القائمة الرئيسية:
 أقسام أخبار المستبصرين:
 أقسام المقالات:
 أقسام مكتبة الكتب:
 كتاب عشوائي:
 صورة عشوائية:
 القائمة البريدية:
البريد الإلكتروني:
 المقالات
المسارالمقالات » كتابات المستبصرين » الإثـبات في نفي استخلاف أبي بكر للصلاة

الإثـبات في نفي استخلاف أبي بكر للصلاة

الكاتب: محمد الرصافي المقداد | القسم: كتابات المستبصرين | 2009/08/24 - 02:28 AM | المشاهدات: 1550

الإثـبات في نفي استخلاف أبي بكر للصلاة

بسم الله الرحمان الرحيم

مقدمة:
كأغلب المسلمين أخذت طريقي إلى التدين بالوراثة يومها تعلمت الوضوء والصلاة من خلال والدي الذي كان يحثني على الصلاة، ويأمرني بأدائها في أوقاتها. فكنت منقادا لأوامره وتوجيهاته بلا أدنى تفكير في استقامة ما أقوم به. لم يدر في خلدي انه سيكون لي موقف مغاير لتلك الصيغة من العبادة، لأن ثقتي بوالدي الذي هو أصلي وسندي ومبدئي وثقتي ، جعلت قبولي لما يقوم به من شعائر ، وإتباعي له من المسلمات التي لا يتطرق إليها شك ولا تقبل الطعن ، بل هي من الرواسخ التي لا تتزحزح.فكان بنائي العقائدي ومجموع تصوري للدين على ذلك الأساس .لقد كان والدي من الشغوفين بمطالعة الكتب التي تتناول المسائل الدينية من زاوية مذهبية ، وكان يقتني منها ما يتعلق بالمذهب المالكي إلى اعتنقه مدة طويلة ، ككتاب المدونة الكبرى و تفسير الخازن والموطأ ، غير أن محدودية مطالعاته وانقطاعه عن التعليم الزيتوني مبكرا، ومشاغل الحياة فيما بعد، وانصرافه إلى مقاومة الاستعمار قبل استقلال البلاد، حصرت اهتمامه ومعرفته . أما أنا فانه لما اشتد عودي وقدم عهدي وتواترت أيامي بفعل ما دأبت عليه من مطالعات رباني عليها الوالد الكريم ، وما وطنت عليه عقلي من تأملات، عرفت أن تلك الطريقة من الاعتقاد والوتيرة من التكليف لم تكن ممدوحة من قبل الباري سبحانه وتعالى ، فقد قال ذاما إياها:"وإذا قيل لهم اتبعوا ما انزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا."(1) .
وقال أيضا:"بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة و إنا على آثارهم مهتدون."(2)
لذلك لم تجد بذرة التعصب ، ولا أسلوب الانغلاق إلى عقلي سبيلا ، فكان الكتاب رفيق دربي ومؤنس وحدتي وصاحبي في كل الأوقات ، ولو خيرت في زمني هذا أنا الذي لا أملك بيتا اسكنه، بين أن أمتلك بيتا أو أن أمتلك مكتبة كبيرة تحوي من المصنفات في شتى العلوم والمعارف ما يثلج صدري ،ويتيح لي المزيد من المعرفة والعلم ، لما ترددت في أن تكون لي الكتب لأنني أرى فيها الجدار والبيت والملاذ الذي لا غنى عن عقلي وقلبي منها.
لذلك فان من يعرفني عن قرب يتحسس في شخصي غراما مفرطا وتعلقا شديدا بالكتاب ، وسعيا دءوبا وراء المعرفة .
ومن تلك الوجهة جاء تحسسي لطريق الحق الذي اهتديت له وتتبعت أثره ، وسلكت دربه بعد دراسة مستفيضة ، وقناعة تامة بأن لنجاة لا تكون إلا بالتعلق به والتمسك بأسبابه .
لقد وقع بين يدي ابن عمي الشيخ مبارك بعداش كتاب المراجعات للسيد عبد الحسين شرف الدين الموسوي قدس سره ، وكاتب دلائل الصدق للشيخ المظفر طيب الله تعالى ثراه، وبحكم العلاقة المتينة التي جمعتنا ، وفي ظرف كنا جميعا نبحث عن مخرج يفتح لنا بابا مطلا على التساؤلات الكثيرة التي كانت تقرع عقولنا باحثة عن إجابة تبدد شكنا وريبنا وتضعنا أمام ما كنا نصبو إليه من حقيقة.

لقد كان الكتابان سببا أساسيا لنا في بلوغ الحقيقة التي كنا نفتقدها ، وأجوبة لشتى التساؤلات التي علقت بأذهاننا ولم تجد إجابات شافية ردحا من الزمن بواسطتهما ، ووقفة تأمل بين فكرين ومدرستين تنتميان للإسلام ، فكر ومدرسة الخلافة الذي انتمينا إليه بحكم الوراثة ، وفعل الإتباع الطبيعي والذي استمد كثيرا من قوانينه وأسسه من واقع السلط التي حكمت في رقاب المسلمين في العصر الأول من صدر الإسلام ، وليس من الله تعالى ورسوله كما هو الاعتقاد السائد عند عامتهم، وبين مدرسة الإمامة وفكر ولاية أهل البيت عليهم السلام ، الذين خرجا من البيت الذي اذهب الله تعالى عن أهله الرجس وطهرهم تطهيرا، والبيوت التي جاءت بعده والتي أذن الله تعالى أن ترفع ويذكر فيها اسمه.
وبقدر ما كانت آيات الكتاب العزيز ذامة للتقليد في العقيدة ناهية عنه ، بقدر ما جاءت آيات أخرى مادحة للعلم والعلماء حاثة علي إتباعهما ، فكان أول الوحي الذي نزل به الأمين جبريل عليه السلام هو سورة" اقرأ" وتتابع طلبه تعالى وحثه على العلم كقوله :" فاعلم انه لا اله إلا الله."(3) مادحا أهل العلم رافعا من شانهم كقوله:" يرفع الله الذين آمنوا والذين أوتوا العلم درجات."(4) و:"إنما يخشى الله من عباده العلماء."(5) وأمر رسوله بان يعلم الناس ويحثهم على طلبه وبذل الغالي والنفيس من اجل تحصيله، ثم شدد على حالة التجانس بين العلم والعمل ، وجعلهما عبارة عن الجسد والروح ، فالعمل جسد والعلم روح ، وإذا ما افتقدت الروح الجسد طارت إلى عوالم أخرى ومستودع آخر، كذلك العلم إذا لم يؤيد العمل ارتحل إلى وعاء يمتزج فيه بالعمل. وكثيرة هي الشواهد التي تمر أمام أعيننا منذ أمد إلى اليوم، آلاف المسلمين الذين يحفظون القرآن عن ظهر قلب، لكنهم لا يفقهون منه إلا القليل، بل منهم من لا يفقه منه شيئا، فحق فيهم قوله تعالى:" كمثل الحمار يحمل أسفارا."(6)

وتطبيقا لأوامر الله ونواهيه ، كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المعلم والمتعهد لذلك كله.فلم يفته شيء فيه صلاح إلا وقد بلغه للأمة ، كما لم يأل لها نصحا وتنبيها وتحذيرا . غير أن التقصير والتفريط صدر عن الجيل الأول من هذه الأمة، وكانت أحداث السقيفة وما سبقها ولحقها الأساس الذي أرسى بالأمة على ساحل الضياع و الحيرة.
إن الذي شكك في كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، واعتبره بشر يتكلم في الغضب والرضا ،والذي منع كتابة الأحاديث بدعوى اختلاطها بالقرآن ، هو الذي فتح الباب على مصراعيه أمام الكذابين والوضاعين ليدسوا سمومهم في أحكام الله تعالى سننا كانت أم فرائض ، حتى أصبح المحرفون يمارسون أعمالهم بلا نكير ، وتحت غطاء المذهبية والتعصب . وكانت الحكومات التي مورس تحت ظلها التحريف الراعية له والمباركة لمجموعه، ثم جاء من بعدهم من أضفى عليه مسحة القداسة ، إيهاما للناس وتظليلا وتخويفا للتقاة منهم من أن يقدحوا فيه أو يشككوا في صدوره عن النبي صلى الله عليه وآله وسلمن حتى أن أحد خلفاء الإمبراطورية العثمانية اصدر مرسوما يقض بتخصيص قارئ لكتاب(صحيح) البخاري في سفنه الحربية تبركا وتيمنا وفي بلدان أخرى تابعة للسلطة العثمانية جرت العادة على ختم كاتبي مسلم والبخاري في شهر رمضان تسليما بصحة ما جاء فيهما ، ليس عن دراسة وعلم ومقارنة ، وإنما عن وراثة وتعصب لا طائل من ورائهما غير مزيد البعد عن الحقيقة، ولو أنهم نظروا إلى ما حوته صحائفهما نظرة البصير الواعي ، لعلموا أن تلك الكتب ما كان لها أن تتصف بوصف لا ينطبق عليها ولا يليق إلا بكتاب الله تعالى والعترة الطاهرة من أهل بيت نبيه الذين اصطفاهم برسالته تبليغا وحفظا.

إن أسباب اختيار تلك الكتب وتسميتها بالصحاح دون غيرها من عشرات المصنفات الروائية لم تخف على العارفين بتاريخ الصدر الأول من الأمة ويمكن حصرها في النقاط التالية:
أولا: موالاة الكتب وأصحابها للظالمين وتثبيت دعائم سلطتهم المبنية على القهر والغلبة والجور، بما أخرجوه من روايات موضوعة ونسبوها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تؤيد الظلم والظالمين وتدعو المسلمين إلى طاعتهم مهما بلغ ظلمهم طالما أنهم يقيمون الصلاة .
ثانيا : امتناع تلك أولئك الرواة من الرواية عن الأئمة الأطهار من أهل بيت النبوة عليهم السلام ، وخلو كتبهم من أحاديثهم ، امتثالا لأوامر السلط الحاكمة آنذاك لأنهم يمثلون أصحاب الحق في قيادة الأمة ، وظهورهم في مقام العلماء يثير حفيظة الغافلين عنهم ، لذا اتجه الأمر إلى تغييبهم عن الأمة، سيما وهم معدودين ضمن المعارضة الفعلية لأنظمتهم المتسترة بالدين وهي ابعد ما تكون عنه.
ثالثا: نقل المتناقض من الروايات لمزيد الإشكال على المسلمين ، فعلى سبيل المثال لا الحصر نقلوا في روايات أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بسمل في صلاته وفي أخرى أنه لم يبسمل ، وصلى نوافل شهر رمضان من دون عزيمة ن وصلاها جماعة ، وأنه صلى الضحى ن وأنه لم يصلها ، وأنه قنت في صلواته كلها ن وأنه لم يقنت في غير الصبح، وأنه قبض يديه في الصلاة وانه لم يقبض، وانه حرم الخروج على الظالمين وانه أمر بمجاهدتهم...إلى غير ذلك من التناقضات في الروايات المنسوبة للنبي الكرم صلى الله عليه وآله وسلم.(7)
رابعا : احتواء تلك الكتب إضافة للمكذوب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، روايات الخرافة
التي دأب اليهود على نشرها حتى تسربت عبر عدد من الصحابة كأحاديث نبوية .

