البصرة ففيه أغاليط . وروى الغلابي عن يحي بن معين قال: معمر عن ثابت ضعيف.(52)
- محمد بن مسلم ابن شهاب المعروف بالزهري: كان داعية الأمويين، ولاه يزيد بن عبد الملك القضاء، واختاره هشام بن عبد الملك معلما ومؤدبا لأولاده ، أنهى حياته موصولا إلى جانب الأمويين ومن أفضل المقربين عندهم، وقد استعان به عبد الملك بن مروان لما ضج المسلمون من منعهم عن الحج إلى بيت الله الحرام عندما كانت الحجاز تحت سيطرة عبد الله بن الزبير. فوضع له الزهري الحديث المعروف: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، المسجد الحرام ومسجدي ومسجد بيت المقدس." وروى له أن رسول الله (ص) قال :" الصلاة في المسجد الأقصى تعدل ألف صلاة.ّ
- وروى الخطيب البغدادي عن عبد الرزاق بن همام عن معمر بن راشد تلميذ الزهري أن الوليد بن إبراهيم الأموي جاء إلى الزهري بصحيفة وضعها أمامه وطلب إليه أن يأذن بنشر أحاديث منها على أنه سمعها منه فأجازه الزهري على ذلك من غير تردد كبير ، وقال له : من يستطيع أن يخبرك بها غيري ؟ وحدث معمر عنه قال : لقد اكرهنا هؤلاء الأمراء على أن نكتب أحاديث.(53)
هؤلاء بعض رواة أحاديث التجسيم والرؤية نتوقف عندهم اختصارا،لأن ما ذكر عنهم يسقط روايتهم وروايات غيرهم، التي هي على نفس الشاكلة، والمختلفة عنها سندا لحصول تدليس فيه، وقد كان التدليس في سند الرواية عنوان أغلب حفاظهم ورواتهم، خاصة إذا كان قاصا. والقاص الذي يجلس في المسجد بجراية وأمر من بني أمية ليملا عقول المسلمين أوهاما، وصاحب أمراء الظلم والجور، وداعيتهم بكذبه وبهتانه لتبرير أفعالهم وتقوية أركان ملكهم ، حرى بمن يخشى الله أن لا يأخذ عنه، ولا يلتفت إلى مقالاتهم. كما في الحديث المشهور والمروي من طريق الطاهرين والصادقين من ذرية رسول الله صلى الله عليه وعليهم :" إذا رأيتم الفقهاء على أبواب السلاطين فاتهموهم." (54)
ثم انظر إلى ضيق صدور هؤلاء الذين تراهم يغضبون، ويتشنجون ويضربون على صدور الناس، ويطردونهم لمجرد سؤال، فأي علم يسمح لهم بذلك؟ وأي دين يبح لهم مثل تلك الحركات ؟ لكنه في عرف المعدلين عندهم طالما أنه سني منتصر لمذهبه فلا بأس عليه، وان فعل ما فعل وقارف ما قارف ، وجاء بالطامات والغرائب ونسبها إلى النبي صلى الله عليه وآله، وان اتهمه أهل الأرض، وليس 12 رجلا كما في شأن روح، ما نفذوا إلى إسقاطه وتجريحه. عاملين يمثل معزى وان طارت .

والذي رأيته من خلال تصفحي لكتب الجرح والتعديل أن صاحب البدعة والمخالف لسنة رسول الله صلى الله عليه وآله ،يضفى عليه لقب سني وصاحب سنة ، والمتتبع لأقوال رسول الله وأفعاله وتقريراته، يلقبونه صاحب بدعة أو رافضي بغيض . هذا من حيث الأسانيد ، أما متون الأحاديث المخرجة، ففيها ما ينبئك عن دسها من بين أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو منها براء.
فالأحاديث :1-2-6-9 تتحدث عن رؤية المؤمنين ربهم سبحانه وتعالى يوم القيامة.
والأحاديث : 3- 4-5-7-8-10-11-12-13-14 جاءت مجسمة للمولى سبحانه وتعالى ، مجزئة له وجاعلة له أعضاء كالوجه واليد والأصابع ، ومحلا للحوادث كالضحك والتنكر ، ومنحازا في جهة كنزوله ، وذهابه بالمؤمنين إلى الجنة ، ووضع قدمه في النار.
كل هذه النعوت والصفات لا تجوز عليه سبحانه حتى وان أطلقها كناية في كتابه العزيز لأن كلامه تعالى جاء مسايرا لأسلوب العرب في اللغة وكثرة الأمثال والمجاز فيها من ناحية ، ولأنه تعالى خاطبنا في كتابه العزيز على قدر عقولنا ، تقريبا للفهم إليها ، لأنه لا مجال لاستيعاب حقيقته المطلقة ومن المجاز الذي جاء في القرآن الكريم :
"ّيد الله فوق أيديهم .ّ
:" واصنع الفلك بأعيننا ."
: "ولتصنع على عيني ."
:" فانك بأعيننا."
:" ولو ترى إذ وقفوا على ربهم .ّ
:" يا حسرة على ما فرطت في جنب الله ."
: " كل شيء هالك إلا وجهه."
:" يخافون ربهم من فوقفهم ."
:" الله يستهزئ بهم."....إلى آخره