نماذج تلك الروايات عديدة وأبوابها متعددة منها ما هو متعلق بالعقيدة ومنها ما هو متعلق بالشريعة، ولئن كنت تناولت ما يتعلق بالتوحيد والنبوة في دراستين منفصلتين ،و كنت عازما على تناول مسالة الإمامة ، فقد خطر لي خاطر وأنا في بعض تأملاتي صرفني عن البدا فيما عزمت عليه إلى ما هو متصل بها تاريخيا فقلت في نفسي : لماذا لا أتناول في بحث مستقل الروايات التي ارتكز عليها أصحاب (الصحاح ) كدليل على صحة حكومة الخليفة الأول وشرعية توليه السلطة ، وهو الذي نقلوا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خلفه للصلاة بالناس في مرضه الذي توفي فيه.ومن رضيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لديننا لا بد أن نرضاه لدنيانا.واقتنعت بجدوى البحث فقمت به وأقدمه الآن إلى الأمة سائلا المولى العلي القدير أن ينير بصائر الأمة يفتح بيننا وبينها بالحق وهو خير الفاتحين .
لئن كانت النصوص الصحيحة الثابتة الورود عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دالة في مجموعها على أن الوحي لم يترك التشريع ومستلزماته للناس يفعلون به ما يريدون ، فان العقل السليم حاكم كذلك بضرورة الاستخلاف على ذلك كله ، حفظا واستكمالا لمسيرة العلم والعمل والأخلاق التي جاءت بها الشريعة الخاتمة خلاصة لمسيرة 124 ألف نبي وما تلاهم من المستحفظين على شرائعهم.
غير أن هناك من انبرى مفندا للنصوص الصريحة بالتأويل الأعرج والادعاء الذي لا يستقيم ، مدعيا من جهة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يترك للأمة من يقوم مقامه فيها ، ومن جهة أخرى يعود ليدعي انه صلى الله عليه وآله وسلم قد أمر أبا بكر أن يصلي بالناس ، وإمامة الصلاة إن دلت على شيء فإنها تدل على القدوة الواجب إتباعه.ومع وجود هذه الروايات في الكتب الروائية المسماة بالصحاح وفي غيرها من أصحاب الاعتقاد بنظرية الخلافة فانه يتعين النظر في أسانيدها وتفحص متونها لمعرفة ومدى صحتها.ومقارنة بعضها ببعض، وموازنتها مع ما صدر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أوامر صريحة لا تبقي على الزعم الكاذب.

على الرغم من أن علم الجرح والتعديل أي علم الرجال المتعلق بأسانيد الروايات المنسوبة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أو المؤرخة لأحداث التاريخ والسيرة العطرة على صاحبها وعلى آله أفضل صلاة وأزكى تسليم، لم يكن موثقا توثيقا يستأنس فيه الوسطية والبعد عن العصبية والتطرف ، وبالتالي يمكن معرفة هذا الراوي وذاك وحقيقة عدالتهما بكل تجرد ، فالمتتبع لكتب هذا الفن يستطيع أن يتعرف على مدى تحامل أربابه على الرواة خصوصا إذا ما كان الراوي مخالفا في الفكرة والمذهب ، فان التهمة سريعة الالتصاق به ، وعلى ذلك يقع إسقاطه من العدالة والوثاقة .وقد تنسب إليه في العادة تهمة الابتداع والرفض مضافا إلى ذلك فان أغلب الذين صنفوا كتبا في الجرح والتعديل قد ضربوا الصفح عن جيل الصحابة فلم يتجرأ أحد منهم على التطرق إليهم ن ولم يقفوا عند ذلك الحد بل تجاوزوه إلى طبقة التابعين فلم يسقطوا منها غير المخالفين لهم. والحال أن الطامة الكبرى والبلية العظمى قد جاءت من هاتين الطبقتين خاصة، وما زاد على ذلك انبنى على أساسها .صحيح أن هنالك صحابة أجلة وتابعين بررة رضوان الله تعالى عليهم لكننا لم نؤمر بإتباعهم ولا الاقتداء بهم ، كما أن صفة العدالة والصدق والاستقامة والتقوى وغيرها من محاسن الأخلاق ليست عامة في طبقة الصحابة والتابعين ولا في من جاء بعدهم ، إنما هي صفات يندر وجودها ويقل أصحابها. وبقدر ما أثنى المولى سبحانه وتعالى على الصحابة في كتابه العزيز بقدر ما توعد ولعن وغضب . ومن تدبر القرآن وتلاه حق تلاوته ، وجد في معانيه ما يفيد ذلك المعنى ويؤيد التوجه العام الذي تعامل به المولى سبحانه وتعالى مع جيل الصحابة.هذا من حيث الدلالات القرآنية ،أما من حيث الأحاديث النبوية فان أحاديث الحوض المتعددة والتي نختار منها قوله صلى الله عليه وآله وسلم :" فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم ."

وقوله :" سحقا سحقا لمن غير بعدي ."(8 ) تنصرف كلها نحو التأكيد على طبيعة جيل الصحابة ، فلا فرق بينه وبين بقية الأجيال المتعاقبة إلا بالتقوى ، وهو الميزان الفصل ، بل إن الأجيال اللاحقة ممن جاء بعدهم خير من اغلبهم كما قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في معرض حديثه عن الذين سيأتون من بعد جيله :"لأجر الواحد منهم اجر سبعين منكم." (9) وكلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم موجه إلى عمر بن الخطاب في جمع من الصحابة.
واجتنابا للإطالة أقول أن الجرح في أسانيد الروايات لا بد أن يبدأ من آخر السند ، أي الصحابي الناقل للرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، لأن النفاق طال عددا لا يستهان به منهم فمن ظهرت عليه أعراض ذلك الداء العضال من خلا أفعاله التي سجلت عليه بعضها وعفي عن معظمها، فمن الواجب تجنبه وعدم الأخذ عنه و البراءة منه ، لأنه عدو لله ورسوله ودينه ، ومن صفت سريرته وظهر من أفعاله ما ينبئ عن صلاحه وموالاته لآل محمد فمن الواجب الأخذ عنه واحترامه بمكانته من رسول الله والأئمة الأطهار صلى الله عليهم جميعا.من ذلك ننطلق

فنقول :
أخرج مسلم النيسابوري على سبيل المثال اثني عشرة رواية تحدثت عن صلاة أبي بكر بن أبي قحافة بالناس في مرض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . ثمانية منها مسندة إلى عائشة ابنته وثلاثة إلى انس بن مالك ، وواحدة إلى أبي موسى الأشعري .

نظرة في أسانيد الروايات:
إذا تأملنا في أسانيد الروايات المتصلة بصلاة أبي بكر بن أبي قحافة المزعومة نجدها جميع لا تقوى على الصمود أمام الطعون المنسوبة إلى أصحابها:
أما عائشة فان ما ظهر منها من بغض وعداء لعلي بن أبي طالب عليه السلام وأهل بيته عليهم السلام ، حتى بلغ بها الأمر إلى عصيان الله ورسوله لخروجها من بيتها وقد أمرت بأن تقر فيه ، ومحاربة إمام المسلمين، وتأليب الناس عليه ظلما وعدوانا، وإذكاء الفتنة بين المسلمين والفتنة أشد من القتل، وان دل ذلك كله على شيء فإنما يدل على انحرافها عن الحق وإتباعها الهوى ونصرة الباطل، وإلا لماذا عادت عليا عليه السلام وهي تعلم يقينا مكانته من الله ومن رسوله وما قاله فيه الوحي بجانبيه القرآني والنبوي خصوصا قوله صلى الله عليه وآله وسلم له:" لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق." (10)
حتى أن عددا من الصحابة صرحوا بأنهم كانوا يعرفون المنافقين ببغضهم لعلي عليه السلام.
وما موقف أبي موسى الأشعري من علي عليه السلام ببعيد عن عائشة ، فقد اخرجوا عنه ما يلي:
هو عبد الله بن قيس بن سليم ، من أشعريي اليمن ، وافق قدومه المدينة قدوم مهاجري الحبشة لكنه ليس منهم كما رواه لبن عبد البر في الاستيعاب، كان ذلك بعد فتح خيبر، عد من المبغضين لعلي عليه السلام، وزاد بغضه له لما عزله عن ولاية الكوفة عند مقتل عثمان.تكلم فيه حذيفة بن اليمان فقال :أما أنا فأشهد انه عدو لله ولرسوله وحرب لهما في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار.

وكان حذيفة عارفا بالمنافقين اسر إليه رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم أمرهم ن وأعلمه بأسمائهم، وقد روي أن عمارا سئل عن أبي موسى الأشعري فقال :لقد سمعت فيه من حذيفة قولا عظيما سمعته يقول : صاحب البرنس الأسود ، ثم كلح كلوحا علمت منه أنه كان ليلة العقبة بين ذلك الرهط.(11)
وليلة العقبة هي الليلة التي رام فيها جمع من الصحابة التنفير بناقة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لقتله عند منصرفه من غزوة تبوك.ورغم خطورة الحادثة فان المؤرخين وأصحاب السير ممن اشربوا في قلوبهم حب الصحابة أجمعين وتقديسهم قد سعوا إلى التقليل من قيمتها، فمروا عليها مرور الكرام .
أما أبو بردة: فهو عامر بن أبي موسى الأشعري ، كان قاضيا على الكوفة وليها بعد شريح. ذكره ابن أبي الحديد المعتزلي من المبغضين لأمير المؤمنين عليه السلام ، وأنه ورث البغضة من أبيه لا عن كلالة .وروي انه قال لبي العدية قاتل عمار بن ياسر : أنت قتلت عمارا؟ قال: نعم .قال :ناولني يدك ، فقبلها وقال : لا تمسك النار أبدا.وهو احد من سعى في قتل حجر بن عدي الكندي ، أمره زياد بن أبيه ليكتب شهادته على حجر بما رآه ، فكتب : بسم الله الرحمان الرحيم هذا ما شهد عليه أبو بردة بن أبي موسى لله رب العالمين ، شهد أن حجر بن عدي خلع الطاعة وفارق الجماعة ولعن الخليفة ودعا إلى الفتنة وجمع إليه الجموع يدعوهم إلى نكث البيعة وخلع (أمير المؤمنين) معاوية ، وكفر بالله كفرة صليعاء.(12) ناسبا الكفر إلى الإمام علي عليه السلام لأن حجر بن عدي من خلص أصحابه وكبار زهادهم.

أما عقيل بن خالد الأيلي: فقد قال فيه أبو حاتم : لم يكن بالحافظ، قال لي أبو الوليد قال لي الماجشون: كان عقيل جلوازا(شرطيا) وذكر عند يحي القطان إبراهيم بن سعد وعقيل فجعل كأنه يضعفهما .(13 )
أما إسحاق بن إبراهيم: فقد قال ابن مخلد :لقد تغير في آخر عمره واختلط، وقد قال الواسطي كذبه ابن عدي لوضعه الحديث وكذبه الأزدي أيضا.(14)
أما أبو معاوية الضرير: فقد قال ابن خراش هو في الأعمش ثقة وفي غيره مضطرب، وكذلك قال عبد الله بن احمد بن حنبل: هو في غير العمش مضطرب لا يحفظها حفظا جيدا. وقال الحاكم : احتج به الشيخان وقد اشتهر عنه الغلو ، أي غلو التشيع، وروى عباس عن ابن معين قال:روى أبو معاوية عن عبيد الله أحاديث مناكير وقال العجلي : يرى الإرجاء. وقال يعقوب ابن أبي شيبة: ثقة ربما يدلس وكان يرى الإرجاء، ثم قال يقال إن وكيعا لم يحضر جنازته للإرجاء.(15)
أما الأعمش : فهو أبو محمد سليمان بن مهران الأسدي الكوفي المعروف بالفضل والثقة والجلالة والتشيع والاستقامة ،والعامة يثنون عليه مطبقون على فضله مع اعترافهم بتشيعه.(16)
أما وكيع فقد قال ابن المديني : كان وكيع يلحن ولو حدثت بألفاظه لكانت عجبا. كان يقول : حدثني الشعبي عن عائشة .وسئل أحمد بن حنبل إذا اختلف وكيع وعبد الرحمان بن مهدي ، بقول من تأخذ؟ فقال: عبد الرحمان يوافق أكثر وخاصة في سفيان، وعبد الرحمان يسلم منه السلف ويجتنب شرب المسكر. قال ابن المديني في التهذيب : وكيع كان فيه تشيع قليل.(17)
أما عبد الملك بن عمير : فقد قال فيه أبو حاتم : ليس بالحافظ تغير حفظه. وقال احمد : ضعيف يغلط. وقال ابن معين : مخلط. وقال ابن خراش : كان شعبة لا يرضاه. وذكر الكوسج بن أحمد انه ضعفه جدا وجرحه ابن الجوزي.(18)
أما معمر بن راشد : فله أوهام معروفة ، قال أبو حاتم : ما حدث به بالبصرة ففيه أغاليط وروي انه قال: لقد أكرهنا هؤلاء الأمراء على كتابة أحاديث.(19)
أما صالح : فان كان ابن رستم ، وقد أخرج له مسلم، روى عباس عن يحي: ضعيف وكذا ضعفه أبو حاتم .وقال ابن أبي شيبة : سألت ابن المديني عنه فقال : كان يحدث عن ابن أبي مليكة كان ضعيف، ليس بشيء (20)وان كان صالح بن صالح بن حي فقد قال فيه العجلي : ليس بقوي.(21)
وان كان ابن كيسان : فقد رمي بالقدر.(22)
هؤلاء إذا بعض رواة حديث الصلاة والطعون التي لحقتهم ، غير ألا أن الملفت للنظر هنا هو حشر رواة شيعة في فرية ليسوا طرفا في الاعتقاد بها، فوكيع والأعمش بتصريح الذهبي شيعة ، والشيعة يعلمون يقينا ومتسالمون جميع بأن تلك الصلاة لا أساس لها ، وان وقعت فمن طرف واحد وهي مؤامرة يراد بها التمهيد للاستيلاء على السلطة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.كما أنني لست ادري ما يقصد به الذهبي من التشيع القليل....
أما أبو معاوية الضرير فقد تأرجح القول فيه بين التشيع والإرجاء وطالما أن وكيع لم يحضر جنازته فهو إلى الإرجاء أقرب .أما بقية الرواة فهم بين الضعف والتدليس و الجلوزة ومصاحبة الأمراء والسعاية بأهل الحق والنفاق الواضح. وعليه فلا وزن لهم ولا قيمة ، ومن هذه القرائن سقطت أسانيد تلك الروايات.

أما متون الروايات فلا تقل اضطرابا عن أسانيدها بل فيها من الكذب الصريح والادعاء الفاضح مما يؤكد وضعها وافتعالها.

1- اخرج مسلم عن عائشة قالت : ثقل النبي (ص) فقال أصلى الناس؟قلنا لا وهم ينتظرونك يا رسول الله، فقال: ضعوا لي ماء في المخضب. ففعلنا فاغتسل ثم ذهب لينوء فأغمي عليه، ثم أفاق فقال أصلى الناس ؟ قلنا : لا وهم ينتظرونك يا رسول الله ، فقال : ضعوا لي ماء في المخضب ، ففعلنا فاغتسل ثم ذهب لينوء فأغمي عليه ن ثم أفاق فقال: أصلى الناس ؟قلنا :لا وهم ينتظرونك يارسول الله. فقال: ضعوا لي ماء في المخضب، ففعلنا فاغتسل ثم ذهب لينوء فأغمي عليه ثم أفاق فقال أصلى الناس ؟ فقلنا : لا وهم ينتظرونك يارسول الله. قالت والناس عكوف في المسجد ينتظرون رسول الله (ص) لصلاة العشاء الآخرة، قالت فأرسل رسول الله (ص) إلى أبي بكر أن صلي بالناس ، فأتاه الرسول فقال: إن رسول الله (ص) يأمرك أن تصلي بالناس .فقال أبو بكر- وكان رجلا رقيقا - يا عمر صل بالناس .فقال عمر أنت أحق بذلك. قالت فصلى بهم أبو بكر تلك الأيام .ثم إن رسول الله (ص) وجد في نفسه خفة فخرج بين رجلين أحدهما العباس لصلاة الظهر ، وأبو بكر يصلي بالناس ، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر فأومأ إليه النبي (ص) أن لا يتأخر ، فقال لهما أجلساني إلى جانبه فأجلساه إلى جنب أبي بكر ، وكان أبو بكر يصلي وهو قائم بصلاة النبي (ص) والناس يصلون بصلاة أبي بكر، والنبي (ص) قاعد. قال عبيد الله فدخلت على عبد الله بن عباس فقلت له ألا اعرض عليك ما حدثتني عائشة عن مرض رسول الله (ص)قال هات فعرضت حديثها عليه فما أنكر منه شيئا غير انه قال: أسمت لك الرجل الذي كان مع العباس قلت:لا قال :هو علي. (23 )

اخرج ابن سعد في معرض حديثه عن سرية أسامة بن زيد بن حارثة إلى أهل أبنى ، وهي أرض ناحية البلقاء .لما كان يوم الاثنين لأربع ليالي بقين من صفر سنة 11 للهجرة أمر رسول الله (ص) الناس بالتهيئ لغزو الروم، فلما كان الغد دعا أسامة بن زيد ن فقال: سر إلى موضع مقتل أبيك فأوطئهم الخيل ، فقد وليتك هذا الجيش. فلما كان يوم الأربعاء بدئ برسول الله (ص)فحم وصدع ، فلما كان يوم الخميس عقد لأسامة لواء بيده ،ثم قال : اغز باسم الله في سبيل الله ، فقاتل من كفر بالله . فخرج بلوائه معقودا فدفعه إلى بريدة بن الحصيب الأسلمي ، و عسكر بالجرف فلم يبق أحد من وجوه المهاجرين الأولين والأنصار إلا انتدب في تلك الغزوة فيهم أبو بكر وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وقتادة بن النعمان و سلمة بن أسلم بن حريث . فتكلم قوم وقالوا : يستعمل هذا الغلام على المهاجرين الأولين ، فغضب رسول الله (ص) غضبا شديدا فخرج وعصب رأسه وعليه قطيفة ، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد أيها الناس ، فما مقالة بلغتني من بعضكم في تأميري أسامة ، ولئن طعنتم في إمارتي أسامة فلقد طعنتم في إمارتي أباه من قبل وأيم الله إن كان للإمارة خليقا و إن ابنه من بعده لخليق بالإمارة ، وان كان لمن أحب الناس إلي .. فجعل يقول أنفذوا بعث أسامة . فلما كان يوم الحد اشتد برسول الله (ص) وجعه فدخل أسامة من معسكره والنبي مغمور وهو اليوم الذي لدوه فيه ن فطأطأ أسامة فقبله، ورسول الله (ص) لا يتكلم ، فجعل يرفع يديه إلى السماء ثم يضعها على أسامة .قال فعرفت أنه يدعو لي. ورجع أسامة إلى معسكره ن ثم دخل يوم الاثنين وأصبح رسول الله (ص) مفيقا صلوات الله عليه وبركاته ، فقال لي : أغد على بركة الله ، فودعه أسامة وخرج إلى معسكره ، فأمر الناس بالرحيل . فبينا هو يريد الركوب إذا رسول أمه أم أيمن قد جاءه يقول : إن رسول الله يموت. فاقبل واقبل معه عمر وأبو عبيدة ،فانتهوا إلى رسول الله وهو يموت فتوفي (ص).(24)