فأحاديث الرؤية مثلا لا تستقيم لأن جميع العقلاء وضعوا للرؤية شروطا ثمانية ، لا تتم إلا بها وهي :
أولا : سلامة الحاسة
ثانيا : المقابلة أو حكمها .
ثالثا : عدم القرب المفرط.لأن المرئي لو التصق بالعين لا يمكن رؤيته .
رابعا : عدم البعد المفرط.لأن المتناهي عن مدى العين لا يمكن رؤيته.
خامسا : عدم الحجاب بين الرائي والمرئي.
سادسا: عدم الشفافية ، لأن الجسم الشفاف لا يمكن رؤيته.
سابعا : تعمد الرائي للرؤية.
ثامنا: وقوع الضوء عليه.لأن الواقع في الظلمة لا يمكن رؤيته.
وقد أكد أئمة الهدى من أهل بيت المصطفى صلى الله عليه وعليهم تبعا لما ورثوه عن جدهم ، وكما قال تعالى :" ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا .ّ(55)
إن المولى سبحانه وتعالى لا يرى بحاسة البصر لا في الدنيا ولا في الآخرة ، وتبعهم علماءهم وشيعتهم ، واستدلوا على ذلك بأمور هي :
أولا : إن المرئي بحاسة البصر لا بد أن يكون جسما ومقابلا وذا مثال وصورة ومكان، والمولى سبحانه وتعالى منزه عن كل ذلك .
ثانيا: إن المرئي محاط بالبصر ، والمولى تعالى محيط بكل شيء فكيف يمكن للمحيط أن يحاط؟
ثالثا: تعارض ذلك مع القرآن الكريم ، كقوله تعالى :" يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة ظلمهم.(56)
وقوله تعالى:" لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير." (57)
وفي تفسير هذه الآية قال الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام : إنما عني إحاطة الوهم ، فالله أعظم من أن يرى بالعين.
وقوله تعالى :" انك لن تراني."(58)
واستعماله تعالى للن التأبيدية دليل على عدم إمكانية رؤية المولى سبحانه وتعالى ، ولو كانت جائزة لما عد طلبها أمرا عظيما ، ولما أرسل عليهم صاعقة ، ولما حكم بظلم الطالبين لها.
عن محمد بن علي الباقر عليه السلام :" أوهام القلوب أدق من أبصار العيون ، أنت قد تدرك بوهمك السند والهند والبلدان التي لم تدخلها ولا تدركها ببصرك، وأوهام القلوب لا تدركه فكيف أبصار العيون ."(59)

وعن عاصم بن حميد عن الإمام جعفر بمن محمد الصادق عليه السلام قال : ذاكرت أبا عبد الله عليه السلام في ما يروون من الرؤية ، فقال :" الشمس جزء من سبعين جزءا من نور العرش ، والعرش جزء من سبعين جزءا من نور الحجاب ، والحجاب جزء من سبعين جزءا من نور السر ، فان كانوا صادقين فليملأوا أعينهم من الشمس ليس دونها سحاب.ّ(60)
أما أحاديث التجسيم ، ولكي يستكمل هؤلاء صورة المولى سبحانه وتعالى، بعدما نسبوا له من الأعضاء ما يتطابق مع المخلوق وجاءوا بفرية أكبر من سابقتها ، فقالوا على لسان الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم :" إن الله خلق آدم على صورته طوله ستون ذراعا."
وبتجميع بسيط لما أخرجوه من روايات متهافتة لحماد بن سلمة ، وتأويلات متهالكة لمجاهد بن جبير المقرئ المكي المفسر ، صاحب السنة حسب زعمهم ،أنه قال في تفسير قوله تعالى :" عسى ربك أن يبعثك مقاما محمودا." يجلسه معه على العرش(61)

وطالما أن مبلغ علمهم أوصلهم إلى الاعتقاد بتطابق الخالق مع المخلوق في الشكل فلم لا يجلسه معه على العرش ، وأي عرش هذا الذي يجول في خاطرهم ؟ وأي كرسي يتصورون حتى يستشفون منه الجلوس ، وقد جاء عن أئمة أهل البيت عليهم السلام أن العرش والكرسي علمان من علومه ، علم جعله لخاصته وأوليائه ،وجعل منه للناس ، وعلم لا يعلمه إلا هو . لذلك فان اصطلاح اللغة على العالم بالكرسي دارجة عند العرب ، ومنها قول الشاعر:

تحف بهم بيض الوجوه وعصبة ***** كراسي بالأحداث حين تـنوب

وقول آخر:

مــالي بأمرك كرسي أكـــاتمه ***** وهل بكرسي علم الغيب مخلوق

ثم تعالى إلى من ترعرعت الخرافة في كتبهم ، وتقبلوها بالتسليم، لنسألهم، ما مقدار الذراع التي قاسوا بها آدم عليه السلام ؟ فان كانت بمقدار مقاس الذراع اليوم فلن يكون طول آدم أقل من ثلاثون مترا، وان جارينا هؤلاء الحشاشين في تخيلاتهم واعتبرنا أن مقاس الذراع في العصر النبوي أكبر من مقاس ذراع اليوم فان طول آدم سيكون حتما أطول مما أشرنا إليه ، وعليه فان الدينصورات التي اكتشف وجودها علماء الآثار والأحياء ليست إلا سحالى وحيوانات صغيرة مقارنة بطول آدم ، ثم إذا سلمنا بذلك يجب تبعا له أن نؤمن بنظرية التراجع الفيزيولوجي والتقلص في أحجام البشر، وانه سيأتي يوم يصير الإنسان فيه قزما بطول الذراع أو أقل وقد يصل الأمر إلى أن يصبح بحجم لا يرى فيه بالعين المجردة، لأن القامة الأولى لآدم تناقصت بسرعة كبيرة توحي بالمآل الذي ذكرناه، وإنني إن أسفت على شيء فإنني لا آسف إلا على عقول أودعها المولى سبحانه وتعالى في هؤلاء القوم وجعلها وعاء العلوم والمعارف كيف انقلب حالها لتصبح أوعية لمعتقدات واهية لا تستند إلى منطق .

إن المتتبع للكتب العقائدية والروائية عند عامة هؤلاء القائلين بتجسيم المولى تعالى ، يدرك وهو يتصفح أقوالهم ورواياتهم في الخصوص، مدى إصرار هؤلاء القوم على التمسك بما لم يثبت بالدليل ، إنما أخذ بالتقليد الذي لا يجدي نفعا، ويتفرع من الأشاعرة في هذا الاعتقاد خصوصا المالكية والحنابلة ، من جاء بعدهم من أتباع ابن تيمية وتلميذه ابن الجوزية، والوهابية من أتباع محمد بن عبد الوهاب، لم يكتفوا بما أحدثوه من انحراف في عقيدة من اتبعهم ، بل قالوا إنهم أصحاب الدين السوي، والعقيدة الحقة الخالية من البدع والضلالات التي نسبوها لغيرهم ظلما وعدوانا وافتراء ، ليس عن حجة وبرهان ، ولا دليل وبيان ،سوى ما عكفوا عليه من تعبد بالنص المكذوب ، وتآويل غريبة عن العقل والمنطق والشرع ، والمتصفح لكتبهم ككتب ابن تيمية ورسائله كالعقيدة الحموية والعقيدة الواسطية ، وكتاب التوحيد لمحمد بن عبد الوهاب يقف على مدى ترسخ مسألة التجسيم للمولى تعالى فيهم بما يعتقدونه من إثبات لجهة وجوده ، و ما ينسبونه إليه من الجوارح والحالات التي تطرأ على الجسم، والقول برؤيته تعالى يوم القيامة .

ولم يقف هؤلاء عند ذلك الحد في تطاولهم السخيف بل راحوا يستنكرون ويشنعون على كل من قال بتنزيه المولى عن كل نقص ، ولم تكن إرهاصاتهم ولا شطحاتهم تلك وليدة استنتاج علمي أو بحث فكري حتى تصنف في خانة الاجتهاد ، وإنما هو دليل يخرج به كل ذي بصيرة بعد اطلاعه عليها يعبر عن سطحية وضحالة علوم كل من تبنى عقيدة هؤلاء الذين أطلق عليهم طواغيت العصور أهل السنة والجماعة ، وهم للبدعة أقرب وأولى بالتسمية ، فعن أي سنة يتحدثون ؟إن كانت سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فأهل بيته الذين أذهب الله تعالى عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، وقرنهم النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بالكتاب العزيز،أقرب وأولى عقلا ونقلا، وان كانت سنة الظالمين والمحرفين الكلم عن مواضعه ، كحكام بني أمية ومن جاء بعدهم، فإنها لا تغني عن الحق شيئا.

قال أبو حاتم أحمد بن محمد الرازي في معرض بيانه لهؤلاء الذين يعتقدون أن الله تعالى جسم : ويطلق على بعضهم الصفاتية والحشوية ، وقد لقبوا بذلك لاحتمالهم كل حشو روي من الأحاديث المختلفة والمتناقضة، ولروايتهم أحاديث كثيرة مما أنكره عليهم أصحاب الرأي وغيرهم من الفرق في التشبيه وغير ذلك ويقال لهم المشبهة لروايتهم الأحاديث الكثيرة في التشبيه ، واحتمالهم الأخبار المنكرة عند غيرهم مثل قولهم :إن الله عز وجل ينزل إلى السماء الدنيا في قفص من الملائكة(62)
وعلى ذكر القفص من الملائكة ، فقد روى آخرون من نفس الفريق الذي يدعي تبنيه لسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، إن الله تعالى ينزل إلى السماء الدنيا على ظهر حمار ، فقد يكون في اعتقاد أصحاب رواية القفص أنهم وضعوا الله تعالى على وسيلة أفضل . لكن الذي جاء من بعدهم لم يستسغ مسألة النزول يذلك الشكل وعلى تلك الحال ، فأقر بالنزول وأنكر الكيفية ، لذلك فانك عندما تتصفح كتبهم الروائية المعتمدة ، فانك تجد روايات النزول ، بغير كيف ، ولا يمكنك أن تعثر على النزول بالكيف إلا في الكتب التي ألفت في الفرق الإسلامية ككتاب الفرق بين الفرق وكتاب الملل والنحل من أتباع تلك المذاهب.

ويطلق عليهم السلف لقول الشهرستاني : اعلم أن جماعة كبيرة من السلف كانوا يثبتون لله تعالى صفات أزلية ولا يفرقون بين صفات الذات وصفات الفعل ، بل يسوقون الكلام سوقا واحدا، وكذلك يثبتون صفات جبرية ، مثل اليدين والرجلين ولا يؤولون ذلك ، فبلغ بعض السلف في إثبات الصفات، إلى حد التشبيه بصفات المحدثات(63)
أما ابن تيمية فيقول: وأصحاب الحديث ليسوا جميعا على كلمة واحدة ، وإنما كان لبعضهم أراء لم يوافقه عليها غيره فيضطر احدهم أحيانا للوقوع بالبدعة في رده على البدعة ، كما وقع الإمام أبي القاسم عبد الرحمان بن منده في قوله : خلو العرش إذا نزل الله إلى السماء الدنيا ، وكتب في ذلك مصنف سماه : الرد على من زعم أن الله في كل مكان وعلى من زعم أن الله ليس له مكان وعلى من تأول النزول على غير النزول(64)

وابن تيمية نفسه على ما حكى عنه ابن بطوطة في رحلته ، قد سمعه يخطب على منبر الجامع الأموي بدمشق: إن الله ينزل إلى السماء الدنيا كنزولي هذا.ونزل مرقاة.(65)
وذلك هو الرأي السائد لدى فرق السنة والجماعة بكل تفرعاتها ، ولم ينج من براثن معتقدهم هذا إلا قلة ممن كان يستنجد بعلوم أهل البيت عليهم السلام. ويظهر من خلال ذلك كله أن واضعي أحاديث النزول لم يكونوا من الذين يعتقدون بكروية الأرض ، بل الظاهر هو اعتقادهم بتسطحها، لأن الثلث الأخير من الليل لا ينتهي من السماء الدنيا إلا بانتهاء الدنيا نفسها، ولو فكر ابن تيمية وابن ومنده وأبو الفراء ومن تبعه من الحنابلة ومالك وأتباعه وأعطوا لعقولهم مجال السؤال والبحث والإجابة لردوا حديث النزول لاستحالة إمكانه . وإلى الذين لا يزالون يعتقدون بصحة أحاديث النزول نقول لهم إذا سلمنا بمقالتكم تلك في نزول الباري تعالى فمتى يكون الصعود؟