تعمدت في المقام الأول أن اخرج بداية اكبر الروايات التي نسبت تعيين النبي (ص) لأبي بكر كي يصلي بالناس.لاحتوائها على عدد من التناقضات التي لا يمكنها أن تنطلي على ابسط العقلاء، ثم أردفتها برواية تاريخية من طبقات ابن سعد تحدثت عن سرية أسامة بن زيد التي حث رسول الله على إرسالها إلى محاربة الروم ، رغم وضعيته الصحية المتردية، للترابط بين الروايتين فيما يتعلق بالانتدابات الحاصلة في تلك السرية والتي طالت عددا كبيرا من المهاجرين والأنصار من بينهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة ثلاثي السقيفة . وعليه فان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما أوعب أبا بكر بن أبي قحافة تحت إمرة أسامة بن زيد ،كان يدرك ما يفعله تماما ، ولم يرد علينا نص واحد يتحدث عن استثنائه لغرض آخر .
لذلك فان دعوى صلاة أبي بكر بالناس حياة رسول الله صلى الله عليه وآله في مرضه الذي توفي فيه باطلة وعارية من الصحة تماما ، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يتناقض في أوامره ، وموضع أبي بكر في ذلك الوقت هو تجهيز نفسه ليكون طوعا لأمر قائده أسامة بن زيد ذي الثمانية عشرة ربيعا، إن كل متعصب أعمى البصيرة لا يمكنه أن يصل إلى هذه القناعة طالما انه منغمس في تقديس روايات باطلة كالتي نحن في صددها.

والملاحظ لرواية سرية أسامة يرى حرصا شديدا من النبي صلى الله عليه وآله وسلم على إنفاذ الجيش في مأموريته المنتظرة ، قابله تشكيك وطعن في تأمير أسامة من قبل عدد من الصحابة ، وتقاعس منهم بعد ذلك مبني على ذلك الطعن ، مما خلق حالة متجددة من العصيان و التمرد على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، مما دفع بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى لعن المتخلف عن سرية أسامة، فكيف والحال هذه يمكننا أن نقنع بأن سيند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأبي بكر وظيفتان ، الأولى وهي الثابتة بكونه في جيش أسامة وقد ذكره بالاسم كل أصحاب التواريخ والسير، والثانية أمره له بالصلاة بالناس .
لقد ذكرت الرواية أن أبا بكر لما جاءه المر بالصلاة امتنع عنها وطلب من عمر أن يصلي بالناس ، وفي ذلك عدم امتثال ورد على النبي لو صحت الرواية يدعونا إلى التعجب من تلك الشخصيات التي مارست مع النبي صلى الله عليه وآله كل أنواع التجاهل والتطاول والاستخفاف بشخصه الكريم ومقامه العظيم ، كأنما هو مساو لهم أو ليس له خاصية تميزه عنهم ، وهو الجهل بمقام النبوة لا يمكن تجاوزه .

كما ذكرت عائشة أن أباها رجل رقيق لا يمكنه أن يقوم مقام النبي في الصلاة ، فهل أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، على الرغم مما جاء عن صفاته في القرآن غير رقيق ؟ وهل تتطلب الصلاة شيئا آخر غير الرقة و التخشع والخضوع لله تعالى؟ أم إن عائشة لها رأي آخر في أداء الصلاة؟
وان عجبت من شيء فأعجب من الخفة التي أصبح عليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والتي ذكرتها الرواية الأولى والتي تقول :خرج يهادى بين رجلين، وفي رواية أخرى : ورجلاه تخطان ، (أي ترسمان خطا في الأرض من شدة الإعياء وقلة الجهد،لن ارتكازه كلن على الرجلين الذي كان يهادى بينهما.) فأي خفة تلك التي نسبت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا لم تكن هناك ضرورة قصوى دفعته إلى الاستنجاد بعلي عليه السلام والعباس كي يدرك المسجد ويبطل مؤامرة صلاة أبي بكر بالناس.إن الجهد الذي بذله النبي صلى الله عليه وآله وسلم يؤكد خطورة ما أقدم عليه أبو بكر وجماعته الذين يفترض أن يكونوا في جيش أسامة خارج المدينة، لذلك لما سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم صوته خرج من حجرته مبادرا إلى إبطال المؤامرة ، وإلا لما كان هناك داعي يستوجب ذلك الجهد الكبير الذي قام به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولاكتفى بالصلاة في حجرته مع علي والعباس .
أما خاتمة الرواية ففيها تغطية مفضوحة على عزل أبي بكر من الصلاة حيث تقول الرواية إن أبا بكر لما رأى النبي صلى الله عليه وآله مقبلا ذهب ليتأخر فأومأ إليه أن يبق في مكانه ، مع أن هناك رواية تقول بأن أبا بكر دخل في صفوف المصلين بعد أن رأى رسول الله صلى الله عليه وآله مقبلا ، مع أن الذين أتيا به لا يمكن أن يتركاه وحده وهو على تلك الحال ، فالمفترض أن يكونا عن يمينه وعن شماله متأخرين عنه قليلا لمكان الإمام في الصلاة ، والذي تجاهلته الرواية .

ثم انظر إلى جرأة هؤلاء على الله ورسوله كيف يدعون ما لا يقبله عقل ولا منطق ، فيطلق مختلق الرواية دعوى لا أساس لها ، كالشجرة الخبيثة التي ليس لها قرار، مفادها أن الناس اقتدوا بأبي بكر وأبو بكر اقتدى برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فأي صلاة تلك التي صليت بإمامين؟
وان أمكن لبي بكر على حد زعم الرواية أن يستأنف ويخرج من نيته الأولى بكونه إماما إلى الوضع الجديد في كونه مأموما ، فكيف يمكننا أن لا نقنع بأن المأموم عندما ينوي الاقتداء تمضي نيته فيأتم بمن هو الإمام الفعلي للصلاة وهل يعدل بشر فيه بذرة من خير عن إمامة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ اللهم إلا إذا كان المصلون كلهم متفقون على ذلك التعدي ، أو أن يكون أبو بكر هذا طرفا في النبوة والوحي.

2- اخرج مسلم عن انس بن مالك أن أبا بكر كان يصلي لهم في وجع رسول الله (ص) الذي توفي فيه حتى إذا كان يوم الاثنين وهم صفوف في الصلاة كشف رسول الله (ص) ستر الحجرة فنظر إلينا وهو قائم كأن وجهه ورقة مصحف ن ثم تبسم رسول الله (ص) ضاحكا ، قال فبهتنا ونحن في الصلاة من فرح خروج رسول الله (ص) ونكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف ، وظن أن رسول الله (ص) خارج للصلاة فأشار إليهم بيده أن أتموا صلاتكم .قال ثم دخل رسول الله (ص) فأرخى الستر. (25 )
لم تكن هذه الرواية لتتفق مع ما ثبت من أن أبا بكر قد أمره النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن يكون في جيش أسامة بن زيد ولم نعثر على نص واحد يقول برجوع النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك القرار. وعلى افترض أن النبي صلى الله عليه وآله قد أمره بالصلاة فلم النكوص على العقبين ،وهو مكلف بأداء الصلاة بالناس؟ ليس هناك من تفسير سوى أن أيدي التحريف كانت من الغباء في بعض الأحيان بشكل جعلها لا تميز بين جمل النص فتركت آثارا دلت على أن النبي لم يأمر أحدا بالاسم كي يصلي بالناس. ثم أي صلاة تلك التي ينكص فيها الإمام على عقبيه فيتمها ولا يعيدها لأنه قد أتى بحركات منافية للصلاة وخارجة عنها؟

3– اخرج مسلم عن أبي موسى الأشعري قال: مرض رسول الله فاشتد مرضه فقال مروا أبا بكر فليصل بالناس ، فقالت عائشة يا رسول الله إن أبا بكر رجل رقيق متى يقوم مقامك لا يستطيع أن يصلي بالناس . فقال (ص): مري أبا بكر فليصلي بالناس فإنكن صواحب يوسف.قال فصلى بهم أبو بكر في حياة رسول الله (ص).(25)
ذكرت الرواية أن رسول الله أمر أن يصلي بالناس أبو بكر ، لعدم استطاعته أن يصلي هو بالناس ، إلا أن لعائشة رأي آخر عللته بأن أباها رجل رقيق لا يستطيع الصلاة بالناس متى قام مقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم،ولست ادري إن كان كلامها عن أبيها نتيجة تجربة سابقة مر بها ، وأثبتت أنه بالفعل لا يستطيع الصلاة بالناس ،أم إن في الأمر شيء لا تريد الإفصاح عنه. على أن الوصف الذي نسبوه للنبي صلى الله عليه وآله بأن عائشة وحفصة في روايات أخرى بأنهن صواحب يوسف ن لا يستقيم إلا في الرواية الصحيحة التي قامت فيها كل من عائشة وحفصة كل واحدة تطالب أن يصلي أباها بالناس ، فأسكتهن النبي صلى الله عليه وآله بقوله اسكتن فإنكن صواحب يوسف." واستقامة المثل هنا ابلغ من الرواية التي نحن في صددها.

4- أخرج ابن سعد في طبقاته عن عبد الله بن زمعة بن السود قال : عدت رسول الله في مرضه الذي توفي فيه ، فجاءه بلال يؤذنه بالصلاة فقال لي رسول الله (ص) مر الناس فليصلوا .قال عبد الله فخرجت فلقيت ناسا لا اكلمهم، فلما لقيت عمر بن الخطاب لم أبغ من ورائه ، وكان غائبا ، فقلت له صل بالناس يا عمر ، فقام عمر في المقام وكان رجلا مجهرا ، فلما كثر سمع رسول الله (ص) صوته فاخرج رأسه حتى أطلعه للناس من حجرته فقال:لا..لا..لا..ليصلي بهم ابن أبي قحافة، قال يقول ذلك رسول الله مغضبا.(28)
تقول الرواية أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر عبد الله بن زمعة أن يأمر من يصلي بالناس ولو كان قاصدا أبا بكر لأمر به، ويظهر من عبد الله هذا أن علاقاته مع عدد من المسلمين يشوبها التوتر والنفرة التي بلغت إلى حد الخصام وعدم التكلم معهم . وفي هذه الرواية دليل على أن عمر لا يصلح لإمامة الصلاة بدليل رفضه من طرف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

5- اخرج ابن سعد عن أم سلمة أن رسول الله (ص) كان في إذا خف عنه ما يجد خرج فصلى بالناس ، وإذا وجد ثقله قال مروا الناس فليصلوا ، فصلى بهم ابن أبي قحافة يوما الصبح فصلى ركعة ثم خرج رسول الله (ص) فجلس بجنبه فأتم بأبي بكر فلما قضى أبو بكر الصلاة أتم رسول الله (ص) ما فاته.(29)
إن دعوى ائتمام النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأحد من الناس هو من قبيل الطعن والنقيصة فيه ، فالذي أم 124 ألف نبي ورسول في بيت المقدس ، لا يمكن أن يصلي وراء أحد من أمته .