وقد عرض حديث النزول على الإمام علي بن موسى الرضا ثامن أئمة أهل البيت عليه السلام فقال:" لعن المحرفين الكلم عن مواضعه ، إنما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :" يبعث المولى تبارك وتعالى ملكا إلى السماء الدنيا مناديا : هل من تائب يتوب الله عليه ، هل من مستغفر فيغفر الله له ، هل من سائل فيعطيه مسألته؟(66)
لأن المولى تعالى ليس في حيز ولا في جهة ولا هو محتاج إلى فعل كي يفعله ، :" إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون."
أما التجسيم في عمومه فان الشيخ إسماعيل بن عبد الرحمان النيسابوري الصابوني قد قال : ويثبتون له جل جلاله ما أثبت في كتابه وعلى لسان رسوله، فيقولون : انه خلق آدم بيده ، وكذلك يقولون في جميع الصفات من السمع والبصر والعين والوجه ... والفرح والضحك وغيرها ، ويضيف الشيخ : ويعتقد أهل الحديث ويشهدون ، أن الله سبحانه وتعالى فوق سماواته على عرشه ، ويثبتون نزول الرب سبحانه إلى السماء الدنيا من غير تشبيه له. ويوكلون علمه إلى الله، وكذلك يثبتون المجيء والإتيان المذكورين في قوله عز وجل :" هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة." و:" وجاء ربك والملك صفا صفا."(67)

ولأهل السنة في فرارهم من الإعتراف بالتقصير وقلة العلم و فقدان الحجة، طريق يسمونه ترك التأويل وتوكيل العلم فيه إلى الله تعالى ، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى :" والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا ." وقد رد عليهم الشيخ محمد حسن المظفر طيب الله ثراه بقوله: إن الآية الكريمة التي يعتبر هؤلاء نص على أن الراسخين في العلم جاهلون بالمتشابهات ، ويوكلون علمها إلى الله تعالى بدعوى أن قوله تعالى :" والراسخون في العلم يقولون"جملة مستأنفة ، ولا أظن عارفا يرضى به، وينكر أن يكون الراسخون عطفا على لفظ الجلالة ، كيف وذلك يستلزم مخالفة الظاهر في أن يكون علم التأويل مختصا بالله تعالى ، فيكون النبي صلى الله عليه وآله مرسلا بما يجهله ، وما يخلو من الفائدة له ولأمته ، وخطئا في حق أمير المؤمنين عليه السلام أنه عالم علم الكتاب . وظني أن الداعي لهم إلى مخالفة الظاهر والتزام هذه المحاذير هو إنكار فضل آل محمد صلى الله عليهم ، فإنهم لو أقروا بأن قوله والراسخون عطف على لفظ الجلالة لم يمكنهم إنكار فضل آل محمد ، العالمون بمتشابه القرآن بعد أن أخبر النبي صلى الله عليه وآله أنهم قرناء القرآن لا يفارقونه حتى يردا عليه الحوض. فانه يقتضي علمهم بكل ما فيه ، وإلا لفرق بينهم وبينه الجهل به.فالحق أن الراسخون في العلم عالمون بالمتشابه كله، وإنهم مخصصون بالعترة الطاهرة ، وإذا خصهم رسول الله صلى الله عليه وآله بعدم المفارقة للقرآن أوجب على أمته التمسك به و بهم .(68)

وعلى ذلك فان دعوى اختصاص المولى بعلم متشابه القرآن باطلة عقلا ونقلا،لأنه تكليف بما لا يطاق من جهة ، ولا يستند إلى أساس منطقي من جهة أخرى ، كما لا يدخل المتشابه من القرآن في علم الغيب، حتى ينصرف الاعتقاد به مجملا.
عن إسحاق بن راهويه قال : قال لي الأمير عبد الله بن طاهر : يا أبا يعقوب هذا الحديث الذي ترويه عن رسول الله (ص) ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا كيف ينزل ؟ قال : قلت أعز الله الأمير لا يقال لمر الرب كيف ؟ إنما ينزل بلا كيف."ّ(69)
وعن محمد بن سلام :سألت عبد الله بن المبارك عن نزول ليلة النصف من شعبان، فقال عبد الله : يا ضعيف ليلة النصف ، ينزل كل ليلة . فقال الرجل : يا أبا عبد الله كيف ينزل؟ أليس يخلو ذلك المكان منه ؟ فقال عبد الله : ينزل كيف يشاء . ثم قال: وخبر نزول الرب كل ليلة إلى السماء خبر متفق على صحته ، مخرج في الصحيحين من طريق مالك بن أنس عن الزهري وابن سلمة عن أبي هريرة.(70)