ودعوى ائتمام النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأبي بكر مختلقة وواهية لا أساس لها من الصحة ، والثابت عند أهل البيت عليهم السلام أن الكذب والنفاق يكمن في قبول النقيصة في صفوة الخلق والادعاء عليه بدعاوى فيها تحامل كبير وتجاسر على مقام خيرة المخلوقين، وجهل بالنبوة وحقيقتها، نعوذ بالله من فساد العقيدة. وفي نظري ليس هناك فساد اكبر من القبول بان الرسول صلى الله عليه وآله ائتم في صلاته بأحد كائنا من كان وتحت أي ذريعة أو سبب، وهن الذي جمع الله تعالى له الأنبياء والمرسلين والملائكة التي لا يعلم عددها إلا هو ، فأمهم جميعا في بيت المقدس ليلة الإسراء ، قال تعالى :ط أولئك الذين هداهم الله فبهداهم اقتده."ولا أرى قدوة يقتدي ولا قائدا يقاد، ولا إماما جمع الله في شخصه النبوة والرسالة الخاتمة ن وجعله هاديا ومرشدا ودليلا ونورا بين الناس يصلي وراء احد من رعيته ، وهو المأمور قبل غير بتطبيق الأحكام على نفسه ثم غيره ، فكيف يجوز أن يأتم جامع كل هذه الخصال والسجايا بمن لا يساويه شيئا ، فكيف تقبل الصلاة في هذه الحالة ، ونحن نعلم بالضرورة أن العلم والأتقى هو الأولى بالإمامة؟
زيادة على ذلك فانه لم يكن جائزا أن يصلى على النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلاة الجنازة جماعة ، فصلوا فرادي كما نبههم إلى ذلك الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام قائلا : ذلك إمامكم حيا وميتا.

بتلك الروايات الموضوعة فقدت الإمامة معانيها عند أصحاب رأي شورى السقيفة، فجوزوا المفضول مع وجود الفاضل . وقد قال تعالى :" أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدي إلا أن يهدى فمالكم كيف تحكمون." (30)
والواضح أن روايات تقديم أبي بكر للصلاة كاختيار نبوي وتعيين الهي ، وضعت زمن بني أمية وبعد فترة الخلفاء الأوائل للتغطية على الانقلاب الذي حصل والذي كان أبو بكر وجماعته قادة ومخططون له ، ومحاولة لطمس عين الحقيقة التي تقول إن مقام أبي بكر بن أبي قحافة كان من المفترض أن يكون في جيش أسامة بن زيد وليس في مكان آخر، وجعل الصلاة فضيلة لأبي بكر لعلها ترجح كفة مشروعيته أمام المسلمين.

على أنه وردت روايتان تتحدثان عن صلاة أخرى لأبي بكر بالناس وبمشاركة النبي صلى الله عليه وآله و سلم ، والثانية عن صلاة عبد الرحمان بن عوف أيضا نستعرضها كالآتي :

6- أخرج مسلم عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله (ص) ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم فحانت الصلاة فجاء المؤذن إلى أبي بكر فقال :أتصلي بالناس فأقيم ؟ قال:نعم . قال فصلى أبو بكر فجاء رسول الله (ص) والناس في الصلاة فتخلص حتى وقف في الصف ، وفي رواية أخرى فخرق الصفوف حتى قام عند الصف المقدم ، وفيه أن أبا بكر رجع القهقرى .(31)
مع أن هناك تضارب بين الروايات في المضمون الذي يشتملان عليه من حيث دعوى إمامة أبي بكر للناس في الصلاة ففي واحدة أنه صلى بالناس وصلى خلفه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفي الثانية أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خرق الصفوف ليصل إلى أبي بكر فيوقف إمامته و ينهي جرأته على مقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفيها أيضا أن أبا بكر رجع القهقرى.وعليه فان إمامة الصلاة ليست ثابتة الأركان في هذه الروايات ، وعلى افتراض صحتها فإنها لا ترقى إلى منصب القيادة الذي كان يتقلب فيه غيره ، كقيادة الجيش وإمارة المدينة ، ولا يفوتنا أن نشير هنا إلى أن النبي قد جرب عددا من الصحابة وأبو بكر منهم ففشلوا حيث نجح غيرهم، مضافا إلى أن النبي قد عزل أبا بكر مثلا من إمارة الحج بأمر من الله تعالى نزل به جبريل عليه السلام قائلا :" يا محمد لا يبلغ عنك إلا أنت أو أحد منك." فأرسل عليا عليه السلام أميرا على الحج ورد أبا بكر.

7- اخرج مسلم عن المغيرة بن شعبة في حديث له عن رسول الله (ص) قال انه غزا مع رسول الله (ص) تبوك فتبرز رسول الله (ص) قبل الغائط ، فحملت معه اداوة قبل صلاة الفجر فلما رجع رسول الله(ص) إلي أخذت أهريق على يديه من الاداوة وغسل يديه ثلاث مرات ثم غسل وجهه ثم ذهب يخرج جبته من ذراعيه فضاق كما جبته فأدخل يديه في الجبة حتى أخرج ذراعيه من أسفل الجبة وغسل ذراعيه إلى المرفقين ثم توضأ على خفيه ثم اقبل ، قال المغيرة فأقبلت معه حتى نجد الناس قد قدموا عبد الرحمان بن عوف ، فصلى بهم ، فأدرك رسول الله (ص) إحدى ركعتين فصلى مع الناس الركعة الأخيرة، فلما سلم عبد الرحمان بن عوف ، قام رسول الله (ص) يتم صلاته فأفزع ذلك المسلمين فأكثروا التسبيح ، فلما قضى النبي (ص) صلاته أقبل عليهم ثم قال أحسنتم ، أو قال قد أصبتم يغبطهم أن صلوا الصلاة لوقتها.(32 )

لم يكن المغيرة بن شعبة ذا شأن يذكر مذ أسلم ، وباعتباره أمويا منحرفا عن أهل البيت، فانه كان احد رؤوس الفتنة ، حرض على علي عليه السلام فكان في جيش عائشة يفعل أفاعيله، ولما انتهى الأمر إلى إخماد فتنة الجمل ، انتقل إلى الشام ليكون من أعوان معاوية المقربين ورجل دعايته في نشر الكذب والبهتان على رسول الله وأهل بيته صلى الله عليهم أجمعين.وقديما اسلم على غرة وغدر ،أخرج في شأنه ابن أبي الحديد المعتزلي وغيره من أصحاب علم الرجال قائلا ك كان إسلام المغيرة من غير اعتقاد صحيح ولا إنابة ونية جميلة ، كان قد صحب قوما في بعض الطرق فاستغفلهم وهم نيام فقتلهم واخذ أموالهم ، وهرب خوف أن يلحق فيقتل أو يؤخذ ما فاز به من أموال ، فقدم المدينة واظهر الإسلام ، وكان رسول الله (ص) لا يرد على احد إسلامه، فمن كان إسلامه على هذا الوجه ، وكانت خاتمة ما قد تواتر الخبر به من لعن علي عليه السلام على المنابر إلى أن مات على ذلك الفعل. وكان المتوسط من عمره الفسق والفجور وإعطاء البطن والفرج سؤالهما ، وممالأة الفاسقين وصرف الوقت في غير طاعة الله . (33)

في هذه الرواية حاول المغيرة أن يجد لنفسه مكانا بين المتربصين برسول الله (ص)فلم يجد غير اداوة الماء ، ليدعي القرب من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهل كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم محتاجا لمن يحمل معه الماء ؟وان كان لا بد من ذلك فان المغيرة هو آخر من يفعل ذلك ، لأنه لن يجد مكانا بين خلص المؤمنين المحيطين بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، المبادرين قبل غيرهم إلى خدمته، والحقيقة خلاف دعوى المغيرة ، لأن النبي صلى الله عليه وآله ما كان ليرضى أن يقوم احد على خدمته بشكل يميزه عن أصحابه ، فكيف يتتبعه احد وهو يريد قضاء حاجة بشرية تحتاج إلى التواري عن الأعين؟ وقد حاولت أن أستوعب عملية إخراج اليدين من الكمين والجبة فلم تسعها مخيلتي ، فصرفت النظر عنها إلى الوضوء الذي شارك فيه المغيرة ، والاستعانة التي لا عذر فيها غير جائزة في الوضوء ،كما صرح بذلك النبي نفسه صلى الله عليه وآله،ولم تذكر الرواية كيفية الوضوء فيما يخص القدمين وأهملت مسح الرأس.