وأخرج البيهقي في الاعتقاد عن جعفر بن ميمون قال : سئل مالك بن أنس صاحب الموطأ عن قوله تعالى :" الرحمان على العرش استوى." كيف استوى ؟ قال الاستواء غير مجهول ، والكيف غير معقول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة ، وما أراك إلا ضالا.وأمر به أن يخرج من مجلسه.(71)
واستمر ترسيخ عقيدة التوحيد المحرفة بذلك الشكل ، والتي تتطابق إلى حد بعيد مع عقيدة اليهود والنصارى في التجسيم ومن قبلهم قدماء الإغريق والبربر وعرب الجاهلية، إلى أن جاء أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري (270/324) بآرائه التي خرج بها إلى الناس في العقيدة وقد كان من قبل مائلا إلى الاعتزال ، وانصرف عامة أتباع تلك المذاهب التي لا ترى عن الصحابة بما فيهم من بر وفاجر ، بديلا عن أخذ الدين والعقيدة، إلى الأخذ بأقواله وآرائه في العقيدة ، من جملة ما جاء به الأشعري في التوحيد قوله : إن الله استوى على عرشه كما قال:" الرحمان على العرش استوى ."، وان له وجها كما قال :ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام." وان له يدين بلا كيف كما قال :"لما خلقت بيدي." وكما قال:" بل يداه مبسوطتان." ، وان له عينا بلا كيف كما قال :" تجري بأعيننا."، وتأييد ذلك بقوله : ونصدق جميع الروايات التي يثبتها أهل النقل من نزول إلى السماء الدنيا.(72)
أما بخصوص الرؤية فإنهم أجازوا رؤية الباري تعالى في الآخرة .
قال ابن بطال : ذهب جمهور أهل السنة وجمهور الأمة إلى جواز رؤية الله في الآخرة لإمكان رؤية الشيء من غير إحاطة بحقيقته .(73)
قال القرطبي : وأهل السنة لا يشترطون شيئا من ذلك سوى وجود المرئي ، وان الرؤية إدراك يخلقه الله تعالى للرائي فيرى المرئي ، وتقترن بها أحوال يجوز تبدلها (74)
وقال النووي أيضا : مذهب أهل السنة أن رؤية المؤمنين ربهم ممكنة ونفتها المبتدعة ، ومن جهل منهم ، وقد تضافرت الأدلة من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة وسلف الأمة على إثباتها في الآخرة للمؤمنين ، وأجاب الأئمة من اعتراضات المبتدعة بأجوبة مشهورة ، ولا يشترط في الرؤية تقابل الأشعة ولا مقابلة المرئي وان جرت العادة فيما بين المخلوقين.(75)
انظر هداك الله تعالى إلى هذا الهوس ، وتأمل بعقلك مدى اجتراء تلك الفرق على الله تعالى ، كأنهم في ذلك يتبعون بني إسرائيل ، وان ضرب الله تعالى بهم مثلا ، قال تعالى:" أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي ومن كان في ضلال مبين."(76)
ولم يقفوا عند ذلك الحد فجوزوا رؤية المولى سبحانه وتعالى في المنام. قال ابن حجر في فتح الباري : وجوزوا رؤية الباري عز وجل في المنام مطلقا، فتارة بعبر بالسلطان، وتارة بالوالد ، وتارة بالسيد، وتارة بالرئيس في أي فن كان. (77)
وقال الغزالي : ليس معنى قوله رآني انه رأى جسمي وبدني ، إنما المراد أنه رأى مثالا ، صار ذلك المثال آلة يتأدى بها المعنى الذي في نفسي إليه. ومثل ذلك من يرى الله سبحانه وتعالى في المنام ، فان ذاته منزهة عن الشكل والصورة ، ولكن تنتهي تعريفاته إلى العبد بواسطة مثال محسوس من نور أو غيره، ويكون حقا في كونه واسطة في التعريف، فيقول الرائي رأيت الله في المنام.(78)

ويضيف أبو القاسم القشيري ما حاصله : إن رؤيته على غير صفته لا تستلزم إلا أن يكون هو ، فانه لو رأى الله على وصف يتعالى عنه ، وهو يعتقد أنه منزه عن ذلك ،لا يقدح في رؤيته .(79)
هكذا إذا تراهم يتشبثون بكل حبل ويلوذون بكل ناحية في الاعتقاد بالله والتقرب منه ، دون أن يحتملوا ولو بنسبة ضئيلة وساوس الشيطان وألاعيبه وخدعه التي لا تكاد تحصى، ومنها الأحلام التي سقط في شراكها أكثر الناس ، ولو كان الله تعالى يرى في المنام كما يزعم هؤلاء الذين تنسموا علياء المراكز العلمية عند عامة المسلمين ظلما وزورا ، لأمكن للصفوة الطاهرة من أنبياء ورسل وأئمة أن يروه كذلك، وأن يأتينا الخبر اليقين عن طريقهم وبواسطتهم.
في تفسيرهم للإستواء : فقد قال ابن حجر استوى قال مجاهد : علا على العرش ، وقال آخرون : استقر وارتفع، وقال أيضا: واختلف أهل السنة هل الاستواء صفة ذات أم صفة فعل (80)
وأخرج البيهقي بسند صحيح عن أحمد بن أبي الحواري عن سفيان بن عيينة قال : كل ما وصف الله نفسه في كتابه فتفسيره تلاوته والسكوت عنه، وهذه طريقة الشافعي، وأحمد بن حنبل، والثوري، ومالك بن أنس، وابن المبارك وابن عيينة، والأوزاعي، والليث، ومن عاصرهم.(81)
وفي تفسيرهم للنزول فقد قال ابن حجر: استدل بهذا الحديث – أي حديث نزول المولى عندهم - على إثبات الجهة ، وقال: هي جهة العلو وهو مذهب أهل السنة ، وهم الصحابة رضي الله عنهم ، ومن تبعهم بإحسان ، فإنهم يثبتون لله الجهة، ويؤمنون بأنه سبحانه فوق العرش بلا تمثيل ولا تكييف ، والأدلة من الكتاب والسنة أكثر من أن تحصر.(82)
وبذلك قال شهاب الدين السهروردي في عقيدة كتابه أرباب التقى: أخبر الله في كتابه وثبت عن رسوله (ص) الاستواء، والنزول، والنفس، واليد، والعين، والأصابع . وقال البيهقي: ومنهم من قال العين صفة ذات كما تقدم في الوجه .(83)

وفي تفسيرهم للمجيء استدل ابن قتيبة وغيره على أن الصورة التي يأتي فيها الرب تبارك وتعالى ليست كالصور كما انه شيء لا كالأشياء.(84)
قال الشهرستاني في كتابه الملل والنحل : اعلم أن جماعة كثيرة من السلف (السنة والجماعة) كانوا يثبتون لله تعالى صفات أزلية من العلم والقدرة والحياة والإرادة والسمع والكلام والجلال والإكرام والجود والإنعام والعزة والعظمة ، ولا يفرقون بين صفات الذات وصفات الفعل، بل يسوقون الكلام سوقا واحدا، وكذلك يثبتون صفات خبرية مثل الساق والوجه ولا يؤولون ذلك ، فبالغ السلف إثبات الصفات إلى حد التشبيه بصفات المحدثات، ثم إن جماعة من المتأخرين زادوا على ما قاله السلف، فقالوا لا بد من إجرائها على ظاهرها ، فوقعوا في التشبيه الصرف.(85)
وقد ذكر ابن خلدون في مقدمته ، وعند استعراضه لنشأة علم الكلام ، قوله: ووقع في كلام الشارع صلوات الله عليه ، وكلام الصحابة والتابعين تفسيرها على ظاهرها ، ثم وردت في القرآن آي أخرى قليلة توهم التشبيه ، وقضوا بأن الآيات من كلام الله ، فآمنوا بها ولم يتعرضوا لمعناها ببحث ولا تأويل، وهذا معنى قول الكثير منهم اقرأوها كما جاءت ولا تتعرضوا لتأويلها ولا تفسيرها لجواز أن تكون ابتلاء فيجب الوقف والإذعان له ، وشذ لعصرهم مبتدعة اتبعوا ما تشابه من الآيات وتوغلوا في التشبيه ، ففريق شبهوا في الذات باعتقاد اليد والقدم والوجه عملا بظواهر وردت بذلك فوقعوا في التجسيم الصريح ومخالفة آي التنزيه المطلق...ثم يفرون من شناعة ذلك بقولهم جسم لا كالأجسام...وفريق منهم ذهبوا إلى التشبيه في الصفات كإثبات الجهة والاستواء والنزول والصوت والحرف ، وأمثال ذلك ، وآل قولهم إلى التجسيم فنزعوا مثل الأولين إلى قولهم صوت لا كالأصوات ، جهة لا كالجهات نزول لا كالنزول...وقام بذلك الشيخ أبو الحسن الأشعري إمام المتكلمين فتوسط الطرق ونفى التشبيه وأثبت الصفات المعنوية وقصر التنزيه على ما قصر عليه السلف وشهدت له الأدلة المخصصة لعمومه ، فاثبت الصفات الأربع المعنوية والسمع والبصر والكلام القائم بالنفس بطريق العقل والنقل ." (86)

ولو أنك تصفحت بقية كتبهم الكلامية ، وجالت عيناك في صفحاتها ، لأمكنك أن تقف على ضحالة الفكر والمعتقد عندهم ، بحيث يختلقون الأعذار والتبريرات عند العجز عن الجواب ، ويفرون من جهلهم إلى نسبة النقص في دين الله ، وتكليفه لخلقه بما لا يعلمون ، بالتالي بما لا يستطيعون ، وهو مخالف لقوله تعالى : "لا يكلف الله نفسا إلا وسعها." (87)
ولا أخال عاقلا يقول بأن الله تعالى أرسل نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بما يجهل ، وكلف الناس بما لا يعرفون ، وتركهم في حيرة من أمرهم بين سائل ومسلم ، وبين منزه ومجسم، وبين قدري ومرجئ ، و جبري ومفوض.

أخيرا وبعد أن أحلتك أيها القارئ العزيز على جملة من مقالات أصحاب هذا الاعتقاد في التوحيد ، ممن ينتسب إلينا عقيدة وشريعة ، بل لعلهم من الذين يعتقدون أنهم على خير كثير، كيف لا وهم في تصورهم أتباع الرسول وسنته ، وغيرهم بعيدون عن إسلامهم ، متنكبون عنه ، حري بي وبك أن نقف على رداءة ذلك الاعتقاد والتصور، وسخافة ما ساقوه من تبريرات واهية ، وهم الذين يحسبون أنهم يحسنون صنعا ، يقذفون البيوت التي أذن الله تعالى أن ترفع بكل بلية وفرية ، وبيوتهم لا تكاد تحصى عوراتها ، وتخبطهم في التوحيد وصفات الله تعالى كالمحتضر حال النزع، موقوف بين عالمين ، فمن جهة تراهم يتهربون من التجسيم ليس إلى تنزيه المولى سبحانه وتعالى، كما هو شأن أئمة أهل البيت الذين أذهب الله تعالى عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، بل إلى تجسيم عجيب وغريب اخترعته عقولهم ، و تفتقت به أذهنتهم ، فقالوا بعدم الكيف، وأبطلوا السؤال مع إثبات صفات الجسم والحال ، وعدوا غيرهم ممن دان بالتوحيد الصحيح، ورفض الإذعان لخرافات سلاطين الظلم والجور ، مبتدعة ورافضة.
أخي المسلم لا شك أن الدين قد مر قبل وصوله إلينا بقنوات مشبوهة كان لها أثر كبير في تحريف ما وصل إلينا منه ، وقد تضررت عقيدة السواد الأعظم من المسلمين ، بما علق بها من أكاذيب وتآويل خاطئة، وقد حان الوقت لتستأصلها ونعيد الحق إلى نصابه، والدر إلى معدنه، بالعود إلى المستحفظين على كتاب الله والناطقين عنه ، ثقله الأصغر ، كما أحالنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قبل بقوله :" تركت فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا كتاب الله وعترتي أهل بيتي وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما."(88)
والمعتصم بهم آمن من الزيغ والانحراف ، وبمنأى عن التناحر والاختلاف ، محفوظا في كنف المولى تعالى من الانصراف إلى أئمة النار و حزب الشر والأشرار، أتباع الشيطان وأوليائه من الدعاة إلى التعبد بالشك والظن .