كما لا يفوتنا أن نشير إلى أن غيبة النبي لقضاء حاجته ، ثم وضوءه لا يمكنها أن تأخذ من الوقت بحيث يلجئ أصحابه إلى العدول عنه إلى عبد الرحمان بن عوف ليصلي بالناس الصبح.هذا من حيث الوقت ، أما من حيث آداب إتباع النبي صلى الله عليه وآله وسلم فان خلص الصحابة وعقلاء الناس من بعدهم لا يمكن أن يقبلوا بتقديم أحد على النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى لو كان الإمام علي عليه السلام نفسه.وعليه فان تهافت الرواية من ناحية الحط من مقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتسويته بالناس واضحة المقصد ، لأن قارئها يدرك سريعا غاية واضع الرواية .
لذلك فان رواية الصلاة تلك لا تصح سندا لمحل المغيرة وقد اشرنا إلى طرف من تاريخه ، وصرفنا النظر عن باقيه لأن اللبيب بالإشارة يفهم ـ، ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا.وهي لا تصح متنا كذلك لتعارضها مع أحكام الفقه من إمامة ووضوء وآداب الإسلام في القدوة والاقتداء خصوصا إذا كان في المعادلة أفضل المخلوقات صلى الله عليه وآله وسلم.وعشت أراك الدهر عجبا.
أما إذا نحن أمعنا النظر في بعض التفاصيل كالفزع الذي انتاب المسلمين وهم يشاهدون النبي يصلي وراءهم، و لا أقول يتم صلاته ، وعلمنا أن الغزوة هي غزوة تبوك التي وقع فيها ما وقع من محاولة لقتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، عندما دحرج على ناقته الدباب من العقبة، أدركنا أن المؤامرة محبكة الخيوط بدا بالتطاول على مقامه الشريف وسبقه إلى إمامة صلاة الصبح وانتهاء بقتله بطريقة خبيثة.

8- أخرج مسلم عن عائشة قالت : لما ثقل رسول الله (ص) جاء بلال يؤذنه بالصلاة ، فقال مروا أبا بكر فليصل بالناس .قالت :فقلت يا رسول الله إن أبا بكر رجل أسيف ، و انه متى يقم مقامك لا يسمع الناس ، فلو أمرت عمر ( وفي رواية أخرى قولها ما حملني على كثرة مراجعته إلا أنه لم يقع في قلبي بأن يحب الناس بعده رجلا قام مقامه أبدا ، وإلا إني كنت أرى انه لن يقوم مقامه احد إلا تشاءم الناس به.فأردت أن يعدل بذلك رسول الله عن أبي بكر.)فقال مروا أبا بكر فليصلي بالناس قالت : فقلت لحفصة : قولي له إن أبا بكر رجل أسيف وانه متى يقم مقامك لا يسمع الناس فلو أمرت عمر فقالت له ، فقال رسول الله (ص) :إنكن لأنتن صواحب يوسف. مروا أبا بكر فليصل بالناس . قالت فأمروا أبا بكر يصلي بالناس . قالت فلما دخل في الصلاة ، وجد رسول الله (ص) في نفسه خفة فقام يهادى بين رجلين ورجلاه تخطان في الأرض . قالت فلما دخل المسجد سمع أبو بكر حسه ذهب يتأخر فأومأ إليه رسول الله (ص) قم مكانك ، فجاء رسول الله (ص) حتى جلس على يسار أبي بكر ، قالت فكان رسول الله (ص) يصلي بالناس جالسا وأبو بكر قائما يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله (ص) ويقتدي الناس بصلاة أبي بكر.(34 )
يتناقض مضمون الرواية مع سابقاتها من حيث كون بلال هو الذي جاء يؤذن رسول الله (ص) بالصلاة ، فقال مروا أبا بكر فليصلي بالناس ، ومراجعة عائشة له بدعوى مفادها أن أبا بكر رجل أسيف لا يسمع الناس،فلو أمر عمر، وفي رواية أخرى خشيت إن قام مقام النبي صلى الله عليه وآله تشاءم منه الناس، وتتمادى الرواية في ذكر إصرار النبي صلى الله عليه وآله على تعيين أبي بكر ليصلي بالناس الأمر الذي يدفع بعائشة إلى اللجوء إلى حفصة ، وكثيرا ما كانت تلتجئ إليها للتآمر على نساء النبي وعلى النبي نفسه وقد نزل فيهما تهديده تعالى:" إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وان تظاهرا عليه فان الله مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة من بعد ذلك ظهير*عسى ربه إن طلقكن يبدله أزواجا خيرا منكن....
وكان رد النبي بأنهن صواحب يوسف، بمعنى أن كل واحدة تدعو إلى أبيها، لأن الرواية الصحيحة كشفت سعي كل واحدة منهن إلى تعيين أبيها للصلاة بالناس حتى تكون له مقاما وفضيلة تؤهله الأخذ بزمام الأمور بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

وإمامة الصلاة ليست متعلقة بأسماء بقدر ما هي متعلقة بشروط معينة كالعلم بالفقه وحفظ القرآن ن وأبو بكر لم يكن معدودا من حفظة القرآن ولا عبد الرحمان بن عوف أيضا . وقد اثر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه ما غاب قط عن المدينة إلا وجعل علبها أميرا. ولم يذكر احد من الرواة والمؤرخين انه صلى الله عليه وآله استخلف أبا بكر على المدينة يوما ولا قاد غزوة إلا إذا استثنينا غزوة خيبر التي ذكر فيها ابن الأثير في الكامل أن رسول الله صلى الله عليه وآله عقد لواء لبي بكر لكنه انهزم ، وعزله من إمارة الحج كما أسلفنا الذكر.وقد أثبت المؤرخون أن أبا بكر وعمر وأبا عبيدة بن الجراح وغيرهم كانوا تحت إمرة علي بن أبي طالب عليه السلام في خيبر وفي ذات السلاسل وفي الحج الكبر .. وتحت إمرة أسامة بن زيد عندما عقد له رسول الله صلى الله عليه وآله في حياته لواء ، وعين فيه هؤلاء جندا له . وقد لفتت نظري طريقة صلاة المأمومين المتعارضة مع تربيته لهم ، فصلاة أبي بكر- إن صحت - المأموم بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم لا تستقيم بتلك الطريقة لقوله :" إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا ركع فاركعوا ، وإذا رفع فارفعوا ، وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا." وقوله أيضا:"إن كنتم آنفا لتفعلون فعل فارس والروم يقومون على ملوكهم وهم قعود فلا تفعلوا ائتموا بأئمتكم، إن صلى قائما فصلوا قياما وان صلى قاعدا فصلوا قعودا."(35)
فدل ذلك على بطلان إمامة أبي بكر من الناحية الفقهية لجهله بفقه الصلاة ، أو تكون تملكته نكسة انكشاف أمره في طلب الإمامة بالناس ، ومفاجئة العزل أربكته بحيث تركته لا يدري ما يفعل.
أما دعوى إن أبا بكر رجل أسيف ، أي به رقة فهي مطلوبة في الصلاة لأنها تعكس حالة القلب الذي يغشاه الخشوع ، والصلاة كلها تذلل ومسكنة ورقة.قال تعالى :" ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا ."(36)

9 – اخبرنا محمد بن عمر قال سألت أبا بكر بن عبد الله بن أبي سبرة ، كم صلى أبو بكر بالناس؟ قال : صلى بهم 17 صلاة، قلت فمكن حدثك ذلك ؟ قال : حدثني أيوب بن عبد الرحمان بن صعصعة عن عباد بن تميم عن رجل من أصحاب رسول الله (ص) قال صلى بهم أبو بكر ذلك.(37)
يكفي الرواية وهنا وضعفا إرسالها من قبل الراوي أو الحافظ الذي لم يستأنس اسم الصاحب الذي حدثه بذلك ، وعليه فهي في عرف أهل الحديث ساقطة لا اعتبار لها. أما من حيث انه صلى لهم فلم تثبت الروايات غير الإقصاء الذي لحقه من إمامة الصلاة ، لأنه لو أمره النبي صلى الله عليه وآله فعلا للصلاة بالناس ، لما عزله عنها ، وان كان في عزله عن إمارة الحج إشارة إلى أن الرجل ليس هو المؤهل لن يكون أميرا.

إن القائلين بعدم وجود نص من النبي صلى الله عليه وآله وسلم على خليفته لم يجدوا بدا من مجاراة أصحاب النصوص باستخلاف الإمام علي عليه السلام إماما للأمة من بعده وهاديا للناس ، فالتجئوا إلى اعتماد ذلك النوع الغريب من الاستخلاف شعورا منهم بخلل بيعة السقيفة ، وعدم رقيها إلى مبدا الشورى الذي ادعوه أساسا لاختيار الإمام أو الخليفة،فاتخذوا من مؤامرة الصلاة التي حاول أصحابها حسم أمر الحكومة بواسطتها قبل موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وحاول من جاء بعدهم وتمسك بخط السقيفة أن يجد دعائم ومؤيدات لمؤامرة الصلاة ، فحرفوا بعض ألفاظها لتكون مؤيدة لمنحى الخلافة، وداعمة لما تمخضت عنه سقيفة بني ساعدة من اختيار لأبي بكر والمتفحص لوقائعها لا يرى اختيارا ، ولا يقف على شورى ، وإنما يصطدم بمنطق القوة ، وأسلوب التهديد والوعيد، والسب والشتم الشديد.

والإمامة في حقيقتها وظيفة جعلت لمواصلة نهج النبوة في هداية الناس والمضي بهم قدما في طريق الله تعالى ، وهي أمان الأمة من الزيغ والضلال، من تمسك بها نجا ومن تخلف عنها ابتعد عن الله تعالى.لان كان لإمامة الصلاة شروط لا يتقلدها إلا من حازها فان للإمامة العامة والمعبر عنها بولاية أمور المسلمين شروطا لا يتأهل لها إلا من توفرت فيه ، كالذكورة والعلم والعدالة، أما ما ألحق بها تبريرا لمتقلديها كصحبة الغار والمصاهرة أو هذه الصلاة العارية من الصحة والتي نحن بصدد مناقشتها، فليست من شروطها ، ولو كانت كذلك لكان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أولى وأقرب ، ولكفينا البحث في الموضوع لأن المواسي للنبي بنفسه ليلة الهجرة وفي معارك الإسلام ضد الكفر ، وزوج سيدة نساء العالمين عليها السلام ، وأبو السبطين الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة عليهما السلام ، أول الناس إيمانا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وآخرهم به عهدا، أولى وأرجح كفة بهذه المقايسة .
لقد اثبت مؤرخو السيرة النبوية أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يترك المدينة في سفر أو غزو إلا وقد عين عليها أميرا يقوم مقامه فيمن خلفه ،وقد ثبت أن عليا عليه السلام قد أمر على المدينة ، فيما لم يتأمر أبو بكر ، وكان علي يقضي بين الخصوم أمام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى قال فيه :" أقضاكم علي." فيما لم يقض أبو بكر مرة واحدة ، وكان علي دائما قائدا في الحروب وكان صاحب لواء رسول الله دائما ، فيما كان أبو بكر مقودا ، وهو باب مدينة علم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، حتى قال فيه عمر:" لولا علي لهلك عمر."وهو ولي كل مؤمن ومؤمنة كما جاء في الحديث المتواتر والشهير عند كل الفرق الإسلامية:" من كنت مولاه فعلي مولاه."(38)