والآن وبعد أن عرضت عليك العقيدتين ، وأبنت لك الخيارين ، وظهرت من خلال ما قلته رايات الهدى خفاقة على رايات الضلالة ، ليس أمامك غير طريقين لا ثالث لهما، فإما أن تعبد الله الحق اله الأنبياء والمرسلين ، اله محمد وآله الطاهرين صلى الله عليه وآله. الذي لا يتجزأ ولا يتحيز ليس كمثله شيء لا يرى في الدنيا يقظة أو مناما ، ولا يرى في الآخرة لامتناع الإحاطة بالمحيط ، ذو الصفات التي لا حصر لها وهي عين ذاته المقدسة،آياته وآثاره دالة عليه ، وقدرته في خلقه إثبات على أنه موجود . وكل ما ورد علينا في كتابه العزيز وما جاءنا من صحيح كلام سيد المرسلين بخصوص خالق الكون، ما هو في حقيقته غير تقريب للذهن ،وإشارات للعقل ، وإلا فان تركيبة التحصيل في البشر الضعيف عاجزة عن الوصول إلى حقيقة المعرفة، وليس أدل على ذلك من قوله صلى الله عليه وآله:" إن الله تعالى قد احتجب عن العقول كما احتجب عن الأبصار وان الملأ الأعلى يطلبونه كما تطلبونه."(89) أو أن تعبد هذا الذي يعرضه عليك هؤلاء التائهين، الذين اتخذوا من عنوان سنة سيد المرسلين مطية لتمرير الكذب والبهتان على أنه سنة ، ومن ذلك ما جاؤوا به في التوحيد من أن الله تعالى على صورة آدم ، وان قالوا بلا كيف، فقد كيفوا نتيجة انصرافهم عن آل طه ، وانحرافهم عن الراسخين في العلم .

نسأل الله تعالى ختاما أن يلزمنا كلمة التقوى، ولا يحيد بنا عن صراطه المستقيم، ولا يباعد بيننا وبين أوليائه الذين اذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، ويهدي أمة الإسلام بالرجوع إليهم بعد قرون التيه والضياع ، انه سميع مجيب، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

المـــراجــع
1 - سورة محمد الآية 19
2 - سورة آل عمران الآية 18
3 - سورة الروم الآيات:20/25
4 - سورة الروم الآية 30
5 - حق اليقين في معرفة أصول الدين للسيد عبد الله شبر ج 1 ص 35
6 - سورة البقرة الآية 74
7 - سورة الأنعام الآية 38
8 - سورة الإسراء الآية 44
9 - حق اليقين في معرفة أصول الدين للسيد عبد الله شبر ج1ص97
10 - نهج البلاغة للإمام علي عليه السلام
11 - أخرجه الحاكم في المستدرك ج33ص122 واعترف الذهبي بصحة الحديث في تلخيصه - مسند أحمد بن حنبل ج3 ص33 - البيهقي في شعب الإيمان - حلية الأولياء لأبي نعيم ح2585 - خصائص النسائي ص 1331 الصواعق المحرقة لابن حجر - كنز العمال للمتقي الهندي ج15 ص 94 ح 266- أسد الغابة لابن الأثيرج3 ص282 - ذخائر العقبى للمحب الطبري ص76 -البداية والنهاية لابن كثير ج6ص217-...
12 - نهج البلاغة للإمام علي عليه السلام . الخطبة الأولى.
13 - - نهج البلاغة للإمام علي عليه السلام الخطبة 49 ص152
14 - - نهج البلاغة للإمام علي عليه السلام
14 - - نهج البلاغة للإمام علي عليه السلام
15 - حق اليقين في معرفة أصول الدين للسيد شبر ج 1 ص 40
16 - حق اليقين في معرفة أصول الدين للسيد شبر ج 1 ص32
17 - حق اليقين في معرفة أصول الدين للسيد شبر ج 1 ص32
18 - حق اليقين في معرفة أصول الدين للسيد شبر ج 1 ص32
19 - حق اليقين في معرفة أصول الدين للسيد شبر ج 1 ص 33
20 - حق اليقين في معرفة أصول الدين للسيد شبر ج 1 ص 33
21 - حق اليقين في معرفة أصول الدين للسيد شبر ج 1 ص48/49
22 - حق اليقين في معرفة أصول الدين للسيد شبر ج 1 ص 49
23 - عيون أخبار الرضا عليه السلام ج 2 ص 105/135
24 - حق اليقين في معرفة أصول الدين للسيد شبر ج 1 ص
25 - حق اليقين في معرفة أصول الدين للسيد شبر ج1 ص
26 - عيون أخبار الرضا للصدوق
27 - حق اليقين في معرفة أصول الدين للسيد شبر
28 - سورة الفتح الآية 10
29 - عيون أخبار الرضا للصدوق
30 - حق اليقين في معرفة أصول الدين للسيد شبر
31 - سورة النمل الآية35
32 - عقيدة التوحيد ص 677
33 - أخرجه مسلم في جامعه المسمى بالصحيح ج1 ص112 والبخاري وغيرهما
34 - أخرجه مسلم في جامعه المسمى بالصحيح ج1 ص114 البخاري (جامع الأحاديث)
35 - البخاري في تفسير سورة هود باب قوله تعالى :" وكان عرشه على الماء" - مسلم في الزكاة باب الحث على النفقة- الترمذي في التفسير ومن سورة المائدة.
36 - فتح الباري ج 3 ص 29 وج 13 ص 464 وج 3 ص 29 - البخاري باب الدعاء والصلاة في آخر الليل ، وفي الدعوات ، باب الدعاء منتصف الليل ، وفي التوحيد باب قفول الله تعالى :" يريدون أن يبدلوا كلام اتلله." أخرجه مسلم في صلاة المسافرين ، باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل، الترمذي في الدعوات باب رقم 80، أبو داود في الصلاة باب أي الليل أفضل . مسلم ج1 ص120
37 - مسلم ج 1ص122 البخاري
38 - مسلم ج8 ص149 البخاري
39 - مسلم ج8 ص152 البخاري
40 - فتح الباري ج13 ص 369 - البخاري في تفسير سورة ق باب :" وتقول هل من مزيد."- وفي الإيمان والنذر - باب الحلف بغير الله وصفاته وكلماته - وفي التوحيد باب قوله تعالى :" وهو العزيز الحكيم "- مسلم باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء وج 1ص 113 و122- الترمذي في التفسير باب ومن سورة ق. عقيدة التوحيد ص 202
41 - فتح الباري ج13ص 419 / 420 وج11ص 445 عقيدة التوحيد ص 206 مسلم ج8 ص 126 - كتاب التوحيد لمحمد بن عبد الوهاب.
42 - فتح الباري ج13ص397 - كتاب التوحيد لمحمد بن عبد الوهاب
43 - كتاب التوحيد لمحمد بن عبد الوهاب - مسلم ج 8 ص 125//126
44 - كتاب التوحيد لمحمد بن عبد الوهاب
45 - كتاب التوحيد لمحمد بن عبد الوهاب
46 - كتاب التوحيد لمحمد بن عبد الوهاب
47 - ميزان الاعتدال للذهبي ج1ص588 /589
48 - ميزان الاعتدال للذهبي ج1ص362
49 - ميزان الاعتدال للذهبي ج2ص584
50 - ميزان الاعتدال للذهبي ج2ص58
51 - ميزان الاعتدال للذهبي ج4ص154
52 - الموضوعات في الآثار والأخبار للسيد هاشم معروف الحسني ص 133/134
53 - الإمام جعفر الصادق والمذاهب الأربعة لأسد حيدر
54 - الإمام جعفر الصادق والمذاهب الأربعة لأسد حيدر
55 - سورة فاطر الآية 32
56 - سورة النساء الآية 153
57 - سورة الأنعام الآية103
58 - حق اليقين ج1ص 86
59 - حق اليقين ج1ص 86
60 - حق اليقين ج1ص 86/87
61 - ميزان الاعتدال للذهبي ج3ص439
62 - كتاب الزينة ص 267 - عقيدة التوحيد ص 84
63 - الملل والنحل للشهرستاني ج 1 ص 116
64 - شرح حديث النزول لابن تيمية ص 46
65 - رحلة ابن بطوطة
66 - عيون أخبار الرضا للصدوق
67 - عقيدة التوحيد ص 227
68 - عقائد الامامية للمظفر ج ص
69 - عقيدة التوحيد ص 228
70- عقيدة التوحيد ص 229
71 - عقيدة التوحيد في فتح الباري لأحمد عصام الكاتب ص
72 - عقيدة التوحيد في فتح الباري لأحمد عصام الكاتب ص
73 - عقيدة التوحيد في فتح الباري لأحمد عصام الكاتب ص 689
74 - عقيدة التوحيد في فتح الباري لأحمد عصام الكاتب ص 688
75 - شرح النووي بهامش جامع الأحاديث لمسلم
76 - سورة الزخرف الآية 40
77 - عقيدة التوحيد
78 - فتح الباري لابن حجر ج13 ص 387/388
79 - عقيدة التوحيد في فتح الباري لأحمد عصام الكاتب ص345
80 - عقيدة التوحيد في فتح الباري لأحمد عصام الكاتب ص345
81 - عقيدة التوحيد في فتح الباري لأحمد عصام الكاتب ص 228 فتح الباري لابن حجر ج13 ص 405
82 - عقيدة التوحيد في فتح الباري لأحمد عصام الكاتب ص227 فتح الباري لابن حجر ج13 ص 408
83 - عقيدة التوحيد في فتح الباري لأحمد عصام الكاتب ص 230
84 - عقيدة التوحيد في فتح الباري لأحمد عصام الكاتب ص 229
85 - الملل والنحل للشهرستاني ج 1 ص 104
86 - مقدمة ابن خلدون ص513/514
87 - سورة البقرة الآية 286
88 - حديث الثقلين أخرجه كل من: مسلم في جامعه ج7ص122،123،124- الترمذي ج5ص663 حديث:3788- خصائص النسائي ص41.- سنن الدارمي ج2ص431- مصنف ابن أبي شيبة ج11 ص452 حديث:11725- السنة لابن أبي عاصم ج 2ص336 ح: 754 و628 و630 وحديث: 1548-1549 - 1553 - طبقات بن سعدج2ص194- مشكل الآثار ج2 ص368- حلية الأولياء لأبي نعيم ج1 ص355 - المعجم الكبير للطبراني ج5 ص153-154 ح 4921-4923 وص169-170 ح 4980-4982 - المعجم الصغير ج1ص131 - المناقب لابن المغازلي الشافعي ص234-235 ح 281-283- مصابيح السنة للبغوي ج4 ص190ح4816 -جامع الأصول ج1 ص278.- أسد الغابة ج2ص12 - ذخائر العقبى للمحب الطبري ص16- إحياء الميت للسيوطي ص30-32 ح6-8 - مجمع الزوائد للهيثمي ج1ص170 وج9 ص162-كنز العمال للمتقي الهندي وفيه 17 حديثا ج1 ص172-173 وص185-186 وص 187 -تفسير الرازي ج8ص163 - تفسير ابن كثير ج4 ص122 -الصواعق المحرقة لابن حجر ص126 - فيض القدير للمناوي ج3 ص14-15- وأخرجه صاحب غاية المرام فعدد طرقه.-جماعة التقريب بين المذاهب الإسلامية ، أخرجت الحديث في رسالة مختصرة شافية وتتبعت مصادره. مستدرك الصحيحين للحاكم ج3ص109وص148-533 -الدر المنثور ج2ص60 تاريخ بغداد ج7ص442-شرح العقيدة الواسطية لابن تيمية ص120....
89- حق اليقين للسيد عبد الله شبر ج1ص97


 عرض التعليقات
لا توجد تعليقات!
 إضافة تعليق
الإسم: *
البلد:
البريد الإلكتروني:
التعليق: *
التحقق اليدوي: *