ومن كان دائما أميرا حتى لقبه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حياته بأمير المؤمنين بعد غدير خم ، كان لا بد أن يكون كذلك بعده.وكل السفسطة التي جاءتنا عن الإمامة مصدرها الأنظمة المتسلطة على رقاب المسلمين التي كانت ترى أن تحريف مفهوم الإمامة الحقيقي يخدم مصلحتها في البقاء ، ويغطي عورتها القبيحة ، فلو أقرت تلك الأنظمة بوجود نصوص إلهية في الإمامة لما كان لمشروعية تلك الأنظمة وجه ، لذلك سعت إلى شراء ضمائر رواة فوضعوا أحاديث تخدم انحرافهم وتقوي جانبهم ، تحرف المفهوم الإلهي للإمامة ، لكنها في الحقيقة ما استطاعت أن تغطي الحقيقة ن لأنها نور الله تعالى ، وهيهات أن ينطفئ.إن حبل الكذب قصير ، وبيته أوهن البيوت ، ولازمه النفاق نعوذ بالله تعالى منه ومن أصحابه، وإذا كثر الكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فضح الكذابة بعضهم بعضا للفاصل الزماني والمكاني الذي يباعد بينهم ، فأسقط بعضهم أكاذيب بعض بما لفقوه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وادعوه له، بينما بقيت الحقيقة واضحة جلية لمن يرومها ، يكفيه فقط أن يوازن بين الروايات ولا يترك صغيرة ولا كبيرة إلا تأمل فيها معتمدا على ما صح وروده عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ،غير مستسلم لزبد التأويل الخاطئ الذي أقرته مسارات أنظمة الظلم، فلا عبادة أقوى من التمسك بالثقلين - كتاب الله وعترة نبيه صلى الله عليه وآله – ولا دين أقوم من منهاج علي عليه السلام باب مدينة علم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ولا إمامة أبر وأعدل من إمامة الهداة من بيت النبوة سادة الدنيا وقادة الآخرة.
يمكننا القول في خاتمة المطاف بان أفضلية التقدم للصلاة المدعاة لأبي بكر لم تصح للأسباب التي ذكرتها ، وان وقعت المحاولة من طرف المعنيين بها سعيا منهم لاظفاء الشرعية على مرشحهم في مقابل مرشح الوحي ومقدم المولى تعالى ونبيه صلى الله عليه وآله وسلم ، السابق إلى كل المكارم ، لا يمكن أن تكون حجة على الناس لتولي منصب الإمامة العامة.نعم يمكن مقايسة القيادة بوظيفة من جنسها، كإمارة المدينة وقيادة الجيش ، وما تضمنته من نجاح أو فشل ينبئ بنجاح صاحبها من فشله ، وأهليته من عدمها.
على أن هنالك شواهد دلت على أن أبا بكر لا يصلح للقيادة نذكر منها :

الشاهد الأول :
عزله عن هذه الصلاة المزعومة، وان صحت له صلاة قبلها فان العزل الخير يلغي ما سبق.

الشاهد الثاني :
عزله قبل ذلك عن تبليغ سورة براءة ، وتكليف الإمام علي عليه السلام بذلك بعد ما نزل جبريل عليه السلام بقوله :" لا يبلغ عنك إلا أنت أو أحد منك." فأرسل عليا عليه السلام في أثر أبي بكر ، فأخذ منه إمارة الحج ، ولو بقيت له تلك الفضيلة لاحتج بها أتباعه قبل احتجاجهم بالصلاة المزعومة.

الشاهد الثالث :
انهزامه في خيبر كما حكاه ابن الأثير في تاريخه ن وانهزامه في ذات السلاسل ، وانهزامه في احد وحنين يقابله انتصار علي عليه السلام في مشاهده كلها واستبساله في الذود عن الإسلام وأهله، بينما كان غيره يلوذ بالفرار، هي أدلة تقول إن المتسلطين على رقاب المسلمين لا يصلحون للقيادة وعلي عليه السلام فيهم.

الشاهد الرابع:
عدم إلمامه بالقيادة ، وفشلها فيها مما جعل رسول الله صلى الله عليه وآله لا يختارهن فقد عين عليه في كل مرة من يقوده ويأتمر به ، كما في غزوة ذات السلاسل عندما عين عليه عمرو بن العاص أميرا، وفي خيبر عندما انهزم هو وصاحبه عمر فعين عليهما عليا عليه السلام أميرا ،وفي الحج الكبر وسرية أسامة بن زيد دلالات واضحات على بطلان إمامة أبي بكر وصحة إمامة الإمام علي عليه السلام.

ويأخذك العجب من هؤلاء الذين يصرفون وجوههم عن الحق والأولى بالإتباع رغم النصوص الجلية والآيات الصريحة، ويقنعون بروايات واهية السند ، متهالكة المتن ،تحكي فضائل موهومة لا أساس لها من صنع الغاصبين لحكومة الإسلام الشرعية، ويذهبون مذاهب أشباه العلماء في التأويل الخاطئ عند العجز عن مجابهة قوة الدليل ، وإلا كيف يقنع عاقل بفرضية ترك دين الله هملا دون راع ومستحفظ فريسة سهلة ومطية طيعة لمن هب ودب ؟ أم كيف يوكل المولى تعالى دينه وحكومته وخلافته في الأرض ،إمامة الدين والدنيا للناس يفعلون بها ما يشاءون ؟ وهو يستثني نبيه من الاختيار بقوله تعالى :" ليس لك من الأمر شيء ."أفيكون لهم الأمر ولا يكون للنبي صلى الله عليه وآله وسلم؟ ثم هل كانت تجارب المم السابقة صائبة في انحرافها عن مسار ولاية الله تعالى حتى نحذو حذو التحريف، ونقفو أثر المغيرين والمبدلين؟

إن المتأمل في آخر حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم يرى أنه ليس هناك أخطر على الأمة من فترة خلو منصب النبوة من صاحبه ، خصوصا إذا علمنا أن الدولة الناشئة محاطة بثلاثة أعداء هم الفرس والروم واشد منهما خطرا المنافقين الذين لا يرون غضاضة في كل ما يقدمون عليه من جرائم من اجل تقويض المجتمع والحكومة من داخله وفي حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فما ضنك بما سيصدر منهم بعد وفاته ن وهم قد اعدوا العدة له وظهرت منهم علامات تفيد توجههم وتكشف نيتهم ، كما صرح بذلك الوحي في عدد من الآيات.
وباعتبار أن المولى سبحانه وتعالى لم يفرط في شيء من دينه فقد أوكل مهمة مواصلة القيادة بعد مرحلة النبوة إلى الإمام الذي أحصى فيه كل ما تحتاجه الأمة ، وجعله الناطق عن كتابه والمستحفظ له ، لأن المصلحة تقتضي التعيين على الاسم والشخص لما لا يخفى من حداثة عهد الناس بالدين الجديد ، وجهل أكثرهم بأغلب تعاليمه وأحكامه ، فضلا عن عدم وضوح مبدا الشورى كي يختاروا الاختيار الصحيح والسليم والرشيد.وقد كان حالهم مع النبي صلى الله عليه وآله كما نقله ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح نهج البلاغة ،عديمي الفهم قليلي العزيمة ، يتهيبون أن يسألوا رسول الله صلى الله عليه وآله وينتظرون حتى يجيء الأعرابي أو الطارئ يسأله(39) ، كثيري النزاع بين يديه لا يعيرون لمقامه العالي ولا لشخصه السامي ، فجرأهم تواضعه لهم ، فأكثروا من أذيته حتى نزل فيهم قرآنا ، وحصبوا باب حجرته الشريفة بالحصباء كما صرح بذلك مسلم النيسابوري، ونسبوا له ما لا يليق بأبسط الناس وانفضوا عنه في صلاة الجمعة وهو يصلي بهم لمجرد سماع منادي دحية الكلبي ، وفروا عنه في حنين وفي مواضع أخرى رغم أنه كان يناديهم.
الصحابة ، هذا الصنم الذي وقر في قلوب من لا يدرك لهذا المصطلح معنى سوى أنهم يمثلون قمة القداسة والعدالة، بل قد يكونون عند البعض شركاء النبي ، وجزء من شخصه ، أو هم الوجه الآخر للإسلام ،هؤلاء يستهويهم اللهو ، وتأخذ بمجامع قلوبهم الدنيا وزينتها، كما قال عمر بن الخطاب عندما حوجج في مسألة : لقد ألهانا عنه – أي حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم – الصفق بالأسواق

وينتابهم العجز عن إدراك أبسط الأحكام الشرعية فيقفون حيارى أمام آية التيمم لا يستطيعون تطبيقها ، بل منهم من امتنع عن الصلاة حتى يجد الماء.ومنهم من دخل الدين طمعا في العطاء ، ومهم من دخل حقنا لدمه، حتى الخمر لم يدركوا تحريمه إلا في السنة العاشرة من الهجرة الشريفة أي قبل وفاة الرسول الأعظم ببضعة أشهر.
لذلك فان دعوى ترك أمر قيادة الأمة شاغرا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ترى فيه الأمة رأيها مما لا يستقيم مع دين ولا عقل ، وتنصل القائلين بذلك من النصوص الواضحة والصريحة بتأويلها وردها . وزفي كل الحالات فان الإمامة العامة في بيان مضمونها لا تخرج عن مرحلتين :

الأولى :
والمعبر عنها بالتعيين المباشر على أساس الاسم والشخص لما تقتضيه المرحلة من وجود الرجل الذي يستطيع سد الفراغ الذي سيحدثه فقد النبي صلى الله عليه وآله وسلمن وقد أشار المولى تعالى إلى هذا المفهوم بقوله:
- " إني جاعلك للناس إماما."(40) لأن دور القدوة والهادي لا يمكن أن ينتهي بانتهاء النبوة، بل هو مستمر لضرورة وجوده
- "وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا."(41)
- :"أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي المر منكم."(42)
- :"ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا." (43)
- وكل شيء أحصيناه في إمام مبين."(44)
وتولى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بيان ذلك للناس فقال :" إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا كتاب الله وعترتي أهل بيتي" .(45)

المرحلة الثانية :
وتلي المرحلة الأولى وهي التعيين على الصفات والشروط.أي أن إمام الأمة وولي أمرها لا يمكن اختياره إلا عبر مقاييس تراعى فيها الإمكانات التي تؤهله للقيادة بيسر وسهولة ، كالعلم والعدالة ..
لذلك فان أمر القيادة في الدين الإسلامي أمر محسوم أشار إليه المولى تعالى في كتابه العزيز وتكفل النبي صلى الله عليه آله وسلم ببيانه للناس فمن قال أن الله تعالى لم يتكلم عن القائم بأحكامه فقد نسب النقص في كتاب الله لأن الكتاب فيه تبيان كل شيء .ومن قال بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد قصر عن بيان الأحكام ، أو قعد عن النصح للأمة فقد بخس النبي صلى الله عليه وآله وسلم حقه.

خلاصة القول في مسألة استخلاف النبي صلى الله عليه وآله لابن أبي قحافة للصلاة بالناس في مرضه الذي توفي فيه ما يلي :

- لم تثبت رواية مما استند عليه القائلون بالاستخلاف المزعوم لوهن أسانيدها من جهة و للتضارب فيما بينها في المتن من جهة أخرى، ففي بعضها أن النبي صلى الله عليه وآله خلف أبا بكر ، وفي البعض الآخر صلى بهم عمر بتحريض من ابنته حفصة حيث أخرج ابن سعد في طبقاته إن حفصة كانت تقول :" مروا عمر يصلي بالناس."(46) ، وفي روايات انه قال ليصلي بالناس أحدهم، وفي رواية أمر أحد زواره بأن يأمر أحدا يصلي بالناس، غير أن الرواية التي صرحت بأن حفصة دعت إلى إمامة أبيها ، لا تبعد أن تكون عائشة هي أيضا الداعية إلى إمامة أبيها للصلاة ، لأن إطلاقهما لتلك الدعوة كانت عندما أغمي على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فضنت كل واحدة منهن أن النبي صلى الله عليه وآله لن يشعر بتدبيرهن. مع علمهن المسبق بان أبويهما لا يمكن لهما أن يكونا في المدينة في ذلك الوقت، للأمر الذي أمضاه النبي صلى الله عليه آله وسلم في تجهيز وإنفاذ جيش أسامة.

- إذا نحن صرفنا النظر عن جملة هذه الروايات وأخذنا بعين الاعتبار ما يقوله الفقه الذي يعلمه الناس بالضرورة، تأكدنا من خلال أحكام الإمامة في الصلاة أن أبا بكر لم يكن معدودا من القراء ولا الفقهاء، سيرته بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أفصحت عن حجمه الفكري والعقائدي هو وصاحبه في السقيفة.لذلك فان الدعوى واهية أيضا من هذا الجانب.

- بطلان إمامة الصلاة المزعومة لتحرك النبي نفسه صلى الله عليه وآله وسلم إلى إفشال المحاولة، وهو في حالة لا تسمح له بالخروج ، حاول أن تستحضر الصورة التي تكررت في عدد من الروايات ، رغم سعي بعضها إلى التخفيف من حدتها بدعوى الخفة التي شعر بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وأي خفة تلك التي يخرج فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم يهادى بين رجلين ورجلاه تخطان في الأرض؟ وعليه فان الذي دعا بالنبي صلى الله عليه وآله إلى المبادرة بالخروج والصلاة بالناس أمر عظيم وخطب جلل في إفشاله مصلحة كبرى ، وإشارة واضحة إلى أن هذا الرجل لا يصلح أن يكون حتى إمام صلاة ، فضلا عن قائد أمة فتية تسعى إلى شق طريقها بين إمبراطوريتي الفرس والروم.

- عدم تطابق أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم في تعيين أبي بكر وجماعته في جيش أسامة بن زيد ، وأمره له بالصلاة ، ولم نجد نصا واحدا يفيد استثناءه من الجيش فيما بعد،نعم لقد استثنى أبو بكر صاحبه عمر من الجيش بعد ما تم له الأمر، وهو مخالفة صريحة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، تدفعنا إلى الجزم بأن الذين طعنوا في تأمير أسامة بن زيد هم هؤلاء الذين تمردوا على أمر الخروج تربصا للأحداث وتحينا لفرصة الاستيلاء على السلطة.
- تصريح بعض الروايات بأن ابن أبي قحافة لم يكن معسكرا بالجرف حيث جيش أسامة يستكمل عدته في المسير ، بل كان في السنح حيث إحدى زوجاته هناك، يستشرف الأخبار ويتنسم ما تأتي به العيون إليه ، فابنته وابنة صاحبه كانتا من اشد المؤيدين لهما .

- وحتى تنطلي دعوى الصلاة المزعومة ، جاء المحرفون ، ومبتدعوا الباطل على الله ورسوله برواية تقول أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال :" لم يقبض نبي قط حتى يؤمه رجل من أمته."(47) لأي سبب يل ترى ؟ وهل من الحكمة صدور ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله وهو الذي جاء ليكون إماما للعالمين ، ويبطل كل إمامة غير إمامته لأنها مبنية على الشرائط التي أرادها الباري تعالى ، لا على المنطق المعكوس الذي أسس ويؤسس له أعداء الله ورسوله.

التوحيد واحد والنبوة واحدة والإمامة واحدة لا تخضع لأي متغير، فالمسألة ليس فيها مجاملة ، ولا تعبر عن تواضع يمكن أن نقول به ، انه الدين الحق ، والإسلام المحمدي الذي لا يقبل الدس.
إن مسألة الإمامة أمر محتوم في دين الله ، ومن قال بغير ذلك عليه أن يعيد النظر في دينه وعقيدته،لأنه لن يجد راية يأوي إليها يوم القيامة يوم يدعو الله تعالى كل أناس بإمامهم.
نسال الله تعالى أن يجمع شتات هذه الأمة، ويبصرها بالطريق السوي ، ويعرف بينها وبين إمامها وقائدها، انه سميع مجيب ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

المراجع
1 – سورة البقرة الآية 170
2 – سورة الزخرف الآية 22
3 – سورة محمد الآية 19
4 – سورة المجادلة الآية 11
5 – سورة فاطر الآية 28
6 – سورة الجمعة الآية 4
7 – راجع أبواب الفقه وكتب الإمارة في مسلم والبخاري وغيرهما ..
8 –راجع أحاديث الحوض في مسلم والبخاري وغيرهما..
9 – الترغيب والترهيب
10 –مسلم النسابوري ج1 ص 61 كتاب الإيمان
11 – شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي
12 – شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي
13 – ميزان الاعتدال للذهبي ج 3 ص 89
14 – ميزان الاعتدال للذهبي ج1 ص 182
15 – ميزان الاعتدال للذهبي ج4 ص 575
16 – ميزان الاعتدال للذهبي ج2 ص224 – الكنى والألقاب ج2 ص 54
17 – ميزان الاعتدال للذهبي ج4 ص335/336
18 – ميزان الاعتدال للذهبي ج2ص660
19 – ميزان الاعتدال للذهبي ج4 ص154
20 – الموضوعات في الآثار والأخبار لهاشم معروف الحسني
21 – ميزان الاعتدال للذهبي ج2ص2994
22 – ميزان الاعتدال للذهبي ج2ص295
23 – ميزان الاعتدال للذهبي ج2ص 299
24 – مسلم ج2 ص 21 – البخاري ج1 ص 122
25 – سورة الأحزاب الآية 36
26 –سورة النور الآية 63
27 – الطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص 190/191
28 – مسلم ج2 ص 24
29 – مسلم ج2 ص 25
30 – طبقات ابن سعد
31 – طبقات ابن سعد
32 – مسلم ج 2 ص25 – البخاري ج1 ص1266
33 – مسلم ج 2 ص23
34 – مسلم ج 2 ص26
35 – مسلم ج 2 ص185/20 – البخاري ج1ص127
36 –الطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص223
37 – سورة الإسراء الآية 36
38 – حديث : من كنت مولا فعلي مولاه ، بهذا اللفظ صرح به رسول الله في منصرفه من حجة الوداع وفي مكان يسمى غدير خم بين مكة والمدينة . أخرجه كل الحفاظ والمؤرخين على اختلاف مذاهبهم، وقد عده عدد منهم من الأحاديث المتواترة ، بل لعل حضور 120 ألف حاج لمقالته دليل على انه الأكثر شبوعا بين الصحابة في ذلك الوقت.تتبعه قديما وحديثا عدد من العلماء المحققين ، منهم من أفرد له مؤلفا خاصا تعددت مجلداته ذكر ذلك الذهبي وأبو المعالي الجويني وغيرهما ، خصص له الشيخ الأميني مؤلفا من 12 مجلدا سماه الغدير في الكتاب والسنة والأدب والتاريخ ، تناول فيه الحادثة وتفرعاتها وتداعياتها، وما قيل في خصوصها من شعر على مدى أربعة عشرة قرنا.
39 – سورة البقرة الآية 124
40 – سورة الأنبياء الآية 73
41 – سورة النساء الآية 58
42 – سورة فاطر الآية 32
43 – سورة يس الآية 12
44 – حديث الثقلين أخرجه باختلاف اللفظ ن ودلاله التصريح به في أكثر من موضع للتذكير بأهمية معناه ، أغلب المحدثين والرواة و المؤرخين في كتبهم الروائية لكل الفرق الإسلامية
45 – الطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص221
47 – الطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص222


 عرض التعليقات
الإسم: الشوفير السلمي
البلد: اوستراليا
التعليق: وأضيف ان تسميت عااشه لعلي بصيغت المجهول اي ((رجل)) نابع من حقدها عليه وانه بإسناده الرسول (ص) باتجاه المسجد قد اتا أمرا لا تحبه ولا أباها خصوصا ان أحدا رويات خرافت امامت عتيق تقول (ان ((رجلا)) اتا الرسول(ص) ليخبره امامت عتيق للناس بالمسجد ) ثم هروع النبي ص نحوا عتيق مسندا بعلي

 إضافة تعليق
الإسم: *
البلد:
البريد الإلكتروني:
التعليق: *
التحقق اليدوي: *